PDA

View Full Version : التنقيب و النبش في التأريخ الأيزيدي القديم


بحزاني نت
29-03-2006, 19:54
التنقيب و النبش في التأريخ الأيزيدي القديم

القسم الأول

زهير كاظم عبود



كمدخل للغور في عمق الديانة الايزيدية لمن يريد التعرف على تفاصيل اكثر سعة وعمق للكشف عن تاريخ نشوء هذه الديانة العريقة والغارقة في القدم ، ينبغي التوقف ملياً أمام ظواهر لايمكن لها ان تكون عابرة في الميثيولوجيا الايزيدية أو في ثنايا التأريخ المطمور .
مما يوجب متابعة الاسس الروحية والفكرية لهذه الديانة الغارقة في القدم والتي تجد لها الأمتداد والترابط من خلال الأعتقاد بالالهة المتعددة التي تتشكل دون الاله الكبير ( الله – خدا في اللغة الكردية ) ، وان الملائكة الارباب سبعة مع أهمية أعتماد الرقم في جميع الديانات ، ومن خلال تقديس بعض الظواهر الكونية ، ومن خلال الأيمان بالحلول والتناسخ ، ولايمكن الأقتناع أو القبول من أن مثل هذه الديانة تؤسس من الفراغ أو انها تشكلت من المجهول ، او أنها تكونت من رغبات شخصية أو ذاتية ، ومن يقرأ جزء من أسس الديانة الأيزيدية يستطيع ان يتلمس معالم ديانة لها جذور تدعو الى توظيف حركة الأنسان الى أعمال الخير ، كما تنظم حياته وفق هذا الأساس ، وتضع معايير لأعمال الحلال والحرام ، والذاتي دائماً يعتريه الخلل والنقص من خلال محددات الرغبة والقصد ، وغالباً ما ينتهي ويضمحل مع انتهاء الذات التي شكلته أو التي ساهمت في تكوينه لأنه يرتكز عليها ويستمد ديمومته منها ، غير أن المقياس الذي نستطيع أن نرسمه في سماء مثل هذه الديانة القديمة ، هي قضية التوحيد والأيمان بأن الله واحد وهو الخالق الأزل الذي خلق الكون وجلس على عرشه فوق الماء ، وتتمسك الأيزيدية بالتكوين التدريجي ، أذ تؤمن بأن الله خلق عدد من الملائكة ، وكل ملاك له وظيفته واختصاصه ، كما تؤمن الأيزيدية بأن الله خلق الكون من العناصر الأربعة ، وهي الماء والهواء والتراب والنار ، ومثل هذا الأيمان الدقيق في تفصيل اهمية المواد التي تتشكل منها الحياة ، لاتأتي أعتباطاً ، أنما تتكون من خلال دلائل عميقة تؤكد معرفة تفصيلية بالعقيدة والخلق وتفاصيل الكون .
ثمة من يسأل عن أسماء الأوائل الذين جاهروا بهذا الدين ، والذين نشروه بين الناس ، وثمة من يسأل أن كانت هناك أسماء قبل الشيخ عدي بن مسافر برزت في خضم الصراعات التي واجهت الديانة الأيزيدية ، فأن كان زرادشت قد نشر ديانته في المنطقة ، فأنه واجه الايزيدية التي تشبثت بديانتها ، وتباهوا من انهم اول من ابدل عبادة الظواهر الكونية باله التوحيد ، وهم ايضا اول من توصل لفكرة طاؤوس ملك ، فأطلق زرادشـــت على كل من لايؤمن بديانته لقب ( عبدة العفريت ) أو عبدة الشر ، ويمكن ان يكون زرادشت أول من أطلق هذه الالقاب التي لحقت بالأيزيدية والتي تم ترويجها واستخدامها للنيل منهم وايجاد الذرائع لقتالهم والقضاء على ديانتهم بعده ، علماً بأن الزرادشتية أتخذت من آلهة الظواهر الطبيعية ملائكة لها بينما تمسكت الايزيدية بالملائكة الخاضعين لارادة الله ، ومن الطبيعي ان يحدث التصادم والتأثير بحكم الوجود الفعلي لديانتين يدين بهما الناس في المنطقة ، غير ان الايزيدية بقيت قائمة ولم تتأثر بالدين الجديد بالرغم من الانتشار الواسع للزرادشتية واعتبارها ديناً للدولة الأخمينية والساسانية والميدية فترة لاتقل عن قرن من الزمان ، ويبدو ان العقلية الدينية السائدة كانت منفتحة وواعية وحريصة على التطبيق السليم في أقناع الناس بدلاً من إجبارهم وقسرهم على تغيير ديانتهم ، ولذلك لم نقرأ عن مجازر وحروب وملاحقات وقتل للأيزيدية مثلما حصل لهم في الزمن الحديث ، وبعد ذلك انحسرت الزرادشتية في حين بقيت الايزيدية قائمة رغم مالقيت من مصائب واهوال .
يقول الكاتب ماكس هورتن في كتابه الفلسفة ص 127 ان هناك من يذهب ليؤكد ان العقيدة الايزيدية ماهي الا تاكيد لعبادة النور وتمثل طورا للثنوية الفارسية القديمة والتي نراها واضحة المعالم في الزرادشتية والمانوية ، ولو كانت الايزيدية كما ذكر ماكس هورتن لصار تقديس الضوء أو النار بديلاً عن الأرباب وبديلاً عن تقديس طاؤوس ملك وحتى عن الخالق الاله الكبير ، ولكن الأشتراك الفعلي في تقديس الظواهر الكونية دون أشراكها بوحدانية الله فيما ورد حيث يكون الاله الكبير الخالق الأزل فوق جميع الأرباب وتليه المقدسات متدرجة حسب أهميتها وقربها من الاله دليل على تقادم هذه الديانات وأشتراكها في مكونات تناقلتها وألتزمت بها بدليل أن عبادة تموز كانت شائعة في وادي دجلة وفي المنطقة المحيطة بجبل سنجار وحتى نصيبين ( مجلة المقتطف المجلد 49 سنة 1916 ص 325 ) بالاضافة الى الفوارق الكبيرة في تشكيل صفات الاله تموز لدى البابليين وبين صفات وشكل طاؤوس ملك لدى الأيزيدية .
كما أن أسماء الالهة التي كان يطلقها الأيزيدية عليها ينسجم مع أسماء الالهة السومرية والقديمة ، فالالهة آنو وأنليل ( اله الشمس ) وأنكيدو ونانا وأنانا وآتو ، والتي تزاحمت فيما بينها ليحل احدها محل الاخر كان كل منها يشير الى معنى معين في الفكرة الاساسية ، فانانا سيدة السماء والهة النور ، وتمـــوز العائد من الموت دليلاً على عدم فناء الروح التي تعود حتما ، كما ان انكيدو صار بشرا حين اكل القمح الذي عده القدماء وشاركهم الايزيدية بهذا الاعتقاد مقدساً ، وهذا الأمر يدحض الأفتراض الذي يزعم أن الأيزيدية مذهب منحرف أنشق عن اليهودية أو المسيحية أو الأسلام ، وتمسك الأيزيدية بالتناسخ والحلول دليل على أنها كانت تلتزم بهذا الأعتقاد قبل أن تحل كلا الديانتين ، وهذا الأعتقاد ربما يخالف العديد من الديانات التي سادت في المجتمعات في القرون الأخيرة حين حل الدين الأسلامي وماقبله من العقائد التي لاتؤمن بالحلول والتناسخ ، وهذا الأمر يقود للأعتقاد بأن الديانة الأيزيدية كانت تعتقد في عقيدتها على خلاف كبير مع الديانات والعقائد الأخرى ويمكن أعتبار قضية تقديس الشمس في العقيدة الأيزيدية من القضايا التي لم تلتزم بها الأديان المتسلسلة ، كما نلفت الأنتباه الى قضية غاية في الأهمية تكمن في قضية الأنغلاق الديني للعقيدة الأيزيدية حين لاتقبل الأنتماء اليها من خارج ابنائها ، كما لاتقبل عودة من خرج منها لأي سبب كان ، بالأضافة الى محرمات صارمة للزواج بين الطبقات الايزيدية نفسها ومع هذا الأمر الصارم بقيت الأيزيدية تتكاثر وتتوسع يوماً بعد يوم ، ولم تلتزم بهذه الطريقة في محرمات الزواج سوى الديانة المندائية فقط من بين الاديان ، وهي ايضا من الديانات العريقة والقديمة التي حافظت على قوامها الديني وحيويتها ، بينما أحل الأسلام الزواج من غير المسلمات وأحلت المسيحية الزواج من غير المسيحي مع بقاء المسيحية على دينها ، وجعلت اليهودية الأبناء من الزوجة اليهودية المتزوجة غير اليهودي يتبعون دين أمهم اليهودية فهم يهود بالولادة .
وتشكل فكرة الرمز ربما اشتراك مع بقية الديانات ، غير أن رمزية طاؤوس ملك وما يعنيه ويشير اليه في الميثولوجيا الأيزيدية ، يعبر عن خصوصية هذه الديانة وقدمها ، ومن اللافت للنظر أن يكون الطاووس رمزاً منرموز الديانات القديمة كالديانة السومرية وكان على الاغلب يمثل فكرة الخير والجمال ، ولم يكن يشير الى الشر التي يتناقض معها مطلقاً ، وحين صارت الايزيدية تسمي الملاك الكبير طاؤوس ملك قبلة التقديس ، اتهمهم اعداؤهم بعبادته اولا ومن ثم افتراءهم من كونه اشارة الى ملك الشر ، واذا كان الايزيدية يحتفلون بعيد راس السنة كل عام والذي يصادف اول يوم اربعاء من نيسان الشرقي ، لكون هذا اليوم في اعتقاداتهم الدينية يوم خلق الملاك طاؤوس ، مما يوجب نبش العديد من التلال التأريخية لمعرفة المزيد من الحقائق عن هذه الديانة ، فليس اعتباطاً أن ينتشر أتباع الأيزيدية في عدد من البلدان المجاورة للعراق ، مع ان ثمة من يجد أن هذا الأنتشار سببه الأضطهاد الديني والملاحقة وهروب الأيزيدية بأرواحهم من الموت الى تلك المناطق ، غير أن أيزيدية لم يزلوا يقيمون في مناطق أرمينيا ( أريفان ) وفي تركيا وسورية ، بل هناك أقوام تتشابه مع ما يعتقد به الأيزيدية في الهند وفي جمهورية الصين ، ولعلهم حقاً من الأيزيدية ، غير أن التباعد والغربة وعدم وجود ترابط بينهم أدى الى عدم انسجامهم وتطابقهم ، مع أن هناك قواسم مشتركة في بعض العقائد والطقوس والأمر بحاجة الى تحقيق وتدقيق .
