بحزاني نت
08-01-2006, 21:49
من أجل ريادة المرأة أوالأمل الذي لازال بعيدا :
الجزء الأول
محمد الحنفي
إهــــــداء
إلى زوجتي و أم أولادي لطيفة التي تناضل من أجل حقوق المرأة،
إلى كل امرأة ناضلت من أجل أن تصون كرامة بنات جنسها.
إلى كل امرأة، باعتبارها أما، وأختا، وزوجة، وبنتا، تحرص على أن تنال تقدير الناس لها.
إلى فاما، التي تستحق تقدير الشعب المغربي، لاختيارها اعتناق قضاياه الكبرى، بدل الانزواء في بيت الزوجية، حتى ماتت.
إلى الرابطة الديموقراطية لحقوق المرأة.
من أجل مواجهة جحافل الظلام.
من أجل امرأة بكافة الحقوق في جميع أنحاء العالم.
محمد الحنفي
مقدمة
في المجتمع البورجوازي الاستغلالي القائم على أساس ادعاء احترام حقوق الإنسان بصفة عامة، وحقوق المرأة بصفة خاصة، يقولون بأن المرأة، بوصولها إلى الحصول على أعلى الدراجات العلمية، وباشتغالها في مجالات التعليم، والصحة، والمهن الحرة، وباشتغالها في مختلف الوظائف، وانخراطها في الجمعيات، والنقابات، والأحزاب السياسية، وبوصولها إلى المؤسسات التمثيلية المحلية، والإقليمية، و الجهوية، والوطنية، في المجتمعات البورجوازية، تكون قد وصلت إلى درجة عليا، تؤهلها لتحمل المسؤوليات الحكومية. تكون قد بلغت، في هذه المجتمعات، درجة الريادة.
ونحن، في تتبعنا لواقع المجتمع البورجوازي في تطوره، وفي احتلال نظامه الرأسمالي لبلدان آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وتحوله بفعل المقاومة العربية، والإفريقية، والأسيوية، والأمريكية اللاتينية، وبعد حصول مختلف البلدان المحتلة على استقلالها السياسي، إلى استعمار جديد، يتخذ طابع الاستعمار الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، لتتحول مختلف البلدان إلى خدمة الدين الخارجي، في إطار ما يعرف بالنظام العالمي الجديد، الذي كان مرحلة للوصول بالبشرية إلى عولمة اقتصاد السوق، الذي يمكن الشركات العابرة للقارات، من نهب كل شئ في البلاد التي كانت محتلة من قبل.
ولذلك، فالنظام الرأسمالي الذي يرعى مصالح البورجوازية، وتنمية مواردها، ويحافظ على تلك المصالح، وتلك الموارد، سعى، ويسعى، وفي جميع مراحل الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة، ولسائر الكادحين، وسواء تعلق الأمر بالمرحلة الاستعمارية المباشرة، أو في مرحلة ما كان يسمى بالنظام العالمي الجديد، أو في مرحلة عولمة اقتصاد السوق، وفي بلدان المركز، والأطراف، على حد سواء كما يسميها سمير أمين، إلى فرض سيادته على العالم.
والبورجوازية، في استغلالها للطبقة العاملة، تميز بين النساء والرجال على مستوى الأجور، وعلى مستوى القوانين، وعلى مستوى الحقوق، وتعمل على إشاعة دونية المرأة في النظرة البورجوازية ، وفي الممارسة، وتشجع المرأة على تسليع نفسها، وتدفع بها إلى ممارسة الدعارة، حتى تزداد البورجوازية اطمئنانا على مستقبلها، بالإضافة إلى الدفع بالرجال إلى الحط من قيمة المرأة واعتبارها كائنا يفقد قيمته، لا لشئ، إلا لأنه امرأة. وهو ما يعني معاناة المرأة من ازدواجية الاستغلال، استغلالها مع العمال، في إطار الاستغلال العام للكادحين، واستغلال الرجل لها، بالإضافة إلى معاناتها من الدونية، التي تفقدها الشعور بالكرامة الإنسانية.
ووصول المرأة إلى مختلف الوظائف، والمهن، والمسؤوليات التمثيلية، والحكومية، لا يعني أبدا أنها تخلصت من الدونية، كما لا يعني أنها صارت تتمتع بحقوقها كامرأة أول،ا وكانسان ثانيا. فهي في حاجة إلى الانخراط في النضال الديموقراطي، الذي يعتبر وحده طريقا إلى تحقيق الحرية، حرية الرجل، والمرأة، في إطار المساواة الكاملة بينهما في الحقوق، والواجبات، وفي الممارسة الديموقراطية، عن طريق تمكن الرجل، والمرأة، على السواء، من تقرير مصير كل بلد على حدة، واختيار من يمثل كل شعب في المؤسسات المحلية، والوطنية، من قبل الرجل، والمرأة، على السواء، و الترشيح للمسئوليات التمثيلية والمسؤوليات الحكومية، لا فرق في ذلك بين الرجل، والمرأة، والعمل على ممارسة مختلف المهام، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي تستهدف المرأة، كما تستهدف الرجل على السواء، مع ضرورة مراعاة خصوصية المرأة، بسبب طبيعتها كمنجبة، ومرضعة، وكمعنية، بالدرجة الأولى، بتربية الأطفال. وللوصول إلى ذلك، سنتناول في موضوع " ريادة المرأة، أو الأمل الذي لا زال بعيدا " الفقرات الآتية:
1- حرية الإنسان / حرية المرأة.
2- العلاقة بالواقع، علاقة بالاستبعاد.
3- المرأة تحت المجهر.
4- علاقة المرأة بالإيديولوجية.
5- هل يمكن أن تكون للمرأة إرادة؟
6- آفاق تحقيق كرامة المرأة.
7- المرأة/ الواقع والأفق الجديد.
8- علاقة المرأة مع نفسها.
9- النظرة الموضوعية للمرأة.
لنصل من خلال تحليلنا إلى القول: بان المرأة لازالت بعيدة عن تحقيق الريادة كما يدعى البورجوازيون، على لسان منظريهم، والمشرفين على وسائل إعلامهم، الرسمية، وغير الرسمية، في بلدان المركز، والمحيط، على السواء. وإن ريادتها ليست في بلوغ بعض النساء إلى شغل مناصب في أجهزة الدولة، أو في القيام بأعمال حرة، أو في تحول بعض النساء إلى بورجوازيات، أو حتى في وصول بعضهن إلى المؤسسات التمثيلية، أو إلى المناصب الحكومية، لان كل ذلك ليس إلا ممارسة تهدف إلى إبراز البورجوازية، على أنها تحترم حقوق الإنسان. وهي في الواقع إنما تمارس التضليل على أفراد المجتمع، لضمان استمرار استغلالها للكادحين، رجالا، ونساء، وطليعتهم الطبقة العاملة، رجال،ا ونساء، ولتأبيد سيطرتها على المجتمع، في كل بلد من بلدان المركز، والأطراف، على السواء.
فهل تدرك المرأة في المجتمع البورجوازي، أنها ليست إلا كائنا مستهدفا بالاستغلال؟
وهل تستطيع أن تمتلك وعيا بأوضاعها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية؟
وهل تنخرط في النضال من أجل تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها الوسيلة، التي تمكن المرأة من التمتع بحقوقها المختلفة، كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان؟
وهل تنخرط لأجل ذلك في الجمعيات، و في النقابات و في الأحزاب المناضلة؟
وهل تلتزم بالبرامج النضالية، التي تمكنها من تحقيق إنسانيتها، وحفظ كرامتها؟
لأن المجتمع الذي لا تكون فيه المرأة سيدة نفسها، لا يرقى إلى مستوى أن يكون مجالا لإشاعة الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، حتى وان كان هذا المجتمع بورجوازيا، وديموقراطيا، حسب المفهوم البورجوازي للديموقراطية، التي لا تكون إلا وسيلة لتكريس الاستغلال، وتعميقه، ولا تسعى إلى تمكين المرأة من التمتع بحقوقها، بقدر ما تعمل على تسلعيها، حتى تصير وسيلة لتحقيق المزيد من التراكم الرأسمالي، لصالح البورجوازية، التي تدخل المجتمعات البشرية في المزيد من الظلم، والقهر الاجتماعيين، اللذين ينعكسان، بالدرجة الأولى، على مصير المرأة، مهما كان مستواها الاجتماعي.
حرية الإنسان/ حرية المرأة:
فهل يمكن أن نعتبر ما عليه المجتمع البورجوازي حرية ؟
أم أن ما يظهر أنه حرية ليس إلا مساحيق تستعملها البورجوازية، للتغطية على الكوارث التي تلحق البشرية، وتنشر الفقر، والجوع، والمرض في كل المجتمعات التي تستهدفها البورجوازية بالاستغلال، وخاصة، في ظل عولمة اقتصاد السوق، التي تتزعمها رائدة " الحرية" ومالكة تمثال " الحرية" وناشرة "الديموقراطية": أمريكا، وحمايتها؟
إننا، في تتبعنا لواقع الإنسان، في التشكيلات الاستغلالية العبودية، أوالإقطاعية، أوالرأسمالية، نجد: أن مفهوم الحرية يرتبط بالطبقة المستفيدة من الاستغلال الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي. فهذه الطبقة هي وحدها التي تصير حرة، في أن تفعل ما تشاء بنفسها، وبكيفية استغلالها، وبما تستفيده من وسائل الاستغلال المادي، والمعنوي، وبمصير المستهدفين بالاستغلال، ولا أحد يستطيع أن يحاسبها، على ما تفعل، لاختلال ميزان القوى لصالحها. فهي التي تبني نظامها السياسي، كما تريد، وهي التي تنظم المجتمع بطريقة تجعله في خدمة مصالحها الطبقية، وهي التي تنتج الأيديولوجية المعبرة عن مصالحها الطبقية، وتختار الوسائل التي تساعدها على نشر تلك الأيديولوجية، لتضليل المستهدفين بالاستغلال، حتى لا يفكروا في مقاومة ما يمارس عليهم. وبناء على أن المستهدفين بالاستغلال لا يحق لهم التمتع بحريتهم كاملة، فإن الأسياد في التشكيلة العبودية، والإقطاعيين في التشكيلة الإقطاعية، والبورجوازيين في التشكيلة البورجوازية، يفعلون ما يشاءون في مصير العبيد، والاقنان، والعمال، ويتحكمون في مستواهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، وفي واقعهم المدني، وفي ممارستهم السياسية، مستغلين في ذلك سيطرتهم على أجهزة الدولة، باعتبارها أداة السيطرة الطبقية، في كل تشكيلة اجتماعية على حدة. وتحكم المستفيدين من الاستغلال، في مصير الكادحين، ينعكس سلبا على المرأة بالدرجة الأولى. فهي التي تجبر على مضاعفة الكدح، مقابل أجر زهيد، أو بدون أجر، كما هو الشان بالنسبة للتشكيلة العبودية، والإقطاعية على الخصوص، وأكثر من هذا، فإن المرأة تدفع، في التشكيلات الاجتماعية الاستغلالية، إلى القيام بأمور تهدر كرامتها، وتحط من قيمتها، مما يجعلها مجرد كائن مشيأ، ومجرد متاع لا قيمة له عندما يفقد بريقه. وحتى المرأة السيدة، أو الإقطاعية، أو البورجوازية، لا تعامل المرأة إلا من منطلق عقلية السيد، أو الإقطاعي، أو البورجوازي. وأكثر من هذا فهي نفسها تضع نفسها تحت تصرف السيد، أو الإقطاعي، أو البورجوازي، فتقبل منهم إهدار كرامتها، و الحط من قيمتها، والتسري بالإماء أمام عينيها، أو الزواج بنساء أخريات ،أو اتخاذ الخليلات في المجتمع البورجوازي. وهو ما يعني: أن المرأة في مختلف التشكيلات الاستغلالية، حتى وان كانت حرة، لا تتمتع بحريتها. فهي مستغلة، إلى جانب سائر الكادحين في التشكيلات الاستغلالية، كأمة، وكقن، وكعامل. وهذه الأشكال الثلاثة، من الوضعيات العامة، يضاف إليها وضعية المرأة في كل تشكيلة على حدة حيث نجد ممارسة الاستغلال الهمجي، الذي لا نستطيع تجاوزه إلا بتحرير الكادحين من الاستغلال بصفة عامة، وتحرير المرأة من استغلال الرجل لها بصفة خاصة.
فما هي الآليات التي يمكن اعتمادها، لتحقيق حرية الكادحين، ولتحقيق حرية المرأة في نفس الوقت ؟
إن أول آلية يجب اعتمادها، لتدليل الصعاب التي تصادف الرجال والنساء معا، في نضالهم من أجل تحقيق الحرية الفردية، والجماعية، للرجال، والنساء، على السواء: هي آلية النضال الحقوقي، انطلاقا مما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية والسياسية، وفي المواثيق المتعلقة بحقوق العمال، الصادرة عن منظمة العمل الدولية ، وفي الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والميثاق الدولي المتعلق بحقوق الطفل.
والنضال الحقوقي في شموليته يهدف إلى:
1) تمتع الناس بحقوقهم الاقتصادية، حتى يتمتعوا بدخل مناسب مع حاجياتهم في الأكل، والشرب، واللباس، والسكن، والتعليم، والتطبيب، والحماية الاجتماعية، والحماية الصحية، والترفيه، وأشياء أخرى يحتاج إليها في حياته اليومية، وفي مراحل معنية من حياته. فإذا كان دخل الأسر، والأفراد، لا يلبي الحاجيات الضرورية، فان ذلك يعني: إهدار هذا الحق، والوقوف وراء انتشار الفقر، والجهل، والمرض، و الأمية، وانتشار الأمراض الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي تقف وراء إهدار كرامة الإنسان، سواء كان رجلا، أو امرأة.
2) تمتيع الناس بحقهم في التعليم، والسكن، والصحة، والشغل، وأشياء أخرى، مما يرفع من مكانة الإنسان الاجتماعية، ويجعله قادرا على المساهمة الفعالة في تطور الواقع، من مختلف الجوانب. والحرمان من هذه الحقوق الاجتماعية يساهم في تكريس تخلف المجتمع، الذي يصير فاقدا للمناعة، ضد مختلف الآفات المرضية، التي تستهدفه، وخاصة، تلك الوافدة من الخارج، نظرا لهشاشة البنيات الاجتماعية، التعليمية، والصحية، والسكنية، ولانعدام فرص الشغل أمام العاطلين. وهو ما يعني الاستمرار في التخلف، وتنمية هذا التخلف، بالحرمان من الحقوق الاجتماعية المختلفة.
3) تمتيع الناس بجميع الحقوق الثقافية، التي تساعد على انتشار الأدوات الثقافية المختلفة، والتمكن من امتلاك الوسائل التي تساعد على التثقيف الذاتي، و إقامة نوادي ثقافية، في مختلف المجمعات السكنية، وإتاحة الفرصة أمام مختلف الشعوب، حتى تلعب دورها في إغناء الثقافة المحلية، والوطنية، القومية، والإنسانية، و حتى تتم المساهمة الفعلية في إنتاج القيم الإيجابية التقدمية، ومحاربة القيم السلبية الرجعية، التي تشوه صورة المجتمع. وعدم التمتع بهذه الحقوق الثقافية، لا يعني إلا عدم العمل على تغيير المظاهر الثقافية المختلفة، التي تجعل الأفراد والمجتمعات غير قادرين على الاندماج في المحيط المحلي، والوظيفي، والإقليمي، والإنساني، والإبقاء على حالة الانحسار، والتقوقع التي تميز الثقافات المختلفة، في المجتمعات المحرومة من الحقوق الثقافية المختلفة.
4) تمتيع الناس بالحقوق المدنية، كالحق في المساواة بين الرجال والنساء، وبين الطبقات الاجتماعية، و أمام القانون، بإلغاء نظام الامتيازات، و المحسوبية، و الزبونية، وتفضيل المستغلين على غيرهم، ووضع حد لسيادة الارتشاء في المجتمعات البشرية، حتى يكون الناس رجالا، ونساء، سواسية فيما بينهم، وأمام القانون، والعمل على أجرأة حقوقهم المدنية، في القوانين المحلية ، لان حرمان الناس من حقوقهم المدنية، يكرس التفرقة بين الجنسين، وبين الطبقات، ويجعل نظام الامتيازات قائما في الواقع، ويساعد على انتشار المحسوبية، و الزبونية، والإرشاء والارتشاء في العلاقة مع الإدارة، وبين الناس.
5) تمتيع الناس بالحقوق السياسية، عن طريق المصادقة على دستور ديموقراطي، يكرس سيادة الشعب. ووضع قوانين انتخابية بكافة ضمانات نزاهة الانتخابات، وانتخاب مؤسسات تمثيلية، تعكس إرادة الشعب في كل بلد على حدة. لأنه إذا لم يتمتع الناس بالديموقراطية الحقيقية، التي تمكنهم من تقرير مصيرهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، سوف يسود الاستبداد الذي يكلف البشرية الكثير من المآسي، والكوارث، والأمراض، لتحقيق أهداف الطبقات الحاكمة الممارسة للاستبداد، والمستفيدة منه.
6) العمل على إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، على مستوى القوانين المعمول بها، وعلى مستوى البرامج الدراسية، في مختلف المستويات، وعلى مستوى جميع الأدبيات الرائجة، وبمختلف اللغات وعلى مستوى العادات، والتقاليد، والأعراف السائدة في كل مجتمع على حدة، حتى يتكرس إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وعلى جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. لان ممارسة التمييز ضد المرأة، سوف لا تكون إلا تكريسا للتخلف، الذي ساد في مختلف التشكيلات الاجتماعية، إلى غاية التشكيلة الرأسمالية، ذلك التخلف الذي ينتج الكثير من المآسي الاجتماعية، بالنسبة للرجال، والنساء على السواء.
7) العمل على إزالة كافة أشكال التمييز ضد الأطفال، الذين يجب أن تضمن حقوقهم كأطفال من جهة، وكأناس لهم نفس الحقوق التي لجميع الناس حتى يتلقوا كامل الرعاية الاجتماعية، الضرورية لضمان سلامة نموهم، إلى أن يصيروا مسؤولين في المجتمع كباقي الكبار. لان المجتمعات البشرية، غالبا، ما تميل إلى استغلال الأطفال في مختلف الأعمال التي لا تليق بكرامتهم، بل إن الأمر يصل إلى حد إهدار كرامتهم، في الكثير من الحالات، التي لا تتناسب أبدا مع إنسانية الأطفال.
8) العمل على ضمان تمتيع العمال بكامل الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية، الصادرة عن منظمة العمل الدولية، حتى يتمتع العمال بنفس الحقوق، وفي جميع الدول، سعيا إلى احترام كرامة العامل وحماية تلك الكرامة، لان ما عليه واقع العمال في البلدان ذات الأنظمة التابعة بالخصوص، يؤكد على أن تلك الأنظمة لا تحترم إنسانية العامل، الذي يصير، بالنسبة إليها، كيانا مشيئا، لا يساوي إلا ما ينتجه من فائض القيمة، وما سوي ذلك فانه لا يستحق أي احترام.
ولذلك فالنضال الحقوقي، وعلى جميع الواجهات، وفي جميع المجالات، وفي مختلف المستويات، هو نضال من أجل كرامة المرأة في مستواها العام، وفي مستواها الخاص، حتى تصير مالكة لوعيها بحقوقها كامرأة، وكعاملة، وكإنسان. لأنه، بامتلاكها للوعي الحقوقي، تكون قد انفتحت أمامها أشكال أخرى من الوعي، الذي يؤهلها للعب أدوار أخرى.
والآلية الثانية: هي آلية التربية على التنظيم، في مستوياته الجماهيرية، والنقابية، والحزبية.
1) فالتنظيم في مستواه الجماهيري، يجعلهم يدركون أهمية ذلك التنظيم، في تتبع الحياة الجماهيرية، على المستوى الثقافي، والتربوي، والحقوقي، والترفيهي، وكيف تصوغ الجماهير مطالبها في هذا الإطار، وجعلها أرضية للنضال الجماهيري، حتى تصير الثقافة في خدمة إنتاج القيم الإنسانية النبيلة، المفيدة لتطوير المسلكية الجماهيرية: الفردية، والجماعية، وجعل التربية وسيلة لاعداد الأجيال الصاعدة، إعدادا يجعلهم قادرين على مواجهة متطلبات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وجعل الترفيه في خدمة تلك التربية، حتى تقدم الحياة على أسس سليمة، وجعل النضال الحقوقي وسيلة إيجابية، لجعل الناس يتمتعون بحقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.
وفي التنظيم الجماهيري: يجب أن لا نغفل الدور الجماهيري للمرأة، باعتبارها هي المستفيد الأول من إنشاء التنظيمات الجماهيرية، والنضال بواسطتها، وخاصة منها، تلك التي تهتم بشؤون المرأة، وبحقوقها الخاصة، كما هي في الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل.
2) والتنظيم في مستواه النقابي، يجعل العاملين في مختلف القطاعات العامة، والخاصة، يتعرفون على واقعهم، ويسعون إلى وضع ملفات مطلبية: قطاعية، ومركزية، من أجل العمل على تحقيقها، عن طريق الالتزام ببرنامج نضالي محدد، والسعي إلى اتخاذ مواقف نقابية من الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لجعل النقابيين بصفة خاصة، والعاملين بصفة عامة، يمتلكون وعيا معينا بتلك الأوضاع، ويسعون إلى تغييرها لصالحهم، حتى يضمنوا حماية المكاسب التي يحققونها. والمرأة العاملة، كسائر العاملين، تستطيع بواسطة العمل النقابي: أن تحقق المطالب الخاصة بالمرأة، والتي لها علاقة بطبيعة عملها، وباعتبارها أما، ومربية أطفال.
3) والتنظيم، في مستواه الحزبي، الذي يمكن الجماهير الشعبية بصفة عامة، والمرأة بصفة خاصة، من المساهمة في النضال الديموقراطي من بابه الواسع، من أجل تغيير الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، لأن النضال من أجل التغيير، لا يكون بالجمعيات، والنقابات، بقدر ما يكون بواسطة الأحزاب السياسية، التي تقود النضال من أجل دستور ديموقراطي، ومن أجل انتخابات حرة، ونزيهة، ومن أجل مؤسسات تمثيلية حقيقية، تتلاحم فيها إرادة المواطنين، ومن أجل حكومة من الأغلبية البرلمانية، التي قد يتوفر عليها حزب معين، أو مجموعة من الأحزاب المتقاربة فيما بينها، ومن أجل قوانين متلائمة مع المواثيق الدولية، سعيا إلى ضمان تمتيع الناس، جميعا، وعلى أساس المساواة فيما بينهم، بحقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وسعيا إلى جعل المرأة، والطفل، محميان من ممارسة كل أشكال الميز، المكرسة للدونية، التي تعاني منها المرأة، والطفل، في العالم العربي، وفي جميع البلدان ذات الأنظمة التابعة، وفي الأنظمة الرأسمالية نفسها. وتمتيع الناس بكامل حقوقهم، لا يتم إلا بتحقيق الديموقراطية بمفهومها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، من الشعب، والى الشعب حتى يساهم الناس جميعا في النضال، الحزبي وحتى يستفيدوا جميعا من نتائج ذلك النضال، وخاصة المرأة.
