بحزاني نت
29-12-2005, 21:42
شنكال(سنجار) مدينة الحضارة العريقة التي ضربها زلزال البعث
هل تنهض من جديد كعادتها بعد كل فترة سبات وخراب
من اسيرة للإهمال والتخريب الى سجن كبير (قطاع غزة الكوردستاني)
خضر دوملي
ريبورتاج الاهالي
كانت شنكال (سنجار) حاضرة من حواضر التاريخ القديم ونقطة صراع بين الإمبراطوريات القديمة، وعرفت كمدينة مزدهرة حينما كانت جميع جهات الارض من حولها مجرد بادية، ويوم عرفت شنكال العمران وانتشرت العقود والقناطر والجسور، فأن الكثير من المدن القديمة لم تكن امامها سوى قرية صغيرة. فموقع المدينة المتميز والمثير عند تخوم الصحراء وتعدد مصادر المياه ووجود شعب حضري مسالم سريع التعلم يسعى للتقدم، كل ذلك جعلها ضحية للصراعات والاطماع يعلوها الخراب والدمار كل بضعة عقود من الزمن ..لكن الغريب إن المدينة تعود من جديد وفي كل مرة ثانية إلى دورة الحياة لتبني ما دمر وتفوت ما ضاع من تاريخها ..فسرعان ما كانت تنهض من كبوتها لتعيش في رفاه واستقرار قبل ان تستقبل هجوما همجيا آخر.
تؤكد المخلفات الآثارية والكتابات المسمارية أن شنكال كانت واحدة من أهم مدن أشور، وكانت قاعدة حربية محصنة بشكل طبيعي بوجود سمات بيئية وجغرافية متفردة .
ومع سقوط الدولة الاشورية وسيطرة الفرس على الشرق تالقت شنكال وصارت ثغرا مهما في مواجهة الإمبراطورية الرومانية، وكانت نقطة صراع بين الإمبراطوريتين وعانت المدينة القديمة بسبب ذلك من الكثير من الويلات و المآسي .
فقد دمرها الإمبراطور الفارسي شابور الأول عام 2 6 0 م وبعده هرمز الثاني عام 309 م ومن ثم شابور الثاني عام 3 79 م .واستمرت سلسلة الحروب واعمال التدمير الانتقامية في ذلك المنتجع الصيفي الخلاب والارض الجميلة الحصينة الواقعة على تخوم الصحراء، في فترة حكم المماليك وما تلاها.
وحتى ستينات القرن الماضي ظلت شنكال مدينة عامرة ومنطقة زراعية معروفة وطريقا للتجارة وكانت عمرانيا وخدميا افضل حالا من معظم المدن الكوردستانية، ورغم قربها من المحيط العربي لكن شنكال ظلت حتى ذلك الوقت مدينة كوردية خالصة فباستثناء عدد من العوائل العربية الموصلية ظلت شنكال ذات غالبية كردية وظلت الطبيعة والثقافة الكوردية هي السائدة سواء في لغة التخاطب او في العادات الاجتماعية او حتى التراث الفني...كما ظل المسلمون والايزديون والمسيحيون والارمن وقبلها بعقدين اليهود يتعايشون بسلام ويضربون مثلا قل نظيره في المنطقة بالتسامح الديني ...لكن الامور بدات بالتغير في مطلع السبعينات مع صعود البعثيين الى السلطة فبدات عمليات التعريب والهدم وسياسات الاقصاء والاعتقال والقتل بحق الكورد ، وخلال عقد من الزمن دمرت مئات المنازل في مركز المدينة وهجر سكانها الى مناطق اخرى كما دمرت قرابة 140 قرية وهجر سكانها الى مجمعات قسرية خضعت لرقابة النظام البعثي..وخلال عقدين تاليين من الزمن استمرت سياسات الهدم والتعريب والاهمال والتخريب والتي حولت المدينة الى خراب.
واليوم لا شيء تراه في سنجار القديمة غير الدمار والخراب لا شيء غير بيوت متهالكة تنتمي الى خمسينات القرن الماضي تجاورها بيوت مهدمة واكوام حجارة وتلال جرداء كانت يوما تضم بيوتاً عامرة قبل ان تجرفها جرافات مسؤولي البعث العربي الاشتراكي والقيادات القومية التاريخية المقدمة من اعوان قائد البوابة الشرقية ....
في الماضي القريب والبعيد سمعنا الكثير عن خراب المدينة لكن وحدها العين تستطيع ان تنقل لنا الصورة الحقيقية لشكل الخراب والدمار والاهمال والظلم واللا مبالاة التي عاشتها وتعيشها المدينة ذات التاريخ العريق والتي كانت مركزا للتجارة طوال قرون وحصنا منيعا ومدينة عامرة وعاصمة قوية للحكم كما كانت جبالها في الاربعين السنة الماضية معقلا للثورة الكوردية... الخراب في المدينة شيء لا يمكن تصوره او تخيله فهو يدفع الزائر للدهشة ..ولعل اقرب وصف للمدينة القديمة هو بان زلزالا قويا ضربها للتو وحولها الى ركام.
الطريق الى شنكال
تعود الناس طوال عقود ان يسافروا الى شنكال عن طريق (موصل- تلعفر- شنكال) فقد كان ذلك الطريق هو الوحيد الذي يقود الى المدينة المحتضرة وكانت فكرة انشاء طريق اخر يربط دهوك بشنكال فكرة خطرة ومرفوضة من قبل النظام البعثي الذي اراد فصل شنكال عن بقية مناطق اقليم كوردستان فلم يكتف بمنع انشاء طريق اخر بل اسكن عشرات الآلاف من العرب جنوب المدينة لتتحقق عملية الفصل ... والنتيجة لا طريق بين دهوك وشنكال رغم قصر المسافة والمدينة الكوردية بقراها ومجمعاتها صارت منفصلة عن محيطها الطبيعي الكوردي وقطاعا محصورا بمحيط عربي ولذلك انتشرت تسمية (قطاع غزة الكوردستاني) التي اطلقت عليها...لكن طريق (موصل تلعفر شنكال) خطر بسبب انتشار الجماعات الارهابية والمجموعات المسلحة التي تمتهن السلب والنهب وهو ما دفع المسافرين في السنتين الاخيرتين للاعتماد على طرق جانبية ترابية او نصف مبلطة للوصول الى شنكال من مناطق اقليم كوردستان.
يبدأ الطريق من دهوك الى شنكال بجسر عسكري قديم ومهتريء على نهر دجلة على مسافة قريبة من الحدود السورية ، الجسر يسمح بمرور سيارة واحدة عليه بسبب عمليات الصيانة المستمرة عليه بسبب تآكله وخطورته، ثم يأتيك طريق مبلط بشكل جيد وعلى مسافة قريبة تجد مجمعات في طور البناء ستخصص كما قيل لنا لاعادة اسكان عوائل مسيحية وايزدية في المنطقة التي تعرضت خلال العقود الماضية لعمليات تعريب وتهجير واسعة لسكانها لاصلين من الكورد المسلمين والايزديين والمسيحيين لصالح مجموعات عربية اسكنت المنطقة ومنحتها الحكومة البعثية الاراضي الكوردية المصادرة .. بعض اجزاء الطريق التي تنتشر حولها قرى كوردية يتم اعادة تبليطها من قبل حكومة اقليم كوردستان لكن ما ان تنتهي القرى الكوردية وتبدأ المجمعات السكنية للعرب المستوطنين حتى تفاجؤك مطبات الطريق وحفره التي تضطر السيارات للتباطؤ والتوقف بين كل عدة امتار والالتفاف لتجنب الحفر الكبيرة وسط الطريق كما يفاجؤك العدد الكبير من المواقع التي يتم استخراج النفط منها في الجانب السوري من الحدود والتي لا تبعد عن الطريق اكثر من 50 او 100 متر ... وتستمر هذه المعاناة الى ان تصل الى منطقة ربيعة احد المنافذ العراقية على الحدود السورية ...وبعدها يعود الطريق منبسطاً .. يقول السواق ان الطريق في منطقة المجمعات العربية امن نسبيا ولكنه يظل مخيفا حيث تقع بين فترة واخرى حوادث قتل وقد تستوقفك في أي لحظة مجموعة مسلحة لا تعرف مصدرها لتسألك عن وجهتك وهويتك.