يتحدث بابا الأرمن في أرمينيا ( فاسكين الأول ) بتاريخ 11/9/1992 فيقول : أن الأيزيدية في ديارنا موجودين منذ القدم ، وهم من اهل أرمينيا المنسجمين مع بقية الديانات ، ومن المشتهرين بالنزوع نحو الخير ، وعددهم في أرمينيا لايستهان به ، وكان عدد من عائلة الأمراء قد زارهم والتقى بهم وحثهم على الأتصال بالقيادة الدينية للأيزيدية .
ولايغب غن بالنا المعاني الدقيقة للأعياد والمناسبات الدينية لدى الأيزيدية ، والعديد منها تترابط نع الأعياد التي يتمسك بها السومريين والبابليين القدماء في وادي الرافدين ، بالأضافة الى حلول العديد من الأساطير التي كانت سائدة في العراق القديم بين الأيزيدية ، ولم تزل المجتمعات الايزيدية تتداولها كنمط من أنماط التراث الشعبي .
ثمة من يسأل عن الفترة التي سبقت مجيء الشيخ عدي بن مسافر قدس الله روحه الى لالش ليجدد الديانة الأيزيدية ، ثمة من يلح في كشف تلك الفترات التي تعاقبت منذ انتشار الديانة الأيزيدية بين الناس ، وعلاقتها بالديانة الزرادشتية التي حلت في منطقة فارس وكردستان وأنتشرت بشكل واسع وعميق ، ثم علاقتها بالديانة اليهودية التي كانت منتشرة في كل المنطقة ، وخصوصاً في منطقة كوردستان قبل ان تحل الديانة المسيحية ، وهي كما نعلم من الديانات التبشيرية ، بالأضافة الى مجيء الاسلام وأنتشاره بين المنطقة ، وأيمان الناس به بالأضافة الى كون الأسلام من الديانات التي تقبل الأيمان والأنضمام به ولايقبل الخروج او الأرتداد عنه ، ومع مجيء مثل تلك الديانات ماهو تأثيرها وفعلها على الديانة الأيزيدية ، وماهو القاسم المشترك بينها ؟ وكيف تعاملت تلك الديانات بينها ؟
وحين يتم اختلاق القصص حول اصل المعبد المقدس ، فأن الأمر لايعد الا الأستمرار في منهج التحريف وأعماء الحقائق بحق الأيزيدية ، ولو تركنا معبد لالش وتربة الشيخ عدي بن مسافر ودخلنا الى تلك الغرفة المنقورة في الجبل والتي تضم اصل المعبد كما يقول الباحث والاثاري السيد عبد الرقيب يوسف ، مع ان بعض الاثاريين اشاروا من انها مخزن لحفظ زيت الزيتون الذي يستخدم لانارة المعبد ، كما انهم لم ينتبهوا الى الاشكال والرموز المنقوشة على الجدار الغربي للمرقد ، وقد يكونوا أنتبهوا وصرفوا النظر ، ولكن الحقيقة الواضحة تكمن من كون موضع ( الجله خانة ) المؤلف من عدد من الغرف الغارقة في الظلام الدامس هي قديمة أقدم من قبر الشيخ عدي ومن كل بناء المعبد الجديد ، ويذكر السيد عبد الرقيب أن جوانب وأسطح بعض الصخور منقوشاً عليها رسوماً للشمس وبعض الأشارات الدينية القديمة الأخرى ، ولو كانت تلك الرموز تخص ملة من الملل في اقصى الأ{ض لتمت دراستها وفحصها والأهتمام بها ، ولكن الأمر يختلف مع الأيزيدية الذين ظلمهم الزمن وتكالبت عليهم المحن وجار عليهم الناس المجاورين لهم .
كما كنت قد شاهدت مع كريفي الأيزيدي الأستاذ عمر خضر حمكو في العام 1994 نقوشاً وكتابات أيزيدية على الجدار الخارجي للمعبد المقدس ، وهي بارزة ولافتة للنظر ، غير أن الطبيعة كانت تعمل على أخفاء معالمها وأتلافها لتعرضها للمطر والشمس والتقلبات مما يتلفها ويجعلها في طي النسيان ، ولم نكن نحمل جهاز تصوير حينها حيث كانت زيارتنا للمعبد سرية دون علم السلطة التي ربما حكمت علينا بالموت وهي تعلم بأن قاضياً يزور معبد الأيزيدية المقدس الواقع ضمن منطقة كوردستان المحررة .
ومن هذه النقطة نعود نكرر ندائنا الى المنظمات الدولية والجهات المختصة في الأمم المتحدة ونوجه أنظارها لما يحتويه المعبد المقدس وما يجاوره من التلال من أسرار ونقوش ورسوم جديرة بالدراسة والحفظ لكونها تعود لأزمنة غابرة وقديمة سحيقة ، وأن لم تكن بقصد البحث والتقيب الاثاري لأثبات قدم الديانة الأيزيدية ، فأنها خدمة للأنسانية والتراث البشري .
وبأستثناء محاولات الدكتور الباحث خليل جندي وهي من المحاولات الجادة والمهمة لم يحاول أحد النبش في التأريخ الأيزيدي القديم ، مع ان الباحث والمفكر السوري الموسوعي فراس السواح ساهم في أرساء دعائم التحليلات واسماء الالهة والبحث في ماهية الديانات ومنشا الدافع الديني في كتبه العميقة مغامرة العقل الاولى ولغز عشتار ودين الانسان ليؤسس ارضية تاريخية للبحوث التي تريد النبش في تاريخ الديانات القديمة ومنها الايزيدية على سبيل المثال .
وأذا كنا نستطرد العلاقة بين الديانة المثروية التي سادت في مدينةالحضر ( Hatra ) ، والتي كانت ضمن مناطق أنتشار الديانة الأيزيدية ، وبتدقيق المتقاربات بين الديانتين وقوة التأثير التي تجسدها الطقوس والأعياد ، سنجد العديد من الشهادات والقرائن التي تدلل على وجود الأيزيدية في مناطق الحضر ومنها تسللت الى مناطق شرق سوريا ، ومن يتمعن في طقس التضحية مع ان الطقس يمكن ان يكون قاسماً مشتركا بين الديانات ، الا أن اشتراك المثرائية مع الديانة الأيزيدية من أن يكون التضحية بثور ، حيث كان اهل بابل يتمسكون بالتضحية بالثور بينما لم تتمسك بمثل هذا بقية الديانات .
وكان الأعتقاد الروحي متجذراً منذ اللحظات الاولى للخليقة ، فقد كان الأنسان دائما بحاجة الى إلهام ودوافع روحية يؤسس عليها أعتقاده ، ويتمسك بها لتعينه روحياً على موجبات الحياة والطبيعة وظواهرها الخارقة ، ومع هذه الأعتقادات الروحية تتطور العلاقة بين الأنسان والالهة أو الرموز الروحية ، وبين الذات الأنسانية وبين التطور الأنساني في فهم الدوافع الروحية للأعتقاد في وجود خالق للكون ونظام يكون الانسان جزء منه .
واذا كان الله هو الخالق الازل الذي يقول للشيء كن فيكون فانه حين يخلق الانسان ويسويه يلهمه الفجور والتقوى ، وحين يخرج الأنسان الى الدنيا يحمل بين جنبات روحه بذور الخيرونوازع والشر ، أذن أن الله لم يرد أن يزرع الشر بين الناس ولايعقل ان يعلمهم بأرادته أن يرتكبوا أفعال الشر ، انما يلهم الأنسان ويترك له الخيار في السلوك ليتحمل وزر أعماله فلا مقيد له ولامسير أجباري لأن أعماله تسجل له في اللوح المحفوظ ليحاسب عليها ، ولو كان مقيداً ومجبراً على أرتكاب المعاصي وأفعال الشر لما بقي هناك منطق او قبول محاسبته .
ولهذا فقد كانت جميع الأديان تدعو للأصلاح والتمسك بقيم الخير وأشاعة المحبة والتآلف بين الناس والحرص على الحياة البشرية والسلام والتأكيد على تجنب قيم الشر وكل الافعال التي تحدث ضرراً للأنسان ، كما تزين الحياة الأخرى ، فأنها تتوعد لمن لايتمسك بهذه القيم بالعذاب الأبدي .
وأذا أسلمنا بأن الأيزيدية تؤمن بان الله واحد وهو خالق الكون ، مما يجعل هذه الديانة من الديانات التوحيدية التي لاتشرك مع الله احد في كل الأمور ، وهي أضافة الى هذا الجانب تهتم بالحياة البسيطة التي تتناسب مع بساطة الحياة التي يعيشها المجتمع الأيزيدي ، وكل المغالاة تم أضافتها بشرياً ودنيوياً لأسباب أجتماعية أو لظروف مر بها المجتمع الأيزيدي ولاعلاقة لها بالدين ، مما يوجب أستقراء الماضي بدقة وذهن صافي متخلص من تخرصات وعقد الفترات التي اشاعت الدجل والتي انتشرت بين الناس بقصد الحط من قيمة ديانة تدعو للتوحيد وتؤمن بكل المقدسات ودون ان تحط او تنال من اية ديانة أخرى .
كما يتمسك الايزيدي بطلب المعونة من الله الكبير الأزل ، فانه لم يزل كغيره من البشر ممن يؤمنون بديانات وعقائد أخرى ، يطلب المعون والمدد من أولياء وملائكة ورموز تقل عن درجة الالوهية ، وفي هذا الأمر انسجاماً مع المطالب النفسية للأنسان غير بعيد عما تمارسه الجماعات البشرية في العديد من الديانات .