والآلية الثالثة: هي الآلية الأيديولوجية، التي تقتضي الاهتمام بمختلف الإيديولوجيات، لمعرفة طبيعتها، والسعي إلى تفكيكها، والعمل على تفنيد أوهامها، لإزالة إمكانية قيامها بتضليل الكادحين، الذين يمارس عليهم الاستغلال الإيديولوجي، الذي يعدهم لقبول أشكال أخرى من الاستغلال المادي، والمعنوي . ومن هذه الإيديولوجيات التي يجب تفكيكها وتفنيد أوهامها نجد:
1)الإيديولوجية الإقطاعية: التي تقوم في جانب منها على أدلجة الدين، أي دين، وفي جانب آخر على الخرافات، والأساطير، التي تنسج حول البطولات الإقطاعية، مما يجعل الإقطاع مثالا للاقتداء، وجلبة لقبول الاستغلال الإقطاعي، لعبيد الأرض، ولسائر الكادحين، مهما كان مستواهم الاجتماعي، لان كل أفراد المجتمع، غالبا ما يكونون مؤمنين بأدلجة الدين، التي يمارسها الإقطاعيون، على يد من يوظفونهم لهذه الغاية، ولذلك نرى ضرورة التركيز على تفكيك ادلجة الدين الإسلامي من جهة، وتفكيك الجانب الخرافي، كمكونين للإيديولوجية الإقطاعية من جهة أخرى، من أجل نقض الأوهام الإيديولوجية التي تضلل الطبقة المستهدفة بالاستغلال الإقطاعي، وسائر الكادحين، لأنه بدون نقض تلك الأوهام، تبقى الإيديولوجية الإقطاعية مهيمنة في صفوف المستهدفين بالاستغلال الإقطاعي.
2) وإيديولوجية البورجوازية التابعة: التي لا تتخلص من إيديولوجية الإقطاع، نظرا لكون البورجوازية التابعة متأصلة من الإقطاع، إلى جانب استيراد الجوانب المتخلفة، من الإيديولوجية البورجوازية، في المركز لخدمة وحماية الطابع الاستهلاكي، للبورجوازية التابعة. وهذه الإيديولوجية، ومن هذا النوع، تزرع نوعين من الأوهام: وهم التمسك بالشريعة الإسلامية، وحماية الدين الإسلامي الذي يمكن اعتباره مصدرا للعدل، الذي ينشده المقهورون، ووهم تحقيق التطلعات البورجوازية، والوصول إلى مستوى ما عليه البورجوازية التابعة، أو البورجوازية. ثم البورجوازية الغربية، وصولا إلى السيطرة على أجهزة الدولة، التي تكون وسيلة لتحقيق المصالح البورجوازية التابعة، وحمايتها في نفس الوقت، اعتمادا على السلطة.
وهذان الوهمان: وهم المحافظة على الدين الإسلامي، كمصدر للعدالة، ووهم تحقيق التطلعات البورجوازية، يقودان إلى القول بان البورجوازية التابعة، تجمع بين الأصالة، والمعاصرة، وبين التقليد، والتجديد، وبين الدين، والدنيا. ولذلك فهي تتجاوز الإقطاع، الذي يغرق في التقاليد، وفي الخرافات، إلى الانفتاح على الآفاق، وهذا الاعتقاد ليس إلا وهما آخر، حكم العقلية في البلدان ذات الأنظمة التابعة، وجعل الناس يستغرقون، في الحلم، برجوع الماضي، كمصدر لعدالة الله، في الأرض، هروبا من المآسي التي تغرق فيها البشرية، بسبب الاستغلال الهمجي الذي تتعرض له، كما يستغرقون في الحلم بانتقال المجتمعات المتخلفة، في البلدان ذات الأنظمة التابعة، إلى مستوى ما عليه الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، في الغرب الرأسمالي ، وإلى ما عليه وضعية المرأة، التي تتمتع بالعديد من الحقوق، التي تحرم منها، في البلدان ذات الأنظمة التابعة. وهذان الوهمان: وهم الانشداد إلى استرجاع الماضي، ووهم تحقق ما عليه الغرب من تقدم، هما اللذان انتجا لنا صراع التقليديين، ضد التجديديين، الذي وصل إلى درجة الصراع التناحري. وهو الذي استغلته الأنظمة الرأسمالية، بقيادة أمريكا لدعم المؤدلجين للدين الإسلامي، الذين كانوا، ولازالوا، يسعون إلى القضاء، وبصفة نهائية، على الفكر التقدمي، وعلى حاملي هذا الفكر، وعلى الأنظمة التقدمية. كما تدعم البورجوازية التابعة، التي تسخر خيرات البلدان، ذات الأنظمة التابعة، لخدمة النظام الرأسمالي العالمي، من خلال الالتزام بتعليمات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، وتمهيد الطريق أمام سيطرة الشركات العابرة للقارات على الاقتصاد الوطني، في كل بلد من البلدان ذات الأنظمة التابعة.
وتفكيك إيديولوجية البورجوازية التابعة، يعتبر مسالة أساسية، وضرورية، لتبديد وهم استرجاع الماضي، الذي لا يرجع أبدا، ووهم الارتباط بالغرب، والالتحاق به، الذي يغرق البلدان ذات الأنظمة التابعة في التبعية للغرب، ويحول نظمتها إلى مجرد وكالات رأسمالية، تتلقى الأوامر، وتنفذ تلك الأوامر، بدون نقاش، حتى يتبن ما العمل؟ من أجل تحرير الإنسان من وهم استرجاع الماضي، ومن وهم الالتحاق بالغرب، على مستوى التقدم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، كما هو عند الغرب الرأسمالي، حتى يصير الإنسان قادرا، فعلا، على التحرر من الأوهام البورجوازية التابعة.
وإيديولوجية البورجوازية الليبرالية: التي توهم الناس بأن في إمكان كل واحد منهم، أن يحقق ما يريد، إذا عمل من أجل ذلك، وانطلاقا من مبدأ " دعه يعمل ، يدعه يمر" وهذا الوهم هو أكبر كذبة عاشتها البشرية، خلال القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، قبل تحول النظام البورجوازي الرأسمالي، إلى نظام إمبريالي، يصادر كل إمكانية للحرية الفردية، والجماعية. ولذلك فهذه الإيديولوجية التي ليست إلا تضليلية، فندت نفسها بنفسها، بتحولها مع مرور الأيام، وتطور الصراع بين البورجوازية، والطبقة العاملة، إلى إيديولوجية تابعة، وجزءا من تلك الإيديولوجية، بصيرورة البورجوازية الليبرالية، بورجوازية تابعة، فتفقد البورجوازية الليبرالية بريقها، ويفقد الإنسان حريته، التي اتخذت طابعا ليبيريا، ليصير محروما منها. ولتصير الإيديولوجية الليبرالية، في خبر كان.
وإيديولوجية البورجوازية الصغرى، التوفيقية، والتلفيقية، المليئة بالأوهام المختلفة، والمتناقضة أحيانا، لتنوع المصادر الإيديولوجية للبورجوازية الصغرى. ذلك التنوع الذي ينتج تنوعا في الأوهام الإيديولوجية: الإقطاعية، والبورجوازية التابعة، والبورجوازية الليبرالية، واليسارية، واليسارية المتطرفة، واليمينية المتطرفة. فكل تلك الأوهام: تعمل الإيديولوجية البورجوازية الصغرى على بثها بين الشرائح الاجتماعية المقهورة، التي تصير مريضة بتلك الأوهام البورجوازية الصغرى، التي تحتاج اكثر من غيرها إلى المزيد من التشريح، والنقد، والتفنيد، لجعل الجماهير الشعبية الكادحة تتحرر منها، حتى تمتلك وعيها الحقيقي، الذي يجعلها تدرك حقوقها المادية، والمعنوية، وتعمل على تحقيق مطالبها المختلفة.
والإيديولوجية اليسارية المتطرفة: التي توهم الجماهير الشعبية الكادحة، بأن في إمكانها أن تصير، في يوم ما، قوية، وقادرة على قلب الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لصالحها، بدون الاعتماد لا على النضال الجمعوي الحقوقي، ولا على النضال النقابي، ولا على النضال الحزبي السياسي: أي بدون الحاجة إلى أي تنظيم، كيفما كان هذا التنظيم. وهو ما يدفع الجماهير الشعبية الكادحة، إلى تأدية ضرائب خطيرة على حياتها، وعلى مستقبلها، من قبل الطبقة الحاكمة. لذلك نرى ضرورة إخضاع أوهام إيديولوجية اليسار المتطرف، إلى التحليل، والنقد، والنفي، وتوعية الكادحين بخطورة السير وراء تلك الأوهام، لما تشكله من خطورة على مستقبلهم الذي قد يرتبط باليأس من كل شئ، حتى من إمكانية التنظيم الهادف، إلى النضال الجمعوي، أو النقابي، أو الحزبي، من أجل انتزاع مكاسب معينة، لصالح الجماهير.
وإيديولوجية اليمين المتطرف: التي توهم الجماهير الشعبية الكادحة، بان " تطبيق الشرعية الإسلامية"، واستعادة "الحكم الإسلامي"، و إقامة " الدولة الإسلامية " واعتبار الإسلام "دينا ودولة" وغيرها من الشعارات المترتبة عن أدلجة الدين الإسلامي. فاليمين المتطرف المؤدلج للدين الإسلامي، بالخصوص، يسعى باستمرار إلى نشر الوهم الناتج عن تلك الأدلجة حتى يصير الناس لا يفكرون إلا في الأمور التي لها علاقة بذلك الوهم، ويدخلون مباشرة في محاربة كل ما تعارض معه، من أفكار، وقيم، وممارسات: حتى يصير " النظام الرأسمالي" قائما، في كل مكان، من البلاد الإسلامية ، ويعمل على السيطرة على العالم. وانطلاقا من ذلك، فالعمل على تفكيك أدلجة الدين الإسلامي، واثبات أن التاريخ لا يرجع إلى الوراء، وأن مؤدلجي الدين الإسلامي، إنما يستغلون الدين من أجل الوصول إلى السلطة، وتسخير المجتمع لخدمة المصالح الطبقية، لمؤدلجي الدين الإسلامي، وحماية تلك المصالح. وبالإضافة إلى ذلك، لابد من الوقوف على عوامل أدلجة الدين الإسلامي الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، والغاية منها، من اجل توعية المجتمع في كل بلد من البلدان التي تعاني من أدلجة الدين الإسلامي، ومن خطورة تلك الأدلجة، حتى تتكون عندهم مقاومة ذاتية، ورفض تلقائي لأدلجة الدين الإسلامي، كبداية للتخلص منها ، وبصفة نهائية، حتى تصير الممارسة الدينية صحيحة، وبعيدة وعن الأدلجة، وعن استغلال الدين في الأمور السياسية، وتصير الإيديولوجية خاصة بالطبقة التي تنتجها لحماية مصالحها، ولتضليل الناس بها وجعلهم يخدمون تلك المصالح.
والإيديولوجية الاشتراكية العلمية: التي هي إيديولوجية الطبقة العاملة، التي لا تحمل في بنيانها أي شكل من أشكال الوهم. فهي واضحة منذ البداية، وتجعل الكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة، يمتلكون وعيهم الطبقي، ويدركون موقعهم من علاقات الإتناج القائمة فتتحدد بسبب ذلك الطبقة التي ينتمون إليها. كما يدركون علاقتهم بوسائل الإنتاج، وماذا يجب عمله لتحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، وما هي الوسيلة التي يمكن اعتمادها لوضع حد للاستغلال. ولذلك كانت ولازالت وستبقى الإيديولوجية الاشتراكية العلمية خالية من الأوهام الإيديولوجية المضللة، بل إنها هي التي تساعد على الكشف عن كافة أشكال التضليل التي تمارسها الإيديولوجيات الأخرى ضد الطبقة العاملة، وتعمل على تفكيكها، وتفنيد أوهامها، وتكسب الطبقة العاملة مناعة ضدها. وحتى البورجوازية التي تستغل الطبقة العاملة، تعرف ما هي الإيديولوجية الاشتراكية العملية ؟ وما هو دورها في جعل الطبقة العاملة تمتلك وعيها الطبقي وتصارع من اجل تحسين أوضاعها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية؟ في أفق وضع حد للاستغلال البورجوازي بصفة نهائية. وحتى لا تمتلك الطبقة العاملة وعيها الطبقي، تعمل البورجوازية التابعة، والبورجوازية الليبرالية، والبورجوازية الصغرى، ومؤدلجو الدين الإسلامي، وبطريقة تضامنية، على تضليل الطبقة العاملة، عن طريق بث الأوهام الإيديولوجية المختلفة، في صفوفها. حتى لا تمتلك وعيها وتصير غير قادرة على القيام بأي عمل، في اتجاه تحسين أوضاعها المادية والمعنوية، لوقوعها فريسة الاستغلال البورجوازي الهمجي.
وهذه الإيديولوجية، لا تحتاج إلى تفكيك، أو تفنيد، لان المنهج الذي يمكن أن يتبع، في هذا الإطار، لا يرقى إلى مستوى القدرة على تفنيد الإيديولوجية الاشتراكية العلمية. وكل المحاولات التي جرت، في هذا الإطار، تفتقر إلى العلمية والموضوعية، وتتم بمنطقات مثالية، أو غيبية، أو دينية. وهذه المنطلقات ليست إلا وسيلة للتضليل، وبث الأوهام، ليس إلا. والمنهج الوحيد الذي يمكن اعتماده في التعامل مع الاشتراكية العلمية، هي الاشتراكية العلمية نفسها، لا من اجل تفكيكها، ونفيها، بل من أجل تطويرها، إلى الأحسن، باستيعابها، في تطوير المنهج الماركسي نفسه، حتى يصير أكثر قدرة على التعامل مع التحولات الكمية، والنوعية التي يعرفها الواقع، في جوانبه المختلفة. ولذلك فمحاولة تفكيك الاشتراكية العلمية، ونفيها، لا يزيدها إلا قدرة على الصمود، والمواجهة، ولا يزيد الإيديولوجيات الأخرى، إلا ضعفا، وتراجعا، إلى الوراء. لذلك نجد أن الطبقات الحاكمة تعتمد نهج القوة، لإخضاع الطبقة العاملة، ولتعميم إيديولوجيتها، على جميع أفراد المجتمع، ولتضليل الطبقة العاملة، وسائر الكادحين.
والآلية الرابعة: هي الآلية السياسية، التي تقتضي معرفة المواقف السياسية للطبقة الحاكمة، ولمختلف الطبقات الأخرى، والأحزاب السياسية، وسائر التنظيمات النقابية، والجماهيرية، لأن اهتمام الجماهير الشعبية الكادحة بالسياسة يجعلها تتتبع مختلف المواقف السياسية، وخلفياتها، و أبعادها المختلفة، ومدى انعكاسها على حياة الكادحين، وهل يدركون خطورة تلك المواقف على مستقبلهم؟ أم أنهم بسبب التضليل الممارس عليهم لا يستطيعون ذلك؟
إن الجماهير الشعبية الكادحة عندما تمتلك وعيها الطبقي، فإنها تستطيع أن تدرك طبيعة السياسة الممارسة عليها، وتميز بين الجهات المتدخلة في فرض، وتكريس تلك السياسية، وتدفع في اتجاه تأبيدها، وتتعرف من خلال الممارسة اليومية على مواقف التنظيمات المختلفة، وتميز بين تلك المواقف التي لا تخدم مصلحة الشعب، والمواقف التي لا تخدم إلا مصلحة أصحابها، الذين يقودون مختلف التنظيمات. ومن ذلك نجد أن:
1) موقف حزب الإقطاع الذي لا يتخذ إلا المواقف السياسية، التي لا تتناسب إلا مع مصلحة الطبقة الإقطاعية، في تأييد سيطرتها على أجهزة الدولة، إن كانت حاكمة، أو تنتمي إلى التحالف الحاكم، أو تسعى إلى فرض نهج الدولة لسياسة تخدم مصالح الإقطاعيين على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، بما يخدم تواجدهم في المؤسسات " المنتخبة"، وفي الحكومة على السواء. وموقف كهذا يجب على الكادحين مواجهته، وتفنيده، وبيان خطورته على مستقبل الكادحين، لكونه يفرض استمرار المجتمع في التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والعمل على نهج سياسة نقيضة، للمواقف السياسية الإقطاعية؟، التي تتناسب مع الحاجة إلى التحول الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، في اتجاه الأحسن، والمرحلة الأرقى.
2) موقف حزب البورجوازية التابعة، الذي لا يختلف كثيرا عن حزب الإقطاعيين إلا في جعل البلد تغرق في التبعية للبلدان الرأسمالية، وجعل الشعب في خدمة صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، كما أن المواقف السياسية لحزب البورجوازية التابعة، تسعى إلى أن تصير معبرا للشركات العابرة للقارات، في اتجاه البلدان المختلفة، وبالتالي فإن البورجوازية التابعة باعتبارها راعية " الأصالة"، و" المعاصرة"، تسعى بسياستها إلى إغراق الجماهير الشعبية الكادحة في الماضي المظلم، حتى لا ترتبط بواقع الاستغلال الممارس عليها، وإلى جعلها تتخذ من الغرب الرأسمالي مثالا تسعى إلى الانتقال إليه، ولا ترغب في مقاومة سيطرته الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، على البلدان ذات الأنظمة البورجوازية، التابعة بسبب الاغتراب الذي صارت تعاني منه، والذي يجعلها أكثر قبولا للاستغلال.
وسواء تعلق الأمر بحزب الإقطاع، أو بحزب البورجوازية التابعة، فان الحزبين معا لا يسعيان أبدا إلى إيجاد دستور ديموقراطي، والى إجراء انتخابات حرة، ونزيهة، وإيجاد مؤسسات تمثيلية تحترم في إيجادها إرادة الشعب. وإذا وجدت حكومة، فإنها لا تكون نتيجة الأغلبية البرلمانية، وإذا كان هناك دستور، فإنه لا يكون ديموقراطيا، وإذا كانت هناك انتخابات، فإنها لا تكون ديموقراطية، وتفتقد فيها الحرية، والنزاهة: أي أن الديموقراطية، لا تكون إلا للاستهلاك الخارجي، وهو ما يصطلح على تسميته بديموقراطية الواجهة.
ولذلك، فإخضاع المواقف السياسية لحزب البورجوازية التابعة، للتحليل، والنقد، من أجل النقض الذي يقود إلى وضح حد لسياسة الحزب البورجوازي التابع، لأنه بدون إخضاع مواقف حزب البورجوازية التابعة إلى النقد، تسري سياسته على الشعب وتزيد في إغراقه في التخلف إلى ما لا نهاية.
3) موقف حزب البورجوازية الليبرالية، على المستوى السياسي، الذي يسعى من ورائه إلى إبراز البورجوازية الليبرالية، وكأنها مستقلة عن البورجوازية التابعة، في قراراتها، وفي تصورها للنظام السياسي، الذي تراه ليبراليا، وفي تصورها للدستور الديموقراطي، وللانتخابات، وللتمثيلية، في المؤسسات، وللحكومة، وغير ذلك، حتى تظهر وكأنها تحرص على مصلحة جميع مكونات المجتمع. إلا أنها ونظرا لطبيعتها الاستغلالية، غالبا ما تنخرط في تبني المواقف السياسية، للبورجوازية التابعة، حتى لا تصاب بالتهميش، وحتى تنال نصيبها من الكعكة، بانخراطها في ممارسة ديموقراطية الواجهة، التي ليست إلا ديموقراطية شكلية، ولذلك نرى ضرورة الدفع في اتجاه أن يحافظ الحزب البورجوازي الليبرالي، على ليبراليته، وعلى تصوره للممارسة الديموقراطية، حتى لا ينخرط في ديموقراطية الواجهة، وحتى تكون الليبرالية، في حالة تحققها، مدخلا للنضال الديموقراطي، الحقيقي، الذي ينخرط فيه جميع الكادحين، من أجل تحقيق الديموقراطية من الشعب، والى الشعب، وبمضمونها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي. وإلا فإن مهاجمة مواقف حزب البورجوازية الليبرالية، صارت ضرورية، ولا مفر منها، لانخراطه في ديموقراطية الواجهة.
4) موقف حزب البورجوازية الصغرى، الذي يوفق بين موقف حزب الإقطاع، وحزب البورجوازية التابعة، وحزب البورجوازية الليبرالية، وحزب الطبقة العاملة، وحزب اليسار المتطرف، وحزب اليمين المتطرف، حتى يستقطب حوله جميع الأحزاب وجميع المتعاطفين معها، ليشكل بذلك قطبا جماهيريا، يجعل منه حزبا للجميع. وهذه الممارسة السياسية التي ينتهجها حزب البورجوازية الصغرى، هي ممارسة توفيقية، تلفيقية، تضليلية، انتهازية، لا تخدم إلى المصلحة الطبقية البورجوازية الصغرى، التي تستغل التفاف الجماهير حول الحزب، من أجل تحقيق التطلعات الطبقية، التي تنقل الشرائح العليا من البورجوازية الصغرى، لتصير طبقيا إلى جانب الإقطاع، والبورجوازية التابعة، والبورجوازية الليبرالية، وتنفصل، وإلى الأبد، عن البورجوازية الصغرى، وعن سائر الكادحين، وفي مقدمتهم الطبقة العاملة.
ولذلك، كان لزاما على المخلصين إلى الجماهير الشعبية الكادحة، فضح، وتعرية ممارسات حزب البورجوازية الصغرى، في المجال السياسي، كما في المجال الإيديولوجي، وكما في المجال التنظيمي، حتى تدرك الجماهير الشعبية الكادحة حقيقة البورجوازية الصغرى الانتهازية، وتتجنب، أن تنخدع بممارساتها الهادفة إلى تضليل الجماهير، وحتى تصير الجماهير، اكثر وعيا من البورجوازية الصغرى نفسها، ومدركة لخلفيات انتهازيتها.