بعد ساعتين ونصف من الطريق ادركنا ان المنطقة ذات الطبيعة الزراعية تواجه خطر الجفاف وان السكان مهددون في مصدر دخلهم الاساس كما ان الحيوانات قد تواجه الهلاك والنفوق لأن الامطار لم تسقط على المنطقة في هذا الشتاء وهو ما يشكل مصدرا للخوف والحزن في المنطقة التي تعاني اصلا من البطالة والفقر.
ومع الحديث عن مشكلة غياب المطر وما قد تخلفه من صعوبات ومآسي وصلنا الى منطقة (سنوني) التابعة لشنكال حيث ينتشر الكورد الايزيديون بكثافة الى جانب عدد محدود من المسيحيين ...من هناك بدا جبل شنكال (جبل وسط الارض الجرداء - الصحراء) وشيئا فشيئا اخترق الطريق الجبل لنتأمل جمال المكان رغم الجفاف فقد بدا الجبل نابضاً بالحياة وكان وادي (كَرسي) يرسم صورة رائعة للطبيعة البكر حيث حقول زراعة التبغ تنتشر على طول الوادي وتمنح المكان جمالا فاتناً ... في صدر الوادي وعلى جنباته بدت بيوت المزارعين البيضاء الصغيرة والتي يمكن من خلالها ادراك الفقر الذي تعيشه المنطقة رغم ثراء الطبيعة.. بيوت شبه خاوية بلا اثاث ومزارعون يستخدمون الحيوانات ووسائل بدائية في الحفر ... فلا مكائن ولا جرارات.
ونحن نسير مأخوذين بجمال هذا الوادي الرائع صاعدين الجبل عبر التفافات وانحناءات كثيرة تنتشر حولها الاشجار والشجيرات البرية وهناك على القمة بدت مدينة شنكال كقرية كبيرة تتناثر مجموعات من البيوت في عدة اطراف بلا هندسة واضحة... بيوت تفصلها مساحات قاحلة...لا شوارع ولا طرقات ولا مزارع ولا مساحات خضراء ولا حدائق .. اراضي جرداء تحيط بالمدينة التي ما ان تقترب منها اكثر حتى تكتشف انها تنقسم الى قسمين قديم وجديد.
المدينة القديمة تبدو لك من بعيد كمدينة ضربها زلزال للتو مجاميع من الدور المهدمة او نصف المهدمة والتي يبدو انها تركت على حالها منذ زمن طويل ...ركام بيوت يتراءى لك في كل زاوية من زوايا المدينة القديمة الغارقة في الفقر والاهمال والحزن.
وانت تدخل المدينة القديمة التي كانت ذات يوم منيعة يحيطها سور لم يبقى من آثاره الا القليل تجد امامك بيوتاً تهاوت سقوفها وسقطت اجزاء من جدرانها وكلما حاولت الصعود الى التلال التي ضمت احياء شنكال القديمة تكتشف حجم الطغيان والظلم الذي عانته المدينة ابان حكم البعث وتجد قسوة الزمن ماثلة في كل زاوية... بيوت لا تصدق انها يمكن ان تأوي بشراً لكن ما ان تمعن النظر حتى ترى وجوه نسوة يتابعنك عبر شقوق الجدران او تراهم يعملن هناك وما هي الا لحظات حتى ينتشر الاطفال حولك وكأنك سائح تدخل مدينة افريقية منسية ... اكوام احجار في كل مكان وبيوت اغلقت ابوابها باللبن والطين... طرق طينية واخرى مبلطة بحجارة تآكلت وتناثرت مع تقادم الزمن ...اسواق ومحال وساحات متهالكة تعود في تصميمها الى نصف قرن مضى .. دكاكين ما زالت ابوابها مصنوعة من الخشب .. مجاري ماء تنتشر حولها الازبال والحجارة.. وانت تمضي في المدينة القديمة قد تتعجب ان ترى بيتاً حافظ على شبابه او بيتاً يعود في تصميمه الى عشرين سنة مضت .. كل البيوت في المدينة القديمة تعود الى اربعين او خمسين سنة مضت كما اكد لنا بعض من اهالي شنكال.
وحين سألنا مندهشين عن مصدر هذا الدمار كاد الجواب ان يكون واحدا وهو سياسات التعريب البعثية والاهمال "فاحياء المدينة القديمة تعود الى منتصف القرن الماضي ولم تتم اية عمليات اعمار او ترميم لاحقة .. والعشرات من العوائل الكوردية ارغمت على ترك بيوتها وهجرت مطلع السبعينات وجرفت عشرات البيوت ومنع اي نوع من البناء والترميم واستمر الحال نفسه لثلاثة عقود تحولت المدينة بعدها الى ركام فكل جدار او سقف يسقط يمنع اعادة بنائه هذه كانت قوانين النظام السابق وزعيمه صدام رجل الاعمار والبناء الذي لم يبق حجرا على حجر ولم يترك وراءه غير الدمار ".
الاهمال مستمر منذ ذلك الحين فالمدينة القديمة لم تشهد أي تغيير حقيقي فلا شوارع جديدة ولا ابنية ولا مشاريع مياه ولا أي شيء ... والوافدون العرب لم يهمهم ما حدث ويحدث للمدينة فلم يعتبروها يوما مدينتهم او ارضا تستحق الاعمار والاهتمام ...والكورد الباقون ظلوا اسرى سياسات البطش والتنكيل والقتل التي غيبت المئات من اهالي المدينة.
مستشفى المدينة ينتمي الى نصف قرن مضى ويفتقر الى الكثير من الحاجات الاساسية بما فيها صالة عمليات متطورة، والاسواق الرئيسية لم تشهد الا تغييرات بسيطة...انها مدينة تعيش في الماضي، مدينة توقف الزمن عندها، بل هو في تراجع مستمر.. لقد كانت قبل اربعين عاما افضل حالا مما هي عليه اليوم ... انها تحاكي الماضي وتتطلع الى الموت.
الماء قليل وانقطاعات الكهرباء طويلة
في أحياء شنكال الجديدة الواقع لا يختلف كثيرا رغم ان المدينة شهدت بناء منازل حديثة تحاكي الحاضر لكن الخدمات ضعيفة فالكهرباء تنقطع لساعات طويلة وشبكة المياه متعبة ومحدودة والطرق في معظمها غير مبلطة والتخطيط غائب فيما يتعلق بالمساحات الجرداء التي تحيط بالاحياء السكنية .. امكانات المجلس البلدي محدودة في مواجهة مدينة تفتقر الى كل شيء وتحتاج الى عمل كبير بدءا بمد شبكات المياه وافتتاح مشاريع جديدة ومرورا بالطرقات والساحات والاسواق وانتهاءا بالدوائر الخدمية والحكومية المتهالكة والتي تبحث عمن يمد لها يد العون.