كما تشكل قضية المكان المقدس والرمزية في الديانة الأيزيدية ، قضية مهمة ودقيقة ، قد تتشابه فيها مع عدد من الأديان ، ممن تتبع قضية المكان المقدس الذي لايمكن تغييره ويرتبط بالأساطير والقصص التأريخية ، وكذلك بالرموز التي أكثرت منها الأيزيدية بحكم انعزالية مجتمعها وتعرضه للعسف والقتل ولجوءه الى الكهوف والحياة المحفوفة بالمخاطر ، وبقاء الأنسان الأيزيدي تحت رحمة وفتاوى رجال الدين ووفق مشيئتهم ومصلحتهم .
ولم نجد من بين الكتابات الأيزيدية القديمة كتابة جريئة تعزز الوجود الأيزيدي القديم قبل الديانات الأخرى ، ليس لعجز في الأثبات ، ولاتقصيراً في نبش زوايا التأريخ الأيزيدي ، وانما تخلصاً من حكم الذبح والموت الذي يصدر بحق الكاتب ، وعدم قدرة الاقلام العلمية من الخوض في غمار الحقيقة والتصدي للزخم المظلم الذي يعم عقول المجتمع في ذلك الزمن ، ممايجعل الواجب اليوم أن يتحمل المثقف ( مهما كان دينه او قوميته ) واجبه الضميري في التنقيب وأغناء الحقائق وأثراء المكتبة والدوريات ببحوث ودراسات من شأنها أن تحقق ليس فقط الفائدة ، وأنما تنوير العقول التي لم تزل تعتقد بصدقية الثقافة الظلامية التي كانت سائدة .
والظاهرة الملفتة للنظر في المجتمع الأيزيدي هي قضية المساواة والتقشف التي يعيشها المجتمع القديم ، فلا آثر للغنى والفوارق الطبقية ، والتراتيبية الدينية لاتقسم المجتمع الأيزيدي طبقياً بقدر ما أنها سعي لتكريس وضع ديني يؤسس الحياة الأيزيدية ببساطتها ، مما يجل رجال الدين يحكمون قبضاتهم على المجتمع الرازح تحت قيادتهم ، وهم بدورهم فوضوا الأمر الى أمير على مر العصور .
ووضع مثل هذا لم يزل سائداً مع فارق بعض التطورات الراهنــة التي افرزها التطور الأنساني ، لايمكن أن يكون دون وجود رابط روحي قوي ومتماسك ، والدليل الذي كان يراهن العديد عليه ، أن الأيزيدية في العصر الراهن الحديث ، وبالرغم من التطور الثقافي والأنفتاح وبروز طاقات وعقول متنورة ومثقفة ، الا انها لم تزل يشدها الرابط الروحي مع ميل نحو التطور وتهذيب مالحق هذه الديانة من تشوهات ، ومالحقها من أساطير وقصص وروايات سلبية لاعلاقة لها باساس الديانة الأيزيدية ، ولم يزل الأيزيدية يتمسكون بالتقويم الشرقي ، وهذه السنة تسبق السنة الميلادية بثلاثة عشر يوماً ، وهذا التقويم يسبق التقويم الميلادي .
ومن بين أهم القضايا التي ينبغي دراستها وتحليلها ، العلاقة بين الظواهر الكونية وبين الأيزيدية ، أذ ليس من المعقول ان تنشأ علاقة أزالتها الديانات التي لاتقديس لها للشمس مثلاً ، لتعود للتقديس عند الأيزيدية ان لم تكن مؤسسة قبل تلك الديانات .
كما أن ظاهرة الموت وهي اللغز الكبير الذي يرافق متزامناً مع الولادة ، أذ تقف الأيزيدية متمسكة بقضية عدم نهاية الروح مع الجسد الفاني ، أذ ان دورة الحياة لم تزل قائمة ، مما يستحيل معه نهاية الناس قبل المعياد الكبير ، ولهذا فأن الأرواح التي تبقى هائمة فوق المكان المقدس عند الأيزيدية ، حتى تجد استقرارها وفقاً لطبيعة ما قدمته من عمل ، ووفقاً لتمسكها بمباديء الخير وقيم الديانة الأيزيدية ، ومن الطبيعي ان تلقى النفس المحبة للخير والسلام والمحبة لتكون روحاً تحل في جسد جميل وسعيد وكريم ، على العكس من ذلك تكون الروح التي دنسها الشر والأعمال المنكرة التي حذر من ارتكابها الدين الأيزيدي .
ولم تزل الديانة الأيزيدية تتمسك بالأبتعاد عن الملذات النفسيــة في الكثير من الطقوس والشعائر ، بالأضافة الى كون طبقة من رجال الدين ممن ينذر حياته للتقشف والتصوف والأفتقار والذل والمسكنة والصيام وعدم التفكير بالتملك ، مما تفتقدهم الديانات الموجودة في منطقة كوردستان ومايجاورها من البلدان .
واذا كانت الديانة المندائية تقدس الماء الجاري ، فان الايزيدية تقدس النور والشمس مما يؤكد علاقة هذه الاديان بالظواهــر الخارقة التي كان الانسان السحيق يقدسها ويعتقد بقدرتها الخلاقة ، علماً بأن كلا الديانتين تؤمن بوحدانية الله كما ان فلسفة الوجود وما يترتب على الكائن من قدرة على العودة لممارسة الحياة وهي فكرة تنبع من اصل العقيدة الايزيدية مع ايمان الايزيدية بالجنة الخالدة ، وتسري الظاهرة المذكورة على الحيوان والانسان وعلى الطبيعة ايضا ، اذ يعتقد الايزيدية ان الله الذي خلق الكون لم يأمر بنهايته ، ولهذا فان فلسفة انفصال الجسد عن الروح التي آمنت بها ديانات قديمة وحضارات قديمة لم تزل راسخة في العقيدة الايزيدية .
ومن يستقرا الاعياد الدينية لدى الايزيدية يتاكد من نفاذ ما له علاقة بالطبيعة فيها ، اذ تجد ان للقمح اثرا مهما في عيد خدر الياس وعيد البيلندا ، وقد يقسم الايزيدي بالقمح ومن لاياكل القمح حسب اعرافهم لادين له ، كما يبالغ اخرون من ان سر الملاك طاووس ملك يكمن فيه لقدسيته ربما لأضفاء نوع من القدسية العالية الرمزية على القمح والخبز بأعتباره مادة أساسية في الحياة ، و كما يدخل في صناعة الخبز المطلي بالدهن ( صه وك ) ، وفي ملحمة كلكامش حين اقنعت المراة الاله انكيدو ان يأكل الخبز المصنوع من القمح ، تحول حينها الى كائن بشري وفقد منزلته الالوهية ، مما يجعل للقمح مكانة مقدسة بين الايزيدية ، بالأضافة الى وجود نبع ماء في لالش يعتبره الأيزيدية نبعاً مقدساً ويسمونه ( زمزم ) ، وهذا النبع قديم لم يزل جارياً حتى اليوم من أغوار الأرض وأعماقها السحيقة ولم يتم التعرف على مصدره وأساسه ، وفي كل الأحوال فأن الديانة التي تجعل من الظواهر الطبيعية ركناً مهما ً في طقوسها ومقدساتها لايمكن ان تكون من الديانات الحديثة التي أعتبرت هذه الظواهر جزء من الحياة والكون ونهت عن عبادة هذه الظواهر وتقديسها ، ولايمكن لديانة حديثة ان تتراجع عن ديانات حديثة أخرى لتتمسك بما يخالف زمنها وظروف انبثاقها قطعاً لأن التمسك بالقديم أكثر منطقياً من التعارض مع الجديد ، ويمكن ان نتفق مع ماذهب اليه الباحث الدكتور خليل جندي من ان الديانة الايزيدية من ديانات الطبيعة ومن ديانات التوحيد الاولى ، ( أنظر مقالة للدكتور خليل جندي بالصفحة 22 من دورية روز العدد الاول 1996 ) ، لأن الأشارات والعلاقة الخيطية التي تربط الأيزيدية بالديانات القديمة التي تعتمد عبادة الظواهر الكونية علاقة مشتركة في العديد من ظواهرها ، مما يوجب البحث أكثر تفصيلاً وعمقاً من هذه الناحية .
ولعل العلاقة المشتركة بين الديانة الايزيدية والمجتمع البابلي في تقديس يوم الاربعاء تشير لنا امتداد هذا التقديس الذي لم يجد له اثراً في الديانات التي تتالت على المجتمع في المنطقة ، فالحية السوداء المنقوشة على الصخر في الجانب الايمن من الباب الخارجي للمعبد المقدس والتي تخرج من بين الصخور لترتفع الى الاعلى التي رسمها الايزيدية على باب معبدهم المقدس لم تكن من غير معنى ، فقد كانت المعابد البابلية تعتمد الحيـة لحراسة بوابات المعابد والمقابر ، بالأضافة الى تكثيف للمعاني الرمزية في الديانة الأيزيدية والتي ترتبط بظواهر حياتية او كونية أو تتعلق بقدم المجتمعات التي تؤمن بمثل هذه الديانات ، أذ تشكل الحية السوداء في الديانــــــة الزرادشتية علامة للموت والحياة وورد ذكرها في كتابهم المقدس ( الأفستا ) ومن بعده الزند .