5) موقف حزب اليسار المتطرف السياسي، والمغامر، الذي يراهن على اندفاع الجماهير، من اجل تحقيق التطلعات الآنية، التي تبرز أهمية الدور الجماهيري، بعيدا عن أي تنظيم، كيفما كان نوعه، واعتبار أن الجماهير في غنى عن التنظيم، وعن نظرية التنظيم، ويكفي إطلاق الشعارات السياسية المحرضة، حتى تنطلق الجماهير من أجل " التغيير" الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، رغما عن الطبقة الحاكمة في كل بلد على حدة. فالجماهير في نظر اليسار المتطرف، المعتمد عل الرؤيا القاعدية للأشياء، هي المعنية بالتغيير، ولكن من هي هذه الجماهير التي تقوم بذلك؟
ولذلك، فعلى الجماهير الشعبية الكادحة، المعنية بأي تغيير، في أي مكان، أن تدرك أهمية التريث، وعدم الانسياق وراء الشعارات السياسية الآنية، والمندفعة، وغير المدروسة بدقة، والتي لا تصدر عن تنظيم مسؤول، وقانوني، حتى لا تتعرض للهلاك على يد الطبقات الحاكمة، التي تخدمها تلك المواقف السياسية المندفعة، باتخاذها مبرر قمع الجماهير، وللتخلص من المناضلين، الذين لا يد لهم في رفع الشعارات المندفعة، ولا في إصدار المواقف المغامرة. ولهذا فالضرورة تقتضي دراسة المواقف السياسية لليسار المغامر، التي تتراجع، وتندفع في نفس الوقت باعتبارها مواقف بورجوازية صغرى، تلتمس السرعة في تكريس الضغط على الطبقة الحاكمة، في كل بلد، حتى تستجيب لتحقيق تلك التطلعات. فالدراسة شيء أساسي بالنسبة للكادحين الذين يهتمون بما يجري في البلاد على المستوى السياسي، حتى لا يتحولوا إلى مجرد معبر لتحقيق التطلعات البورجوازية الصغرى، حتى ولو كان ذلك عن طريق دفع الكادحين، إلى القيام بعمل مغامر.
6) موقف حزب اليمين المتطرف، الذي لا يختلف في الجوهر عن موقف اليسار المتطرف، إلا في كونه يصدر عن اليمين المتطرف، ويهدف إلى حشر الجماهير للقيام بعمل واسع، بقصد ممارسة الضغط على الطبقات الحاكم،ة في البلاد ذات الأنظمة التابعة، لجعلها تستجيب ل"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وتعمل على إقامة "الدولة الإسلامية" لأن الإسلام: دين ودولة، ولأن الجماهير الشعبية الكادحة عندما يتم تجييشها من قبل اليمين المتطرف، فلأنها تسعى إلى فرض شعارات هذا اليمين على ارض الواقع، حتى وإن أدى الأمر إلى إصدار الفتاوى، التي تدفع الجماهير المجيشة، إلى القيام بها، رغبة في الحصول على الحق في الجنة. والواقع أن المواقف السياسية الصادرة عن اليمين المتطرف لا تخدم إلا مصالح الطبقات الحاكمة، التي تتخذها مبررا لتكريس كل أشكال القمع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، سعيا إلى تحقيق الأهداف المتعلقة بإخضاع الجماهير الشعبية، لارادة الطبقة الحاكمة، في كل بلد.
ولذلك كان من الأفيد العمل على دراسة مواقف اليمين المتطرف، حتى لا تنطلي الحيلة على الجماهير الشعبية الكادحة، وحتى لا يعتقد الناس: أن الغاية من المواقف السياسية الصادرة عن حزب اليمين المتطرف، تهدف فعلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، و إقامة الدولة الإسلامية، التي تنشر العدل بين الناس: لأن غاية حزب اليمين المتطرف في الواقع، هي الوصول إلى إقامة نظام مستبد بديل، بدل النظام المستبد القائم، وقطع الطريق أمام إمكانية قيام ديموقراطية، حقيقة، من الشعب والى الشعب. وهو هدف يجب التصدي له، لأنه يؤدي إلى قيام نظام سياسي، يدعى انه نظام إسلامي، يحكم بـ " اسم الله"، في وقت لم يعد فيه ظهور الأنبياء، والرسل، واردا. ولذلك نرى ضرورة اعتبار المواقف السياسية، بريئة من الدين الإسلامي، وأنها مواقف يعتبر تجريمها بسبب استغلالها للدين، الذي يجب أن يبقى بعيد عن الاستغلال السياسي.
7) موقف حزب الطبقة العاملة: الذي تتحكم في اتخاذه الآلية الديموقراطية، التي لا تستحضر إرادة الحزبيين، وحدهم بقدر ما تستحضر الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، باعتبارها معانية من الممارسة السياسية للطبقة الحاكمة، والأحزاب السياسية، التي لا تخدم إلا مصلحة الطبقة الحاكمة، بطريقة، أو بأخرى، ومصلحة الطبقات التي تمثلها تلك الأحزاب، وبالدرجة الأولى مصلحة الحزبيين في علاقتهم مع الطبقة الحاكمة. فاستحضار الجماهير الشعبية الكادحة، قبل، و أثناء التخطيط، لاتخاذ موقف سياسي، يعتبر مسالة أساسية في ممارسة حزب الطبقة العاملة: لأنه لا يراهن إلا على الجماهير الشعبية الكادحة، ولا يراهن أبدا على غير الكادحين، مهما كانوا، على مستوى التأثير السياسي، إلا إذا عبروا عن اقتناعهم بإيديولوجية الطبقة العاملة، وعن سعيهم إلى الارتباط العضوي بها، وتخليهم نهائيا عن تطلعاتهم الطبقية، وذلك الاستحضار الذي يستهدف التعمق، في معرفة الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، يجعل مواقف حزب الطبقة العاملة، معبرة عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، وعن إرادة الطبقة العاملة، مما يجعل الجميع يستجيب لتلك المواقف، ويحتضنها ويعتبرها مواقف شعبية، تستجيب لمتطلبات الشعب، الذي يسعى إلى تحقيق الحرية، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها أهدافا استراتيجية لحزب الطبقة العاملة.
ونظرا لكون موقف حزب الطبقة العاملة السياسي، يخدم مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، فإن هذا الموقف يخدم بطريقة مباشرة: قضية المرأة. لأن موقف حزب الطبقة العاملة هو الوحيد الذي يساوي في تنظيمه، وفي مواقفه السياسية، بين الرجل، والمرأة، وهو الوحيد الذي يسعى إلى محاربة كل المواقف المعادية للمرأة، سواء تعلق الأمر بموقف حزب الإقطاع، أو حزب البورجوازية التابعة، أو حزب البورجوازية، أو حزب البورجوازية الصغرى، أو حزب اليسار المتطرف، أو حزب اليمين المتطرف، والعمل على الكشف عن خلفياتها، وعن عمق معاناة المرأة بسبب تلك المواقف، وصولا إلى جعل المرأة تملك الوعي الطبقي، ككادحة تنتمي إلى الطبقات الكادحة، وكإنسان محرومة من حقوقها الإنسانية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. فالمرأة في المجتمعات التي يحكمها الإقطاع، والبورجوازية، ليست إلا متاعا، والبورجوازية الصغرى لا تحسم مع تسليعها، واليمين المتطرف لا يعترف لها بإنسانيتها، واليسار المتطرف لا يؤطر حرية المرأة تأطيرا علميا، مما يجعل كرامتها مهدرة من خلال علاقتها بالرجل. ولذلك فالتماس حرية الناس بصفة عامة، وحرية المرأة بصفة خاصة، لا نجده من خلال المواقف السياسية الحزبية في معظم الأحيان إلا في موقف حزب الطبقة العاملة، الذي يسعى إلى تحرير المجتمع ككل، من خلال وضح حد للاستغلال، بالعمل على تحويل ملكية وسائل الإنتاج، من الملكية الفردية، إلى الملكية الجماعية. لأنه حينها يتساوى الناس جميعا أمام القانون، وعلى المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.
فوضع حد للاستغلال يقتضي تحقق الحرية التي هي شرط وجود الأفراد والمجتمعات، كما يقتضي تحقيق الديموقراطية التي هي شرط استمرار سلامة المجتمع من مختلف الهزات التي قد يعرفها، فتؤدي إلى عكس المقصود منها، بالتراجع إلى الوراء، أو بإصابة الأفراد والمجتمع باليأس المستديم من أي أمل في الحرية والديموقراطية، كما يقتضي تحقيق العدالة الاجتماعية، التي تضمن التوزيع العادل للثورة، الذي يقف وراء قيام كل فرد بواجبه، في مقابل تمتعه بدخل يحقق حاجياته الضرورية، والكمالية، من خلال مبدأ: على كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته. وهو ما يعني زوالا أسباب قيام صراع تناحري بين أفراد المجتمع الذي تنتفي في بنياته الطبقات الاجتماعية المتناحرة. والصراع الوحيد الذي يبقى مستمرا هو الصراع الديموقراطي.
والآلية الخامسة: تتمثل في الاهتمام ببناء المنظمات الجماهيرية، النقابية، والثقافية، والحقوقية، وغيرها من المنظمات الجماهيرية، التي تقوم بدور أساسي: لصالح أفراد المجتمع ككل، ولصالح المرأة بالخصوص، ومن أجل تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، للرجل، والمرأة على السواء:
1) فبالنسبة للتنظيمات النقابية نجد أن علينا أن نميز بين مستويين منها. مستوى النقابات البيروقراطية، أو التابعة لحزب معين، أو التي تعتبر مجرد منظمات حزبية، ومستوى النقابات المحكومة بالمبادئ، التي تساعد على أداء مهامها النقابية، وعلى أساس مبدئي. فالتقدمية تجعل النقابات المبدئية، تسعى باستمرار، ودون توقف، ومهما كانت الشروط الموضوعية التي تقتضي ذلك التوقف، إلى تحسين الأوضاع الموضوعية للطبقة العاملة، ولسائر الأجراء. والديموقراطية تقتضي تمكين النقابات، والنقابيين، من المساهمة الفعلية في انتخاب الأجهزة، وفي الترشيح لتحمل المسؤولية النقابية، وفي اتخاذ القرارات النضالية، وتنفيذها. والجماهيرية تسعى إلى جعل النقابة رهن إشارة جميع الأفراد، وتناضل من اجل تحقيق مطالب جميع الأفراد، سواء كانوا منخرطين في النقابة، أو غير منخرطين. والاستقلالية تفرض أن النقابة لا تقع تحت طائلة القائد البيروقراطي، ولا تصير تابعة لحزب معين، ولا تتحول إلى مجرد منظمة حزبية، حتى تعبر قراراتها عن الاستقلالية التامة عن الأفراد، وعن التبعية للأحزاب، ولأجهزة الدولة. والوحدوية تدفع النقابة إلى تنظيم الأجراء بدون استثناء، وتوحيد المطالب بين جميع شرائحهم، و إشراكهم في جميع النضالات المطلبية.
ولذلك فموقف النقابات على المستوى السياسي، إما أن يكون امتدادا لمواقف الأفراد، الناتجة عن انتمائهم إلى حزب معين، أو امتدادا لمواقف الأحزاب، التي توجه العمل النقابي، أو تعتبر النقابات جزءا من تنظيماتها. و إما أن يكون معبرا، فعلا، عن مبدئية النقابة، وامتدادا لإرادة جميع أفراد الإجراء، بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية، وعن اقتناعهم بمواقف سياسية معينة.
ولذلك، فإن موقفها من المرأة، قد يكون تكريسا للدونية، وللقهر المزدوج، الممارس عليها، كامتداد للمواقف السياسية المكرسة لتلك الدونية، وقد يكون سعيا إلى تحقيق المساواة بينها وبين الرجل، في الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسة. والنقابات، بذلك، إما أن تسعى إلى تكريس حرمان المرأة من الحرية، كما هو واقع الحال، و إما أن تسعى إلى تحرير المرأة من مختلف القيود المفروضة عليها في الواقع، وتصير كالرجل في كل شئ.
2) و ما قلناه عن النقابات، نقوله عن الجمعيات، التي يمكن تصنيفها إلى جمعيات يقودها ديموقراطيون. وتكون تلك الجمعيات إما مبدئية: ديموقراطية، تقدمية، جماهيرية؟، مستقلة، تهتم بالقضايا الجماهيرية المختلفة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، وبقضية المرأة، والطفل، من اجل جعل الجماهير الشعبية تمتلك وعيا معينا تجاه تلك القضايا. وجمعيات من هذا النوع، تربي المستهدفين على ممارسة الحرية الفردية، والجماعية، في تعاملها مع مختلف القضايا، التي تهم الأفراد والجماعات، وتسعى، بالخصوص، إلى بث القيم التي تكرس حرية المرأة، عن طريق جعلها تمتلك وعيها بالواقع، في كل تجلياته، وتدرك دورها في تطوير الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، من خلال نضالها، وحرصها الدؤوب، على التمتع بحقوقها المختلفة. و إما أن هذه الجمعيات يقودها بيروقراطيون، أو حزبيون، يسعون إلى جعلها تابعة لأحزابهم، أو مجرد منظمات حزبية. ولذلك فهي لا تصرف إلا رؤى الأفراد، أو الأحزاب في العمل الجماهيري، لكونها تفتقر إلى المبدئية، والى المصداقية، في تعاملها مع القضايا الجماهيرية.
وهذا التمييز يساعد المتتبع على معرفة: ما هي الجمعيات التي تسعى إلى تحرير الإنسان، أفرادا، وجماعات، عن طريق التربية على حقوق الإنسان، والى تحرير المرأة، بصفة خاصة، بإكسابها القدرة على الوعي بإمكانياتها الذاتية، والموضوعية، الساعية إلى رفع مكانتها في المجتمع، من خلال مساهمتها في تطوير الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة. وبالتالي: فإن الجمعيات التي لا تساهم في تحرير الإنسان، والمرأة يجب فضح ممارساتها، وتعرية مسلكية أفرادها، الذين يهتمون بقضايا تغرق المجتمع، في كل أشكال التخلف، إن لم تصبح مجرد أدوات في أيدي مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين يستغلونها في نشر أدلجة الدين الإسلامي، وفي جعل المستهدفين قابلين للتجييش، لتحقيق أهداف محددة، أهمها: الوصول إلى مراكز القرار، وامتلاك سلطة القرار، لفرض تلك الأدلجة على جميع أفراد المجتمع. ومهمة الجمعويين الحقيقيين تكمن في التصدي لمثل هذه الجمعيات، ومناهضة ممارستها المختلفة، وصولا إلى تكريس سيادة العمل الجمعوي الجاد.
3) وفيما يخص الجمعيات الحقوقية، فإن المفروض فيها أن تكون تقدمية، ديموقراطية، جماهيرية، مستقلة، وكونية، وشمولية. و هي بذلك تعمل على تمتيع الناس بجميع الحقوق العامة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، والحقوق الخاصة بالعمال، وبالمرأة، وبالطفل، وبالمعاقين، وغيرها، مما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية المختلفة.
والجمعيات الحقوقية بنضالها من أجل تمتيع الناس جميعا بالحقوق العامة، والخاصة، فإنها تصير وسيلة أساسية، إلى جانب وسائل أخرى، لتحقيق الحريات الفردية، والجماعية، ولتحقيق حرية المرأة، التي لا تتناقض أبدا، مع الحريات العامة، التي يحق لكل الناس التمتع بها.
وبوقوفنا على الجوانب المختلفة، التي يجب أن يلامسها وعي الناس بصفة عامة، ووعي المرأة بصفة خاصة، نكون قد خلصنا إلى القول: بأن حرية الإنسان بصفة عامة، وحرية المرأة بصفة خاصة، هي ممارسة لا تتحقق إلا من خلال مستويين :
1) مستوى الوعي بالحقوق العامة، والخاصة، كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان المختلفة، وبضرورة التنظيم، وبامتلاك الوعي الإيديولوجي، والسياسي، من خلال الوقوف على طبيعة إيديولوجيات الأحزاب، ومواقفها السياسية، حتى يتبين: ما هي الإيديولوجية التي تساعد على امتلاك الحق في الحرية؟ وما هو الموقف السياسي الذي يساعد على ممارسة تلك الحرية على ارض الواقع؟
2) مستوى النضال من أجل الحرية، انطلاقا من برنامج محدد، وهادف، ووفق مستويات النضال الجمعوي، والحقوقي، والنقابي، والسياسي، سعيا إلى تحقق الحرية، التي لا يتأتى التمتع بها بدون تحقيق الديموقراطية، والعدالة الاجتماعية، لأن النضال من أجل الحرية، هو نفسه النضال من أجل الديموقراطية، وهو نفسه النضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.
فهل يدرك الكادحون أهمية النضال من اجل الحرية، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية؟
وهل تدرك المرأة أهمية انخراطها في النضال الديموقراطي، من اجل تحقيق حريتها، إلى جانب تحقيق الحريات العامة لجميع أفراد المجتمع؟
إننا أمام واقع يقتضي امتلاك الوعي به والنضال من أجل تغييره.
العلاقة بالواقع / علاقة بالاستعباد:
فما هي علاقة الإنسان بالواقع المستهدف تغييره؟
هل هي علاقة انسجام أم علاقة تناقض؟
هل يمكن أن تؤدي هذه العلاقة إلى تغيير الواقع؟ أم إلى تكريس بنياته القائمة؟
وما هي علاقة المرأة بهذا الواقع؟
هل هي علاقة احتواء؟ أم علاقة رفض ؟
هل تسعى المرأة إلى تغيير الواقع؟ أم إلى تكريسه؟
إننا عندما ننظر في علاقة الإنسان بالواقع، فإن علينا أن نميز بين مستويين من العلاقة، مستوى علاقة المستغل(بكسر الغين) بالواقع، ومستوى علاقة المستغل (بفتح الغين).
فعلاقة كل مستفيد من الاستغلال، تقتضي بأن يكون الواقع تحت طائلة الاستغلال، الذي يمارسه على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.
فكل شئ في الواقع، يجب أن يكون في خدمة الاستغلال، حتى يتكرس المستغلون أسيادا، على عرش الاستغلال، وحتى يصيروا قادرين على العمل على تأبيد استغلالهم. والمستغلون يختلفون من تشكيلة اجتماعية، إلى تشكيلة اجتماعية أخرى.
فهم في التشكيلة العبودية، يتكونون من الأسياد، وفي التشكيلة الإقطاعية من الإقطاع، وفي التشكيلة الرأسمالية من البورجوازية. والبورجوازية في التشكيلة الاجتماعية، القائمة على الصعيد العالمي، لا تستطيع تأبيد سيطرتها، إلا بامتلاك سلطة الدولة، التي تستغلها على المستوى العالمي، لتعميق استغلالها، ولتأبيد ذلك الاستغلال.
أما علاقة الذين يمارس عليهم الاستغلال بالواقع، فيختلف كذلك من تشكيلة إلى أخرى. فهم في التشكيلية العبودية يتكونون من العبيد، وفي التشكيلة الإقطاعية يتكونون من الأقنان، و في التشكيلة الرأسمالية يتكونون من العمال، وهم في التشكيلة القائمة الآن التي هي التشكيلة الرأسمالية، وعلى المستوى العالمي، يسعون إلى تحقيق إنسانيتهم، من خلال مقاومة شراسة الاستغلال الممارس عليهم، عن طريق المطالبة المستمرة بتحسين شروط العمل، وتحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، بواسطة العمل النقابي، الذي تقوده التنظيمات النقابية، على المستوى المحلي، وعلى المستوى الوطني، والقومي، والعالمي، لتحقيق المطالب المادية، والمعنوية، من خلال برامج محددة، كما يسعون إلى وضع حد للاستغلال بالعمل على تغيير الملكية الفردية، بالملكية الجماعية، بواسطة النضال السياسي للطبقة العاملة، الذي يقوده حزبها الثوري، الذي يأخذ على عاتقه أن يرتقي بوعي العمال، من مجرد المطالبة بتحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، إلى مستوى امتلاك الوعي الطبقي الحقيقي، الذي يجعل الطبقة العاملة تنخرط في النضال، ومن بابه الواسع، من أجل تحسين شروط العمل، ثم من أجل وضع حد لكافة أشكال الاستغلال الممارس عليها على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وصولا إلى تحقيق الحرية، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية.
وانطلاقا من هذا التصور لعلاقة الإنسان بالواقع، يمكن أن نسجل أن الطبقة المستفيدة من الاستغلال هي التي تكون منسجمة مع الواقع الذي يخدم مصالحها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدينة، والسياسية، لكون النظام الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، يؤهل المجتمع، بكافة فئاته المقهورة، لاعتبار الاستغلال الممارس عليها عملا مشروعا، ومقبولا، خاصة وأنها لا تملك إلا أن تبيع قوة عملها.
أما الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال، فإنها تعاني من الغربة عن الواقع. فهي أولا تبيع قوة عملها، وهي مضطرة لذلك، لكونها لا تملك شيئا، وعليها أن تعيش، وكيفما كان مستوى هذا العيش. ولذلك فهذه الطبقة تقضي عمرها تبيع قوة عملها، ولا تحلم إلا بتحسين شروط العمل، الذي لا يخلصها من الاستغلال، ولا يزيح عنها الشعور بالغربة، ويجعل انسجامها مع الواقع غير وارد، ما لم تمتلك وعيها الطبقي، الذي هو البداية لمعرفة ما يجب عمله، للتخلص من الاستغلال، الذي هو الطريق الطبيعي، لجعل المقهورين الذين يمارس عليهم الاستغلال، ينسجمون مع الواقع.
ولذلك فالطبقة المستفيدة من الاستغلال ، تكون علاقتها بالواقع علاقة انسجام، أما الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال، فتكون علاقتها بالواقع علاقة تناقض. وفي العلاقتين معا، نجد السعي إلى تأبيد السيطرة الطبقية في الحالة الأولى، والسعي إلى التخلص من تلك السيطرة في الحالة الثانية.
ونحن في تعاملنا مع الطبقة المستفيدة من الاستغلال، نجد أنها توظف ما توفر لديها من إمكانيات، لتغيير الواقع، بما يخدم مصلحتها الطبقية، في اتجاه تعميق استغلالها للفئات المستهدفة بالاستغلال المادي، والمعنوي، حتى تتم مضاعفة فائض القيمة، الذي يزيد من التراكم الرأسمالي لديها، والذي يعتبر مصدرا لعملتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وهو ما يعني: أن تغييرها للواقع، لا يستهدف إلا تطوير وسائل الإنتاج، واليات التبادل التجاري، وإيجاد أسواق جديدة، لتصريف البضائع التي تنتجها بمختلف المؤسسات الإنتاجية التي تملكها.