مسؤولون محليون اكدوا لنا ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني يقوم حاليا بحفر عشرات الابار في قرى المنطقة وهناك حملة لبناء المدارس لكن ما يجري هو جزء بسيط جدا مما تحتاجه المدينة.
لا محطة اذاعية ولا تلفزيونية
استغربنا ونحن نواصل جولتنا في المدينة من عدم وجود اية محطة اذاعية اضافة الى عدم وصول بث المحطات الاذاعية والتلفزيونية في دهوك رغم الاهمية الاستراتيجية للمنطقة كونها تشكل حدود اقليم كوردستان مع سوريا ورغم الاهمية السياسية باعتبارها خط مواجهة ومدينة تنتظر العودة والانضمام الى باقي مناطق الاقليم الكوردي... احد سكان المدينة قال : "هل يعقل وبعد سنتين ونصف من تحرير المنطقة ان لا تكون هناك محطة اذاعية واحدة ... كان يفترض بحكومة اقليم كوردستان وبعد ايام من التحرير وبعد ثلاث عقود من التعريب ان تبدأ مباشرة بتأسيس محطة اذاعية بالكوردية يغطي بثها المنطقة بكاملها ولتحاكي قرابة 200 الف شخص في المنطقة لتثقيف الناس وتعريفهم بالحياة الجديدة ...وهم الذين حاولت الحكومات السابقة ابقاءهم في زوايا التخلف ومنع وصول أي مظهر حضاري اليهم..!!!!؟؟ "
واضاف "نستغرب منهم ذلك!! .. فهذا الامر في مصلحتهم قبل ان يكون في مصلحتنا ..ام اننا سنواجه مرة اخرى النسيان والاهمال؟!!..كم تكلف محطة اذاعية ... انها لا تساوي شيئاً...ربما لا تساوي رواتب بعض المسؤوليين، لكنها يمكن ان تغير الكثير في الثقافة الاجتماعية في المدينة ومحيطها...سمعنا من العديد من المسؤولين الذين زاروا المدينة انها عملية سهلة وبامكانهم في اي وقت استلام محطة بث اذاعية ولكن حين يراجع المسؤولون المحليون الجهات المسؤولة فانهم يعودون أدراجهم خائبين".
قال مواطن آخر "كان على الحكومة ان تؤسس محطة اذاعية لتثقيف الاهالي وتعريفهم بحقوقهم السياسية والاجتماعية ولتساهم في تطوير اللغة الكوردية في المنطقة وللمساهمة في حماية التراث الغنائي والفني الضخم اضافة الى الوقوف بوجه الافكار السياسية التي تروج لها الاحزاب القومية العربية والسلفية...وللوقوف في وجه الدعايات التي تبثها بعض الاطراف ضد الاحزاب الكوردستانية او حتى في التشكيك في كوردية المدينة... وكنا نامل ان تغطي بثت الاذاعة مناطق واسعة في سوريا ايضا حيث يعيش مئات الآلاف من الكورد الذين يملكون ذات الثقافة والامتداد الديني لتثبيت وترسيخ الثقافة الكوردية في ذواتهم...هذا واجب على الحكومة الكوردية لكنها لم تقم به الى اليوم ".
وحين سألنا احد المسؤولين الكورد في ادارة المنطقة عن سبب عدم وجود محطة اذاعية اكد لنا ان الامكانات البشرية والفنية متوفرة وقد قدموا عدة طلبات الى الجهات العليا التي ايدت الفكرة ولكن في النهاية يقال لنا انه لا تتوفر اجهزة للبث الاذاعي في حين انه في كل مدينة كوردية اليوم توجد عدة اذاعات وهناك فائض في الاجهزة الخاصة بالبث الاذاعي على حد علمنا ..وبصراحة مللنا من المراجعات ويبدو ان الامر لا يهم الكثيرين ..ولا نعرف الحل.
ويبقى السؤال لماذا تحرم سنجار من محطة بث اذاعية؟ ومن المسؤول عن ذلك ؟ وهل هناك من لا يؤيد مشروع انشاء محطة اذاعية سيكون تأثيرها الثقافي والسياسي كبيرا على اهالي منطقة تقارب النصف مليون مستمع؟!!.
لا اتصالات تلفونية
ذكرتني الاتصالات في شنكال باحوال الاهالي في اقليم كوردستان مطلع التسعينات من القرن الماضي فالاتصالات الارضية المتوفرة متعبة ومحدودة وتواجه انقطاعات مستمرة والناس تستخدم مضطرة اجهزة السيناو كحل لمشكلة عدم توفر اجهزة الاتصال اللا سلكية واجهزة الموبايل...فخدمة الموبايل لم تصل المنطقة رغم الاقاويل ومنذ قرابة العام بانها ستصل قريباً، فشركة آسيا سيل للموبايل التي تغطي محافظة نينوى، التي تتبعها شنكال ادارياً، لم تعمل في المنطقة لأسباب ادارية او سياسية أو أمنية كما يقول بعض سكان المدينة، فيما لم تقم خدمة كورك تليكوم التي تغطي منطقة دهوك واربيل بايصال خدماتها الى منطقة شنكال. ولا احد يعرف هل حرمان الناس من التلفونات عائد لأسباب سياسية ام هو صراع تجاري بين شركتين.
الاعمار لم يصل المنطقة
في منطقة مثل شنكال تعتمد على الزراعة بشكل اساسي تعتبر مشاريع المياه حيوية لادامة الحياة وتطويرها ومع عقود من الاهمال في هذا المجال اضطر المزارعون الى هجرة الزراعة لأنها لم تعد تدر عليهم دخلا فعدد كبير من البساتين ماتت والاخرى في طريقها الى ذلك بسبب ندرة المياه ورغم قيام الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحكومة الكوردية بحفر عدد كبير من الآبار في القرى الى ان المنطقة في حاجة الى مشاريع مياه استراتيجية ضخمة تعيد لها الحياة وتحول الاراضي الخصبة الى حقول انتاج لمعظم الحاجات الغذائية وكما كانت المنطقة في الماضي قبل ان تطالها يد البعث.
كما تحتاج المدينة الى حملة اعمار شاملة تشمل فتح الطرق وبناء مباني جديدة (مستشفيات ودوائر ومرافق خدمية واسواق) والعمل يحتاج الى الى ثورة حقيقية من اجل النهوض بالمنطقة وجعلها تقارب في بنائها العمراني وفي خدماتها القرى العربية او الكوردية في المنطقة على اقل تقدير.
يقول المسؤولون في المنطقة ان المشكلة الرئيسية التي تواجههم هي عائدية المدينة والمنطقة اداريا لمحافظة نينوى في وقت يطالب الكورد بالحاقها باقليم كوردستان لتقديم الخدمات لها...وهي في حالها هذه محرومة الى حد بعيد من الاموال التي تخصص لمحافظة نينوى كما هي بعيدة وغير تابعة رسميا الى الاقليم ولا يمكن لحكومة الاقليم القيام بما تريده من مشاريع دون الأخذ بنظر الاعتبار عائدية المدينة لمحافظة نينوى.
معدلات البطالة مرتفعة
تعاني منطقة شنكال من ارتفاع معدلات البطالة التي تتجاوز 60% ففي كل عائلة تجد عاطلين عن العمل فالزراعة غائبة والصناعة معدومة ..والمعمل الوحيد في المنطقة هو معمل اسمنت سنجار الذي يعمل فيه بالدرجة الاساس عمال وفنيون ومهندسون من الموصل وتلعفر وليس من المنطقة.والمعمل في حاجة الى تطوير وتوسيع.والمنطقة في حاجة الى خطط لانشاء معامل جديدة خاصة ما يتعلق منها بانتاج الجلود.