وقصة الخلود في الاساطير البابلية واضحة في سعي كلكامش للحصول على عشبة الخلود وبقاء الشباب والحياة بشكل دائم ، وبعد ان عثر كلكامش على عشبة الخلود في عمق البحر وتمكنه من استخراجها سرقتها الحية التي كانوا يعتبرونها خالدة لأعتقادهم أنها تتجدد وتغير حياتها بتغير جلدها كل عام ، كما ان الحية كم ورد في القصص هي من انقذت سفينة نوح من الغرق بأن ادخلت جسمها في الفتحة التي كادت ان تغرق السفينة بمن عليها وتنتهي الحياة البشرية كما تروي الاساطير القديمة ، وكان المصريين القدماء يضعون الافعى فوق تيجان رؤوس ملياكتهم وملوكهم من الفراعنة ، وكما لقصة عصا سيدنا موسى التي تحولت بقدرة الله الى افعى التهمت كل افاعي السحرة في ذلك العهد ، ولاشك أيضاً أن القصة التي تداولتها الكتب المقدسة والاديان من تمكن الحية اغواء آدم وحواء ليأكلا من الثمرة المحرمة وليخرجا بعدها من الجنة دليلا اخر على مكانة الحية المهمة في الوجود والخليقة ، ويبدو ان مجتمع الأيزيدية أكثر من نسج الأساطير عن الحية وعلاقتها بالموروث الأجتماعي والأساطير الشعبية التي يتداولها الأيزيدية ، ولايغب عن البال علاقة الحية بالرمز المقدس طاؤوس ملك أو بالاساطير الدينية التي تداولها رجال الدين الايزيدي حول قدسية الحية كقوة نازعة للخير في حين صورتها بعض الاقلام والعقول المريضة انها رمز للشر .
ولاشـك ان معبد ( ايزيدا )( ويعني البيت الرفيع – الكاتب ) في مدينة بورسيبا الواقع على نهر الفرات مقابل مدينة بابل حيث كان يعبد الاله مردوخ والذي قلل من شانه وجود هذا المعبد بالنظر لتعدد الالهة التي تختص كل واحدة منها بظاهرة كونية محددة ، وبالأضافة للتعدد فأن تنوع اعتقاد الناس بوجود قوى خفية وكامنة في ارواح الالهة جعل قضية تقديسهم ورفعتهم في البيت الرفيع معبد ايزيدا اكثر من تعظيمهم للاله البابلي مردوخ ، وفي نفس الوقت أنتشرت عبادة نابو في بلاد آشور التي تشمل منطقة الشيخان والزابين والجزيرة ، فأقيمت تماثيله في مزارات بنيت لهذا الغرض ، وفي نهاية القرن التاسـع قبل الميلاد بلغت هذه العبادة على ما يبدو اوجها ، فنجد أن لنابو هيكلا في كالح ( نمرود ) وهي لاتبعد عن لالش بأكثر من سبعين كيلو متر ( جورج حبيب – بقايا دين قديم ص 17 ) ، ويسترسل الباحث جورج حبيب ليذكر بان مذبحا مكرسا للاله نابو كان في ( قرية شدوة ) التي تحولت الى شنكار ( قضاء سنجار ) وان احد قادة ( تراجان المدعو شاور الثاني ) شاهد الطقوس التي يؤديها اهل المنطقة تكريما للاله نابو في بداية فصل الربيع ، ولن نستغرب ان عرفنا أن عبادة الشمس والظواهر الكونية كانت منتشرة في النمرود ، ومن الطبيعي ان تنتقل العقائد مع انتقال من يعتقد بها ، وفي انتقال الاقوام التي تعتقد بالديانات القديمة في منطقة شمال آسيا الى مناطق البابليين حيث كان هؤلاء القوم يعبدون ( اله السماء دياوس او تياوس ولاحظ أن الكلمة قريبة من لفظة تاووس أو طاؤوس ) ( TAOOS ) ، بينما كان اهتمام البابليين اضافــة للاله ( نابو ) فانهم يعبدون ( الاله شمش والاله سين والذين يعنيان الشمس والقمر ) ، ومن يدقق في أسوار المقابر البابلية يجد انها تحتوي على فتحات على شكل مثلث للسماح بدخول ضوء الشمس الى باحة المقبرة ، وهو نفس ما نجده اليوم في مقابر الأيزيدية القديمة وأضرحة الاولياء والرموز الدينية والتي بدأت تندثر ودون أن تلقي العناية والأهتمام من المؤسسات العلمية والعالمية التي أهتمت برمزيات وآثار أقل قيمة وأهمية منها .
وأذا تتبعنا سفر التكوين في سيرة النبي أبراهيم عليه السلام ، وأتفقنا على ولادته في أور الكلدانيين والتي لم يختلف عليها سوى القليل ، فأن أبراهيم واخوته ووالدهم تارح غادروا أرض الكلدانيين وأتجهوا الى أرض كنعان حيث مات والدهم فيها ، غير أن ابراهيم عاد ليغادر أرض كنعان لتتبارك به جميع أمم الأرض ، ومن النصوص التي حفظها العهـــد القديم ماورد في كتب ( المشنا القديمة ) ( وهي نصوص تحفظ عن طريق الذكر والأستظهار تخصص بها رجال الدين ) ، ولم يعتمد هذه الطريقة التي تحملها رجال الدين سوى الأيزيدية من الأديان ، وقد مارسها رجال الدين والفقهاء العبريين المنفيين في بابل ، ويبدو أن الأشتراك والتشابه في طريقة حفظ النصوص الدينية بين الديانتين يجعل من المتابع دفع أحتمال وجود الأيزيدية منذ العهد البابلي والعبري القديم حيث لايمكن ان تكون الطريقة التي تم اعتمادها اعتباطاً أو بالصدفة وخصوصاً أذا ما وجدنا عدم التزام جميع الديانات التي تتالت على المنطقة بهذه الطريقة .
ومن المفيد الأشارة الى أن الأيزيدية تعتبر أن أبراهيم الخليل هو من أسس ديانتهم ونشر مبادئها ومقدساتها اليهم ، وبالنظر لكون النبي أبراهيم أعتقد في باديء الأمر أن النجوم هي الرب ، فلما طلع القمر قال هذا هو الرب ، فلما أشرقت الشمس قال هذا هو الرب وليس تلك التي شاهدتها من قبل ، فلما أفلت قال أن من خلقها هو الرب ، وما النجوم والقمر والشمس الا مخلوقات مقدسة وأزلية للرب الأزل الذي يسيرها ويخفيها ، وهو ما تعتقده الأيزيدية اليوم من كون النجوم والقمر والشمس من الظواهر المقدسة التي اوجدها الله خالق كل الأشياء .
ولم يكن للنبي أبراهيم عليه السلام نصوصاً محفوظة ومنسوبة اليه ، ولهذا فأن ماتبنى أستمرارية العمل في القيام بالشعائر والمراسم والطقوس هم رجال الدين المتخصصين في هذا المجال ، ودون أن يجرأ احداً منهم بزعم أنه موكل من النبي أو من غيره ، وهم جميعاً من البشر المنتمين الى أحد الطبقات الدينية التي يختص بها الدين الأيزيدي ويتمسك بها تمسكاً صارماً ، فالتراتيبية الدينية من أسس المجتمع الايزيدي ، ولم يخرج من رجال الدين من لايحث على الأصلاح والأستقامة وعبادة الله وملائكته السبعة .
والأيزيدية من الديانات التي لم تعبد الأوثان أو الأصنام ولا اتخذتها علامات ورموز كغيرها من الديانات القديمة ، مع أن والد النبي أبراهيم كان صانعاً للأصنام ، وتذكر القصص أنه قال لأبيه أن النار أحق بأصنامك من عبادتها ، ولكنه لم يحسب النار ألهاً لأن الماء يطفئها ، ولم يحسب الماء ألهاً لأن الارض تبتلعها ، ولم يحسب الأرض آلهاً لأن الشمس تجففها وتنشر أشعتها فوقها ، ولم يحسب الشمس آلهاً لأن الظلام يحجبها ، ولم يحسب القمر والنجوم آلهة وأنما الاله القادر على كل شيء هو خالق الشمس والقمر والنهار والأرض وماعليها ، وكان اهل اليونان يعبدون من الكواكب المشتري ويطلقون عليه أسم ( جوبيتر ) بمعنى ابو الاله ، وكانت الديانة الزرادشتية قد جارت الأيزيدية في إتخاذها الهة أعوان كل من الاله ديو و اهورامزدا وهما يستمدان قوتهما وسرهما من الاله الكبير ، غير أن الأيزيدية أعتبرت الملائكة السبعة هم المكلفين بشؤون الدنيا بأمر الاله الكبير ، مع أن كلتا الديانتين تؤمنان بوجود الصراع الأزلي بين الخير والشر ، وأن الأنتصار في النهاية سيكون للخير .
وتشترك كلا الديانتين أيضاً في أختيار الضحية ( المقدسة ) ثوراً تحديداً وليس غيره من الحيوانات ، أذ لايشترط في الضحية أن يكون ثوراً في بقية الديانات ، بينما يشترط حتماً أن تكون التضحية عند الأيزيدية بالثور في كل عام ، والثور يدل على اعادة الحياة وقوة الخصوبة لدى البابليين .
غير أن مايلفت النظر أستمرار بناء القبور والأضرحة المقدسة على الشكل المخروطي بما يجعل الشمس تنزلق الى كافة جوانب القباب ، وبقي البناء المخروطي مستمراً حتى في زمن الخلافة الأسلامية حيث قبر السيدة زبيدة وبعض الأضرحة ، ثم التفت المسلمين الى شكل القباب والمآذن التي أتخذت شكلها الذي وصلنا ، وقضية الأقتباس والتقليد مسألة غاية في الأهمية وتدل على تحديد الفترات الزمنية ، ولو كانت الأيزيدية قد تشكلت بعد مجيء الشيخ عدي أو بعد مجيء الأسلام لما أستطاعت الشذوذ في شكل البناء المتميز واللافت للنظر وعلى الشكل المخروطي ، كما أن جميع الدراسات والأبحاث والتحريات الآثارية تشير الى أن المكان المقدس وجد وبوابته الرئيسية تواجه مشرق الشمس ، وقباب الأضرحة بهذا الشكل المخروطي المتميز لم تتغير مطلقاً ، وخصوصاً أذا عرفنا بالواقع الأجتماعي والديني والسياسي الذي كان يعيشه المجتمع الأيزيدي الذي يمنع تطوير العمارة والبناء والأهتمام بها بالشكل الذي وجدت به منذ ذلك الزمن السحيق .