أما علاقة الطبقة العاملة بالواقع، فإنه يكون محكوما بالسعي المستمر إلى جعل الإنتاج في خدمة الطبقة العاملة، وسائر الكادحين، عن طريق الحرص على تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، للطبقة العاملة، ولسائر المقهورين، كخطوة في اتجاه بناء الأداة الثورية، التي تقود الطبقة العاملة، وسائر الكادحين، إلى وضع حد للاستغلال، وبصفة نهائية، عن طريق امتلاك سلطة الدولة، واستغلال أجهزتها التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، لجعل ملكية وسائل الإنتاج في ملك جميع أفراد المجتمع، حتى يصير الإنتاج في خدمة المجتمع ككل. وتغيير من هذا النوع، لا يمكن اعتباره إلا تغييرا استراتيجيا، يسبقه سعي إلى القيام بتغييرات مرحلية، قد تكون قصيرة المدى، أو متوسطة المدى، وقد تكون طويلة المدى.
وهذه التغييرات المرحلية، لا تتم إلا في إطار ما صار يعرف بالنضال الديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة، ونزيهة، وتكوين حكومة من الأغلبية البرلمانية، تكون مهمتها العمل على التخفيف من المعاناة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية للجماهير الشعبية الكادحة.
ولذلك نجد أن العلاقة بالواقع تنتج مستويين من التغيير :
1) مستوى التغيير الهادف إلى تكريس الاستغلال المادي، والمعنوي، عن طريق تطوير آليات الاستغلال المادي، والمعنوي، للطبقة العاملة ولسائر الكادحين. وتغيير من هذا النوع، يؤدي إلى تكريس الاستغلال، ويعمقه، ويساعد على تأبيد السيطرة الطبقية، ويعمق تلك السيطرة.
2)مستوى التغيير الهادف إلى تحويل الملكية الفردية: إلى ملكية جماعية، الذي يسبقه تغيير إيديولوجي، وثقافي، وسياسي. وهذا النوع من التغيير يقضي على الاستغلال، وبصفة نهائية، لصالح تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، التي هي أمل الكادحين في كل أرجاء الأرض.
وبالنسبة لعلاقة المرأة بالواقع، فإنها يمكن أن تصنف ضمن الإطار العام الذي رأيناه. فهي إما سيدة، أو إقطاعية، أو بورجوازية، حسب التشكيلة التي وجدت فيها، وإما أمة ،أو قنة، أو عاملة: أي أنها إما ممارسة للاستغلال، أو يمارس عليها الاستغلال، وبالتالي فالمرأة المستفيدة من الاستغلال، يحتويها الواقع، وتصير حريصة على تكريسه، والمرأة التي يمارس عليها الاستغلال، ترفض الواقع القائم، وتسعى إلى تغييره.
وبناء على هذا التصور: فالمرأة التي تنتمي إلى الطبقة المستفيدة من الاستغلال، تسعى إلى تغيير وسائل الإنتاج، بهدف تعميق الاستغلال، وتطويره، للزيادة في خدمة المصالح الطبقية، للمستفيدين من الاستغلال.
أما المرأة المنتمية إلى الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال، فإنها في حالة امتلاكها للوعي الطبقي، تنخرط في النضال المرحلي، من أجل تحسين أوضاعها المادية، والمعنوية، كما تنخرط في النضال السياسي من بابه الواسع، من أجل العمل على تغيير ملكية وسائل الإنتاج: إلى ملكية جماعية، لتحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها الإطار الذي تتحقق فيه المساواة بين الرجال، والنساء.
وما يمكن الوقوف عليه: هو أن المرأة، في إطار علاقتها بالواقع، تعاني من النظرة الدونية، سواء كانت مستفيدة من الاستغلال، أو مستغلة (بفتح الغين).
وهذه النظرة: تبقى رهينة بطبيعة الثقافة السائدة، والتي تأتي إما من الثقافة التقليدية المحافظة، أو المؤدلجة للدين الإسلامي، التي تكرس كون المرأة مجرد متاع، يجب حفظه، حتى لا يصير مبتذلا بين الناس، أو أنه مجرد عورة، يجب سترها، كما تأتي من الثقافة الرأسمالية الغربية، التي يسمونها ثقافة الحداثة، التي لا ترى في المرأة إلا كونها سلعة؟، أو بضاعة تعرض في الأسواق، كباقي البضائع، حتى تقف وراء الزيادة في استهلاك البضائع الرأسمالية: أي أن المرأة، في نظر النظام الرأسمالي، هي أداة للزيادة في استهلاك البضائع الرأسمالية.
ولإزالة النظرة الدونية للمرأة، نجد أنفسنا في حاجة إلى ثورة ثقافية، لخلخلة البنيات العقلية، التي سادت في المجتمع الرأسمالي، وفي غيره من التشكيلات الاجتماعية السابقة عليه، من أجل اقتلاع النظرة الدونية للمرأة من العقليات، ومن المسلكيات الفردية، والجماعية، حتى تسود نظرة المساواة بين الرجال، والنساء، التي تقتضي القيام بتفكيك البنيات الثقافية التقليدية، وتفكيك البنيات الثقافية الرأسمالية، وتفكيك ادلجة الدين الإسلامي في نفس الوقت، حيث تعتبر هذه الثقافات مصادر لدونية المرأة، والعمل على إنتاج ثقافة تقود إلى احترام المرأة، وتقدير عطاءاتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، والعمل على تطوير نظرة المرأة لنفسها، حتى لا تستمر في تسليع جسدها، مما يؤدي إلى احتقارها.
والقيام بالثورة الثقافية، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى إعطاء النضال الديمقراطي بعدا جديدا، بانخراط المرأة الواسع فيه، حتى تزول كل الفوارق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية التي تميز بين الناس، في التشكيلات الاجتماعية العبودية، والإقطاعية، والرأسمالية.
وتتحقق المساواة بين الناس جميعا في المجتمع الاشتراكي الذي يعتبر وحده المجال الذي تتحقق فيه تلك المساواة. والبشرية لا يمكن أن تتخلص من الكثير من الأمراض، إلا بالتخلص من الاستغلال الطبقي، الذي هو المدخل لحرية الإنسان، ولحرية المرأة.
وما رأيناه يؤطر علاقة المرأة بالواقع على المستوى العام. أما على المستوى الخاص فإننا نجد :
1) أن علاقة المرأة بالواقع: هي علاقة محكومة بالعادات، والتقاليد، والأعراف، التي تسود في مجتمع معين، والتي تكرس إما النظرة الدونية للمرأة، في حالة سيادة تخلف المجتمع المحكوم بالتقليد الإقطاعي، أو بأدلجة الدين الإسلامي، أو بالعقلية البورجوازية، التي تجعل المرأة مجرد سلعة معروضة للتمتع بها، أو بنظرة احترام المرأة في حالة تقدم المجتمع وتطوره، وفي حالة سيادة الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.
وبطبيعة الحال، فهذه العلاقة تتجسد من خلال كون المرأة متعلمة، أو غير متعلمة، وهل تتمتع بالحماية الصحية؟ أم أنها لا تتمتع بها؟ وهل تتاح لها الفرصة لشغل المناصب المختلفة في أجهزة الدولة ؟ وهل في إمكانها أن تقوم بالأعمال الحرة؟ أم لا ؟ وهل تنخرط في الجمعيات المختلفة، وفي النقابات، وفي الأحزاب السياسية ؟ وهل تتحمل المسؤوليات الرئيسية في مختلف الإطارات الجمعوية، والنقابية والحزبية؟ وهل تتحمل المسؤوليات الرئيسية في أجهزة الدولة الحكومية والتشريعية والقضائية؟ أم لا ؟
فانخراط المرأة في مختلف التنظيمات، وتواجدها في مختلف القطاعات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وأجرأة ملاءمة القوانين المحلية لأجرأة احترام مساواة المرأة للرجل، وتجريم مختلف الممارسات المؤدية إلى إهانة المرأة، واحتقارها في الحياة العامة، ووضع قوانين لردع مرتكبي جرائم إهانة المرأة، وتجريم حرمان المرأة من التعليم، ومن الحماية الصحية، ومن العمل، كما هو الشان بالنسبة للرجل، وإنشاء هيأة لمراقبة احترام حقوق الإنسان، بصفة عامة، والحقوق الإنسانية للمرأة، بصفة خاصة، وصولا إلى مجتمع بدون إهانة للمرأة، وبدون تكريس لدونيتها؟، حتى يتأتى لها أن تعيش إنسانيتها، التي حرمت منها، ولقرون طويلة، من خلال سيادة التشكيلات الاجتماعية المختلفة، التي يسود فيها استغلال الإنسان، بصفة عامة، واستغلال الرجل للمرأة، بصفة خاصة.
فهل يصير الواقع خاليا من تكريس دونية المرأة ؟
وهل يتم تجريم تلك الدونية سعيا إلى القضاء عليها؟
إن تطور الواقع في هذا الاتجاه، يحتاج إلى عمل خاص، من خلخلة، وفضح الممارسات المسكوت عنها، والتي يأتي في مقدمتها تكريس دونية المرأة على جميع المستويات، حتى يتحرر الناس، في اتجاه نبذ كل مظاهر التخلف.
2)أن علاقة المرأة بالرجل، هي التي تحدد: إلى أي حد تتحرر المرأة؟ أو إلى أي حد تعاني من القهر، والاستعباد، والدونية، والتخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي؟
وهل في الإمكان التخلص من مختلف الأمراض، التي تحكم علاقة المرأة بالرجل في المجتمع المحكوم بالعقلية الإقطاعية المتخلفة، أو بعقلية مؤدلجي الدين الإسلامي، أو بالعقلية البورجوازية التابعة، أو بالعقلية البورجوازية الليبرالية، أو بالعقلية البورجوازية الصغرى، أو بعقلية اليسار المتطرف، أو اليمين المتطرف؟
لأن علاقة الرجل بالمرأة كزوج هي علاقة محكومة بعقلية الرجل، وبعقلية المرأة، في نفس الوقت، هل هي عقلية الإقطاع ؟ أو عقلية بورجوازية ؟ أم بورجوازية صغرى ؟ أم عقلية الطبقة العاملة؟ أم عقلية اليسار المتطرف؟ أم اليمين المتطرف؟ فطبيعة تلك العلاقة هي التي تحدد هل يتعامل الرجل مع المرأة كإنسان؟ أم أنه يتعامل معها كمجرد متاع تجب المحافظة عليه ؟ أو أنها مجرد سلعة تعرض في الأسواق؟
فإن كانت نظرة الرجل، كزوج، للمرأة ،كزوج أيضا، على أنها إنسان، فإن المفروض أن يحترم إنسانيتها، التي تقتضي تمتيعها بحقوقها الإنسانية العامة، وحقوقها كامرأة تتميز عن الرجل، بخصوصيات معينة تفرض تمتيعها بأمور لا تجوز للرجل. وإن كانت نظرته إليها على أنها مجرد متاع، أو سلعة، فإنه بطبيعة الحال ينظر إليها على أنها يمكن أن تستبدل بامرأة متاع، أخرى، أو تشترى إلى جانبها امرأة سلعة، أخرى. وبالتالي فإن قيمتها في التمتع بها أو في استهلاكها كسلعة، ولا داعي لان يستحضر الرجل، في ممارسته، أنها تستحق التقدير، والاحترام من الرجل، وأن وظيفتها في إنجاب الأولاد، وتربيتهم في أحسن الأحوال، وأن تكون رهن إشارة الرجل، انطلاقا من أن الرجال قوامين على النساء، وإذا سمح لها بالخروج فذلك منحة منه، أما إذا سمح لها بالعمل، فإنه يرى فيها مشروعا اقتصاديا، يستثمره لصالحه، ويرى أن من حقه أن يمنعها عن العمل متى شاء.
ولذلك نرى أن من الواجب إشاعة التربية على حقوق الإنسان الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، كما هي في المواثيق الدولية، وعلى حقوق المرأة، كما هي في الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وعلى حقوق العمال، كما هي في المواثيق الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية، وعلى حقوق الأطفال، كما هي في الميثاق الدولي المتعلق بحقوق الطفل، من منطلق أن التربية على الحقوق الإنسانية بصفة عامة، وعلى الحقوق الإنسانية للمرأة بالخصوص، هي المدخل لقيام علاقة موضوعية، و إنسانية، ومتساوية، بين الرجل، و المرأة. وهي المدخل لوضع قوانين تقر تلك المساواة، وتفرضها في المعاملة اليومية، وفي قوانين الأسرة التي يجب أن تتلاءم بدورها مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى تكون منطلقا لبناء الأسرة، في كل بلد على حدة، ومرجعا لإقرار المساواة بين الرجل، والمرأة، في الأسرة، والمجتمع على السواء.
1) أن علاقة المرأة بالعادات، والتقاليد، و الأعراف، تتحدد طبيعتها بالنسبة إلى طبيعة العادات، والتقاليد، و الأعراف، هل تناسب التشكيلة العبودية؟ أم التشكيلة الإقطاعية؟ أم التشكيلة الرأسمالية؟ أم التشكيلة الاشتراكية؟ وبالتالي، وتبعا لعلاقتها بالتشكيلات المختلفة، فإننا يمكن أن نميز بين مستويين منها :
أ- مستوى العادات، والتقاليد، و الأعراف، المكرسة لدونية المرأة، والتي لا يمكن أن تكون إلا نتيجة لاعتبار المرأة متاعا، أو اعتبارها مجرد سلعة، أو اعتبارها عورة. وهذه النظرة، تجعل العادات، والتقاليد، والأعراف، مكرسة لدونية المرأة، ومحتقرة لها. ولذلك نرى من الضروري التصدي لهذا الشكل من العادات، والتقاليد، والأعراف، لإعطاء أهمية لرفع مكانة المرأة، حتى تصير دونيتها غير واردة، جملة، وتفصيلا.
ب- مستوى العادات، والتقاليد، و الأعراف، المكرسة لحرية المرأة، وتمتيعها بحقوقها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، ومساهمتها في بناء المنظمات الجماهيرية، والنقابية، والحزبية، والمالكة للحق في تحمل مختلف المسؤوليات، في مؤسسات الدولة التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. وهذا الشكل من العادات، والتقاليد، والأعراف، يجب العمل على إشاعته، والدفاع عنه، والتمسك به، لمساهمته في رفع مكانة المرأة، وفي إزالة كافة العوائق، التي تحول دون تمتعها بحقوقها.
فالعادات، والتقاليد، و الأعراف، إذن، يمكن أن تكون وسيلة: إما لتكريس دونية المرأة، وإما لرفع مكانتها في المجتمع. وما يجب استحضاره في هذا الإطار: هو أن العادات، والتقاليد، والأعراف، ليست إلا قيما، تتخذ صفة الثبات التلقائي، الذي يتم الإجماع عليه، بطريقة غير مباشرة، ودون اتفاق مسبق. ونحن عندما نسجل أنها مجموعة من القيم، فإن ذلك يعني: أن في إمكان الحركات المناضلة الجمعوية، والنقابية، والحزبية، والحقوقية، أن تعمل على إخضاعها للتشريح والنقد، والعمل على نفي قيم التخلف ذات المصادر العبودية، و الإقطاعية، والبورجوازية، التي تحط من كرامة المرأة، وتدفع إلى احتقارها، والعمل على تغذية تلك العادات، والتقاليد، و الأعراف، بقيم الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها قيما تشكل مدخلا لاستحضار: أن المرأة إنسان، وأن هذا الإنسان من حقه، كباقي البشر، أن يتمتع بحقوقه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وأن طبيعة هذا الإنسان: ذات خصوصية معينة، يمكن استحضارها لإضافة حقوق خاصة، يجب الحرص على تمتيعها بها حتى تتمتع بكيانها المستقل، وتصير فاعلة في الواقع بما يتناسب مع قدراتها، وإمكانياتها المادية، والأدبية.
وإلى جانب ما ذكرنا علينا أن نستحضر: أن العادات، والتقاليد، والأعراف، ذات بعد طبقي، وأن هذا البعد يجب استحضاره في التعامل مع القيم السائدة في المجتمع، والتي تساهم في تشكيل الممارسات المتكررة في صفوف الطبقات؟، التي تمارس الاستغلال على المجتمع ككل، وعلى الكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة بصفة خاصة، ليست هي نفسها في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة.
فالعادات والتقاليد والأعراف في صفوف المستفيدين من الاستغلال، سرعان ما تتغير، لكثرة احتكاكهم بالثقافات المختلفة، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، ونظرا للثروات المتوفرة لديهم بسبب الاستغلال.
ولذلك يظهر أن المرأة السيدة، أو المرأة " الإقطاعية "، أو المرأة " البورجوازية"، متحررة، وتتمتع بحقوقها، وهي في الواقع ليست إلا متاعا، أو سلعة.
أما العادات، والتقاليد، والأعراف، في صفوف الكادحين، فإنها تتخذ صفة الثبات، لغياب الاحتكاك بينهم، وبين الثقافات المختلفة، التي تغذيهم بالقيم، التي تجعلهم يغيرون نظرتهم الدونية للمرأة. ولذلك نرى أن على الجمعيات، والنقابات، و الأحزاب، أن تقوم بأنشطة تهدف إلى تغذية الكادحين بقيم الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها قيما يسعى الكادحون إلى سيادتها في الواقع، و باعتبار تلك السيادة وسيلة لإزالة النظرة الدونية للمرأة من صفوف الكادحين، والعمل على التعامل في الواقع، على أساس من المساواة بين الناس جميعا، لا فرق بينهم على أساس الجنس بالخصوص، لتصير العادات، والتقاليد، والأعراف، متطورة في اتجاه أن تصبح المرأة مساوية للرجل، من خلال العادات، والتقاليد، والأعراف، التي تصير اكثر تطورا، من عادات، وتقاليد، و أعراف الطبقات المستغلة (بكسر الغين)، والمستفيدة من الاستغلال، في نفس الوقت، انطلاقا من أن المجتمع يتطور باستمرا،ر على جميع المستويات، وعلى مستوى القيم، وهكذا...
4) أن علاقة المرأة بالقوانين تقتضي الوقوف على طبيعة الطبقة التي تحكم، والتي تعمل على وضع القوانين التي تخدم مصالحها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وهل هي محترمة لحقوق المرأة؟ أم أنها تتمسك باعتبارها متاعا، أو سلعة؟
فإذا كانت الطبقة التي تحكم، تمارس احترام الحرية، وتطبق الديمقراطية الحقيقية، من الشعب، وإلى الشعب، وتحرص على تحقيق العدالة الاجتماعية، فإن القوانين التي تعمل على وضعها، وعلى تطبيقها على أرض الواقع، لابد أن تكون متلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ومع الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة. وبالتالي: فإن المرأة تصير، طبقا لتلك القوانين، مساوية للرجل على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. وكنتيجة لذلك، فإن المسلكية العامة المترتبة عن تطبيق تلك القوانين، تختفي منها، وبصفة نهائية، دونية المرأة التي تصير إنسانا، له مكانته التي لا تقل عن مكانة الرجل، الذي سوف لا يجرؤ على إهانتها، واحتقارها، لكون القوانين، المعمول بها، هي قوانين رادعة لكل من تجرأ على إهانة إنسانية المرأة، كما هي رادعة لكل من يتجرأ على إهانة إنسانية الرجل.
أما إذا كانت الطبقة التي تحكم لا تحترم الحرية، ولا تطبق الديمقراطية الحقيقية، ولا تعمل على إشاعة العدالة الاجتماعية، فإنها تكرس دونية المرأة، لكونها مجرد متاع يجب حفظه، كما يفعل الإقطاعيون، و مؤد لجو الدين الإسلامي، الذين يعتبرونها أيضا عورة، يجب سترها، أو لكونها سلعة، يحق لأي كان شراؤها لتصبح ملكا له.
و سواء كانت متاعا، أو عورة، أو سلعة، فإن الطبقة الحاكمة تحرمها من ممارسة حريتها، ومن التمتع بحقوقها المنصوص عليها في المواثيق الدولية، والمتعلقة بحقوق الانسان، أو في الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، ولا تعمل أبدا على ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية، حتى لا تصير المراة كالرجل أمام القانون، وحتى لا تصير تلك القوانين مصدرا للمساواة بين المرأة، والرجل، على أرض الواقع.
والطبقات المستفيدة من الاستغلال، عندما تحرص على سيادة القوانين المجحفة بحقوق المرأة، والمكرسة لدونيتها، فلأنها لا تريد أن توسع دائرة الحرية في المجتمع، حتى لا تضطر إلى تلبية المطالب، التي تؤدي إلى تقليص حجم استفادتها من الاستغلال المادي، والمعنوي، للكادحين وطليعتهم الطبقة العاملة. وهكذا يتبين لنا: أن طبيعة الطبقة التي تحكم هي التي تحدد: هل علاقة المرأة بالقوانين المحلية المتبعة هي علاقة تناسب، يتم في إطارها احترام حرية المرأة، وحقوقها المختلفة؟ أم علاقة تناقض، تقتضي العمل على مقاومة الطبقة التي تعمل على تطبيقها؟ والمطالبة بتغيير تلك القوانين، حتى لا تصير المرأة مجرد متاع، أو عورة، أو سلعة معروضة في السوق، لأجل الاستهلاك، وحتى يتم تثبيت حرية المرأة، وتثبيت حقوقها على ارض الواقع.
وإذا لم يثبت تثبيت حرية المرأة، وتثبيت تمتيعها بحقوقها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، من خلال علاقة المرأة بالواقع، وبالرجل، وبالعادات، والتقاليد، و الأعراف، وبالقوانين السائدة، فإن المرأة تبقى مستعبدة من قبل الطبقات المستفيدة من استغلال المجتمع، ومن استغلال المرأة بالخصوص، عن طريق تكريس دونيتها في الواقع، وأمام الرجل، وفي العادات، والتقاليد، والأعراف، وبواسطة القوانين، حتى تستمر المرأة ذاعنة قابلة بالاستغلال المادي، والمعنوي الممارس عليها، ووسيلة لتكبيل الرجل، وكبح مطالبه، وجعله يتنازل عن حقوقه المختلفة، حتى تطمئن الطبقات المستفيدة من الاستغلال على مستقبل استغلالها. ولذلك فهي تستعبد المرأة، والرجل على السواء، وتغرق في استعباد المرأة، وتحرض الرجل على استعبادها، وتدفع المرأة إلى جعل الرجل قابلا بالاستغلال، وخاضعا لارادة المستفيدين من الاستغلال، وغير منخرط في النضالات المطلبية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى يحافظ على علاقته بالطبقات المستفيدة من الاستغلال، وغير مرتبط بالجمعيات، والنقابات، والأحزاب، لاجل ذلك.