ويضطر بسبب البطالة آلاف العمال الكورد للتوجه الى مدن اقليم كوردستان للعمل هناك في البناء، ففي زاخو ودهوك صار المقاولون يعتمدون بالدرجة الاولى على العمال القادمين من منطقة شنكال لادامة اعمالهم.
المرحلون لن يعودوا ابدا
كانت شنكال قبل اربعين عاما تتقدم الكثير من المدن الكوردستانية من ناحية العمران والبناء وحتى في مجالات التجارة والزراعة لكنها اليوم تتخلف عنهم بعقود وفي كل شيء بسبب سياسات قائد الامة العربية ومهندس الانتصارات العراقية المعتقل..لقد دفعت شنكال ثمنا غاليا لكونها مدينة كوردية شاء القدر ان تكون خط مواجهة مع الفكر القومجي العروبي المتعصب التدميري، وقد كانت لمواقف اهلها الكورد (المسلمين والايزديين) المعارضة للفكر البعثي الشوفيني والمصرة على الحفاظ على طبيعة المدينة وعلى تراثها الاجتماعي وثقافتها الكوردية دورا كبيرا في الابقاء على كورديتها رغم كل محاولات التعريب ولكن تلك المواقف جرت على المدينة الدمار والاهمال ....واليوم وبسبب ذلك التخريب المستمر يجد الكثيرون من سكانها الاصليين صعوبة في العودة الى مدينة مدمرة، خاصة بعد ان تعودوا على نمط حياة افضل، حياة يمكن ان توصف بالمرفهة اذا ما قورنت بالحياة في شنكال اليوم. وهناك مشكلة اخرى تتعلق ببقاء بعض المواطنين العرب الوافدين في بيوت الكورد المرحلين واستمرار استيلائهم على مناطق الكورد واملاكهم واراضيهم بحجة انهم اشتروها من الحكومة السابقة.. وتنتظر عشرات القضايا في المحاكم العراقية للبت في مصير تلك الاملاك والدور.. في حين يقول سكانها الاصليون من الكورد انهم لم يستخدموا القوة لطرد المستوطنين العرب ، وان المحاكم لن تمنحهم حقوقهم الا بعد سنوات طويلة وهم يأملون في حل سياسي سريع ليعودوا الى مناطقهم ويبدأوا ببنائها والاستفادة من املاكهم...
كنيسة واحدة فقط
عرفت شنكال طوال قرون بانها مدينة التسامح الديني، فقد عاش فيها بسلام المسلمون والايزيديون والمسيحيون والارمن واليهود.عاشوا في احياء متلاصقة واحيانا بيوت متلاصقة دون تشنج ولا عدوات..وقد خلق ذلك العيش المشترك ثقافة فريدة في المنطقة تعتبر التسامح وقبول الاخر شيئا مقدساً..وحتى بعد وصول بعض العوائل العربية الى المنطقة بقصد التجارة مطلع القرن الماضي لم يتغير شيء.
ومع خروج اليهود من العراق وبعدها استيلاء البعثيين على الحكم ومع بدء سياسة التهجير والاهمال والتعريب شهدت المدينة حملات نزوح واسعة لسكانها الاصليين، فقد تركها الارمن ومن ثم المسيحيون وباعداد كبيرة متوجهين الى مدن اقليم كوردستان او الى خارج العراق، ولم يبق في المدينة غير قرابة 50 عائلة مسيحية ومن اصل اربعة كنائس قبل اربعين عاماً لم تبقى الا كنيسة واحدة..فقد هجر المسيحيون وتركوا نشاطهم الصناعي والتجاري وهو ما اثر اكثر على وضع المدينة..والغريب في الامر ان المدينة القديمة لم تشهد بناء جوامع جديدة ولا حتى توسيع او ترميم القديم منها، وهي تبدو متهالكة اليوم، فيما بقي الايزيديون يصارعون من اجل الحفاظ على تراثهم الديني والاجتماعي والثقافي وسط الحملات الدينية الاعلامية.
وتطالعك في شنكال منارة اسلامية فريدة شيدت في عهد عماد الدين زنكي وتعد من ابرز الاثار الاسلامية لكنها مهددة بالاندثار بسبب تعرضها لقسوة الطبيعة وعدم حمايتها.
عناق الصحراء والجبل والوادي
رغم كل شيء فان شنكال تظل اكثر المدن جمالا ويمكن ان تكون الاكثر ثراءا بفضل الجبل الذي يرتفع شامخاً 4800 قدم ويعانق اطراف البادية والصحراء التي تمتد الى الغرب، ومع تطوير الزراعة والتجارة، فتربته هي الاخصب في اراضي وادي الرافدين..كما تمتلك شنكال كل مقومات السياحة الناجحة بفضل الجبل والصحراء والكهوف والكهاريز والينابيع الجوفية التي يؤكد الباحثون الجيولوجبون بأنها اكبر واطول القنوات المائية في العالم،فالمياه تمر عبر جبل سنجار من خلال الكهوف والكهاريز غير المكتشفة والتي بامكانها ان تسد حاجة مناطق واسعة فالكهاريز تجري في عمق الصحراء جنوباً حتى تخوم الحضر.
هموم وانتظار واحلام
يطول الحديث عن شنكال وتتناسل الهموم والاحاديث ويبقى الامل باعادة الحياة الى المدينة.وهو امل معقود بعودتها الى اقليم كوردستان قريباً لتنعم بالحرية والاعمار ولتعود شيئا فشيئا شنكال الى الحياة وكما يحدث معها كل بضعة عقود او قرون ناهضة من ركام ورماد ما خلفه المحتلون والمستوطنون لتعلن ولادة جديدة ... هذا ما يحلم به اهالي شنكال سواء المرحلون او الباقون.
لكن تحقيق ذلك الحلم يحتاج الى جهد كبير فهناك خط عربي (ربيعة ومحيطها) يبلغ طوله قرابة 20 كم يفصل شنكال عن باقي مناطق اقليم كوردستان ويسكن هذا الخط العربي عشائر الشمر منذ قرابة المائة عام ويقع على هذا الخط مشروع ري الجزيرة الحيوي وليس من السهل شراء تلك الاراضي أو فتح قناة برية تربط شنكال مع باقي مناطق كوردستان بدون المرور بذلك الخط العربي.
وفي النهاية اقف عند ما قاله احد سكان المدينة موجها كلامه لهيئة محاكمة الطاغية صدام (لو ان ماساة مدينة حلبجة قد انقضت وصارت مجرد اشرطة فيديو غير كافية لأدانة الطاغية ولو ان مئات المقابر الجماعية التي تحولت الى رماد لا تحمل دليلا على جرائم البعث فإن شنكال شاهد حي على زلزال البعث وهي تكفي لادانة كل رموز البعث).
ونقدم في النهاية مقترحاً الى السادة المسؤولين في حكومة اقليم كوردستان لأنهم المسؤولون اليوم عن شنكال امام الشعب الكوردي (نقترح ان تظل اجزاء من المدينة القديمة على حالها دون اعمار او تغيير.. وان تسور العديد من احيائها ويتم حمايتها لتصبح متحفاً حياً يجسد همجية النظام البعثي وشاهدا حياً على شكل جرائم التعريب والتهجير ليطلع عليها العالم كله وتتذكر الاجيال الكوردستانية القادمة ما جرى على هذه الارض).