أن الاشوريين والأكديين والبابليين والكلدانيين هم أفواج متلاحقة على فترات متباعدة تتراوح الفترة بينها بين 600 – 1000 سنة ، واقدمها ما أقام في الشمال ، لأن الأقاليم الشمالية في وادي النهرين كانت أخصب الأقاليم وأصلحها للزراعة والمرعى خلافاً لأقاليم الجنوب التي كانت مغمورة بماء البحر المالح وظلت كذلك زمناً طويلاً قبل أن ينحسر عنها الماء وتصلح فيها الأرض للسكن والزراعة ، ومن شمال العراق كانت قبائل المهاجرين الاوائل تنحدر الى بادية الشام أو الى شواطيء البحر الأبيض المتوسط ، ولم يظهر لنا مايدل على هجرة كبيرة من طريق الحجاز وشواطيء البحر الأحمر قبل الدعوة الأسلامية ( انظر عباس محمود العقاد – أبراهيم ابو الأنبياء / مطابع دار الهلال ص 120 ) .
فأذا كانت هذه الهجرة تأتي من الشمال !!! فأي دين كان يدين به المهاجرين الى تلك الأصقاع ؟ وأي تأثير ديني نقله المهاجرين معهم ؟ وأذا كان القوم يتحدثون بلغة تختلف عن لغة أهل الجنوب فكيف أنتقلت تلك اللغة وتعاليم الديانات القديمة خلال تلك الهجرات ؟
كما تعج منطقة بلاد مابين النهرين بالديانات التي أكدتها الأحافير والآثار والتي دلت على اضمحلال بعضها ونشوء بعض على أنقاض الأخرى ، بالأضافة الى انتهاء العديد من الديانات بأنتهاء السلطة التي كانت تدين بها ، ومامن عقيدة دينية تبرز الى الحيز المادي بين الناس مالم ترتكز على أسس ومساند ، كما أنها تخاطب النفوس بأسم الاله الكبير الذي يتوجب على الناس كافة الخضوع له والأنقياد الى تعاليمه وطاعته ، وهذا التخاطب مهمة من مهمات الأحبار ورجال الدين الذين يحفظون التعاليم والكلمات المقدسة الواردة في مصحف روز أو ضمن تعاليم كتاب الجلوة في صدورهم ووسط ضمائرهم وتلك مهمة عصية لم يزل يتناقلها رجال الدين حتى اليوم .
ومن خلال الأطلاع على ما أوردته أغلب الديانات حول قصة الخليقة وطريقة الخلق وقصة الطوفان وعبادة الشمس والكواكب وقضية التضحية والختان والمكان المقدس والحلول والتناسخ والتوحيد سلباً أم أيجاباً ، دليل عقلي على انفصال احدها عن الأخرى ، ويتضح أن التوافق والتطابق الحاصل بين الديانة الأيزيدية وبين الديانات القديمة انها من الديانات القديمة التي انتقلت بفعل عوامل عديدة بالرغم من تحديد الأنتماء اليها .
ولم يكن اختيار الطاؤوس رمــزا للجمال والخير ليتخذه الايزيدية تعبيرا رمزيا عن شكل الملاك ، وأنما تطابق اللفظ بين تموز وتاووس ، وشمش وشمس ، حتى نجد العديد من الاسماء التي لم تزل متجددة مع حياة الايزيدية لدى القدمـاء من النبطيين والبابليين والسومريين ، بالاضافة الى وجود بعض الطوائف والملل التي تعتبر ان الطاووس هو من اغوى آدم وحواء في الجنة ، وللتأكيد فأن المنزلة الرفيعة التي يضعها الايزيدية لطاؤوس ملك مهما علت قدسيتها والاعتزاز بها والتمسك والتضحية في سبيلها ، فانها لايمكن ان تلغي الاله الكبير وتوحيدهم للخالق واعتقادهم بقدرته الكلية ، وهو الذي سيقرر القيامة في يوم ما ليحاسب الكائناتالحية على اعمالها لياخذ كل كائن مايستحقه من الثواب او العقاب في الجنة او في النار .

بحزاني نت
21-10-2006, 13:41
النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم 2


زهير كاظم عبود
zouher_abbod@hotmail.com


اتهمت الأيزيدية بأنها عبادة الشر، وأنها تقدس الطاؤوس وتعتبره رمزاً للشر وتعتبره الهاً لها تقوم بعبادته، وأنها تعتقد بالوهية الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، وانها تعتبر الشيخ الجليل عدي بن مسافر آلهاً آخر تعبده دون الله، والكثير من الأراجيف والقصص المختلقة التي تريد النيل منهم وأخفاء حقيقتهم وكلها إتهامات ظالمة وباطلة لاأساس لها من الصحة، غير أن اهم ما سنعالجه في هذا الحيز هو عبادة الشر وتبجيل رموزه والنزوع نحو أرتكاب فعل الشر الذي يتهم به الدين الأيزيدي، ويفترض المنطق ان يكون أتباع كل دين ملتزمين بما تفرضه عليهم ديانتهم وشريعتهم، ومن غير المنطق أن يكون الدين الأيزيدي دين الشر وأتباعه يسلكون طريق الخير لأن هذا الأمر يحدث التناقض والتصادم بين الفعل والأيمان، وبين السلوك والعقيدة، فأذا كانت الديانة الأيزيدية تقدس الشر يتوجب على أتباعها أن تمارسه وتلتزم به في السلوك والفعل، وأذا كانت الأيزيدية تقدس الشر يتحتم أن تأتي النصوص الدينية والأدعية لتبرير هذا الشر، أو تدافع عنه على الاقل، او أن يقوم رجال الدين بتبرير نزوع دينهم نحو الشر، أو ان عتاتهم وشقاتهم هم من يتصدر الدعوة لمثل هذا الدين، وما نعرفه بتواضع أن رجال الدين هم الجهة الوحيدة التي تفسر وتشرح وتبسط النصوص الدينية للناس، وجل هذه الشريحة من ألأتقياء والملتزمين بالخلق العالي والقيم الأنسانية ليكونوا مثالاً يقتدى به لغيرهم بالأضافة الى تطبيق صارم لأسس العقيدة على حالهم قبل تطبيقها على الناس، أن الأمر يتناقض مع تأريخهم البعيد كلياً عن الشر، أن جميع الأديان هي حركات أصلاحية لهداية المجتمعات في كل زمان ومكان، وهذه الحركات منها ما يستمد صيرورته من الخالق ومنها من الأنسان، غير أن لكل ديانة أفكار واضحة ينشرها سواء بكتب مقدسة أو بأقوال وأفعال يلتزم بها، ويسعى القسم الأكبر منها للأعتقاد بوحدانية الله، كما تدعو جميعها حتى التي لاتنضوي تحت الديانات التوحيدية دون أستثناء الى عمل الخير والفعل الصالح والأبتعاد عن كل ما يوجب الحساب الديني والدنيوي بالعقاب نتيجة فعل الشر، وجميع الديانات تدعو لتجنبه والحذر منه وتسعى إلى محاربته من داخل النفس البشرية وصولاً إلى كافة مظاهر الحياة، والأيزيدية من العبادات التي تدعو لتوحيد الله وتؤمن بعبادته وانه الخالق الأزل جهاراً، وانها من الديانات التي تؤمن بالحلول والتناسخ، وأن هذا التناسخ والحلول يجسد فعل الأنسان في الدنيا، فاذا كان شريراً فاسداً مسخه الله في جسد حيوان اوطير او كائن يتعذب، وأن كانت افعاله تتجه نحو صالح الناس ونحو الخير، أكرمه الله وأعزه وكافئه في الحلول بروح سعيدة ومرتاحة في حياة اخرى جديدة، وأذا كان هناك من تشابه في تطبيق نظرية الفيض عند الايزيدية، لإن هذه النظرية برزت منذ أيام أفلاطون والمدارس الفلسفية والديانة الهندوسية، حيث أن الأيزيدية تعتقد بأن الدنيا تفيض من نور الله ورغبته في الكينونة وهو الذي يأمر ملائكته الأرباب بتسيير شؤون الكون، وأن عناصر الكون الأربعة هي الماء والتراب والهواء والنار، وأذا كانت بعض الديانات التي أنتشرت في العالم تمجد قوى الطبيعة وتدعو لتمجيدها وعبادتها، أو انها تتخذ من الظواهر آلهة، فأن الأيزيدية منذ بداياتها أعتقدت أن هذه الظواهر وأن كانت جديرة بالتقديس الا انها آية من أيات الخالق ودليل على قدرة الله في منح الحياة مثل تلك الظواهر الخارقة، ولم تشرك بهذه الظواهر مع القدرة الربانية التي أكدت على وحدانيته وقدرته وربوبيته، وبعد كل هذا هل يمكن أن تؤمن ديانة تلتزم بما ذكر بالشر، فجميع الأقوال والادعية بعيدة كليا عن الشر او الالتزام به :
(( يارب نطلب منك بالخير المرحمات التالية
الكرامة والشفقة، اللسان والنطق
الدين والايمان
العقل والفهم ))
(( حقا الحمد لله رب العالمين
يارب تقبل دعائنا نحن المؤمنين الصالحين القائمين على ابواب الاولياء، اللهم آمين ))
(( انت صاحب التاج من الاول الى الاخر
اعط الخير واقلب عنا الشر ))
(( آمين آمين تبارك الدين الله احسن الخالقين ))
(( يارب انت الغوث وانت المدد
لالون لك ولالحن
يارب لايدري احد كيف انت ؟
يارب انت خالق السماوات
ومعطي القوت
انت الحليم والملكوت
يارب انت خالق الفقراء والملوك
انت الدائم الموجود ))
(( بحق اسمك يارب تفقد امور الكرد
وحال الايزيديين في الشرق والغرب ))
والمتمعن في نصوص هذه الأدعية وما يردده رجال الدين الأيزيدي والقوالين من دعاء جهاراً جميعها تدعو للخير، الخير ليس للأيزيدية فقط وأنما لكل الناس، ثمة من سيقول ان هذه الأدعية وضعها رجال الدين حديثاً، ولكن الأيزيدية يطرحون هذه الأدعية التي يغلب عليها البساطة والقدم وليس لهم سواها، وهم يرددونها منذ أن وجد اول أيزيدي نفسه على هذه الأرض، ثم لماذا يجاهرون بأدعية ويخفون غيرها، الا يمكن ان تظهر ما يناقضها بينهم ؟ ومن يعاند بصحة الأدعية عليه أثبات العكس، وليس هذا فقط أيضاً فقد شهد تأريخ المنطقة التي يعيش فيها الأيزيدية منذ القدم انهم بالرغم من كل ما لحقهم من المحن لم تكن لديهم نزعات للشر، او على الأقل ردة فعل سلبية أزاء مالحقهم من ظلم وتنكيل وتقتيل لم يكن ينالهم لو انهم كانوا بجوار أهل دين آخر مثل ما حصل لهم على أمتداد التأريخ المنقول والمكتوب في المنطقة التي خلقهم الله فيها .
