PDA

View Full Version : خلدون جاويد : سهرة اسكندنافية !


بحزاني نت
26-04-2005, 10:15
خلدون جاويد : سهرة اسكندنافية !

كنا مثل كلبين في ليل الشوارع ، الريستورانتات تتألق بالضوء ، وخلف النوافذ حشد
من الأناقات ، شباب اوروبي أشقر اللون كالذهب او كشعاع الشمس .... نساء أجمل من
فراشات البحر ، خمرة كدموع العذارى تنتصب على طاولات بشموع وأزهار ..... شراشف
باهية كالثلج وفتنة تعم بسحرها الأرجاء .... كنا مثل كلبين !.
كنا كذلك ....! نحمل حقيبتين تتدلى على كتفينا ، فيهما قنينتان او سواهما من
البيرة الرخيصة ، ساندويج أو آخر مع تفاحتين . ... كنا نحاول البحث عن زاوية
قصية نتخفى في ظلمائها كي نشرب .... صديقي يتحاشى احتساءها علنا وعلى الطريقة
الاسكندنافية ، بينما حتى النساء هنا يجلسن باسترخاءة نجومية ، على المصاطب
المتناثرة في الشوارع والأزقة ، يرفعن الزجاجات الى شفاههن ويدخن بكل انتعاش ،
الحرية الشخصية هي القيمة الفاتنة لهذا المجتمع اذ يعمل المرء مايريد ولايتدخل
أي كان في شؤون سواه .
- اشرب ياصديقي ...
- لا أرجوك أنا مستعد أن امشي عاريا ولا أحمل الزجاجة هكذا !
- انت معقد ...
بعد حين وعلى رصيف مظلم ، فتح زجاجته ، وفتحت ُ الاخرى وسرنا في الأزقة الخلفية
... صديقي يطفح بأريج الجنوب العراقي ، عطر مدنه وقراه ، أغانيه وأحلامه ، وأنا
البغدادي مترع بالصلاة لما هو جنوبي . كانت أحاديثنا جميلة تتناهبها الذكرى تحت
ليل داني النجوم ، نجوم تومض بين غيمات تتدلى على ميناء هادئ وسفن راسية تلفها
الانسام والأضواء الخافتة ، النائمة على رقراق مياه سرمدية .
- أكثر احلامي تدور حول شارع السعدون ، وأبو نؤآس وأكثر شئ احلم بيه ، هي
منطقة البوليصخانه وارخيته وأبو قلام .
- لا والله ، آني أغلب احلامي دا امشي بالصالحية والشواكة وجسر الشهداء ، هذني
تلث مناطق لازكات بدماغي .
كان البرد شديدا على صديقي ...اسنانه تطقطق وهو يبتسم ساخرا من ضعفه ...أخرجت
له بلوزا كنت قد دسسته في حقيبتي تحسبا لانخفاض درجات الحرارة .
عادتنا هكذا أننا نلتقي في شوارع المدينة ... كلانا عاجز عن تناول وجبة مع
المشروب في مطاعم كوبنهاغن المرتفعة الثمن . الشوارع مطعمنا الكبير . نأكل على
مصطبة . نرفع الزجاجتين نخبا . نتلفت الى المناظر الجميلة ، الى بهاء امرأة
مستطرقة ، الى أوصال شجرة هفهاف ، الى مصابيح لامتناهية من الشقرة .
بعد تطوافنا الهزيل ، تعبأت تلافيفنا بابنة الشعير ، وبعد أن أنهينا على قطعتي
الساندويج بضربة واحدة ، تحسسنا جيوبنا ، وبقوة فائضة عن الحاجة ، دلفنا مجمعا
من المطاعم والمراقص والمخازن ، كانت الساعة الثانية عشر ليلا ... شققنا طريقنا
في زحام الأروقة المفتوحة الأزرار، في جحيم العزيف والصخب ، بين زرقة العيون ،
في تماوج الأجساد ، انتهينا الى طاولة تتوسط الصالة .
كشفت النادلة الدانماركية زيف ادعاءاتنا ، ظللنا نتطلع في وجهي بعضنا البعض ،
لم نستطع كلانا ! شراء كأسين :
- لابأس .. اعطنا كأسا كبيرة واحدة ، بدلا من كأسين صغيرين ! .
شعرت بخجل دامغ ! تعرّقت قليلا . لكن وعن طريق الصدفة ، فقد كان هناك كأسان
فارغان الى النصف ، على ذات الطاولة التي جلسنا عندها .... شعرت بنوع من
الارتياح اليتيم ، اذ غطيا – هذان الكأسان المتروكان على حقيقة افلاسنا .
أخذنا نتناصف الجرعات ، مُرةً كانت وحلوة . قلت لصديقي : - اجلس بارتياح كما لو
كان العالم بيت أبيك ! – بعد حين قضينا على السيجارة قبل الأخيرة ، بعد حين
أيضا ، نهضت امرأة صغيرة بشعر أشقر ، وفستان أسود قد تراخى شريطه من جهة الكتف
ليستقر على ذراعها الأبيض ... رقصت على صدى الأنغام ، ومعها أيضا صديقتها
المقصوصة الشعر ...
- شكد حلو تركص المكموعه !
كانت هناك وجوه برونزية اللون – من آسيا وافريقيا – رقص احدهم بعيدا عنهما ،
وباهتزازات اوروبية ملفتة للنظر .... استرخيت على الكرسي مادا قدمي الى الأمام
وبقايا السيجارة الأخيرة بين اصابعي ، توهمت أني هارون الرشيد في لياليه الملاح
، ونسيت للحظة كل مايدور حولي ، عدا نظرتي الناعسة اليتيمة الايقاع ، عدا تطلعي
المقتول الى تلك الحسناء ، كفراشة النار وهي تدور في لحظات من خريف أيامي .
بعد حين حدجت صديقي . كان وجهه حزينا الى أقصى الحدود ... مددت بعنقي اليه
...أصغيت وبصعوبة الى مايقول . طلب مني أن ننهض ...ظل يردد ولأكثر من مرة : -
هذا ليس مكاننا .
نهضنا ... كان وجهه معتما وحزينا كليلة من ليالي الجنوب ...تركنا وراءنا جثث
الهيام ..
كانت الأرهاط الليلية من الشبان تتدفق باتجاه المجمّع المسمى ( سكاله ) باتجاه
المدينة الساهرة ، نساء بعمر الزهور يتقافزن في الأزقة الباردة باحثات عن ملاذ
ليلي يسافر بهن حتى الصباح .... انها ليلة السبت الحامية !
أمام المحطة الكبيرة ، حدثني بطريقته الحنون ، تذكرت معها وجه امي المطلقة
وعباءتها الترباء وحيث كانت تودعني بعد سويعات من اللقاء ، وعند المنعطفات
لتذهب الى بيتها البعيد وأعود الى حيث أسكن ... قال لي بصوت مكلوم :
- هل معك تذكرة الذهاب الى البيت ؟
- - نعم وأنت ؟
- أنا أيضا ..
ومن ثم افترقنا ، نلوذ كلا بصمته .. وكنت ألعن خطاي التي أخذتني الى مجمّع
الغصّة ( سكاله ) ومعي حشرجة من صوت صديقي ، لا ... لن أنساها : " هذا ليس
مكاننا " .