PDA

View Full Version : نبيل يونس دمان : اليوبيل الذهبي لمعمر القوش هرمز كوسا ( عكيل )


بحزاني نت
02-05-2005, 22:15
اليوبيل الذهبي لمعمر القوش هرمز كوسا ( عكيل )
بقلم : نبيل يونس دمان

كان يوم 15- نيسان المنصرم ، غير عاديا في حياة العائلة الالقوشية ، التي تعيش في بغداد. انه يوم ميلاد العم هرمز متيكا عكَيل ، حيث احاطت به بناته الثلاث : وارينة ، باسمة ، ونادرة ، وابن اخيه صباح شعيا . ولد عمي ورمز كما يسميه اهالي القوش ، في ارضها عام 1905 ، في بيت فلاحي يملك عددا من الاراضي الزراعية و عشرات الرؤوس من الاغنام ، عرف عنه فلاحا وحاصودا من الدرجة الاولى ، وعلى ذكر الاغنام التي يمتلكوها ، فقد كان اخيه المرحوم شعيا يتولاها في الرعاية والسهر عليها خارج البيت ، وفي احد الايام من بداية الخمسينات، داهمته مجموعة من اللصوص وسرقت منه عددا من رؤوس الماشية ، فرجع شعيا حزينا ، وعند وصول الخبر الى والدته المرحومة استير ، قالت كلمتها الحكيمة " سرق الاغنام ليس مهما وستعوض ، ولكن الأهم سلامة ابني ورجوعه الى البيت " .
اتذكره عندما يذرع المسافة من السوق الى البيت وبالعكس ذو طول متوسط ، عينان صغيرتان نسبيا ً ، صدرٌ بارز كأنه رياضي ، شعرٌ ابيض منذ اربعين سنة من تذكري اياه ، طيب جدا ً ، قليل الكلام ، ذو سمعة لا شائبة فيها . تزوج من السيدة حبي منصور ربان عام 1927 وقد توفيت عام 1966 في بغداد . نتيجة الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة نزل الى بغداد عام 1963 وقبل ذلك كانت ابنته الكبرى وارينة قد تعينت في شركة التامين الوطنية . فتح دكان مع المرحوم اوراها ياقونا في منطقة السنك ، ثم اعتزل العمل واخذت بناته يرعينه باهتمام بالغ ، بنوا بيتا جميلا في البلديات عام 1970وسكنوا فيه حتى اليوم . الف مبروك للعم هرمز في يوم ميلاده وسنة ميلاده المئة وهو يحتفظ بالذاكرة الجيدة الى يومنا هذا ، كنت اتمنى ان اكون في بغداد لاحضر تلك المناسبة ، كوني ارتبط مع تلك الاسرة بعلاقة القرابة . زرت عدة مرات بيتهم ، قبل ان يكتب لي ترك بلادي الحبيبة قبل قرابة الربع قرن .
الف مبروك للعم هرمز بلوغه المئة ، وهي ليست بالقليلة في ظروفنا السائدة ، وخصوصا في بغداد التي تشهد فوضى واقتتال وعمليات ارهابية ، لم تستكن منذ سقوط النظام الشمولي السابق .
عقبال مئة اخرى ! ان شاء الله ، وهو على كل شيء قدير .
بهذه المناسبة السعيدة اعيد كتابة مقدمة ثم ترجمة لموضوع نشر لي سنة 1999 ، في جريدة كلدان ديترويت نيوز بعنوان :ــ
المعمرون في زماننا
منذ بدء الخليقة وهاجس الانسان الاول ان يعيش فترة اطول على الارض ، بل ان يبقى الى الابد ، تلك ما تخبرنا به اقدم اسطورة بابلية ، في تشبث الانسان بالحياة ، ونشدانه الخلود . وفيها يقدم البطل كلكامش ملك الوركاء ، نحو مغامرات شاقة ، بعد ان يشهد موت صديقه العملاق انكيدو ، سعيا للخلود . وفي تلك النهاية يعثر على نبات يعيد له شبابه كلما شاخ ، لكن الحية اللعينة تسرقه منه ، فيعود خائبا الى مدينته الوركاء ، ليواجه النهاية المحتومة .
اذن يشد الجميع خيط نحو الحياة ، ولا احد يريد مفارقتها ، حتى وهو في قمة شيخوخته او ألـَمِه على سرير المرض ، ولكن بالامكان تشخيص استثنائين :ـ
الاول – حدوث خلل في اداء الدماغ لوظائفه الطبيعية ، فيلجأ صاحبه الى قتل نفسه ، او يقضي على ايدي آخرين ، كما تشهد بذلك حالات الدكتور كيفوركيان .
الاستثناء الثاني - هو الايمان المطلق بفكرة او عقيدة ، تجعل صاحبها يضحي بنفسه ، مثل من يقدم على عمليات انتحارية بهدف إلحاق اكبر الضرر بعدوه ، او تقبل حكم الموت وارتقاء حبل المشنقة ، للحيلولة دون التنازل عن المعتقدات ، او كشف اسرار جماعته للخصم .
في 29 / 3 / 1998 ، طالعت مقالا في جريدة ديترويت فري برِس ( DETROIT FREE PRESS ) تحت عنوان ( تظهر بانس في غير مكانها ) ، وبانس قرية اذربيجانية يعيش فيها اكبر المعمرين في العالم واليكم ترجمة ما قرأته للاستفادة والاستمتاع : ـــ