ويعتقد الأيزيدية أن الخير من عند الله، ولايمكن ان تكون أفعال الشر الا من عند الأنسان وهو وحده من يرتكب الخطيئة ويحاسب عليها، وأن الصراع بين قوى الشر والخير مثل الصراع اليومي بين النور والظلام، ومثل هذه الطروحات الفلسفية لاتخلو من حكمة وتبصير لاتصدر عن جهل او عدم معرفة، بالأضافة الى تطبيق تقديس الارض التي خلقها الله من التراب بتحريم البصاق على هذه الأرض قطعاً، ومثل هذه الامور لاتنم عن جهالة بأمور الدنيا أو بأمر الخليقة أنما على العكس تدلل على معرفة وسعة أدراك وعلمية قد تفوق ما يتصف به رجال الدين الأيزيدي المحصورين ضمن نطاق المناطق التي يعيشون ضمنها مع كل ما لحقهم من حروب وهجمات وما لحقهم من منع القراءة والكتابة في فترة زمنية عصيبة لعدم تمكنهم من الأستقرار والأطمئنان في حياتهم اليومية.
ومع أن الباحث simon في العام 1685 أشار في بحثه عن اصل الاديان الى الفرق التي كانت قبل اليهودية، وأشار الى الفرق الدينية التي تعتبر الغواية تجسيداً للحكمة الالهية، ولم يكن simon موفقاً بخصوص الأيزيديـــة التي أطلق عليها الغنوسطية والتي تتناقض مع طرحه، فلم يعتقد الأيزيدية أن الغواية من عند الله بل العكس فهو يختص بكل شيء بدءاً من الخليقة وانتهاء بالروح، ولكنه لايبلي مخلوقاته التي كرمها وفضلها على كثير من المخلوقات بالغواية، أذ تعتقد الأيزيدية أن الأنسان هو الذي يرتكب المعاصي ولهذا فأنه من الطبيعي سيخضع للعقاب والحساب.
فأذا لم يكن الأيزيدية ممن يعبدون الشر ويقدسونه، فلم هذا التعتيم المظلم على حقيقة ديانتهم ؟ ولم هذا الأصرار على الأساءة اليهم وأخفاء حقيقة ديانتهم في نظر بعض من كتب بقصد التضليل والأساءة اليهم، أما يكون من الأجدر تثمين وأظهار قيم الخير والمحبة ورعاية هذه الأحاسيس الأنسانية من أجل التعايش الأنساني بسلام بين البشر ؟ أما يكون من الأجدر التعامل مع الديانة الأيزيدية بعقلانية بعيداً عن الذبح والدم والموت وأبادة الآخر ؟ وبعد كل تلك الأفعال الدموية التي مارستها جهات عديدة بحق الأيزيدية نلمس اليوم أن الأيزيدية ثابتة وباقية لم تهزها رياح الموت اليومي ولاغيرت نظرتها للحياة وتمسكها بقيم الشريعة وتعاليم السماء التي يتمسك بها المؤمنين بهذه الديانة، وكما أن الأيزيدية تعبد الله وتختلف في بعض التفاصيل مع بقية الأديان، فأن هذا الأختلاف في العقيدة طبيعياً وموجوداً داخل شريعة كل ديانة قائمة في الحياة اليوم أذ تختلف كل ديانة قائمة عن الأخرى بشيء من التفاصيل فبماذا تختلف الأيزيدية عن ذلك ؟ وهذا الأمر لاينسحب فقط على الديانة الأيزيدية أنما يتطلب الأمر العمل على نشر الثقافة التي تعتمد الحقيقة بالنسبة لما يشاع عن بقية الأديان الزرادشتية أو البوذية على سبيل المثال لاالحصر، وعلى أساس أن الدين لله لايمكن حصره بكتلة بشرية واحدة ولايمكن تسجيلة وتجييره لفئة دون غيرها من الكتل التي تتشكل منها الأنسانية، وبعد ان أتفقت جميع الأديان دون خلاف على أن الله كرم الأنسان وفضلــه على كثير من المخلوقات، فمن غير المقبول ان يتم احترام ديانات تقدس الحيوانات وتسجد لأصنام وتركع لها، في الوقت الذي يتم الأستخفاف بديانة تؤمن بوحدانية الله ولاتركع لبشر او مخلوق، وأن كانت الديانة الأيزيدية من الديانات التي تدعو لأصلاح النفس البشرية وتوجيهها نحو أفعال الخير يتحتم علينا ان نلج في بدايات الدعوة، وان ننبش في التاريخ المطمور منه والمخفي بجرأة وبنية صادقة وصافية، فما من حركة أصلاحية أو ديانة ليس لها جذور، كما ليس من المعقول ان تتطابق الدعوة الأيزيدية في الفلسفة والتصوف والأعتقاد مع ما يعتقده فيلسوف انتشر أسمه وعلمه في عصـــره مثل الحلاج ( أبي المغيث الحسين بن منصور ) (المصلوب ببغداد عام 309هـ/922م بتهمة الزندقة زورا وبهتانا، وبعد أن تم صلبه وتعليق جسده تم أنزاله بعد ثلاث ليالي، ليتم أحراق الجسد ويجمع الرماد وينثر في ماء دجلة ببغداد ) وهو المشهود له بالزهد والورع والفقه والتصوف، ومن غريب التاريخ أن يتم أهمال اتهام الأيزيدية كونها تسعى لأستعادة الحكم الأموي وانها فرقة سياسية، في حين ان الحكم العباسي لم يتعرض لها كما تعرض لها غيره من السلطات، ولم يسجل التأريخ القديم والحديث اي تصرف أو واقعة تدل على أن الحلم الأموي بأستعادة السلطة لم يزل يراود مخيلة أبناء الأيزيدية، ولم تكن الأيزيدية ملتزمة باللعن الذي كان منتشراً في الزمن الأموي بشتم العلويين، ومثلما لم تلتزم باللعن في الزمن العباسي بشتم الأمويين، ولايعقل ان لاتلتزم جماعة سياسية أو مذهبية بما تفرضه عليها الأعراف والأحكام في زمانها، وخصوصاً أذا عرفنا أن الأيزيدية قامت في أرض لالش ومنها أنتشرت، ولو قدر لها ان تكون من الديانات التبشيرية لأكتسحت مدن وبلدان عديدة في ذلك الزمن السحيق قبــل أن تحل الديانات التي تلتها، لابل غي هذا الزمن حيث لم يزل العديد من البشر دون ديانة ودون ضوابط روحية في بلدان لاتلزم الأنسان بديانة معينة، بالنظر للتعاليم والدعوات نحو الخير وبناء حياة الأنسان تحت أسس الأقرار بوحدانية الله وعبادته والخضوع له والالتزام بتعاليمه، وبالتالي أنشاء حياة تليق بهذا الكائن المميز في الحياة.
وأذا كان بعض يطلق كلمة ( اليزيدية ) جزافاً على تلك الجماعات الأنسانية، فليس من باب المصادفة أن يكون ( أيزيد ) هو بمعنى الاله، والأيزيدية بمعنى عبدة الأله لتفريقهم عمن يعبد غير الله من القوم في المنطقة، حيث أن العقل لايتقبل أن تكون فرقة دينية تتبع الخليفة الأموي يزيد بن معاوية( 60-63هـ / 680-683 م )، لعدم وجود أرث ديني أو فقه او فكر تركه الرجل خلال تلك الفترة الزمنية التي اشتهر فيها وأنصرافه الى الملذات بل ولم يكن ملتزماً دينيا بالرغم من كونه خليفة المسلمين قبلوا ذلك أم رفضوا، ومايراد سوى ان يتم إلصاق أسم يزيد بهذه الفرقة الدينية من فرق الله إمعاناً في الحط من قيمة ديانتهم والأساءة اليهم.
والمتابع للتأريخ الأيزيدي لايجد أي تناحر أو عداء مستعر بين الأيزيدية وبين الشيعة الجعفرية في العراق، وكل ماتم تأسيسه ونشره لايعدو الا أراجيف باطلة لاسند لها من الحقيقة والتأريخ فلا يوجد في الموروث الأيزيدي ما يؤسس الكراهية والحقد تجاه هذه الشريحة الكبيرة في العراق، كما لاتوجد حواجز أنسانية ترسمها الأيزيدية ضد هذا المذهب، وأذ يتم التعامل معهم بكل الموجبات التي تتعامل بها الأيزيدية مع الأديان التي تختلف معها، وأذ يتم تطبيق الكرافة وهي من الأعراف التي تفردت بها الأيزيدية وألتزمت بها، فأن الأمر يثبت لنا تقويض دعائم الأتهامات التي تم ترويجها في فترة زمنية معينة بزعم العداء التأريخي بين الأيزيدية وبين الشيعة، والأمر نفسه يؤدي الى أثبات عدم صحة كون الأيزيدية فرقة أموية سياسية تريد أعادة السلطة الى البيت الأموي، وأن هذا الأمر سيبدو أكثر سخرية وأضحاكاً حين تجد أن الأيزيدية اليوم ينتشرون في دول بعيدة عن العراق وعن مساحة التأريخ العربي حيث يبدو الأتهام مخالف للمنطق والواقع.
لم يكن الايزيدية وحدهم من يعتقد ان هذا الفضاء الواسع لم يكن سوى ظلمات تجري من تحته الامواج وتعصف به الرياح وليس به سوى الله القائم بوحدانيته والمنفرد بربويته، ولما اراد الله خلق الكائنات اوجد من نوره الازلي كل معالم الخليقة والكون، فقد تلتها وكانت معها أديان عديدة أوردت نفس التصور وسردت في كتبها المقدسة وموروثها الديني نفس القصص التي تطابقت بها مع ما جاء عند الأيزيدية.