هل تنهض من جديد كعادتها بعد كل فترة سبات وخراب
من اسيرة للإهمال والتخريب الى سجن كبير (قطاع غزة الكوردستاني)
خضر دوملي
ريبورتاج الاهالي
كانت شنكال (سنجار) حاضرة من حواضر التاريخ القديم ونقطة صراع بين الإمبراطوريات القديمة، وعرفت كمدينة مزدهرة حينما كانت جميع جهات الارض من حولها مجرد بادية، ويوم عرفت شنكال العمران وانتشرت العقود والقناطر والجسور، فأن الكثير من المدن القديمة لم تكن امامها سوى قرية صغيرة. فموقع المدينة المتميز والمثير عند تخوم الصحراء وتعدد مصادر المياه ووجود شعب حضري مسالم سريع التعلم يسعى للتقدم، كل ذلك جعلها ضحية للصراعات والاطماع يعلوها الخراب والدمار كل بضعة عقود من الزمن ..لكن الغريب إن المدينة تعود من جديد وفي كل مرة ثانية إلى دورة الحياة لتبني ما دمر وتفوت ما ضاع من تاريخها ..فسرعان ما كانت تنهض من كبوتها لتعيش في رفاه واستقرار قبل ان تستقبل هجوما همجيا آخر.
تؤكد المخلفات الآثارية والكتابات المسمارية أن شنكال كانت واحدة من أهم مدن أشور، وكانت قاعدة حربية محصنة بشكل طبيعي بوجود سمات بيئية وجغرافية متفردة .
ومع سقوط الدولة الاشورية وسيطرة الفرس على الشرق تالقت شنكال وصارت ثغرا مهما في مواجهة الإمبراطورية الرومانية، وكانت نقطة صراع بين الإمبراطوريتين وعانت المدينة القديمة بسبب ذلك من الكثير من الويلات و المآسي .
فقد دمرها الإمبراطور الفارسي شابور الأول عام 2 6 0 م وبعده هرمز الثاني عام 309 م ومن ثم شابور الثاني عام 3 79 م .واستمرت سلسلة الحروب واعمال التدمير الانتقامية في ذلك المنتجع الصيفي الخلاب والارض الجميلة الحصينة الواقعة على تخوم الصحراء، في فترة حكم المماليك وما تلاها.
وحتى ستينات القرن الماضي ظلت شنكال مدينة عامرة ومنطقة زراعية معروفة وطريقا للتجارة وكانت عمرانيا وخدميا افضل حالا من معظم المدن الكوردستانية، ورغم قربها من المحيط العربي لكن شنكال ظلت حتى ذلك الوقت مدينة كوردية خالصة فباستثناء عدد من العوائل العربية الموصلية ظلت شنكال ذات غالبية كردية وظلت الطبيعة والثقافة الكوردية هي السائدة سواء في لغة التخاطب او في العادات الاجتماعية او حتى التراث الفني...كما ظل المسلمون والايزديون والمسيحيون والارمن وقبلها بعقدين اليهود يتعايشون بسلام ويضربون مثلا قل نظيره في المنطقة بالتسامح الديني ...لكن الامور بدات بالتغير في مطلع السبعينات مع صعود البعثيين الى السلطة فبدات عمليات التعريب والهدم وسياسات الاقصاء والاعتقال والقتل بحق الكورد ، وخلال عقد من الزمن دمرت مئات المنازل في مركز المدينة وهجر سكانها الى مناطق اخرى كما دمرت قرابة 140 قرية وهجر سكانها الى مجمعات قسرية خضعت لرقابة النظام البعثي..وخلال عقدين تاليين من الزمن استمرت سياسات الهدم والتعريب والاهمال والتخريب والتي حولت المدينة الى خراب.
واليوم لا شيء تراه في سنجار القديمة غير الدمار والخراب لا شيء غير بيوت متهالكة تنتمي الى خمسينات القرن الماضي تجاورها بيوت مهدمة واكوام حجارة وتلال جرداء كانت يوما تضم بيوتاً عامرة قبل ان تجرفها جرافات مسؤولي البعث العربي الاشتراكي والقيادات القومية التاريخية المقدمة من اعوان قائد البوابة الشرقية ....
في الماضي القريب والبعيد سمعنا الكثير عن خراب المدينة لكن وحدها العين تستطيع ان تنقل لنا الصورة الحقيقية لشكل الخراب والدمار والاهمال والظلم واللا مبالاة التي عاشتها وتعيشها المدينة ذات التاريخ العريق والتي كانت مركزا للتجارة طوال قرون وحصنا منيعا ومدينة عامرة وعاصمة قوية للحكم كما كانت جبالها في الاربعين السنة الماضية معقلا للثورة الكوردية... الخراب في المدينة شيء لا يمكن تصوره او تخيله فهو يدفع الزائر للدهشة ..ولعل اقرب وصف للمدينة القديمة هو بان زلزالا قويا ضربها للتو وحولها الى ركام.
الطريق الى شنكال
تعود الناس طوال عقود ان يسافروا الى شنكال عن طريق (موصل- تلعفر- شنكال) فقد كان ذلك الطريق هو الوحيد الذي يقود الى المدينة المحتضرة وكانت فكرة انشاء طريق اخر يربط دهوك بشنكال فكرة خطرة ومرفوضة من قبل النظام البعثي الذي اراد فصل شنكال عن بقية مناطق اقليم كوردستان فلم يكتف بمنع انشاء طريق اخر بل اسكن عشرات الآلاف من العرب جنوب المدينة لتتحقق عملية الفصل ... والنتيجة لا طريق بين دهوك وشنكال رغم قصر المسافة والمدينة الكوردية بقراها ومجمعاتها صارت منفصلة عن محيطها الطبيعي الكوردي وقطاعا محصورا بمحيط عربي ولذلك انتشرت تسمية (قطاع غزة الكوردستاني) التي اطلقت عليها...لكن طريق (موصل تلعفر شنكال) خطر بسبب انتشار الجماعات الارهابية والمجموعات المسلحة التي تمتهن السلب والنهب وهو ما دفع المسافرين في السنتين الاخيرتين للاعتماد على طرق جانبية ترابية او نصف مبلطة للوصول الى شنكال من مناطق اقليم كوردستان.
يبدأ الطريق من دهوك الى شنكال بجسر عسكري قديم ومهتريء على نهر دجلة على مسافة قريبة من الحدود السورية ، الجسر يسمح بمرور سيارة واحدة عليه بسبب عمليات الصيانة المستمرة عليه بسبب تآكله وخطورته، ثم يأتيك طريق مبلط بشكل جيد وعلى مسافة قريبة تجد مجمعات في طور البناء ستخصص كما قيل لنا لاعادة اسكان عوائل مسيحية وايزدية في المنطقة التي تعرضت خلال العقود الماضية لعمليات تعريب وتهجير واسعة لسكانها لاصلين من الكورد المسلمين والايزديين والمسيحيين لصالح مجموعات عربية اسكنت المنطقة ومنحتها الحكومة البعثية الاراضي الكوردية المصادرة .. بعض اجزاء الطريق التي تنتشر حولها قرى كوردية يتم اعادة تبليطها من قبل حكومة اقليم كوردستان لكن ما ان تنتهي القرى الكوردية وتبدأ المجمعات السكنية للعرب المستوطنين حتى تفاجؤك مطبات الطريق وحفره التي تضطر السيارات للتباطؤ والتوقف بين كل عدة امتار والالتفاف لتجنب الحفر الكبيرة وسط الطريق كما يفاجؤك العدد الكبير من المواقع التي يتم استخراج النفط منها في الجانب السوري من الحدود والتي لا تبعد عن الطريق اكثر من 50 او 100 متر ... وتستمر هذه المعاناة الى ان تصل الى منطقة ربيعة احد المنافذ العراقية على الحدود السورية ...وبعدها يعود الطريق منبسطاً .. يقول السواق ان الطريق في منطقة المجمعات العربية امن نسبيا ولكنه يظل مخيفا حيث تقع بين فترة واخرى حوادث قتل وقد تستوقفك في أي لحظة مجموعة مسلحة لا تعرف مصدرها لتسألك عن وجهتك وهويتك.