هناك اشياء جميلة تجعل الناس يعيشون في تلك القرية الجبلية فترة اطول من غيرهم في انحاء العالم ، ربما يعود السبب الى نقاوة الماء او صفاء الهواء او طبيعة العمل . وربما يكون الحظ او العوامل الوراثية ، لكنه ليس اللبن ، بالرغم من الشائعات القائلة بان الناس في منطقة جبال القفقاس ، يستمدون طول البقاء على الارض ، من تناولهم بكثرة اللبن ، هذا الشيء ليس شائع ٌ هنا .
يقول مافلاموف 121 عام " انا لم اتناول اللبن ابدا " ، في حالته ابدا تعني فترة طويلة . ان ميرزاهان مافلاموف هو الاكبر في تلك القرية المشهورة بالمعمرين ، وطبقا لاوراق ولادته ، فانه اكبر رجل في العالم .
يعيش في غرفة تكاد تكون عارية مع زوجته الثالثة ، وتصغره تقريبا نصف قرن ، وهو غالبا ما يحاط بعشرات الاولاد ، الاحفاد ، اولاد الاحفاد ، واولاد اولاد الاحفاد .
هذا المكان يبدو اقرب في العالم الى شانكَري ـ لا ، الارض المثالية التي يعيش الناس فيها الى الابد . هناك مطالعات مدهشة عن المسنين اللذين يعيشون هنا ، في السلسلة الجبلية التي تبعد عدة اميال فقط من الحدود الايرانية .
لفترة كان كتاب كَنيس للارقام القياسية ، قد شخص بعض الناس في قرية قريبة ، منهم شرالي مسلموف ، بانه اقدم رجل عاش ، ولد عام 1805 واوفي عام 1973 ، اي انه عاش 168 عام .
في الحقيقة الناس هنا ليست لها شجرات العائلة ، بل لديها غابات العائلة ، مثلا ميرزاهان مافلاموف المار ذكره ، له ولد عمره 41 سنة ( خلق عندما كان عمر الوالد 80 سنة وزوجته 36 سنة ) ، وله حفيد عمره 84 سنة سليل زوجته الاولى ، له من الاولاد اصغر من احفاده من تسلسل زواجه الاول ، هذا ما تقوله الحصائيات ، له ولد ، حفيد ، وابن حفيد ، وفرق العمر بينهم في حدود السنتين فقط .
زوجته الاولى كانت حبه الحقيقي ، وقد تزوجها عام 1905 عندما كان عمره 28 سنة وهي 12 سنة . يقول مافلاموف " امتطيت فرسي ذات يوم الى القرية المجاورة ، خطفتها ، وكنت يومها من خيالة قيصر روسيا ، وقد احببتها جدا ً " . عاشا معا ً حتى وفاتها عام 1954 وعمرها 61 عام ، اي انها قد عبرت للتو فترة المراهقة في تلك المناطق . ان خطف الشابات هو الشكل التقليدي الذي يحصل فيه الجبليون على عرائسهم .
صرح زعيم الانكَوش في شمال القفقاس مؤخرا ً ، بان خطف النساء في منطقته ، لازال شائعا ً ، وهو يبحث في الامر لجعله مشروعا ً مرة اخرى .
من الصعب القول ، لماذا يعيش الناس هنا حياة اطول ، انهم لا ياكلون كثيرا ً ويعملون كثيرا ً . الفواكه والخضراوات والالبان هي اغذية غير مسمنة ، والماء هناك صافي صفاء السماء اللازوردي ، وهواء الجبال المنعش يبدو معوضا ً عن الاكل .
عندما كانت اذربيجان جزءا ً من الاتحاد السوفيتي ، نزلت لجنة اطباء في المنطقة واخذت عيّنات دم للاختبار . لم يستنتجوا شيئا ً ، ومعظم الباحثين مالوا لتفسير طول العمر الى عوامل النظافة ، خلو حياتهم من الضغوط النفسية ، والوراثة .
يمكن للبساطة ان تلعب دورا ً ، انظر الى سارة نورييفا ، عائلتها تقول ان عمرها 114 او 110 ، تعيش في منطقة تبعد خمسة اميال في الجبال عن مدينة ليرك ( LERIK ) . انها تعيش في قرية طوال عمرها ، محاطة بعائلتها ، على مقربة من حدود ايران ، ذلك البلد الذي ترتاح اليه . لقد خطفت سارة وعمرها 9 سنوات من قبل شاب من قرية تبعد ميل عن قريتها ، وحدثت مصادمات دموية بين القريتين لمدة سنتين ، ولهذا لم تستطع الزواج الى ان اصبحت في الحادية عشرة من عمرها . لديها عشرة اولاد ، سبعة لازالوا احياء . انها تتمشى كل يوم ، تشرب الحليب كثيرا ً ( ليس اللبن ولكن قريبا ً منه ) ، عندما تنزعج من شيء فانها تمضغ بالاعشاب المحلية . لم تتناول حبة او دواء في حياتها ، حسب قول حفيدها فاسم كاباييف ، البالغ من العمر 77 عام ، والناطق بلسان العائلة .
الناس الاقل سنـّا ً لا يلقوا الاهتمام في تلك المناطق ، " تعال الى هنا للحظة من فضلك .... هل انت قادمة ؟ " ، سال مختار القرية امرأة متشحة بالسواد ، مضيفا ً " هل بالامكان رؤية اوراقك الثبوتية ؟ " . هنا تخرج المرأة اوراق قديمة من صرتها بعناية ، لتظهر انها من مواليد 1909 ، لم يكترثوا بها ، فارجعوا اوراقها قائلين : انهم يبحثون عن المسنين فقط ! .