الخليقة في المعتقد الأيزيدي لاتختلف عن غيرها من معتقدات الاديان وخصوصاً ما يؤمن به المسلمين، غير أن الأيزيدية تقسم ايام الأسبوع في خلق الملائكة، كما تعتبر ( عزازيل ) طاؤوس الملائكة رئيساً لجميع الملائكة.
ورد في التفاسير عن قصة الخلق " فى قوله تعالى ( فإذا سويته ) دليل ظرف لأستقبال . ويرى ان قصة الخلق تتضمن الإشارة الأولى للبشر وفيها الذى خلق فسوى لأول مرة حيث كان الملائكة مخلوقين من قبلهم، ثم إشارة عامة لخلق الإنسان فى أحسن تقويم حتى ينتهى بتكريم بني آدم وحمله لهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات، ثم تفضيلهم على كثير من المخلوقات وتذكر قصة الخلق لأول مرة . وماتخللها من امر رباني بسجود الملائكة للأنسان، وفيها يقول سبحانه وتعالى (( إذا قال ربك للملائكة انى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين ))، ويشير الى ان هذا النص يتضمن اساسيات قصة الخلق من مبدئها الى ختامها وحتى اخبار الملائكة بأنه سيخلق البشر وخلق البشر من طين ثم النفخ وفيه أمر الملائكة بالسجود.
ان قصة سجود الملائكة لآدم ورفض إبليس السجود. لم تحدث كما نعتقد فى جلسة علنية يحضرها الباري عزة وجل والملائكة. ولكنها جاءت عن حضور غير مجسم عن طريق الوحى بالأمر الإلهى للملائكة وإن الهدف منها كان إثبات خدمة الملائكة للبشر . ( قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة – الدكتور عبد الصبور شاهين 1999 دار الروافد الثقافية – القاهرة )
وتخالف العقيدة الأيزيدية في مسألة السجود أذ تعتبر الأمر أمتحاناً للملائكة لم ينجح فيه سوى كبيرهم ( طاؤوس الملائكة )، الذي لم يسجد لغير الله بناء على الأمر الالهي السابق، ولم تختلف ديانة عن ذلك النص سوى الديانة الأيزيدية.
وكان تقديس الطواويس منتشراً بين العرب قبل الأسلام، حين كان العرب يعبدون الأصنام والأوثان والرموز، وكان من بين كبار العرب من يعبد الطواويس، وموضع الطواويس في داخل حجرة الحجر الأسود، ومن بين من كان يقدس الطواويس ويتعبدها أبو سفيان صخر بن حرب، ومن يتابع مشاهد فلم ( الرسالة ) الذي أخرجه مصطفى العقاد سيلمح مشهداً ثابتاً يتمثل في قيام ابو سفيان وزوجه بنقل الطواويس من دارة الكعبة الى دارهم، حيث بقيت هناك حتى أستلمها عنه ابنه معاوية، ويقال انه نقلها معه الى الشام حيث كان يعبدها حتى وهو خليفة للمسلمين في دمشق، وتلك قصة أخرى يراد تدقيقها وتمحيصها وأثبات مصادرها قد نتعرض لها في مجال أخر.
المتابع يجد أن قصة الخليقة لدى البابليين تذكر ان الكون كان في البدء ماء ومنه تكونت الكائنات، وتقول الأساطير الفرعونية أن الظلام كان يعم هذه المياه العظيمة حتى قرر الالــه (( آمون )) أن يبدأ الخلق، بينما تخالف اليهودية في سفر التكوين من ان الله خلق السماوات والأرض وبقي الخالق في عرشه فوق الماء، وخلق النور والسماء وأمر بظهور الأرض اليابسة، ثم أمر بأن تشرق الشمس ويظهر القمر ليلاً، وبعدها خلق الكائنات الحية، اما الاسلام فيؤكد أن الله خلق الكون في ستة أيام ثم أستوى على العرش، وكان عرشه على الماء.
والمدقق المحايد يجد في المجازر والمذابح التي تعرض لها أتباع الديانة الأيزيدية سبباً منطقياً ومقبولاً حول اختفاء وأنتهاء كتبهم المقدسة المكتوبة من التداول، مع أن المنطق يقضي بوجودها وتلاوتها ولكن الظروف التي أحاطت بهم لم تكن تحتمل بقاء مثل تلك الكتب وتناولها وقرائتها واستذكار ماورد فيها، ولهذا عمدوا الى تكليف رجال الدين بحفظ نصوصها وتداولها جيلاً بعد جيل، نلاحظ أن نفس المقدسات ونفس التعاليم تتجدد لدى معتنقي هذه الديانة، ومع عدم وجود نصوص مكتوبة يدل الأمر الى حتمية وجود تلك النصوص في فترات معينة، أذ لايمكن لرجل الدين أن يفرض مايعتقده على رجل الدين الذي يليه اولاً، ومن ثم لابد من تمرد العوام على ما يطرحه رجل الدين أذا كان دون سند او أرضية، ولهذا تجد أن المناقلة الشفاهية التي تمت بين رجال الدين لايختلف عليها أحد منهم، ولاننكر جهل المجتمع الأيزيدي وعدم ولوجه الساحة العلمية والمعرفية لأسباب تتعلق بطرق المحافظة على الحياة والتخلص من الظلم والأضطهاد التي تلحق به من جيرانه على الدوام والتي تصل في أحيان كثيرة الى الذبح والقتل وأستباحة الأرواح و المال والحلال بسبب تمسك الأيزيدية بديانتهم، وعدم اقتناعهم للولوج في ديانة أخرى قسراً، وإيجاد مبررات شرعية ومادية لأجبارهم على ترك تلك الديانة.
ونتفق أن لكل ديانة مهما قل شأنها أو كبر كتاب مقدس تستمد منه الثوابت والأسس التي تقوم عليها، وهذا الكتاب المقدس يحوي أما وصايا الاله المعبود أو تعاليم الشريعة، ولاينكر الأيزيدي أن له كتاب يدعى ( مصحف رش )، مثلما لاينكر كل التفاصيل التي وردت فيه والتي لم يثبت بطلانها ولا خلافها ولاعدم صحتها حتى اليوم، كما أن ما تناقله الكتاب وما نقله الرواة من نصوص كتاب ( الجلوة ) يدل ايضاً على الأتفاق والأجماع والقبول لكل ما ورد فيه وهو كتاب يخاطب به الخالق معبوداته ويوضح قدرته ووصاياه لهم، وهذا يعني أن صحائف الكتاب المقدس أن وجدت فهي موزعة ومخفية يمكن ان تكون قد اتلفت بفعل عامل الزمن والظروف التي أحاطت بهم، مثلما يمكن ان تكون هناك بعض صفحات متبقية بشكل مبعثر وخفي لدى بعض المهتمين أو من شيوخهم ورجالهم .
ومهما يكن الأمر فلن يكن بمقدور رجال الدين و جلهم من الأميين وسط مجتمع يعج بالأمية والجهل والخوف أن يتفقوا على نمط واحد من السرد والمواعظ والمحرمات والطقوس، في حين بقي رجال الدين الأيزيدي محافظين على كل ذلك وسط مجتمع كان يعيش خارج الدنيا بسبب الضغط والحصار والملاحقة القاسية التي تحملها اتباع هذه الديانة.
ولهذا تجد ان الميثولوجيا الأيزيدية لم تنتج قصصاً وأساطير وروايات عن فقهاء وقيادات دينية مثلما ورد في بقية الأديان والمذاهب والملل، بينما تعج الميثولوجيا الأيزيدية بقصص الاخلاص والتفاني والشجاعة والدفاع عن النفس والعرض وعن الكريف وكل ما يتعلق بالدفاع الشرعي وحماية الأنسان لحياته، وبتحليل هذا التوجه يتبين لنا المعاناة الأنسانية التي كان يعانيها الفرد الأيزيدي في سبيل النجاة والخلاص والدفاع عن النفس، وبالتالي أيجاد الوسائل والسبل التي تدعو لحمايته وبث روح الصمود والقدرة على حماية النفس والعرض والعائلة من هجمات الجيوش المسلحة ومجموعات القتل المنتشرة والتي تزعم انها تريد مرضاة الله ولكنها ترتكب أبشع الخطايا في قتلها الأنسان الذي حرم الله قتله الا بالحق، ومن يستقرأ الأساطير والحكايات الشعبية التي يعج بها المجتمع الأيزيدي يخرج بسفر من القصص الرمزية والحكايات التي تحمل المعاني النبيلة والقيم والتي لم يبدأ احد بنبشها وتصويرها.
وبالمقابل فأن ثوابت أساسية لم يستطع أحد تبديلها أو التمــرد عليها، منها التراتيبية الدينية ( نظام الطبقات الديني ) لدى الأيزيدية، والمكان المقدس في لالش، وهذه الثوابت الا تدل على عمق الأيمان والمعتقد في أعماق هذه المجموعة البشرية ؟ ألا يدل هذا التمسك بالثبات في العقيدة والأسس التي تقوم عليها.
ومن الغريب أن لايلتفت أحد الى عدم أتخاذ الأيزيدية ( الطوطمية ) للترميز الى الملائكة في الأعتقاد وممارسة الطقوس، بالرغم من الزمن السحيق الذي جاءت منه، مع ان هذا الأمر مبرراً في ذلك الزمان، الا ان القطع الأساس بوجود اله واحد ليس له ولد ولا شبيه ولاحدود لدى الأيزيدية، ميزهم دون تلك الديانات القديمة في عدم وجود أثر طوطمي أو نصب أو تمثال أو صنم لأي سبب كان، ولو أفترضنا أن الأيزيدية من الديانات الحديثة لأستفادت على الأقل مما سبقها من الديانات التي انتشرت في المنطقة، والتي تركت آثارها وتماثيلها وآلهتها باقية كشاهد من شواهد الأعتقاد والعبادة والشعائر التي آمنت بها تلك الناس في ذلك الزمن، غير أن الأختلاف الشاسع والواضح في العقيدة والأيمان وفي الرمزية بين تلك الديانات والأيزيدية يوحي بقدم الأيزيدية وتميزها وتمسكها بما يخالف الأديان القديمة والحديثة أيضاً.