بعد ساعتين ونصف من الطريق ادركنا ان المنطقة ذات الطبيعة الزراعية تواجه خطر الجفاف وان السكان مهددون في مصدر دخلهم الاساس كما ان الحيوانات قد تواجه الهلاك والنفوق لأن الامطار لم تسقط على المنطقة في هذا الشتاء وهو ما يشكل مصدرا للخوف والحزن في المنطقة التي تعاني اصلا من البطالة والفقر.
ومع الحديث عن مشكلة غياب المطر وما قد تخلفه من صعوبات ومآسي وصلنا الى منطقة (سنوني) التابعة لشنكال حيث ينتشر الكورد الايزيديون بكثافة الى جانب عدد محدود من المسيحيين ...من هناك بدا جبل شنكال (جبل وسط الارض الجرداء - الصحراء) وشيئا فشيئا اخترق الطريق الجبل لنتأمل جمال المكان رغم الجفاف فقد بدا الجبل نابضاً بالحياة وكان وادي (كَرسي) يرسم صورة رائعة للطبيعة البكر حيث حقول زراعة التبغ تنتشر على طول الوادي وتمنح المكان جمالا فاتناً ... في صدر الوادي وعلى جنباته بدت بيوت المزارعين البيضاء الصغيرة والتي يمكن من خلالها ادراك الفقر الذي تعيشه المنطقة رغم ثراء الطبيعة.. بيوت شبه خاوية بلا اثاث ومزارعون يستخدمون الحيوانات ووسائل بدائية في الحفر ... فلا مكائن ولا جرارات.
ونحن نسير مأخوذين بجمال هذا الوادي الرائع صاعدين الجبل عبر التفافات وانحناءات كثيرة تنتشر حولها الاشجار والشجيرات البرية وهناك على القمة بدت مدينة شنكال كقرية كبيرة تتناثر مجموعات من البيوت في عدة اطراف بلا هندسة واضحة... بيوت تفصلها مساحات قاحلة...لا شوارع ولا طرقات ولا مزارع ولا مساحات خضراء ولا حدائق .. اراضي جرداء تحيط بالمدينة التي ما ان تقترب منها اكثر حتى تكتشف انها تنقسم الى قسمين قديم وجديد.
المدينة القديمة تبدو لك من بعيد كمدينة ضربها زلزال للتو مجاميع من الدور المهدمة او نصف المهدمة والتي يبدو انها تركت على حالها منذ زمن طويل ...ركام بيوت يتراءى لك في كل زاوية من زوايا المدينة القديمة الغارقة في الفقر والاهمال والحزن.
وانت تدخل المدينة القديمة التي كانت ذات يوم منيعة يحيطها سور لم يبقى من آثاره الا القليل تجد امامك بيوتاً تهاوت سقوفها وسقطت اجزاء من جدرانها وكلما حاولت الصعود الى التلال التي ضمت احياء شنكال القديمة تكتشف حجم الطغيان والظلم الذي عانته المدينة ابان حكم البعث وتجد قسوة الزمن ماثلة في كل زاوية... بيوت لا تصدق انها يمكن ان تأوي بشراً لكن ما ان تمعن النظر حتى ترى وجوه نسوة يتابعنك عبر شقوق الجدران او تراهم يعملن هناك وما هي الا لحظات حتى ينتشر الاطفال حولك وكأنك سائح تدخل مدينة افريقية منسية ... اكوام احجار في كل مكان وبيوت اغلقت ابوابها باللبن والطين... طرق طينية واخرى مبلطة بحجارة تآكلت وتناثرت مع تقادم الزمن ...اسواق ومحال وساحات متهالكة تعود في تصميمها الى نصف قرن مضى .. دكاكين ما زالت ابوابها مصنوعة من الخشب .. مجاري ماء تنتشر حولها الازبال والحجارة.. وانت تمضي في المدينة القديمة قد تتعجب ان ترى بيتاً حافظ على شبابه او بيتاً يعود في تصميمه الى عشرين سنة مضت .. كل البيوت في المدينة القديمة تعود الى اربعين او خمسين سنة مضت كما اكد لنا بعض من اهالي شنكال.
وحين سألنا مندهشين عن مصدر هذا الدمار كاد الجواب ان يكون واحدا وهو سياسات التعريب البعثية والاهمال "فاحياء المدينة القديمة تعود الى منتصف القرن الماضي ولم تتم اية عمليات اعمار او ترميم لاحقة .. والعشرات من العوائل الكوردية ارغمت على ترك بيوتها وهجرت مطلع السبعينات وجرفت عشرات البيوت ومنع اي نوع من البناء والترميم واستمر الحال نفسه لثلاثة عقود تحولت المدينة بعدها الى ركام فكل جدار او سقف يسقط يمنع اعادة بنائه هذه كانت قوانين النظام السابق وزعيمه صدام رجل الاعمار والبناء الذي لم يبق حجرا على حجر ولم يترك وراءه غير الدمار ".
الاهمال مستمر منذ ذلك الحين فالمدينة القديمة لم تشهد أي تغيير حقيقي فلا شوارع جديدة ولا ابنية ولا مشاريع مياه ولا أي شيء ... والوافدون العرب لم يهمهم ما حدث ويحدث للمدينة فلم يعتبروها يوما مدينتهم او ارضا تستحق الاعمار والاهتمام ...والكورد الباقون ظلوا اسرى سياسات البطش والتنكيل والقتل التي غيبت المئات من اهالي المدينة.
مستشفى المدينة ينتمي الى نصف قرن مضى ويفتقر الى الكثير من الحاجات الاساسية بما فيها صالة عمليات متطورة، والاسواق الرئيسية لم تشهد الا تغييرات بسيطة...انها مدينة تعيش في الماضي، مدينة توقف الزمن عندها، بل هو في تراجع مستمر.. لقد كانت قبل اربعين عاما افضل حالا مما هي عليه اليوم ... انها تحاكي الماضي وتتطلع الى الموت.
الماء قليل وانقطاعات الكهرباء طويلة
في أحياء شنكال الجديدة الواقع لا يختلف كثيرا رغم ان المدينة شهدت بناء منازل حديثة تحاكي الحاضر لكن الخدمات ضعيفة فالكهرباء تنقطع لساعات طويلة وشبكة المياه متعبة ومحدودة والطرق في معظمها غير مبلطة والتخطيط غائب فيما يتعلق بالمساحات الجرداء التي تحيط بالاحياء السكنية .. امكانات المجلس البلدي محدودة في مواجهة مدينة تفتقر الى كل شيء وتحتاج الى عمل كبير بدءا بمد شبكات المياه وافتتاح مشاريع جديدة ومرورا بالطرقات والساحات والاسواق وانتهاءا بالدوائر الخدمية والحكومية المتهالكة والتي تبحث عمن يمد لها يد العون.