الجزء الأول
محمد الحنفي
إهــــــداء
إلى زوجتي و أم أولادي لطيفة التي تناضل من أجل حقوق المرأة،
إلى كل امرأة ناضلت من أجل أن تصون كرامة بنات جنسها.
إلى كل امرأة، باعتبارها أما، وأختا، وزوجة، وبنتا، تحرص على أن تنال تقدير الناس لها.
إلى فاما، التي تستحق تقدير الشعب المغربي، لاختيارها اعتناق قضاياه الكبرى، بدل الانزواء في بيت الزوجية، حتى ماتت.
إلى الرابطة الديموقراطية لحقوق المرأة.
من أجل مواجهة جحافل الظلام.
من أجل امرأة بكافة الحقوق في جميع أنحاء العالم.
محمد الحنفي
مقدمة
في المجتمع البورجوازي الاستغلالي القائم على أساس ادعاء احترام حقوق الإنسان بصفة عامة، وحقوق المرأة بصفة خاصة، يقولون بأن المرأة، بوصولها إلى الحصول على أعلى الدراجات العلمية، وباشتغالها في مجالات التعليم، والصحة، والمهن الحرة، وباشتغالها في مختلف الوظائف، وانخراطها في الجمعيات، والنقابات، والأحزاب السياسية، وبوصولها إلى المؤسسات التمثيلية المحلية، والإقليمية، و الجهوية، والوطنية، في المجتمعات البورجوازية، تكون قد وصلت إلى درجة عليا، تؤهلها لتحمل المسؤوليات الحكومية. تكون قد بلغت، في هذه المجتمعات، درجة الريادة.
ونحن، في تتبعنا لواقع المجتمع البورجوازي في تطوره، وفي احتلال نظامه الرأسمالي لبلدان آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وتحوله بفعل المقاومة العربية، والإفريقية، والأسيوية، والأمريكية اللاتينية، وبعد حصول مختلف البلدان المحتلة على استقلالها السياسي، إلى استعمار جديد، يتخذ طابع الاستعمار الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، لتتحول مختلف البلدان إلى خدمة الدين الخارجي، في إطار ما يعرف بالنظام العالمي الجديد، الذي كان مرحلة للوصول بالبشرية إلى عولمة اقتصاد السوق، الذي يمكن الشركات العابرة للقارات، من نهب كل شئ في البلاد التي كانت محتلة من قبل.
ولذلك، فالنظام الرأسمالي الذي يرعى مصالح البورجوازية، وتنمية مواردها، ويحافظ على تلك المصالح، وتلك الموارد، سعى، ويسعى، وفي جميع مراحل الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة، ولسائر الكادحين، وسواء تعلق الأمر بالمرحلة الاستعمارية المباشرة، أو في مرحلة ما كان يسمى بالنظام العالمي الجديد، أو في مرحلة عولمة اقتصاد السوق، وفي بلدان المركز، والأطراف، على حد سواء كما يسميها سمير أمين، إلى فرض سيادته على العالم.
والبورجوازية، في استغلالها للطبقة العاملة، تميز بين النساء والرجال على مستوى الأجور، وعلى مستوى القوانين، وعلى مستوى الحقوق، وتعمل على إشاعة دونية المرأة في النظرة البورجوازية ، وفي الممارسة، وتشجع المرأة على تسليع نفسها، وتدفع بها إلى ممارسة الدعارة، حتى تزداد البورجوازية اطمئنانا على مستقبلها، بالإضافة إلى الدفع بالرجال إلى الحط من قيمة المرأة واعتبارها كائنا يفقد قيمته، لا لشئ، إلا لأنه امرأة. وهو ما يعني معاناة المرأة من ازدواجية الاستغلال، استغلالها مع العمال، في إطار الاستغلال العام للكادحين، واستغلال الرجل لها، بالإضافة إلى معاناتها من الدونية، التي تفقدها الشعور بالكرامة الإنسانية.
ووصول المرأة إلى مختلف الوظائف، والمهن، والمسؤوليات التمثيلية، والحكومية، لا يعني أبدا أنها تخلصت من الدونية، كما لا يعني أنها صارت تتمتع بحقوقها كامرأة أول،ا وكانسان ثانيا. فهي في حاجة إلى الانخراط في النضال الديموقراطي، الذي يعتبر وحده طريقا إلى تحقيق الحرية، حرية الرجل، والمرأة، في إطار المساواة الكاملة بينهما في الحقوق، والواجبات، وفي الممارسة الديموقراطية، عن طريق تمكن الرجل، والمرأة، على السواء، من تقرير مصير كل بلد على حدة، واختيار من يمثل كل شعب في المؤسسات المحلية، والوطنية، من قبل الرجل، والمرأة، على السواء، و الترشيح للمسئوليات التمثيلية والمسؤوليات الحكومية، لا فرق في ذلك بين الرجل، والمرأة، والعمل على ممارسة مختلف المهام، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي تستهدف المرأة، كما تستهدف الرجل على السواء، مع ضرورة مراعاة خصوصية المرأة، بسبب طبيعتها كمنجبة، ومرضعة، وكمعنية، بالدرجة الأولى، بتربية الأطفال. وللوصول إلى ذلك، سنتناول في موضوع " ريادة المرأة، أو الأمل الذي لا زال بعيدا " الفقرات الآتية:
1- حرية الإنسان / حرية المرأة.
2- العلاقة بالواقع، علاقة بالاستبعاد.
3- المرأة تحت المجهر.
4- علاقة المرأة بالإيديولوجية.
5- هل يمكن أن تكون للمرأة إرادة؟
6- آفاق تحقيق كرامة المرأة.
7- المرأة/ الواقع والأفق الجديد.
8- علاقة المرأة مع نفسها.
9- النظرة الموضوعية للمرأة.
لنصل من خلال تحليلنا إلى القول: بان المرأة لازالت بعيدة عن تحقيق الريادة كما يدعى البورجوازيون، على لسان منظريهم، والمشرفين على وسائل إعلامهم، الرسمية، وغير الرسمية، في بلدان المركز، والمحيط، على السواء. وإن ريادتها ليست في بلوغ بعض النساء إلى شغل مناصب في أجهزة الدولة، أو في القيام بأعمال حرة، أو في تحول بعض النساء إلى بورجوازيات، أو حتى في وصول بعضهن إلى المؤسسات التمثيلية، أو إلى المناصب الحكومية، لان كل ذلك ليس إلا ممارسة تهدف إلى إبراز البورجوازية، على أنها تحترم حقوق الإنسان. وهي في الواقع إنما تمارس التضليل على أفراد المجتمع، لضمان استمرار استغلالها للكادحين، رجالا، ونساء، وطليعتهم الطبقة العاملة، رجال،ا ونساء، ولتأبيد سيطرتها على المجتمع، في كل بلد من بلدان المركز، والأطراف، على السواء.
فهل تدرك المرأة في المجتمع البورجوازي، أنها ليست إلا كائنا مستهدفا بالاستغلال؟
وهل تستطيع أن تمتلك وعيا بأوضاعها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية؟
وهل تنخرط في النضال من أجل تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها الوسيلة، التي تمكن المرأة من التمتع بحقوقها المختلفة، كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان؟
وهل تنخرط لأجل ذلك في الجمعيات، و في النقابات و في الأحزاب المناضلة؟
وهل تلتزم بالبرامج النضالية، التي تمكنها من تحقيق إنسانيتها، وحفظ كرامتها؟
لأن المجتمع الذي لا تكون فيه المرأة سيدة نفسها، لا يرقى إلى مستوى أن يكون مجالا لإشاعة الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، حتى وان كان هذا المجتمع بورجوازيا، وديموقراطيا، حسب المفهوم البورجوازي للديموقراطية، التي لا تكون إلا وسيلة لتكريس الاستغلال، وتعميقه، ولا تسعى إلى تمكين المرأة من التمتع بحقوقها، بقدر ما تعمل على تسلعيها، حتى تصير وسيلة لتحقيق المزيد من التراكم الرأسمالي، لصالح البورجوازية، التي تدخل المجتمعات البشرية في المزيد من الظلم، والقهر الاجتماعيين، اللذين ينعكسان، بالدرجة الأولى، على مصير المرأة، مهما كان مستواها الاجتماعي.
حرية الإنسان/ حرية المرأة:
فهل يمكن أن نعتبر ما عليه المجتمع البورجوازي حرية ؟
أم أن ما يظهر أنه حرية ليس إلا مساحيق تستعملها البورجوازية، للتغطية على الكوارث التي تلحق البشرية، وتنشر الفقر، والجوع، والمرض في كل المجتمعات التي تستهدفها البورجوازية بالاستغلال، وخاصة، في ظل عولمة اقتصاد السوق، التي تتزعمها رائدة " الحرية" ومالكة تمثال " الحرية" وناشرة "الديموقراطية": أمريكا، وحمايتها؟
إننا، في تتبعنا لواقع الإنسان، في التشكيلات الاستغلالية العبودية، أوالإقطاعية، أوالرأسمالية، نجد: أن مفهوم الحرية يرتبط بالطبقة المستفيدة من الاستغلال الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي. فهذه الطبقة هي وحدها التي تصير حرة، في أن تفعل ما تشاء بنفسها، وبكيفية استغلالها، وبما تستفيده من وسائل الاستغلال المادي، والمعنوي، وبمصير المستهدفين بالاستغلال، ولا أحد يستطيع أن يحاسبها، على ما تفعل، لاختلال ميزان القوى لصالحها. فهي التي تبني نظامها السياسي، كما تريد، وهي التي تنظم المجتمع بطريقة تجعله في خدمة مصالحها الطبقية، وهي التي تنتج الأيديولوجية المعبرة عن مصالحها الطبقية، وتختار الوسائل التي تساعدها على نشر تلك الأيديولوجية، لتضليل المستهدفين بالاستغلال، حتى لا يفكروا في مقاومة ما يمارس عليهم. وبناء على أن المستهدفين بالاستغلال لا يحق لهم التمتع بحريتهم كاملة، فإن الأسياد في التشكيلة العبودية، والإقطاعيين في التشكيلة الإقطاعية، والبورجوازيين في التشكيلة البورجوازية، يفعلون ما يشاءون في مصير العبيد، والاقنان، والعمال، ويتحكمون في مستواهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، وفي واقعهم المدني، وفي ممارستهم السياسية، مستغلين في ذلك سيطرتهم على أجهزة الدولة، باعتبارها أداة السيطرة الطبقية، في كل تشكيلة اجتماعية على حدة. وتحكم المستفيدين من الاستغلال، في مصير الكادحين، ينعكس سلبا على المرأة بالدرجة الأولى. فهي التي تجبر على مضاعفة الكدح، مقابل أجر زهيد، أو بدون أجر، كما هو الشان بالنسبة للتشكيلة العبودية، والإقطاعية على الخصوص، وأكثر من هذا، فإن المرأة تدفع، في التشكيلات الاجتماعية الاستغلالية، إلى القيام بأمور تهدر كرامتها، وتحط من قيمتها، مما يجعلها مجرد كائن مشيأ، ومجرد متاع لا قيمة له عندما يفقد بريقه. وحتى المرأة السيدة، أو الإقطاعية، أو البورجوازية، لا تعامل المرأة إلا من منطلق عقلية السيد، أو الإقطاعي، أو البورجوازي. وأكثر من هذا فهي نفسها تضع نفسها تحت تصرف السيد، أو الإقطاعي، أو البورجوازي، فتقبل منهم إهدار كرامتها، و الحط من قيمتها، والتسري بالإماء أمام عينيها، أو الزواج بنساء أخريات ،أو اتخاذ الخليلات في المجتمع البورجوازي. وهو ما يعني: أن المرأة في مختلف التشكيلات الاستغلالية، حتى وان كانت حرة، لا تتمتع بحريتها. فهي مستغلة، إلى جانب سائر الكادحين في التشكيلات الاستغلالية، كأمة، وكقن، وكعامل. وهذه الأشكال الثلاثة، من الوضعيات العامة، يضاف إليها وضعية المرأة في كل تشكيلة على حدة حيث نجد ممارسة الاستغلال الهمجي، الذي لا نستطيع تجاوزه إلا بتحرير الكادحين من الاستغلال بصفة عامة، وتحرير المرأة من استغلال الرجل لها بصفة خاصة.
فما هي الآليات التي يمكن اعتمادها، لتحقيق حرية الكادحين، ولتحقيق حرية المرأة في نفس الوقت ؟
إن أول آلية يجب اعتمادها، لتدليل الصعاب التي تصادف الرجال والنساء معا، في نضالهم من أجل تحقيق الحرية الفردية، والجماعية، للرجال، والنساء، على السواء: هي آلية النضال الحقوقي، انطلاقا مما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية والسياسية، وفي المواثيق المتعلقة بحقوق العمال، الصادرة عن منظمة العمل الدولية ، وفي الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والميثاق الدولي المتعلق بحقوق الطفل.
والنضال الحقوقي في شموليته يهدف إلى:
1) تمتع الناس بحقوقهم الاقتصادية، حتى يتمتعوا بدخل مناسب مع حاجياتهم في الأكل، والشرب، واللباس، والسكن، والتعليم، والتطبيب، والحماية الاجتماعية، والحماية الصحية، والترفيه، وأشياء أخرى يحتاج إليها في حياته اليومية، وفي مراحل معنية من حياته. فإذا كان دخل الأسر، والأفراد، لا يلبي الحاجيات الضرورية، فان ذلك يعني: إهدار هذا الحق، والوقوف وراء انتشار الفقر، والجهل، والمرض، و الأمية، وانتشار الأمراض الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي تقف وراء إهدار كرامة الإنسان، سواء كان رجلا، أو امرأة.
2) تمتيع الناس بحقهم في التعليم، والسكن، والصحة، والشغل، وأشياء أخرى، مما يرفع من مكانة الإنسان الاجتماعية، ويجعله قادرا على المساهمة الفعالة في تطور الواقع، من مختلف الجوانب. والحرمان من هذه الحقوق الاجتماعية يساهم في تكريس تخلف المجتمع، الذي يصير فاقدا للمناعة، ضد مختلف الآفات المرضية، التي تستهدفه، وخاصة، تلك الوافدة من الخارج، نظرا لهشاشة البنيات الاجتماعية، التعليمية، والصحية، والسكنية، ولانعدام فرص الشغل أمام العاطلين. وهو ما يعني الاستمرار في التخلف، وتنمية هذا التخلف، بالحرمان من الحقوق الاجتماعية المختلفة.
3) تمتيع الناس بجميع الحقوق الثقافية، التي تساعد على انتشار الأدوات الثقافية المختلفة، والتمكن من امتلاك الوسائل التي تساعد على التثقيف الذاتي، و إقامة نوادي ثقافية، في مختلف المجمعات السكنية، وإتاحة الفرصة أمام مختلف الشعوب، حتى تلعب دورها في إغناء الثقافة المحلية، والوطنية، القومية، والإنسانية، و حتى تتم المساهمة الفعلية في إنتاج القيم الإيجابية التقدمية، ومحاربة القيم السلبية الرجعية، التي تشوه صورة المجتمع. وعدم التمتع بهذه الحقوق الثقافية، لا يعني إلا عدم العمل على تغيير المظاهر الثقافية المختلفة، التي تجعل الأفراد والمجتمعات غير قادرين على الاندماج في المحيط المحلي، والوظيفي، والإقليمي، والإنساني، والإبقاء على حالة الانحسار، والتقوقع التي تميز الثقافات المختلفة، في المجتمعات المحرومة من الحقوق الثقافية المختلفة.
4) تمتيع الناس بالحقوق المدنية، كالحق في المساواة بين الرجال والنساء، وبين الطبقات الاجتماعية، و أمام القانون، بإلغاء نظام الامتيازات، و المحسوبية، و الزبونية، وتفضيل المستغلين على غيرهم، ووضع حد لسيادة الارتشاء في المجتمعات البشرية، حتى يكون الناس رجالا، ونساء، سواسية فيما بينهم، وأمام القانون، والعمل على أجرأة حقوقهم المدنية، في القوانين المحلية ، لان حرمان الناس من حقوقهم المدنية، يكرس التفرقة بين الجنسين، وبين الطبقات، ويجعل نظام الامتيازات قائما في الواقع، ويساعد على انتشار المحسوبية، و الزبونية، والإرشاء والارتشاء في العلاقة مع الإدارة، وبين الناس.
5) تمتيع الناس بالحقوق السياسية، عن طريق المصادقة على دستور ديموقراطي، يكرس سيادة الشعب. ووضع قوانين انتخابية بكافة ضمانات نزاهة الانتخابات، وانتخاب مؤسسات تمثيلية، تعكس إرادة الشعب في كل بلد على حدة. لأنه إذا لم يتمتع الناس بالديموقراطية الحقيقية، التي تمكنهم من تقرير مصيرهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، سوف يسود الاستبداد الذي يكلف البشرية الكثير من المآسي، والكوارث، والأمراض، لتحقيق أهداف الطبقات الحاكمة الممارسة للاستبداد، والمستفيدة منه.
6) العمل على إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، على مستوى القوانين المعمول بها، وعلى مستوى البرامج الدراسية، في مختلف المستويات، وعلى مستوى جميع الأدبيات الرائجة، وبمختلف اللغات وعلى مستوى العادات، والتقاليد، والأعراف السائدة في كل مجتمع على حدة، حتى يتكرس إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وعلى جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. لان ممارسة التمييز ضد المرأة، سوف لا تكون إلا تكريسا للتخلف، الذي ساد في مختلف التشكيلات الاجتماعية، إلى غاية التشكيلة الرأسمالية، ذلك التخلف الذي ينتج الكثير من المآسي الاجتماعية، بالنسبة للرجال، والنساء على السواء.
7) العمل على إزالة كافة أشكال التمييز ضد الأطفال، الذين يجب أن تضمن حقوقهم كأطفال من جهة، وكأناس لهم نفس الحقوق التي لجميع الناس حتى يتلقوا كامل الرعاية الاجتماعية، الضرورية لضمان سلامة نموهم، إلى أن يصيروا مسؤولين في المجتمع كباقي الكبار. لان المجتمعات البشرية، غالبا، ما تميل إلى استغلال الأطفال في مختلف الأعمال التي لا تليق بكرامتهم، بل إن الأمر يصل إلى حد إهدار كرامتهم، في الكثير من الحالات، التي لا تتناسب أبدا مع إنسانية الأطفال.
8) العمل على ضمان تمتيع العمال بكامل الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية، الصادرة عن منظمة العمل الدولية، حتى يتمتع العمال بنفس الحقوق، وفي جميع الدول، سعيا إلى احترام كرامة العامل وحماية تلك الكرامة، لان ما عليه واقع العمال في البلدان ذات الأنظمة التابعة بالخصوص، يؤكد على أن تلك الأنظمة لا تحترم إنسانية العامل، الذي يصير، بالنسبة إليها، كيانا مشيئا، لا يساوي إلا ما ينتجه من فائض القيمة، وما سوي ذلك فانه لا يستحق أي احترام.
ولذلك فالنضال الحقوقي، وعلى جميع الواجهات، وفي جميع المجالات، وفي مختلف المستويات، هو نضال من أجل كرامة المرأة في مستواها العام، وفي مستواها الخاص، حتى تصير مالكة لوعيها بحقوقها كامرأة، وكعاملة، وكإنسان. لأنه، بامتلاكها للوعي الحقوقي، تكون قد انفتحت أمامها أشكال أخرى من الوعي، الذي يؤهلها للعب أدوار أخرى.
والآلية الثانية: هي آلية التربية على التنظيم، في مستوياته الجماهيرية، والنقابية، والحزبية.
1) فالتنظيم في مستواه الجماهيري، يجعلهم يدركون أهمية ذلك التنظيم، في تتبع الحياة الجماهيرية، على المستوى الثقافي، والتربوي، والحقوقي، والترفيهي، وكيف تصوغ الجماهير مطالبها في هذا الإطار، وجعلها أرضية للنضال الجماهيري، حتى تصير الثقافة في خدمة إنتاج القيم الإنسانية النبيلة، المفيدة لتطوير المسلكية الجماهيرية: الفردية، والجماعية، وجعل التربية وسيلة لاعداد الأجيال الصاعدة، إعدادا يجعلهم قادرين على مواجهة متطلبات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وجعل الترفيه في خدمة تلك التربية، حتى تقدم الحياة على أسس سليمة، وجعل النضال الحقوقي وسيلة إيجابية، لجعل الناس يتمتعون بحقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.
وفي التنظيم الجماهيري: يجب أن لا نغفل الدور الجماهيري للمرأة، باعتبارها هي المستفيد الأول من إنشاء التنظيمات الجماهيرية، والنضال بواسطتها، وخاصة منها، تلك التي تهتم بشؤون المرأة، وبحقوقها الخاصة، كما هي في الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل.
2) والتنظيم في مستواه النقابي، يجعل العاملين في مختلف القطاعات العامة، والخاصة، يتعرفون على واقعهم، ويسعون إلى وضع ملفات مطلبية: قطاعية، ومركزية، من أجل العمل على تحقيقها، عن طريق الالتزام ببرنامج نضالي محدد، والسعي إلى اتخاذ مواقف نقابية من الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لجعل النقابيين بصفة خاصة، والعاملين بصفة عامة، يمتلكون وعيا معينا بتلك الأوضاع، ويسعون إلى تغييرها لصالحهم، حتى يضمنوا حماية المكاسب التي يحققونها. والمرأة العاملة، كسائر العاملين، تستطيع بواسطة العمل النقابي: أن تحقق المطالب الخاصة بالمرأة، والتي لها علاقة بطبيعة عملها، وباعتبارها أما، ومربية أطفال.
3) والتنظيم، في مستواه الحزبي، الذي يمكن الجماهير الشعبية بصفة عامة، والمرأة بصفة خاصة، من المساهمة في النضال الديموقراطي من بابه الواسع، من أجل تغيير الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، لأن النضال من أجل التغيير، لا يكون بالجمعيات، والنقابات، بقدر ما يكون بواسطة الأحزاب السياسية، التي تقود النضال من أجل دستور ديموقراطي، ومن أجل انتخابات حرة، ونزيهة، ومن أجل مؤسسات تمثيلية حقيقية، تتلاحم فيها إرادة المواطنين، ومن أجل حكومة من الأغلبية البرلمانية، التي قد يتوفر عليها حزب معين، أو مجموعة من الأحزاب المتقاربة فيما بينها، ومن أجل قوانين متلائمة مع المواثيق الدولية، سعيا إلى ضمان تمتيع الناس، جميعا، وعلى أساس المساواة فيما بينهم، بحقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وسعيا إلى جعل المرأة، والطفل، محميان من ممارسة كل أشكال الميز، المكرسة للدونية، التي تعاني منها المرأة، والطفل، في العالم العربي، وفي جميع البلدان ذات الأنظمة التابعة، وفي الأنظمة الرأسمالية نفسها. وتمتيع الناس بكامل حقوقهم، لا يتم إلا بتحقيق الديموقراطية بمفهومها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، من الشعب، والى الشعب حتى يساهم الناس جميعا في النضال، الحزبي وحتى يستفيدوا جميعا من نتائج ذلك النضال، وخاصة المرأة.