مسؤولون محليون اكدوا لنا ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني يقوم حاليا بحفر عشرات الابار في قرى المنطقة وهناك حملة لبناء المدارس لكن ما يجري هو جزء بسيط جدا مما تحتاجه المدينة.
لا محطة اذاعية ولا تلفزيونية
استغربنا ونحن نواصل جولتنا في المدينة من عدم وجود اية محطة اذاعية اضافة الى عدم وصول بث المحطات الاذاعية والتلفزيونية في دهوك رغم الاهمية الاستراتيجية للمنطقة كونها تشكل حدود اقليم كوردستان مع سوريا ورغم الاهمية السياسية باعتبارها خط مواجهة ومدينة تنتظر العودة والانضمام الى باقي مناطق الاقليم الكوردي... احد سكان المدينة قال : "هل يعقل وبعد سنتين ونصف من تحرير المنطقة ان لا تكون هناك محطة اذاعية واحدة ... كان يفترض بحكومة اقليم كوردستان وبعد ايام من التحرير وبعد ثلاث عقود من التعريب ان تبدأ مباشرة بتأسيس محطة اذاعية بالكوردية يغطي بثها المنطقة بكاملها ولتحاكي قرابة 200 الف شخص في المنطقة لتثقيف الناس وتعريفهم بالحياة الجديدة ...وهم الذين حاولت الحكومات السابقة ابقاءهم في زوايا التخلف ومنع وصول أي مظهر حضاري اليهم..!!!!؟؟ "
واضاف "نستغرب منهم ذلك!! .. فهذا الامر في مصلحتهم قبل ان يكون في مصلحتنا ..ام اننا سنواجه مرة اخرى النسيان والاهمال؟!!..كم تكلف محطة اذاعية ... انها لا تساوي شيئاً...ربما لا تساوي رواتب بعض المسؤوليين، لكنها يمكن ان تغير الكثير في الثقافة الاجتماعية في المدينة ومحيطها...سمعنا من العديد من المسؤولين الذين زاروا المدينة انها عملية سهلة وبامكانهم في اي وقت استلام محطة بث اذاعية ولكن حين يراجع المسؤولون المحليون الجهات المسؤولة فانهم يعودون أدراجهم خائبين".
قال مواطن آخر "كان على الحكومة ان تؤسس محطة اذاعية لتثقيف الاهالي وتعريفهم بحقوقهم السياسية والاجتماعية ولتساهم في تطوير اللغة الكوردية في المنطقة وللمساهمة في حماية التراث الغنائي والفني الضخم اضافة الى الوقوف بوجه الافكار السياسية التي تروج لها الاحزاب القومية العربية والسلفية...وللوقوف في وجه الدعايات التي تبثها بعض الاطراف ضد الاحزاب الكوردستانية او حتى في التشكيك في كوردية المدينة... وكنا نامل ان تغطي بثت الاذاعة مناطق واسعة في سوريا ايضا حيث يعيش مئات الآلاف من الكورد الذين يملكون ذات الثقافة والامتداد الديني لتثبيت وترسيخ الثقافة الكوردية في ذواتهم...هذا واجب على الحكومة الكوردية لكنها لم تقم به الى اليوم ".
وحين سألنا احد المسؤولين الكورد في ادارة المنطقة عن سبب عدم وجود محطة اذاعية اكد لنا ان الامكانات البشرية والفنية متوفرة وقد قدموا عدة طلبات الى الجهات العليا التي ايدت الفكرة ولكن في النهاية يقال لنا انه لا تتوفر اجهزة للبث الاذاعي في حين انه في كل مدينة كوردية اليوم توجد عدة اذاعات وهناك فائض في الاجهزة الخاصة بالبث الاذاعي على حد علمنا ..وبصراحة مللنا من المراجعات ويبدو ان الامر لا يهم الكثيرين ..ولا نعرف الحل.
ويبقى السؤال لماذا تحرم سنجار من محطة بث اذاعية؟ ومن المسؤول عن ذلك ؟ وهل هناك من لا يؤيد مشروع انشاء محطة اذاعية سيكون تأثيرها الثقافي والسياسي كبيرا على اهالي منطقة تقارب النصف مليون مستمع؟!!.
لا اتصالات تلفونية
ذكرتني الاتصالات في شنكال باحوال الاهالي في اقليم كوردستان مطلع التسعينات من القرن الماضي فالاتصالات الارضية المتوفرة متعبة ومحدودة وتواجه انقطاعات مستمرة والناس تستخدم مضطرة اجهزة السيناو كحل لمشكلة عدم توفر اجهزة الاتصال اللا سلكية واجهزة الموبايل...فخدمة الموبايل لم تصل المنطقة رغم الاقاويل ومنذ قرابة العام بانها ستصل قريباً، فشركة آسيا سيل للموبايل التي تغطي محافظة نينوى، التي تتبعها شنكال ادارياً، لم تعمل في المنطقة لأسباب ادارية او سياسية أو أمنية كما يقول بعض سكان المدينة، فيما لم تقم خدمة كورك تليكوم التي تغطي منطقة دهوك واربيل بايصال خدماتها الى منطقة شنكال. ولا احد يعرف هل حرمان الناس من التلفونات عائد لأسباب سياسية ام هو صراع تجاري بين شركتين.
الاعمار لم يصل المنطقة
في منطقة مثل شنكال تعتمد على الزراعة بشكل اساسي تعتبر مشاريع المياه حيوية لادامة الحياة وتطويرها ومع عقود من الاهمال في هذا المجال اضطر المزارعون الى هجرة الزراعة لأنها لم تعد تدر عليهم دخلا فعدد كبير من البساتين ماتت والاخرى في طريقها الى ذلك بسبب ندرة المياه ورغم قيام الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحكومة الكوردية بحفر عدد كبير من الآبار في القرى الى ان المنطقة في حاجة الى مشاريع مياه استراتيجية ضخمة تعيد لها الحياة وتحول الاراضي الخصبة الى حقول انتاج لمعظم الحاجات الغذائية وكما كانت المنطقة في الماضي قبل ان تطالها يد البعث.
كما تحتاج المدينة الى حملة اعمار شاملة تشمل فتح الطرق وبناء مباني جديدة (مستشفيات ودوائر ومرافق خدمية واسواق) والعمل يحتاج الى الى ثورة حقيقية من اجل النهوض بالمنطقة وجعلها تقارب في بنائها العمراني وفي خدماتها القرى العربية او الكوردية في المنطقة على اقل تقدير.
يقول المسؤولون في المنطقة ان المشكلة الرئيسية التي تواجههم هي عائدية المدينة والمنطقة اداريا لمحافظة نينوى في وقت يطالب الكورد بالحاقها باقليم كوردستان لتقديم الخدمات لها...وهي في حالها هذه محرومة الى حد بعيد من الاموال التي تخصص لمحافظة نينوى كما هي بعيدة وغير تابعة رسميا الى الاقليم ولا يمكن لحكومة الاقليم القيام بما تريده من مشاريع دون الأخذ بنظر الاعتبار عائدية المدينة لمحافظة نينوى.
معدلات البطالة مرتفعة
تعاني منطقة شنكال من ارتفاع معدلات البطالة التي تتجاوز 60% ففي كل عائلة تجد عاطلين عن العمل فالزراعة غائبة والصناعة معدومة ..والمعمل الوحيد في المنطقة هو معمل اسمنت سنجار الذي يعمل فيه بالدرجة الاساس عمال وفنيون ومهندسون من الموصل وتلعفر وليس من المنطقة.والمعمل في حاجة الى تطوير وتوسيع.والمنطقة في حاجة الى خطط لانشاء معامل جديدة خاصة ما يتعلق منها بانتاج الجلود.
ويضطر بسبب البطالة آلاف العمال الكورد للتوجه الى مدن اقليم كوردستان للعمل هناك في البناء، ففي زاخو ودهوك صار المقاولون يعتمدون بالدرجة الاولى على العمال القادمين من منطقة شنكال لادامة اعمالهم.
المرحلون لن يعودوا ابدا
كانت شنكال قبل اربعين عاما تتقدم الكثير من المدن الكوردستانية من ناحية العمران والبناء وحتى في مجالات التجارة والزراعة لكنها اليوم تتخلف عنهم بعقود وفي كل شيء بسبب سياسات قائد الامة العربية ومهندس الانتصارات العراقية المعتقل..لقد دفعت شنكال ثمنا غاليا لكونها مدينة كوردية شاء القدر ان تكون خط مواجهة مع الفكر القومجي العروبي المتعصب التدميري، وقد كانت لمواقف اهلها الكورد (المسلمين والايزديين) المعارضة للفكر البعثي الشوفيني والمصرة على الحفاظ على طبيعة المدينة وعلى تراثها الاجتماعي وثقافتها الكوردية دورا كبيرا في الابقاء على كورديتها رغم كل محاولات التعريب ولكن تلك المواقف جرت على المدينة الدمار والاهمال ....واليوم وبسبب ذلك التخريب المستمر يجد الكثيرون من سكانها الاصليين صعوبة في العودة الى مدينة مدمرة، خاصة بعد ان تعودوا على نمط حياة افضل، حياة يمكن ان توصف بالمرفهة اذا ما قورنت بالحياة في شنكال اليوم. وهناك مشكلة اخرى تتعلق ببقاء بعض المواطنين العرب الوافدين في بيوت الكورد المرحلين واستمرار استيلائهم على مناطق الكورد واملاكهم واراضيهم بحجة انهم اشتروها من الحكومة السابقة.. وتنتظر عشرات القضايا في المحاكم العراقية للبت في مصير تلك الاملاك والدور.. في حين يقول سكانها الاصليون من الكورد انهم لم يستخدموا القوة لطرد المستوطنين العرب ، وان المحاكم لن تمنحهم حقوقهم الا بعد سنوات طويلة وهم يأملون في حل سياسي سريع ليعودوا الى مناطقهم ويبدأوا ببنائها والاستفادة من املاكهم...
كنيسة واحدة فقط
عرفت شنكال طوال قرون بانها مدينة التسامح الديني، فقد عاش فيها بسلام المسلمون والايزيديون والمسيحيون والارمن واليهود.عاشوا في احياء متلاصقة واحيانا بيوت متلاصقة دون تشنج ولا عدوات..وقد خلق ذلك العيش المشترك ثقافة فريدة في المنطقة تعتبر التسامح وقبول الاخر شيئا مقدساً..وحتى بعد وصول بعض العوائل العربية الى المنطقة بقصد التجارة مطلع القرن الماضي لم يتغير شيء.
ومع خروج اليهود من العراق وبعدها استيلاء البعثيين على الحكم ومع بدء سياسة التهجير والاهمال والتعريب شهدت المدينة حملات نزوح واسعة لسكانها الاصليين، فقد تركها الارمن ومن ثم المسيحيون وباعداد كبيرة متوجهين الى مدن اقليم كوردستان او الى خارج العراق، ولم يبق في المدينة غير قرابة 50 عائلة مسيحية ومن اصل اربعة كنائس قبل اربعين عاماً لم تبقى الا كنيسة واحدة..فقد هجر المسيحيون وتركوا نشاطهم الصناعي والتجاري وهو ما اثر اكثر على وضع المدينة..والغريب في الامر ان المدينة القديمة لم تشهد بناء جوامع جديدة ولا حتى توسيع او ترميم القديم منها، وهي تبدو متهالكة اليوم، فيما بقي الايزيديون يصارعون من اجل الحفاظ على تراثهم الديني والاجتماعي والثقافي وسط الحملات الدينية الاعلامية.
وتطالعك في شنكال منارة اسلامية فريدة شيدت في عهد عماد الدين زنكي وتعد من ابرز الاثار الاسلامية لكنها مهددة بالاندثار بسبب تعرضها لقسوة الطبيعة وعدم حمايتها.
عناق الصحراء والجبل والوادي
رغم كل شيء فان شنكال تظل اكثر المدن جمالا ويمكن ان تكون الاكثر ثراءا بفضل الجبل الذي يرتفع شامخاً 4800 قدم ويعانق اطراف البادية والصحراء التي تمتد الى الغرب، ومع تطوير الزراعة والتجارة، فتربته هي الاخصب في اراضي وادي الرافدين..كما تمتلك شنكال كل مقومات السياحة الناجحة بفضل الجبل والصحراء والكهوف والكهاريز والينابيع الجوفية التي يؤكد الباحثون الجيولوجبون بأنها اكبر واطول القنوات المائية في العالم،فالمياه تمر عبر جبل سنجار من خلال الكهوف والكهاريز غير المكتشفة والتي بامكانها ان تسد حاجة مناطق واسعة فالكهاريز تجري في عمق الصحراء جنوباً حتى تخوم الحضر.
هموم وانتظار واحلام
يطول الحديث عن شنكال وتتناسل الهموم والاحاديث ويبقى الامل باعادة الحياة الى المدينة.وهو امل معقود بعودتها الى اقليم كوردستان قريباً لتنعم بالحرية والاعمار ولتعود شيئا فشيئا شنكال الى الحياة وكما يحدث معها كل بضعة عقود او قرون ناهضة من ركام ورماد ما خلفه المحتلون والمستوطنون لتعلن ولادة جديدة ... هذا ما يحلم به اهالي شنكال سواء المرحلون او الباقون.
لكن تحقيق ذلك الحلم يحتاج الى جهد كبير فهناك خط عربي (ربيعة ومحيطها) يبلغ طوله قرابة 20 كم يفصل شنكال عن باقي مناطق اقليم كوردستان ويسكن هذا الخط العربي عشائر الشمر منذ قرابة المائة عام ويقع على هذا الخط مشروع ري الجزيرة الحيوي وليس من السهل شراء تلك الاراضي أو فتح قناة برية تربط شنكال مع باقي مناطق كوردستان بدون المرور بذلك الخط العربي.
وفي النهاية اقف عند ما قاله احد سكان المدينة موجها كلامه لهيئة محاكمة الطاغية صدام (لو ان ماساة مدينة حلبجة قد انقضت وصارت مجرد اشرطة فيديو غير كافية لأدانة الطاغية ولو ان مئات المقابر الجماعية التي تحولت الى رماد لا تحمل دليلا على جرائم البعث فإن شنكال شاهد حي على زلزال البعث وهي تكفي لادانة كل رموز البعث).
ونقدم في النهاية مقترحاً الى السادة المسؤولين في حكومة اقليم كوردستان لأنهم المسؤولون اليوم عن شنكال امام الشعب الكوردي (نقترح ان تظل اجزاء من المدينة القديمة على حالها دون اعمار او تغيير.. وان تسور العديد من احيائها ويتم حمايتها لتصبح متحفاً حياً يجسد همجية النظام البعثي وشاهدا حياً على شكل جرائم التعريب والتهجير ليطلع عليها العالم كله وتتذكر الاجيال الكوردستانية القادمة ما جرى على هذه الارض).