والآلية الثالثة: هي الآلية الأيديولوجية، التي تقتضي الاهتمام بمختلف الإيديولوجيات، لمعرفة طبيعتها، والسعي إلى تفكيكها، والعمل على تفنيد أوهامها، لإزالة إمكانية قيامها بتضليل الكادحين، الذين يمارس عليهم الاستغلال الإيديولوجي، الذي يعدهم لقبول أشكال أخرى من الاستغلال المادي، والمعنوي . ومن هذه الإيديولوجيات التي يجب تفكيكها وتفنيد أوهامها نجد:
1)الإيديولوجية الإقطاعية: التي تقوم في جانب منها على أدلجة الدين، أي دين، وفي جانب آخر على الخرافات، والأساطير، التي تنسج حول البطولات الإقطاعية، مما يجعل الإقطاع مثالا للاقتداء، وجلبة لقبول الاستغلال الإقطاعي، لعبيد الأرض، ولسائر الكادحين، مهما كان مستواهم الاجتماعي، لان كل أفراد المجتمع، غالبا ما يكونون مؤمنين بأدلجة الدين، التي يمارسها الإقطاعيون، على يد من يوظفونهم لهذه الغاية، ولذلك نرى ضرورة التركيز على تفكيك ادلجة الدين الإسلامي من جهة، وتفكيك الجانب الخرافي، كمكونين للإيديولوجية الإقطاعية من جهة أخرى، من أجل نقض الأوهام الإيديولوجية التي تضلل الطبقة المستهدفة بالاستغلال الإقطاعي، وسائر الكادحين، لأنه بدون نقض تلك الأوهام، تبقى الإيديولوجية الإقطاعية مهيمنة في صفوف المستهدفين بالاستغلال الإقطاعي.
2) وإيديولوجية البورجوازية التابعة: التي لا تتخلص من إيديولوجية الإقطاع، نظرا لكون البورجوازية التابعة متأصلة من الإقطاع، إلى جانب استيراد الجوانب المتخلفة، من الإيديولوجية البورجوازية، في المركز لخدمة وحماية الطابع الاستهلاكي، للبورجوازية التابعة. وهذه الإيديولوجية، ومن هذا النوع، تزرع نوعين من الأوهام: وهم التمسك بالشريعة الإسلامية، وحماية الدين الإسلامي الذي يمكن اعتباره مصدرا للعدل، الذي ينشده المقهورون، ووهم تحقيق التطلعات البورجوازية، والوصول إلى مستوى ما عليه البورجوازية التابعة، أو البورجوازية. ثم البورجوازية الغربية، وصولا إلى السيطرة على أجهزة الدولة، التي تكون وسيلة لتحقيق المصالح البورجوازية التابعة، وحمايتها في نفس الوقت، اعتمادا على السلطة.
وهذان الوهمان: وهم المحافظة على الدين الإسلامي، كمصدر للعدالة، ووهم تحقيق التطلعات البورجوازية، يقودان إلى القول بان البورجوازية التابعة، تجمع بين الأصالة، والمعاصرة، وبين التقليد، والتجديد، وبين الدين، والدنيا. ولذلك فهي تتجاوز الإقطاع، الذي يغرق في التقاليد، وفي الخرافات، إلى الانفتاح على الآفاق، وهذا الاعتقاد ليس إلا وهما آخر، حكم العقلية في البلدان ذات الأنظمة التابعة، وجعل الناس يستغرقون، في الحلم، برجوع الماضي، كمصدر لعدالة الله، في الأرض، هروبا من المآسي التي تغرق فيها البشرية، بسبب الاستغلال الهمجي الذي تتعرض له، كما يستغرقون في الحلم بانتقال المجتمعات المتخلفة، في البلدان ذات الأنظمة التابعة، إلى مستوى ما عليه الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، في الغرب الرأسمالي ، وإلى ما عليه وضعية المرأة، التي تتمتع بالعديد من الحقوق، التي تحرم منها، في البلدان ذات الأنظمة التابعة. وهذان الوهمان: وهم الانشداد إلى استرجاع الماضي، ووهم تحقق ما عليه الغرب من تقدم، هما اللذان انتجا لنا صراع التقليديين، ضد التجديديين، الذي وصل إلى درجة الصراع التناحري. وهو الذي استغلته الأنظمة الرأسمالية، بقيادة أمريكا لدعم المؤدلجين للدين الإسلامي، الذين كانوا، ولازالوا، يسعون إلى القضاء، وبصفة نهائية، على الفكر التقدمي، وعلى حاملي هذا الفكر، وعلى الأنظمة التقدمية. كما تدعم البورجوازية التابعة، التي تسخر خيرات البلدان، ذات الأنظمة التابعة، لخدمة النظام الرأسمالي العالمي، من خلال الالتزام بتعليمات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، وتمهيد الطريق أمام سيطرة الشركات العابرة للقارات على الاقتصاد الوطني، في كل بلد من البلدان ذات الأنظمة التابعة.
وتفكيك إيديولوجية البورجوازية التابعة، يعتبر مسالة أساسية، وضرورية، لتبديد وهم استرجاع الماضي، الذي لا يرجع أبدا، ووهم الارتباط بالغرب، والالتحاق به، الذي يغرق البلدان ذات الأنظمة التابعة في التبعية للغرب، ويحول نظمتها إلى مجرد وكالات رأسمالية، تتلقى الأوامر، وتنفذ تلك الأوامر، بدون نقاش، حتى يتبن ما العمل؟ من أجل تحرير الإنسان من وهم استرجاع الماضي، ومن وهم الالتحاق بالغرب، على مستوى التقدم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، كما هو عند الغرب الرأسمالي، حتى يصير الإنسان قادرا، فعلا، على التحرر من الأوهام البورجوازية التابعة.
وإيديولوجية البورجوازية الليبرالية: التي توهم الناس بأن في إمكان كل واحد منهم، أن يحقق ما يريد، إذا عمل من أجل ذلك، وانطلاقا من مبدأ " دعه يعمل ، يدعه يمر" وهذا الوهم هو أكبر كذبة عاشتها البشرية، خلال القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، قبل تحول النظام البورجوازي الرأسمالي، إلى نظام إمبريالي، يصادر كل إمكانية للحرية الفردية، والجماعية. ولذلك فهذه الإيديولوجية التي ليست إلا تضليلية، فندت نفسها بنفسها، بتحولها مع مرور الأيام، وتطور الصراع بين البورجوازية، والطبقة العاملة، إلى إيديولوجية تابعة، وجزءا من تلك الإيديولوجية، بصيرورة البورجوازية الليبرالية، بورجوازية تابعة، فتفقد البورجوازية الليبرالية بريقها، ويفقد الإنسان حريته، التي اتخذت طابعا ليبيريا، ليصير محروما منها. ولتصير الإيديولوجية الليبرالية، في خبر كان.
وإيديولوجية البورجوازية الصغرى، التوفيقية، والتلفيقية، المليئة بالأوهام المختلفة، والمتناقضة أحيانا، لتنوع المصادر الإيديولوجية للبورجوازية الصغرى. ذلك التنوع الذي ينتج تنوعا في الأوهام الإيديولوجية: الإقطاعية، والبورجوازية التابعة، والبورجوازية الليبرالية، واليسارية، واليسارية المتطرفة، واليمينية المتطرفة. فكل تلك الأوهام: تعمل الإيديولوجية البورجوازية الصغرى على بثها بين الشرائح الاجتماعية المقهورة، التي تصير مريضة بتلك الأوهام البورجوازية الصغرى، التي تحتاج اكثر من غيرها إلى المزيد من التشريح، والنقد، والتفنيد، لجعل الجماهير الشعبية الكادحة تتحرر منها، حتى تمتلك وعيها الحقيقي، الذي يجعلها تدرك حقوقها المادية، والمعنوية، وتعمل على تحقيق مطالبها المختلفة.
والإيديولوجية اليسارية المتطرفة: التي توهم الجماهير الشعبية الكادحة، بأن في إمكانها أن تصير، في يوم ما، قوية، وقادرة على قلب الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لصالحها، بدون الاعتماد لا على النضال الجمعوي الحقوقي، ولا على النضال النقابي، ولا على النضال الحزبي السياسي: أي بدون الحاجة إلى أي تنظيم، كيفما كان هذا التنظيم. وهو ما يدفع الجماهير الشعبية الكادحة، إلى تأدية ضرائب خطيرة على حياتها، وعلى مستقبلها، من قبل الطبقة الحاكمة. لذلك نرى ضرورة إخضاع أوهام إيديولوجية اليسار المتطرف، إلى التحليل، والنقد، والنفي، وتوعية الكادحين بخطورة السير وراء تلك الأوهام، لما تشكله من خطورة على مستقبلهم الذي قد يرتبط باليأس من كل شئ، حتى من إمكانية التنظيم الهادف، إلى النضال الجمعوي، أو النقابي، أو الحزبي، من أجل انتزاع مكاسب معينة، لصالح الجماهير.
وإيديولوجية اليمين المتطرف: التي توهم الجماهير الشعبية الكادحة، بان " تطبيق الشرعية الإسلامية"، واستعادة "الحكم الإسلامي"، و إقامة " الدولة الإسلامية " واعتبار الإسلام "دينا ودولة" وغيرها من الشعارات المترتبة عن أدلجة الدين الإسلامي. فاليمين المتطرف المؤدلج للدين الإسلامي، بالخصوص، يسعى باستمرار إلى نشر الوهم الناتج عن تلك الأدلجة حتى يصير الناس لا يفكرون إلا في الأمور التي لها علاقة بذلك الوهم، ويدخلون مباشرة في محاربة كل ما تعارض معه، من أفكار، وقيم، وممارسات: حتى يصير " النظام الرأسمالي" قائما، في كل مكان، من البلاد الإسلامية ، ويعمل على السيطرة على العالم. وانطلاقا من ذلك، فالعمل على تفكيك أدلجة الدين الإسلامي، واثبات أن التاريخ لا يرجع إلى الوراء، وأن مؤدلجي الدين الإسلامي، إنما يستغلون الدين من أجل الوصول إلى السلطة، وتسخير المجتمع لخدمة المصالح الطبقية، لمؤدلجي الدين الإسلامي، وحماية تلك المصالح. وبالإضافة إلى ذلك، لابد من الوقوف على عوامل أدلجة الدين الإسلامي الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، والغاية منها، من اجل توعية المجتمع في كل بلد من البلدان التي تعاني من أدلجة الدين الإسلامي، ومن خطورة تلك الأدلجة، حتى تتكون عندهم مقاومة ذاتية، ورفض تلقائي لأدلجة الدين الإسلامي، كبداية للتخلص منها ، وبصفة نهائية، حتى تصير الممارسة الدينية صحيحة، وبعيدة وعن الأدلجة، وعن استغلال الدين في الأمور السياسية، وتصير الإيديولوجية خاصة بالطبقة التي تنتجها لحماية مصالحها، ولتضليل الناس بها وجعلهم يخدمون تلك المصالح.
والإيديولوجية الاشتراكية العلمية: التي هي إيديولوجية الطبقة العاملة، التي لا تحمل في بنيانها أي شكل من أشكال الوهم. فهي واضحة منذ البداية، وتجعل الكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة، يمتلكون وعيهم الطبقي، ويدركون موقعهم من علاقات الإتناج القائمة فتتحدد بسبب ذلك الطبقة التي ينتمون إليها. كما يدركون علاقتهم بوسائل الإنتاج، وماذا يجب عمله لتحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، وما هي الوسيلة التي يمكن اعتمادها لوضع حد للاستغلال. ولذلك كانت ولازالت وستبقى الإيديولوجية الاشتراكية العلمية خالية من الأوهام الإيديولوجية المضللة، بل إنها هي التي تساعد على الكشف عن كافة أشكال التضليل التي تمارسها الإيديولوجيات الأخرى ضد الطبقة العاملة، وتعمل على تفكيكها، وتفنيد أوهامها، وتكسب الطبقة العاملة مناعة ضدها. وحتى البورجوازية التي تستغل الطبقة العاملة، تعرف ما هي الإيديولوجية الاشتراكية العملية ؟ وما هو دورها في جعل الطبقة العاملة تمتلك وعيها الطبقي وتصارع من اجل تحسين أوضاعها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية؟ في أفق وضع حد للاستغلال البورجوازي بصفة نهائية. وحتى لا تمتلك الطبقة العاملة وعيها الطبقي، تعمل البورجوازية التابعة، والبورجوازية الليبرالية، والبورجوازية الصغرى، ومؤدلجو الدين الإسلامي، وبطريقة تضامنية، على تضليل الطبقة العاملة، عن طريق بث الأوهام الإيديولوجية المختلفة، في صفوفها. حتى لا تمتلك وعيها وتصير غير قادرة على القيام بأي عمل، في اتجاه تحسين أوضاعها المادية والمعنوية، لوقوعها فريسة الاستغلال البورجوازي الهمجي.
وهذه الإيديولوجية، لا تحتاج إلى تفكيك، أو تفنيد، لان المنهج الذي يمكن أن يتبع، في هذا الإطار، لا يرقى إلى مستوى القدرة على تفنيد الإيديولوجية الاشتراكية العلمية. وكل المحاولات التي جرت، في هذا الإطار، تفتقر إلى العلمية والموضوعية، وتتم بمنطقات مثالية، أو غيبية، أو دينية. وهذه المنطلقات ليست إلا وسيلة للتضليل، وبث الأوهام، ليس إلا. والمنهج الوحيد الذي يمكن اعتماده في التعامل مع الاشتراكية العلمية، هي الاشتراكية العلمية نفسها، لا من اجل تفكيكها، ونفيها، بل من أجل تطويرها، إلى الأحسن، باستيعابها، في تطوير المنهج الماركسي نفسه، حتى يصير أكثر قدرة على التعامل مع التحولات الكمية، والنوعية التي يعرفها الواقع، في جوانبه المختلفة. ولذلك فمحاولة تفكيك الاشتراكية العلمية، ونفيها، لا يزيدها إلا قدرة على الصمود، والمواجهة، ولا يزيد الإيديولوجيات الأخرى، إلا ضعفا، وتراجعا، إلى الوراء. لذلك نجد أن الطبقات الحاكمة تعتمد نهج القوة، لإخضاع الطبقة العاملة، ولتعميم إيديولوجيتها، على جميع أفراد المجتمع، ولتضليل الطبقة العاملة، وسائر الكادحين.
والآلية الرابعة: هي الآلية السياسية، التي تقتضي معرفة المواقف السياسية للطبقة الحاكمة، ولمختلف الطبقات الأخرى، والأحزاب السياسية، وسائر التنظيمات النقابية، والجماهيرية، لأن اهتمام الجماهير الشعبية الكادحة بالسياسة يجعلها تتتبع مختلف المواقف السياسية، وخلفياتها، و أبعادها المختلفة، ومدى انعكاسها على حياة الكادحين، وهل يدركون خطورة تلك المواقف على مستقبلهم؟ أم أنهم بسبب التضليل الممارس عليهم لا يستطيعون ذلك؟
إن الجماهير الشعبية الكادحة عندما تمتلك وعيها الطبقي، فإنها تستطيع أن تدرك طبيعة السياسة الممارسة عليها، وتميز بين الجهات المتدخلة في فرض، وتكريس تلك السياسية، وتدفع في اتجاه تأبيدها، وتتعرف من خلال الممارسة اليومية على مواقف التنظيمات المختلفة، وتميز بين تلك المواقف التي لا تخدم مصلحة الشعب، والمواقف التي لا تخدم إلا مصلحة أصحابها، الذين يقودون مختلف التنظيمات. ومن ذلك نجد أن:
1) موقف حزب الإقطاع الذي لا يتخذ إلا المواقف السياسية، التي لا تتناسب إلا مع مصلحة الطبقة الإقطاعية، في تأييد سيطرتها على أجهزة الدولة، إن كانت حاكمة، أو تنتمي إلى التحالف الحاكم، أو تسعى إلى فرض نهج الدولة لسياسة تخدم مصالح الإقطاعيين على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، بما يخدم تواجدهم في المؤسسات " المنتخبة"، وفي الحكومة على السواء. وموقف كهذا يجب على الكادحين مواجهته، وتفنيده، وبيان خطورته على مستقبل الكادحين، لكونه يفرض استمرار المجتمع في التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والعمل على نهج سياسة نقيضة، للمواقف السياسية الإقطاعية؟، التي تتناسب مع الحاجة إلى التحول الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، في اتجاه الأحسن، والمرحلة الأرقى.
2) موقف حزب البورجوازية التابعة، الذي لا يختلف كثيرا عن حزب الإقطاعيين إلا في جعل البلد تغرق في التبعية للبلدان الرأسمالية، وجعل الشعب في خدمة صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، كما أن المواقف السياسية لحزب البورجوازية التابعة، تسعى إلى أن تصير معبرا للشركات العابرة للقارات، في اتجاه البلدان المختلفة، وبالتالي فإن البورجوازية التابعة باعتبارها راعية " الأصالة"، و" المعاصرة"، تسعى بسياستها إلى إغراق الجماهير الشعبية الكادحة في الماضي المظلم، حتى لا ترتبط بواقع الاستغلال الممارس عليها، وإلى جعلها تتخذ من الغرب الرأسمالي مثالا تسعى إلى الانتقال إليه، ولا ترغب في مقاومة سيطرته الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، على البلدان ذات الأنظمة البورجوازية، التابعة بسبب الاغتراب الذي صارت تعاني منه، والذي يجعلها أكثر قبولا للاستغلال.
وسواء تعلق الأمر بحزب الإقطاع، أو بحزب البورجوازية التابعة، فان الحزبين معا لا يسعيان أبدا إلى إيجاد دستور ديموقراطي، والى إجراء انتخابات حرة، ونزيهة، وإيجاد مؤسسات تمثيلية تحترم في إيجادها إرادة الشعب. وإذا وجدت حكومة، فإنها لا تكون نتيجة الأغلبية البرلمانية، وإذا كان هناك دستور، فإنه لا يكون ديموقراطيا، وإذا كانت هناك انتخابات، فإنها لا تكون ديموقراطية، وتفتقد فيها الحرية، والنزاهة: أي أن الديموقراطية، لا تكون إلا للاستهلاك الخارجي، وهو ما يصطلح على تسميته بديموقراطية الواجهة.
ولذلك، فإخضاع المواقف السياسية لحزب البورجوازية التابعة، للتحليل، والنقد، من أجل النقض الذي يقود إلى وضح حد لسياسة الحزب البورجوازي التابع، لأنه بدون إخضاع مواقف حزب البورجوازية التابعة إلى النقد، تسري سياسته على الشعب وتزيد في إغراقه في التخلف إلى ما لا نهاية.
3) موقف حزب البورجوازية الليبرالية، على المستوى السياسي، الذي يسعى من ورائه إلى إبراز البورجوازية الليبرالية، وكأنها مستقلة عن البورجوازية التابعة، في قراراتها، وفي تصورها للنظام السياسي، الذي تراه ليبراليا، وفي تصورها للدستور الديموقراطي، وللانتخابات، وللتمثيلية، في المؤسسات، وللحكومة، وغير ذلك، حتى تظهر وكأنها تحرص على مصلحة جميع مكونات المجتمع. إلا أنها ونظرا لطبيعتها الاستغلالية، غالبا ما تنخرط في تبني المواقف السياسية، للبورجوازية التابعة، حتى لا تصاب بالتهميش، وحتى تنال نصيبها من الكعكة، بانخراطها في ممارسة ديموقراطية الواجهة، التي ليست إلا ديموقراطية شكلية، ولذلك نرى ضرورة الدفع في اتجاه أن يحافظ الحزب البورجوازي الليبرالي، على ليبراليته، وعلى تصوره للممارسة الديموقراطية، حتى لا ينخرط في ديموقراطية الواجهة، وحتى تكون الليبرالية، في حالة تحققها، مدخلا للنضال الديموقراطي، الحقيقي، الذي ينخرط فيه جميع الكادحين، من أجل تحقيق الديموقراطية من الشعب، والى الشعب، وبمضمونها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي. وإلا فإن مهاجمة مواقف حزب البورجوازية الليبرالية، صارت ضرورية، ولا مفر منها، لانخراطه في ديموقراطية الواجهة.
4) موقف حزب البورجوازية الصغرى، الذي يوفق بين موقف حزب الإقطاع، وحزب البورجوازية التابعة، وحزب البورجوازية الليبرالية، وحزب الطبقة العاملة، وحزب اليسار المتطرف، وحزب اليمين المتطرف، حتى يستقطب حوله جميع الأحزاب وجميع المتعاطفين معها، ليشكل بذلك قطبا جماهيريا، يجعل منه حزبا للجميع. وهذه الممارسة السياسية التي ينتهجها حزب البورجوازية الصغرى، هي ممارسة توفيقية، تلفيقية، تضليلية، انتهازية، لا تخدم إلى المصلحة الطبقية البورجوازية الصغرى، التي تستغل التفاف الجماهير حول الحزب، من أجل تحقيق التطلعات الطبقية، التي تنقل الشرائح العليا من البورجوازية الصغرى، لتصير طبقيا إلى جانب الإقطاع، والبورجوازية التابعة، والبورجوازية الليبرالية، وتنفصل، وإلى الأبد، عن البورجوازية الصغرى، وعن سائر الكادحين، وفي مقدمتهم الطبقة العاملة.
ولذلك، كان لزاما على المخلصين إلى الجماهير الشعبية الكادحة، فضح، وتعرية ممارسات حزب البورجوازية الصغرى، في المجال السياسي، كما في المجال الإيديولوجي، وكما في المجال التنظيمي، حتى تدرك الجماهير الشعبية الكادحة حقيقة البورجوازية الصغرى الانتهازية، وتتجنب، أن تنخدع بممارساتها الهادفة إلى تضليل الجماهير، وحتى تصير الجماهير، اكثر وعيا من البورجوازية الصغرى نفسها، ومدركة لخلفيات انتهازيتها.
5) موقف حزب اليسار المتطرف السياسي، والمغامر، الذي يراهن على اندفاع الجماهير، من اجل تحقيق التطلعات الآنية، التي تبرز أهمية الدور الجماهيري، بعيدا عن أي تنظيم، كيفما كان نوعه، واعتبار أن الجماهير في غنى عن التنظيم، وعن نظرية التنظيم، ويكفي إطلاق الشعارات السياسية المحرضة، حتى تنطلق الجماهير من أجل " التغيير" الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، رغما عن الطبقة الحاكمة في كل بلد على حدة. فالجماهير في نظر اليسار المتطرف، المعتمد عل الرؤيا القاعدية للأشياء، هي المعنية بالتغيير، ولكن من هي هذه الجماهير التي تقوم بذلك؟
ولذلك، فعلى الجماهير الشعبية الكادحة، المعنية بأي تغيير، في أي مكان، أن تدرك أهمية التريث، وعدم الانسياق وراء الشعارات السياسية الآنية، والمندفعة، وغير المدروسة بدقة، والتي لا تصدر عن تنظيم مسؤول، وقانوني، حتى لا تتعرض للهلاك على يد الطبقات الحاكمة، التي تخدمها تلك المواقف السياسية المندفعة، باتخاذها مبرر قمع الجماهير، وللتخلص من المناضلين، الذين لا يد لهم في رفع الشعارات المندفعة، ولا في إصدار المواقف المغامرة. ولهذا فالضرورة تقتضي دراسة المواقف السياسية لليسار المغامر، التي تتراجع، وتندفع في نفس الوقت باعتبارها مواقف بورجوازية صغرى، تلتمس السرعة في تكريس الضغط على الطبقة الحاكمة، في كل بلد، حتى تستجيب لتحقيق تلك التطلعات. فالدراسة شيء أساسي بالنسبة للكادحين الذين يهتمون بما يجري في البلاد على المستوى السياسي، حتى لا يتحولوا إلى مجرد معبر لتحقيق التطلعات البورجوازية الصغرى، حتى ولو كان ذلك عن طريق دفع الكادحين، إلى القيام بعمل مغامر.
6) موقف حزب اليمين المتطرف، الذي لا يختلف في الجوهر عن موقف اليسار المتطرف، إلا في كونه يصدر عن اليمين المتطرف، ويهدف إلى حشر الجماهير للقيام بعمل واسع، بقصد ممارسة الضغط على الطبقات الحاكم،ة في البلاد ذات الأنظمة التابعة، لجعلها تستجيب ل"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وتعمل على إقامة "الدولة الإسلامية" لأن الإسلام: دين ودولة، ولأن الجماهير الشعبية الكادحة عندما يتم تجييشها من قبل اليمين المتطرف، فلأنها تسعى إلى فرض شعارات هذا اليمين على ارض الواقع، حتى وإن أدى الأمر إلى إصدار الفتاوى، التي تدفع الجماهير المجيشة، إلى القيام بها، رغبة في الحصول على الحق في الجنة. والواقع أن المواقف السياسية الصادرة عن اليمين المتطرف لا تخدم إلا مصالح الطبقات الحاكمة، التي تتخذها مبررا لتكريس كل أشكال القمع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، سعيا إلى تحقيق الأهداف المتعلقة بإخضاع الجماهير الشعبية، لارادة الطبقة الحاكمة، في كل بلد.
ولذلك كان من الأفيد العمل على دراسة مواقف اليمين المتطرف، حتى لا تنطلي الحيلة على الجماهير الشعبية الكادحة، وحتى لا يعتقد الناس: أن الغاية من المواقف السياسية الصادرة عن حزب اليمين المتطرف، تهدف فعلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، و إقامة الدولة الإسلامية، التي تنشر العدل بين الناس: لأن غاية حزب اليمين المتطرف في الواقع، هي الوصول إلى إقامة نظام مستبد بديل، بدل النظام المستبد القائم، وقطع الطريق أمام إمكانية قيام ديموقراطية، حقيقة، من الشعب والى الشعب. وهو هدف يجب التصدي له، لأنه يؤدي إلى قيام نظام سياسي، يدعى انه نظام إسلامي، يحكم بـ " اسم الله"، في وقت لم يعد فيه ظهور الأنبياء، والرسل، واردا. ولذلك نرى ضرورة اعتبار المواقف السياسية، بريئة من الدين الإسلامي، وأنها مواقف يعتبر تجريمها بسبب استغلالها للدين، الذي يجب أن يبقى بعيد عن الاستغلال السياسي.
7) موقف حزب الطبقة العاملة: الذي تتحكم في اتخاذه الآلية الديموقراطية، التي لا تستحضر إرادة الحزبيين، وحدهم بقدر ما تستحضر الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، باعتبارها معانية من الممارسة السياسية للطبقة الحاكمة، والأحزاب السياسية، التي لا تخدم إلا مصلحة الطبقة الحاكمة، بطريقة، أو بأخرى، ومصلحة الطبقات التي تمثلها تلك الأحزاب، وبالدرجة الأولى مصلحة الحزبيين في علاقتهم مع الطبقة الحاكمة. فاستحضار الجماهير الشعبية الكادحة، قبل، و أثناء التخطيط، لاتخاذ موقف سياسي، يعتبر مسالة أساسية في ممارسة حزب الطبقة العاملة: لأنه لا يراهن إلا على الجماهير الشعبية الكادحة، ولا يراهن أبدا على غير الكادحين، مهما كانوا، على مستوى التأثير السياسي، إلا إذا عبروا عن اقتناعهم بإيديولوجية الطبقة العاملة، وعن سعيهم إلى الارتباط العضوي بها، وتخليهم نهائيا عن تطلعاتهم الطبقية، وذلك الاستحضار الذي يستهدف التعمق، في معرفة الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، يجعل مواقف حزب الطبقة العاملة، معبرة عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، وعن إرادة الطبقة العاملة، مما يجعل الجميع يستجيب لتلك المواقف، ويحتضنها ويعتبرها مواقف شعبية، تستجيب لمتطلبات الشعب، الذي يسعى إلى تحقيق الحرية، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها أهدافا استراتيجية لحزب الطبقة العاملة.
ونظرا لكون موقف حزب الطبقة العاملة السياسي، يخدم مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، فإن هذا الموقف يخدم بطريقة مباشرة: قضية المرأة. لأن موقف حزب الطبقة العاملة هو الوحيد الذي يساوي في تنظيمه، وفي مواقفه السياسية، بين الرجل، والمرأة، وهو الوحيد الذي يسعى إلى محاربة كل المواقف المعادية للمرأة، سواء تعلق الأمر بموقف حزب الإقطاع، أو حزب البورجوازية التابعة، أو حزب البورجوازية، أو حزب البورجوازية الصغرى، أو حزب اليسار المتطرف، أو حزب اليمين المتطرف، والعمل على الكشف عن خلفياتها، وعن عمق معاناة المرأة بسبب تلك المواقف، وصولا إلى جعل المرأة تملك الوعي الطبقي، ككادحة تنتمي إلى الطبقات الكادحة، وكإنسان محرومة من حقوقها الإنسانية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. فالمرأة في المجتمعات التي يحكمها الإقطاع، والبورجوازية، ليست إلا متاعا، والبورجوازية الصغرى لا تحسم مع تسليعها، واليمين المتطرف لا يعترف لها بإنسانيتها، واليسار المتطرف لا يؤطر حرية المرأة تأطيرا علميا، مما يجعل كرامتها مهدرة من خلال علاقتها بالرجل. ولذلك فالتماس حرية الناس بصفة عامة، وحرية المرأة بصفة خاصة، لا نجده من خلال المواقف السياسية الحزبية في معظم الأحيان إلا في موقف حزب الطبقة العاملة، الذي يسعى إلى تحرير المجتمع ككل، من خلال وضح حد للاستغلال، بالعمل على تحويل ملكية وسائل الإنتاج، من الملكية الفردية، إلى الملكية الجماعية. لأنه حينها يتساوى الناس جميعا أمام القانون، وعلى المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.
فوضع حد للاستغلال يقتضي تحقق الحرية التي هي شرط وجود الأفراد والمجتمعات، كما يقتضي تحقيق الديموقراطية التي هي شرط استمرار سلامة المجتمع من مختلف الهزات التي قد يعرفها، فتؤدي إلى عكس المقصود منها، بالتراجع إلى الوراء، أو بإصابة الأفراد والمجتمع باليأس المستديم من أي أمل في الحرية والديموقراطية، كما يقتضي تحقيق العدالة الاجتماعية، التي تضمن التوزيع العادل للثورة، الذي يقف وراء قيام كل فرد بواجبه، في مقابل تمتعه بدخل يحقق حاجياته الضرورية، والكمالية، من خلال مبدأ: على كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته. وهو ما يعني زوالا أسباب قيام صراع تناحري بين أفراد المجتمع الذي تنتفي في بنياته الطبقات الاجتماعية المتناحرة. والصراع الوحيد الذي يبقى مستمرا هو الصراع الديموقراطي.
والآلية الخامسة: تتمثل في الاهتمام ببناء المنظمات الجماهيرية، النقابية، والثقافية، والحقوقية، وغيرها من المنظمات الجماهيرية، التي تقوم بدور أساسي: لصالح أفراد المجتمع ككل، ولصالح المرأة بالخصوص، ومن أجل تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، للرجل، والمرأة على السواء:
1) فبالنسبة للتنظيمات النقابية نجد أن علينا أن نميز بين مستويين منها. مستوى النقابات البيروقراطية، أو التابعة لحزب معين، أو التي تعتبر مجرد منظمات حزبية، ومستوى النقابات المحكومة بالمبادئ، التي تساعد على أداء مهامها النقابية، وعلى أساس مبدئي. فالتقدمية تجعل النقابات المبدئية، تسعى باستمرار، ودون توقف، ومهما كانت الشروط الموضوعية التي تقتضي ذلك التوقف، إلى تحسين الأوضاع الموضوعية للطبقة العاملة، ولسائر الأجراء. والديموقراطية تقتضي تمكين النقابات، والنقابيين، من المساهمة الفعلية في انتخاب الأجهزة، وفي الترشيح لتحمل المسؤولية النقابية، وفي اتخاذ القرارات النضالية، وتنفيذها. والجماهيرية تسعى إلى جعل النقابة رهن إشارة جميع الأفراد، وتناضل من اجل تحقيق مطالب جميع الأفراد، سواء كانوا منخرطين في النقابة، أو غير منخرطين. والاستقلالية تفرض أن النقابة لا تقع تحت طائلة القائد البيروقراطي، ولا تصير تابعة لحزب معين، ولا تتحول إلى مجرد منظمة حزبية، حتى تعبر قراراتها عن الاستقلالية التامة عن الأفراد، وعن التبعية للأحزاب، ولأجهزة الدولة. والوحدوية تدفع النقابة إلى تنظيم الأجراء بدون استثناء، وتوحيد المطالب بين جميع شرائحهم، و إشراكهم في جميع النضالات المطلبية.
ولذلك فموقف النقابات على المستوى السياسي، إما أن يكون امتدادا لمواقف الأفراد، الناتجة عن انتمائهم إلى حزب معين، أو امتدادا لمواقف الأحزاب، التي توجه العمل النقابي، أو تعتبر النقابات جزءا من تنظيماتها. و إما أن يكون معبرا، فعلا، عن مبدئية النقابة، وامتدادا لإرادة جميع أفراد الإجراء، بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية، وعن اقتناعهم بمواقف سياسية معينة.
ولذلك، فإن موقفها من المرأة، قد يكون تكريسا للدونية، وللقهر المزدوج، الممارس عليها، كامتداد للمواقف السياسية المكرسة لتلك الدونية، وقد يكون سعيا إلى تحقيق المساواة بينها وبين الرجل، في الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسة. والنقابات، بذلك، إما أن تسعى إلى تكريس حرمان المرأة من الحرية، كما هو واقع الحال، و إما أن تسعى إلى تحرير المرأة من مختلف القيود المفروضة عليها في الواقع، وتصير كالرجل في كل شئ.
2) و ما قلناه عن النقابات، نقوله عن الجمعيات، التي يمكن تصنيفها إلى جمعيات يقودها ديموقراطيون. وتكون تلك الجمعيات إما مبدئية: ديموقراطية، تقدمية، جماهيرية؟، مستقلة، تهتم بالقضايا الجماهيرية المختلفة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، وبقضية المرأة، والطفل، من اجل جعل الجماهير الشعبية تمتلك وعيا معينا تجاه تلك القضايا. وجمعيات من هذا النوع، تربي المستهدفين على ممارسة الحرية الفردية، والجماعية، في تعاملها مع مختلف القضايا، التي تهم الأفراد والجماعات، وتسعى، بالخصوص، إلى بث القيم التي تكرس حرية المرأة، عن طريق جعلها تمتلك وعيها بالواقع، في كل تجلياته، وتدرك دورها في تطوير الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، من خلال نضالها، وحرصها الدؤوب، على التمتع بحقوقها المختلفة. و إما أن هذه الجمعيات يقودها بيروقراطيون، أو حزبيون، يسعون إلى جعلها تابعة لأحزابهم، أو مجرد منظمات حزبية. ولذلك فهي لا تصرف إلا رؤى الأفراد، أو الأحزاب في العمل الجماهيري، لكونها تفتقر إلى المبدئية، والى المصداقية، في تعاملها مع القضايا الجماهيرية.
وهذا التمييز يساعد المتتبع على معرفة: ما هي الجمعيات التي تسعى إلى تحرير الإنسان، أفرادا، وجماعات، عن طريق التربية على حقوق الإنسان، والى تحرير المرأة، بصفة خاصة، بإكسابها القدرة على الوعي بإمكانياتها الذاتية، والموضوعية، الساعية إلى رفع مكانتها في المجتمع، من خلال مساهمتها في تطوير الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة. وبالتالي: فإن الجمعيات التي لا تساهم في تحرير الإنسان، والمرأة يجب فضح ممارساتها، وتعرية مسلكية أفرادها، الذين يهتمون بقضايا تغرق المجتمع، في كل أشكال التخلف، إن لم تصبح مجرد أدوات في أيدي مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين يستغلونها في نشر أدلجة الدين الإسلامي، وفي جعل المستهدفين قابلين للتجييش، لتحقيق أهداف محددة، أهمها: الوصول إلى مراكز القرار، وامتلاك سلطة القرار، لفرض تلك الأدلجة على جميع أفراد المجتمع. ومهمة الجمعويين الحقيقيين تكمن في التصدي لمثل هذه الجمعيات، ومناهضة ممارستها المختلفة، وصولا إلى تكريس سيادة العمل الجمعوي الجاد.
3) وفيما يخص الجمعيات الحقوقية، فإن المفروض فيها أن تكون تقدمية، ديموقراطية، جماهيرية، مستقلة، وكونية، وشمولية. و هي بذلك تعمل على تمتيع الناس بجميع الحقوق العامة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، والحقوق الخاصة بالعمال، وبالمرأة، وبالطفل، وبالمعاقين، وغيرها، مما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية المختلفة.
والجمعيات الحقوقية بنضالها من أجل تمتيع الناس جميعا بالحقوق العامة، والخاصة، فإنها تصير وسيلة أساسية، إلى جانب وسائل أخرى، لتحقيق الحريات الفردية، والجماعية، ولتحقيق حرية المرأة، التي لا تتناقض أبدا، مع الحريات العامة، التي يحق لكل الناس التمتع بها.
وبوقوفنا على الجوانب المختلفة، التي يجب أن يلامسها وعي الناس بصفة عامة، ووعي المرأة بصفة خاصة، نكون قد خلصنا إلى القول: بأن حرية الإنسان بصفة عامة، وحرية المرأة بصفة خاصة، هي ممارسة لا تتحقق إلا من خلال مستويين :
1) مستوى الوعي بالحقوق العامة، والخاصة، كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان المختلفة، وبضرورة التنظيم، وبامتلاك الوعي الإيديولوجي، والسياسي، من خلال الوقوف على طبيعة إيديولوجيات الأحزاب، ومواقفها السياسية، حتى يتبين: ما هي الإيديولوجية التي تساعد على امتلاك الحق في الحرية؟ وما هو الموقف السياسي الذي يساعد على ممارسة تلك الحرية على ارض الواقع؟
2) مستوى النضال من أجل الحرية، انطلاقا من برنامج محدد، وهادف، ووفق مستويات النضال الجمعوي، والحقوقي، والنقابي، والسياسي، سعيا إلى تحقق الحرية، التي لا يتأتى التمتع بها بدون تحقيق الديموقراطية، والعدالة الاجتماعية، لأن النضال من أجل الحرية، هو نفسه النضال من أجل الديموقراطية، وهو نفسه النضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.
فهل يدرك الكادحون أهمية النضال من اجل الحرية، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية؟
وهل تدرك المرأة أهمية انخراطها في النضال الديموقراطي، من اجل تحقيق حريتها، إلى جانب تحقيق الحريات العامة لجميع أفراد المجتمع؟
إننا أمام واقع يقتضي امتلاك الوعي به والنضال من أجل تغييره.
العلاقة بالواقع / علاقة بالاستعباد:
فما هي علاقة الإنسان بالواقع المستهدف تغييره؟
هل هي علاقة انسجام أم علاقة تناقض؟
هل يمكن أن تؤدي هذه العلاقة إلى تغيير الواقع؟ أم إلى تكريس بنياته القائمة؟
وما هي علاقة المرأة بهذا الواقع؟
هل هي علاقة احتواء؟ أم علاقة رفض ؟
هل تسعى المرأة إلى تغيير الواقع؟ أم إلى تكريسه؟
إننا عندما ننظر في علاقة الإنسان بالواقع، فإن علينا أن نميز بين مستويين من العلاقة، مستوى علاقة المستغل(بكسر الغين) بالواقع، ومستوى علاقة المستغل (بفتح الغين).
فعلاقة كل مستفيد من الاستغلال، تقتضي بأن يكون الواقع تحت طائلة الاستغلال، الذي يمارسه على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.
فكل شئ في الواقع، يجب أن يكون في خدمة الاستغلال، حتى يتكرس المستغلون أسيادا، على عرش الاستغلال، وحتى يصيروا قادرين على العمل على تأبيد استغلالهم. والمستغلون يختلفون من تشكيلة اجتماعية، إلى تشكيلة اجتماعية أخرى.
فهم في التشكيلة العبودية، يتكونون من الأسياد، وفي التشكيلة الإقطاعية من الإقطاع، وفي التشكيلة الرأسمالية من البورجوازية. والبورجوازية في التشكيلة الاجتماعية، القائمة على الصعيد العالمي، لا تستطيع تأبيد سيطرتها، إلا بامتلاك سلطة الدولة، التي تستغلها على المستوى العالمي، لتعميق استغلالها، ولتأبيد ذلك الاستغلال.
أما علاقة الذين يمارس عليهم الاستغلال بالواقع، فيختلف كذلك من تشكيلة إلى أخرى. فهم في التشكيلية العبودية يتكونون من العبيد، وفي التشكيلة الإقطاعية يتكونون من الأقنان، و في التشكيلة الرأسمالية يتكونون من العمال، وهم في التشكيلة القائمة الآن التي هي التشكيلة الرأسمالية، وعلى المستوى العالمي، يسعون إلى تحقيق إنسانيتهم، من خلال مقاومة شراسة الاستغلال الممارس عليهم، عن طريق المطالبة المستمرة بتحسين شروط العمل، وتحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، بواسطة العمل النقابي، الذي تقوده التنظيمات النقابية، على المستوى المحلي، وعلى المستوى الوطني، والقومي، والعالمي، لتحقيق المطالب المادية، والمعنوية، من خلال برامج محددة، كما يسعون إلى وضع حد للاستغلال بالعمل على تغيير الملكية الفردية، بالملكية الجماعية، بواسطة النضال السياسي للطبقة العاملة، الذي يقوده حزبها الثوري، الذي يأخذ على عاتقه أن يرتقي بوعي العمال، من مجرد المطالبة بتحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، إلى مستوى امتلاك الوعي الطبقي الحقيقي، الذي يجعل الطبقة العاملة تنخرط في النضال، ومن بابه الواسع، من أجل تحسين شروط العمل، ثم من أجل وضع حد لكافة أشكال الاستغلال الممارس عليها على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وصولا إلى تحقيق الحرية، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية.
وانطلاقا من هذا التصور لعلاقة الإنسان بالواقع، يمكن أن نسجل أن الطبقة المستفيدة من الاستغلال هي التي تكون منسجمة مع الواقع الذي يخدم مصالحها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدينة، والسياسية، لكون النظام الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، يؤهل المجتمع، بكافة فئاته المقهورة، لاعتبار الاستغلال الممارس عليها عملا مشروعا، ومقبولا، خاصة وأنها لا تملك إلا أن تبيع قوة عملها.
أما الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال، فإنها تعاني من الغربة عن الواقع. فهي أولا تبيع قوة عملها، وهي مضطرة لذلك، لكونها لا تملك شيئا، وعليها أن تعيش، وكيفما كان مستوى هذا العيش. ولذلك فهذه الطبقة تقضي عمرها تبيع قوة عملها، ولا تحلم إلا بتحسين شروط العمل، الذي لا يخلصها من الاستغلال، ولا يزيح عنها الشعور بالغربة، ويجعل انسجامها مع الواقع غير وارد، ما لم تمتلك وعيها الطبقي، الذي هو البداية لمعرفة ما يجب عمله، للتخلص من الاستغلال، الذي هو الطريق الطبيعي، لجعل المقهورين الذين يمارس عليهم الاستغلال، ينسجمون مع الواقع.
ولذلك فالطبقة المستفيدة من الاستغلال ، تكون علاقتها بالواقع علاقة انسجام، أما الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال، فتكون علاقتها بالواقع علاقة تناقض. وفي العلاقتين معا، نجد السعي إلى تأبيد السيطرة الطبقية في الحالة الأولى، والسعي إلى التخلص من تلك السيطرة في الحالة الثانية.
ونحن في تعاملنا مع الطبقة المستفيدة من الاستغلال، نجد أنها توظف ما توفر لديها من إمكانيات، لتغيير الواقع، بما يخدم مصلحتها الطبقية، في اتجاه تعميق استغلالها للفئات المستهدفة بالاستغلال المادي، والمعنوي، حتى تتم مضاعفة فائض القيمة، الذي يزيد من التراكم الرأسمالي لديها، والذي يعتبر مصدرا لعملتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وهو ما يعني: أن تغييرها للواقع، لا يستهدف إلا تطوير وسائل الإنتاج، واليات التبادل التجاري، وإيجاد أسواق جديدة، لتصريف البضائع التي تنتجها بمختلف المؤسسات الإنتاجية التي تملكها.
أما علاقة الطبقة العاملة بالواقع، فإنه يكون محكوما بالسعي المستمر إلى جعل الإنتاج في خدمة الطبقة العاملة، وسائر الكادحين، عن طريق الحرص على تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، للطبقة العاملة، ولسائر المقهورين، كخطوة في اتجاه بناء الأداة الثورية، التي تقود الطبقة العاملة، وسائر الكادحين، إلى وضع حد للاستغلال، وبصفة نهائية، عن طريق امتلاك سلطة الدولة، واستغلال أجهزتها التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، لجعل ملكية وسائل الإنتاج في ملك جميع أفراد المجتمع، حتى يصير الإنتاج في خدمة المجتمع ككل. وتغيير من هذا النوع، لا يمكن اعتباره إلا تغييرا استراتيجيا، يسبقه سعي إلى القيام بتغييرات مرحلية، قد تكون قصيرة المدى، أو متوسطة المدى، وقد تكون طويلة المدى.
وهذه التغييرات المرحلية، لا تتم إلا في إطار ما صار يعرف بالنضال الديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة، ونزيهة، وتكوين حكومة من الأغلبية البرلمانية، تكون مهمتها العمل على التخفيف من المعاناة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية للجماهير الشعبية الكادحة.
ولذلك نجد أن العلاقة بالواقع تنتج مستويين من التغيير :
1) مستوى التغيير الهادف إلى تكريس الاستغلال المادي، والمعنوي، عن طريق تطوير آليات الاستغلال المادي، والمعنوي، للطبقة العاملة ولسائر الكادحين. وتغيير من هذا النوع، يؤدي إلى تكريس الاستغلال، ويعمقه، ويساعد على تأبيد السيطرة الطبقية، ويعمق تلك السيطرة.
2)مستوى التغيير الهادف إلى تحويل الملكية الفردية: إلى ملكية جماعية، الذي يسبقه تغيير إيديولوجي، وثقافي، وسياسي. وهذا النوع من التغيير يقضي على الاستغلال، وبصفة نهائية، لصالح تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، التي هي أمل الكادحين في كل أرجاء الأرض.
وبالنسبة لعلاقة المرأة بالواقع، فإنها يمكن أن تصنف ضمن الإطار العام الذي رأيناه. فهي إما سيدة، أو إقطاعية، أو بورجوازية، حسب التشكيلة التي وجدت فيها، وإما أمة ،أو قنة، أو عاملة: أي أنها إما ممارسة للاستغلال، أو يمارس عليها الاستغلال، وبالتالي فالمرأة المستفيدة من الاستغلال، يحتويها الواقع، وتصير حريصة على تكريسه، والمرأة التي يمارس عليها الاستغلال، ترفض الواقع القائم، وتسعى إلى تغييره.
وبناء على هذا التصور: فالمرأة التي تنتمي إلى الطبقة المستفيدة من الاستغلال، تسعى إلى تغيير وسائل الإنتاج، بهدف تعميق الاستغلال، وتطويره، للزيادة في خدمة المصالح الطبقية، للمستفيدين من الاستغلال.
أما المرأة المنتمية إلى الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال، فإنها في حالة امتلاكها للوعي الطبقي، تنخرط في النضال المرحلي، من أجل تحسين أوضاعها المادية، والمعنوية، كما تنخرط في النضال السياسي من بابه الواسع، من أجل العمل على تغيير ملكية وسائل الإنتاج: إلى ملكية جماعية، لتحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها الإطار الذي تتحقق فيه المساواة بين الرجال، والنساء.
وما يمكن الوقوف عليه: هو أن المرأة، في إطار علاقتها بالواقع، تعاني من النظرة الدونية، سواء كانت مستفيدة من الاستغلال، أو مستغلة (بفتح الغين).
وهذه النظرة: تبقى رهينة بطبيعة الثقافة السائدة، والتي تأتي إما من الثقافة التقليدية المحافظة، أو المؤدلجة للدين الإسلامي، التي تكرس كون المرأة مجرد متاع، يجب حفظه، حتى لا يصير مبتذلا بين الناس، أو أنه مجرد عورة، يجب سترها، كما تأتي من الثقافة الرأسمالية الغربية، التي يسمونها ثقافة الحداثة، التي لا ترى في المرأة إلا كونها سلعة؟، أو بضاعة تعرض في الأسواق، كباقي البضائع، حتى تقف وراء الزيادة في استهلاك البضائع الرأسمالية: أي أن المرأة، في نظر النظام الرأسمالي، هي أداة للزيادة في استهلاك البضائع الرأسمالية.
ولإزالة النظرة الدونية للمرأة، نجد أنفسنا في حاجة إلى ثورة ثقافية، لخلخلة البنيات العقلية، التي سادت في المجتمع الرأسمالي، وفي غيره من التشكيلات الاجتماعية السابقة عليه، من أجل اقتلاع النظرة الدونية للمرأة من العقليات، ومن المسلكيات الفردية، والجماعية، حتى تسود نظرة المساواة بين الرجال، والنساء، التي تقتضي القيام بتفكيك البنيات الثقافية التقليدية، وتفكيك البنيات الثقافية الرأسمالية، وتفكيك ادلجة الدين الإسلامي في نفس الوقت، حيث تعتبر هذه الثقافات مصادر لدونية المرأة، والعمل على إنتاج ثقافة تقود إلى احترام المرأة، وتقدير عطاءاتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، والعمل على تطوير نظرة المرأة لنفسها، حتى لا تستمر في تسليع جسدها، مما يؤدي إلى احتقارها.
والقيام بالثورة الثقافية، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى إعطاء النضال الديمقراطي بعدا جديدا، بانخراط المرأة الواسع فيه، حتى تزول كل الفوارق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية التي تميز بين الناس، في التشكيلات الاجتماعية العبودية، والإقطاعية، والرأسمالية.
وتتحقق المساواة بين الناس جميعا في المجتمع الاشتراكي الذي يعتبر وحده المجال الذي تتحقق فيه تلك المساواة. والبشرية لا يمكن أن تتخلص من الكثير من الأمراض، إلا بالتخلص من الاستغلال الطبقي، الذي هو المدخل لحرية الإنسان، ولحرية المرأة.
وما رأيناه يؤطر علاقة المرأة بالواقع على المستوى العام. أما على المستوى الخاص فإننا نجد :
1) أن علاقة المرأة بالواقع: هي علاقة محكومة بالعادات، والتقاليد، والأعراف، التي تسود في مجتمع معين، والتي تكرس إما النظرة الدونية للمرأة، في حالة سيادة تخلف المجتمع المحكوم بالتقليد الإقطاعي، أو بأدلجة الدين الإسلامي، أو بالعقلية البورجوازية، التي تجعل المرأة مجرد سلعة معروضة للتمتع بها، أو بنظرة احترام المرأة في حالة تقدم المجتمع وتطوره، وفي حالة سيادة الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.
وبطبيعة الحال، فهذه العلاقة تتجسد من خلال كون المرأة متعلمة، أو غير متعلمة، وهل تتمتع بالحماية الصحية؟ أم أنها لا تتمتع بها؟ وهل تتاح لها الفرصة لشغل المناصب المختلفة في أجهزة الدولة ؟ وهل في إمكانها أن تقوم بالأعمال الحرة؟ أم لا ؟ وهل تنخرط في الجمعيات المختلفة، وفي النقابات، وفي الأحزاب السياسية ؟ وهل تتحمل المسؤوليات الرئيسية في مختلف الإطارات الجمعوية، والنقابية والحزبية؟ وهل تتحمل المسؤوليات الرئيسية في أجهزة الدولة الحكومية والتشريعية والقضائية؟ أم لا ؟
فانخراط المرأة في مختلف التنظيمات، وتواجدها في مختلف القطاعات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وأجرأة ملاءمة القوانين المحلية لأجرأة احترام مساواة المرأة للرجل، وتجريم مختلف الممارسات المؤدية إلى إهانة المرأة، واحتقارها في الحياة العامة، ووضع قوانين لردع مرتكبي جرائم إهانة المرأة، وتجريم حرمان المرأة من التعليم، ومن الحماية الصحية، ومن العمل، كما هو الشان بالنسبة للرجل، وإنشاء هيأة لمراقبة احترام حقوق الإنسان، بصفة عامة، والحقوق الإنسانية للمرأة، بصفة خاصة، وصولا إلى مجتمع بدون إهانة للمرأة، وبدون تكريس لدونيتها؟، حتى يتأتى لها أن تعيش إنسانيتها، التي حرمت منها، ولقرون طويلة، من خلال سيادة التشكيلات الاجتماعية المختلفة، التي يسود فيها استغلال الإنسان، بصفة عامة، واستغلال الرجل للمرأة، بصفة خاصة.
فهل يصير الواقع خاليا من تكريس دونية المرأة ؟
وهل يتم تجريم تلك الدونية سعيا إلى القضاء عليها؟
إن تطور الواقع في هذا الاتجاه، يحتاج إلى عمل خاص، من خلخلة، وفضح الممارسات المسكوت عنها، والتي يأتي في مقدمتها تكريس دونية المرأة على جميع المستويات، حتى يتحرر الناس، في اتجاه نبذ كل مظاهر التخلف.
2)أن علاقة المرأة بالرجل، هي التي تحدد: إلى أي حد تتحرر المرأة؟ أو إلى أي حد تعاني من القهر، والاستعباد، والدونية، والتخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي؟
وهل في الإمكان التخلص من مختلف الأمراض، التي تحكم علاقة المرأة بالرجل في المجتمع المحكوم بالعقلية الإقطاعية المتخلفة، أو بعقلية مؤدلجي الدين الإسلامي، أو بالعقلية البورجوازية التابعة، أو بالعقلية البورجوازية الليبرالية، أو بالعقلية البورجوازية الصغرى، أو بعقلية اليسار المتطرف، أو اليمين المتطرف؟
لأن علاقة الرجل بالمرأة كزوج هي علاقة محكومة بعقلية الرجل، وبعقلية المرأة، في نفس الوقت، هل هي عقلية الإقطاع ؟ أو عقلية بورجوازية ؟ أم بورجوازية صغرى ؟ أم عقلية الطبقة العاملة؟ أم عقلية اليسار المتطرف؟ أم اليمين المتطرف؟ فطبيعة تلك العلاقة هي التي تحدد هل يتعامل الرجل مع المرأة كإنسان؟ أم أنه يتعامل معها كمجرد متاع تجب المحافظة عليه ؟ أو أنها مجرد سلعة تعرض في الأسواق؟
فإن كانت نظرة الرجل، كزوج، للمرأة ،كزوج أيضا، على أنها إنسان، فإن المفروض أن يحترم إنسانيتها، التي تقتضي تمتيعها بحقوقها الإنسانية العامة، وحقوقها كامرأة تتميز عن الرجل، بخصوصيات معينة تفرض تمتيعها بأمور لا تجوز للرجل. وإن كانت نظرته إليها على أنها مجرد متاع، أو سلعة، فإنه بطبيعة الحال ينظر إليها على أنها يمكن أن تستبدل بامرأة متاع، أخرى، أو تشترى إلى جانبها امرأة سلعة، أخرى. وبالتالي فإن قيمتها في التمتع بها أو في استهلاكها كسلعة، ولا داعي لان يستحضر الرجل، في ممارسته، أنها تستحق التقدير، والاحترام من الرجل، وأن وظيفتها في إنجاب الأولاد، وتربيتهم في أحسن الأحوال، وأن تكون رهن إشارة الرجل، انطلاقا من أن الرجال قوامين على النساء، وإذا سمح لها بالخروج فذلك منحة منه، أما إذا سمح لها بالعمل، فإنه يرى فيها مشروعا اقتصاديا، يستثمره لصالحه، ويرى أن من حقه أن يمنعها عن العمل متى شاء.
ولذلك نرى أن من الواجب إشاعة التربية على حقوق الإنسان الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، كما هي في المواثيق الدولية، وعلى حقوق المرأة، كما هي في الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وعلى حقوق العمال، كما هي في المواثيق الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية، وعلى حقوق الأطفال، كما هي في الميثاق الدولي المتعلق بحقوق الطفل، من منطلق أن التربية على الحقوق الإنسانية بصفة عامة، وعلى الحقوق الإنسانية للمرأة بالخصوص، هي المدخل لقيام علاقة موضوعية، و إنسانية، ومتساوية، بين الرجل، و المرأة. وهي المدخل لوضع قوانين تقر تلك المساواة، وتفرضها في المعاملة اليومية، وفي قوانين الأسرة التي يجب أن تتلاءم بدورها مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى تكون منطلقا لبناء الأسرة، في كل بلد على حدة، ومرجعا لإقرار المساواة بين الرجل، والمرأة، في الأسرة، والمجتمع على السواء.
1) أن علاقة المرأة بالعادات، والتقاليد، و الأعراف، تتحدد طبيعتها بالنسبة إلى طبيعة العادات، والتقاليد، و الأعراف، هل تناسب التشكيلة العبودية؟ أم التشكيلة الإقطاعية؟ أم التشكيلة الرأسمالية؟ أم التشكيلة الاشتراكية؟ وبالتالي، وتبعا لعلاقتها بالتشكيلات المختلفة، فإننا يمكن أن نميز بين مستويين منها :
أ- مستوى العادات، والتقاليد، و الأعراف، المكرسة لدونية المرأة، والتي لا يمكن أن تكون إلا نتيجة لاعتبار المرأة متاعا، أو اعتبارها مجرد سلعة، أو اعتبارها عورة. وهذه النظرة، تجعل العادات، والتقاليد، والأعراف، مكرسة لدونية المرأة، ومحتقرة لها. ولذلك نرى من الضروري التصدي لهذا الشكل من العادات، والتقاليد، والأعراف، لإعطاء أهمية لرفع مكانة المرأة، حتى تصير دونيتها غير واردة، جملة، وتفصيلا.
ب- مستوى العادات، والتقاليد، و الأعراف، المكرسة لحرية المرأة، وتمتيعها بحقوقها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، ومساهمتها في بناء المنظمات الجماهيرية، والنقابية، والحزبية، والمالكة للحق في تحمل مختلف المسؤوليات، في مؤسسات الدولة التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. وهذا الشكل من العادات، والتقاليد، والأعراف، يجب العمل على إشاعته، والدفاع عنه، والتمسك به، لمساهمته في رفع مكانة المرأة، وفي إزالة كافة العوائق، التي تحول دون تمتعها بحقوقها.
فالعادات، والتقاليد، و الأعراف، إذن، يمكن أن تكون وسيلة: إما لتكريس دونية المرأة، وإما لرفع مكانتها في المجتمع. وما يجب استحضاره في هذا الإطار: هو أن العادات، والتقاليد، والأعراف، ليست إلا قيما، تتخذ صفة الثبات التلقائي، الذي يتم الإجماع عليه، بطريقة غير مباشرة، ودون اتفاق مسبق. ونحن عندما نسجل أنها مجموعة من القيم، فإن ذلك يعني: أن في إمكان الحركات المناضلة الجمعوية، والنقابية، والحزبية، والحقوقية، أن تعمل على إخضاعها للتشريح والنقد، والعمل على نفي قيم التخلف ذات المصادر العبودية، و الإقطاعية، والبورجوازية، التي تحط من كرامة المرأة، وتدفع إلى احتقارها، والعمل على تغذية تلك العادات، والتقاليد، و الأعراف، بقيم الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها قيما تشكل مدخلا لاستحضار: أن المرأة إنسان، وأن هذا الإنسان من حقه، كباقي البشر، أن يتمتع بحقوقه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وأن طبيعة هذا الإنسان: ذات خصوصية معينة، يمكن استحضارها لإضافة حقوق خاصة، يجب الحرص على تمتيعها بها حتى تتمتع بكيانها المستقل، وتصير فاعلة في الواقع بما يتناسب مع قدراتها، وإمكانياتها المادية، والأدبية.
وإلى جانب ما ذكرنا علينا أن نستحضر: أن العادات، والتقاليد، والأعراف، ذات بعد طبقي، وأن هذا البعد يجب استحضاره في التعامل مع القيم السائدة في المجتمع، والتي تساهم في تشكيل الممارسات المتكررة في صفوف الطبقات؟، التي تمارس الاستغلال على المجتمع ككل، وعلى الكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة بصفة خاصة، ليست هي نفسها في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة.
فالعادات والتقاليد والأعراف في صفوف المستفيدين من الاستغلال، سرعان ما تتغير، لكثرة احتكاكهم بالثقافات المختلفة، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، ونظرا للثروات المتوفرة لديهم بسبب الاستغلال.
ولذلك يظهر أن المرأة السيدة، أو المرأة " الإقطاعية "، أو المرأة " البورجوازية"، متحررة، وتتمتع بحقوقها، وهي في الواقع ليست إلا متاعا، أو سلعة.
أما العادات، والتقاليد، والأعراف، في صفوف الكادحين، فإنها تتخذ صفة الثبات، لغياب الاحتكاك بينهم، وبين الثقافات المختلفة، التي تغذيهم بالقيم، التي تجعلهم يغيرون نظرتهم الدونية للمرأة. ولذلك نرى أن على الجمعيات، والنقابات، و الأحزاب، أن تقوم بأنشطة تهدف إلى تغذية الكادحين بقيم الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها قيما يسعى الكادحون إلى سيادتها في الواقع، و باعتبار تلك السيادة وسيلة لإزالة النظرة الدونية للمرأة من صفوف الكادحين، والعمل على التعامل في الواقع، على أساس من المساواة بين الناس جميعا، لا فرق بينهم على أساس الجنس بالخصوص، لتصير العادات، والتقاليد، والأعراف، متطورة في اتجاه أن تصبح المرأة مساوية للرجل، من خلال العادات، والتقاليد، والأعراف، التي تصير اكثر تطورا، من عادات، وتقاليد، و أعراف الطبقات المستغلة (بكسر الغين)، والمستفيدة من الاستغلال، في نفس الوقت، انطلاقا من أن المجتمع يتطور باستمرا،ر على جميع المستويات، وعلى مستوى القيم، وهكذا...
4) أن علاقة المرأة بالقوانين تقتضي الوقوف على طبيعة الطبقة التي تحكم، والتي تعمل على وضع القوانين التي تخدم مصالحها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وهل هي محترمة لحقوق المرأة؟ أم أنها تتمسك باعتبارها متاعا، أو سلعة؟
فإذا كانت الطبقة التي تحكم، تمارس احترام الحرية، وتطبق الديمقراطية الحقيقية، من الشعب، وإلى الشعب، وتحرص على تحقيق العدالة الاجتماعية، فإن القوانين التي تعمل على وضعها، وعلى تطبيقها على أرض الواقع، لابد أن تكون متلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ومع الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة. وبالتالي: فإن المرأة تصير، طبقا لتلك القوانين، مساوية للرجل على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. وكنتيجة لذلك، فإن المسلكية العامة المترتبة عن تطبيق تلك القوانين، تختفي منها، وبصفة نهائية، دونية المرأة التي تصير إنسانا، له مكانته التي لا تقل عن مكانة الرجل، الذي سوف لا يجرؤ على إهانتها، واحتقارها، لكون القوانين، المعمول بها، هي قوانين رادعة لكل من تجرأ على إهانة إنسانية المرأة، كما هي رادعة لكل من يتجرأ على إهانة إنسانية الرجل.
أما إذا كانت الطبقة التي تحكم لا تحترم الحرية، ولا تطبق الديمقراطية الحقيقية، ولا تعمل على إشاعة العدالة الاجتماعية، فإنها تكرس دونية المرأة، لكونها مجرد متاع يجب حفظه، كما يفعل الإقطاعيون، و مؤد لجو الدين الإسلامي، الذين يعتبرونها أيضا عورة، يجب سترها، أو لكونها سلعة، يحق لأي كان شراؤها لتصبح ملكا له.
و سواء كانت متاعا، أو عورة، أو سلعة، فإن الطبقة الحاكمة تحرمها من ممارسة حريتها، ومن التمتع بحقوقها المنصوص عليها في المواثيق الدولية، والمتعلقة بحقوق الانسان، أو في الميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، ولا تعمل أبدا على ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية، حتى لا تصير المراة كالرجل أمام القانون، وحتى لا تصير تلك القوانين مصدرا للمساواة بين المرأة، والرجل، على أرض الواقع.
والطبقات المستفيدة من الاستغلال، عندما تحرص على سيادة القوانين المجحفة بحقوق المرأة، والمكرسة لدونيتها، فلأنها لا تريد أن توسع دائرة الحرية في المجتمع، حتى لا تضطر إلى تلبية المطالب، التي تؤدي إلى تقليص حجم استفادتها من الاستغلال المادي، والمعنوي، للكادحين وطليعتهم الطبقة العاملة. وهكذا يتبين لنا: أن طبيعة الطبقة التي تحكم هي التي تحدد: هل علاقة المرأة بالقوانين المحلية المتبعة هي علاقة تناسب، يتم في إطارها احترام حرية المرأة، وحقوقها المختلفة؟ أم علاقة تناقض، تقتضي العمل على مقاومة الطبقة التي تعمل على تطبيقها؟ والمطالبة بتغيير تلك القوانين، حتى لا تصير المرأة مجرد متاع، أو عورة، أو سلعة معروضة في السوق، لأجل الاستهلاك، وحتى يتم تثبيت حرية المرأة، وتثبيت حقوقها على ارض الواقع.
وإذا لم يثبت تثبيت حرية المرأة، وتثبيت تمتيعها بحقوقها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، من خلال علاقة المرأة بالواقع، وبالرجل، وبالعادات، والتقاليد، و الأعراف، وبالقوانين السائدة، فإن المرأة تبقى مستعبدة من قبل الطبقات المستفيدة من استغلال المجتمع، ومن استغلال المرأة بالخصوص، عن طريق تكريس دونيتها في الواقع، وأمام الرجل، وفي العادات، والتقاليد، والأعراف، وبواسطة القوانين، حتى تستمر المرأة ذاعنة قابلة بالاستغلال المادي، والمعنوي الممارس عليها، ووسيلة لتكبيل الرجل، وكبح مطالبه، وجعله يتنازل عن حقوقه المختلفة، حتى تطمئن الطبقات المستفيدة من الاستغلال على مستقبل استغلالها. ولذلك فهي تستعبد المرأة، والرجل على السواء، وتغرق في استعباد المرأة، وتحرض الرجل على استعبادها، وتدفع المرأة إلى جعل الرجل قابلا بالاستغلال، وخاضعا لارادة المستفيدين من الاستغلال، وغير منخرط في النضالات المطلبية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى يحافظ على علاقته بالطبقات المستفيدة من الاستغلال، وغير مرتبط بالجمعيات، والنقابات، والأحزاب، لاجل ذلك.