وأذا كانت الأيزيدية ترمز لكبير الملائكة ( طاؤوس ملك ) بهذا الشكل التصوري والرمزي، فأن المسلمين أيضاً صوروا ( البراق ) التي امتطاهــا الرسول ( ص ) عند أسراءه الى السماء، كما ان المسيحية لم تزل لحد اليوم تتخذ من خشبة الصليب علامة لها وتقوم بتقديسها، كما تتخذ اليهودية من حائط المبكى رمزاً مقدساً يتداخل في طقوسها، مثلما تعتبر المندائية الصليب الذي تلفه الخرقة البيضاء الطاهرة رمزاً لطهارة دينها، غير أن جميع هذه العقائد تشترك في عبادة الله ووحدته في التكوين والخلق.
أن من ينسلخ عن مذهب أو ديانة ينبغي ان تبقى بعــض جذور ومفردات تلك الديانة معه قائمة، وهذا الأمر يتعلق باتهام الأيزيدية كونها فرقة من الأمويين، حيث أن فكرة الحلول والتناسخ تلغي تلك الأحتمالات، بالأضافة الى تمسك الأيزيدية بالأنغلاق في العقيدة وعدم قبول الأنتماء والأعتقاد بالأيزيدية أذا كان من ابوين غير أيزيديين أو أن احدهما غير أيزيدي،وفي هذا الأمر تناقض واضح مع فكرة الأنسلاخ، حيث أن من يريد الأنسلاخ والأنشقاق على ديانة أو حزب او جمعية عليه أن يقم بتوسيع دائرته لاغلقها، وعليه ايضاً أن يحاول كسب اكبر عدد ممكن من المؤازرين والأعضاء وعدم إيجاد الطرائق والحواجز التي تصدهم وتمنع قبولهم تحت أي ظرف ومهما كانت الأسباب، وليس هذا فقط أنما يتم منع عودة من مرق وخرج وغادر ديانتهم أيضاً.
في منطقة كوردستان كانت تنتشر اديان عديدة قبل أن يحل الأسلام، فقد كانت الزرادشتية واليهودية والمسيحية منتشرة، بالأضافة الى وجود المعابد والصوامع والكنائس والأديرة التي يمارس فيها الناس طقوسهم وعبادتهم، أيضاً كانت الأيزيدية موجودة فقد كان الداسنيون وهم من بقايا الاشوريين يدينون بهذه الديانة بالاضافة الى وجود عبادة الشمس، وبعد ان جاء الأسلام وبدأت موجات الفتوحات الأسلامية تصل الى مشارق الأرض ومغاربها، انضم الى الأسلام اعداد غير قليلة من تلك الديانات، بل وأضمحل أثر كثير من تلك الديانات، فقد غابت تلك الجموع الزرادشتية وتقهقهر الوجود اليهودي وضعف الوجود المسيحي، بينما بقيت الأيزيدية غير متأثرة بتلك الفتوحات بالنظر للعقلية المنفتحة والتعاليم السمحة للرسالة المحمدية وللقائمين على نشرها، وأستمر الحال في التعايش المنسجم بين كل تلك الديانات المقيمة في المنطقة، وتزخر منطقة كوردستان العراق ليس فقط بالتنوع الديني للعديد من الأديان وأنما بوجود المذاهب والمعتقدات والطرق الصوفية وثبات التعايش الأنساني والأنسجام بين كل العقائد والأديان، حتى تبدل الحال وتغيرت عقول الحكام الذين كانوا يحكمون بأسم الله ويبغون توسيع سلطانهم ومملكتهم على حساب الأنسان، وكان الأيزيدية من ضحايا تلك الفترات فأنحسرت الديانات الأخرى وتقلصت وتقوقعت في اماكن معينة، وأذا كان انحسار هذه المذاهب والأديان في المنطقة بسبب حلول الدين الجديد، الا يعني ثبات وبقاء الأيزيدية بالرغم من أنغلاقها وتقوقعها دليل على قوة عقيدتها و ثباتها وأصالتها وعراقتها، غير أن ما يلفت النظر أن الأيزيدية التي نشأت في أرض الكورد توزعت بين منطقتي الشيخان – لالش – سنجار، بقيت صامدة في تلك المناطق بالرغم من الحروب والدعوات لأجتثاث الدين والرموز وهدر دم من يؤمن به، ثمة مهاجرين فروا الى بلاد أخرى، غير أن ايزيدية تركيا وسوريا وأيران وأرمينيا لم يتزحزحوا عن مكانهم ودافعوا عن وجودهم دفاعاً مستحيلاً.

وإذا تمعنا في بعض المحرمات سنجد التطابق في العديد من المفردات الشرعية، وعلى سبيل المثال لاالحصر فقد سبقت الأيزيدية جميع الأديان بتحريم أكل لحم الخنزير واسهبت في شرح الأسباب الموجبة لهذا التحريم، مع ان اليهودية حرمت الخنزير بسبب شق الظلف وكونه لايجتر طعامه، ثم حرمه الأسلام من بعد لقذارته وبسبب وجود بعض الامراض في لحمه اذا لم ينضج جيداً، غير أن الأيزيدية جمعت كل الأسباب عند تحريمها أكل لحمه بل وأعتبرت أن روح الأنسان الشرير تحل في جسد الخنزير أذا ما عادت الروح مرة أخرى الى الحياة، وترمز الأيزيدية الى الشر بشكل الخنزير، ويبدو ان هذه الرمزية مستمدة من الأساطير القديمة لدى الشعوب التي أعتبرت الخنازير رمزاً للشر.
تمارس الأيزيدية طقوساً غاية في البساطة بضمنها طقس التعميد الذي جرت عليه اغلب الديانات القديمة، غير أن اغلب هذه الطقوس ما أشارت له الكتب والرقم الطينية التي مارسها البابليين في بلاد الرافدين، لذا فمن غير المعقول أن يكون التشابه والتطابق وأستمرار الألتزام بتلك الطقوس عفوياً أو محض صدفة.
وللأيزيدية مثل غيرها من الديانات لغة خاصة لها أبجديتها وحروفها، ويمكن أن تكون الكتابات المنقوشة على الجدار الخارجي لمعبد لالش أنموذجاً لهذه الكتابة التي لم يسبر غورها أحد من الباحثين والمهتمين بجوانب التأريخ الأيزيدي، كما يمكن أن تكون الكتابة الأيزيدية القديمة التي كتب بها الكتاب المقدس والموجودة في متحف النمسا، دليلاً آخر على وجود هذه الكتابة، حيث وجدت نسخة الكتاب في مناطق الأيزيدية، كما انها لم تكن من الكتابات العبرية أو اللاتينية أو العربية التي كتب بها الكتاب المقدس.
ومن الغريب أن علماء اللغة والتأريخ لم يعيروا تلك الأهمية والأهتمام لهذا الجانب من التأريخ الأيزيدي، حيث لايمكن القبول أن الأيزيدية لم تكن لهم لغة ولم تكن لهم كتابات، مع أن الشواهد التي وجدت تدل على غير ذلك، حيث لم تزل الايزيدية حتى اليوم تجعل لشهر نيسان قدسية خاصة وتعتمد على التقويم الشرقي – الشمسي – وهذا التقويم ماخوذ من البابليين، أذ تبدأ السنة الأيزيدية في أول أربعاء من شهر نيسان، كما تعتقد الأيزيدية أن بدء الخليقة كان في نيسان أيضاً، وتتم التضحية من قبل الأيزيدي في شهر نيسان، ولكون شهر نيسان من شهور الربيع والخصب فقد خصته الأيزيدية بهذه المكانة والأهتمام والتقديس، ولم يكن هذا الطقس الا أمتداداً لما كان يعتقد به البابليين والسومريين في هذا الشهر حيث يتم زواج اله الخصب والذكورة بالالهة عشتار لتنتج الحياة وتبدا دورتها، ويمكن أذا ما أتيحت الفرصة لبعض الآثاريين والباحثين في المنطقة ومن المهتمين بتأريخ الديانة الأيزيدية، أن يساهموا بالنبش والتنقيب بغية أستخراج الحقائق المطمورة وجلي التاريخ لتلك الكتابات التي ستفصح حتماً عن أحداث تأريخية وروايات وأحداث لأوقات متأخرة.

بحزاني نت
21-10-2006, 13:47
النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم
القسم الثالث


يقع وادي لالش المقدس ضمن منطقة عين سفني التابعة اداريا لقضاء الشيخان ضمن اقليم كوردستان العراق ، ولعل الوصف الجميل الذي أورده كل من صــديق الدملوجي وسعيد الديوه جي عن المعبد المقدس من أصدق ما نقلته الأقلام العربية في وصف طبيعة المكان ، وبالنظر لعمل الكاتب المرحوم الديوه جي في دائرة الآثار في الموصل حين كان مكان المعبد المقدس تابعاً لها ، فقد أفرد فصلاً في كتابه ( اليزيدية المطبوع في الموصل 1973 ) للمكان المقدس ولقبر الشيخ عدي بن مسافر .
يقع الوادي بين ثلاثة جبال وتتميز القباب الخاصة بالمعبد بشكل مخروطي لايماثله في العراق معبداً او قبراً ، وتتضلع القباب المخروطية الى حافات مستقيمة تنخرط من الاعلى الى الأسفل ضمن دائرة تستند على قاعدة تمثل الارض ، تستقبل جميعها أشعة الشمس ، لذا يطلق الايزيدية على المكان المقدس ( مه ركه ) والكلمة تعني موطن الشمس ، ولهذا المعنى علاقة قدسية تدخل في المعتقد الأيزيدي الذي يعظم الشمس ويعتبرها آية من آيات الله ، بالأضافة الى دخول الشمس في الكثير من المعتقدات والموروث الأيزيدي ، وقيل أن المعبد كان ديراً للنصارى تم تأسيسه في فجر النصرانية وأن الراهب ( يوحنا ويشو عسبران ) من أسسه وأقام فيه ، ونفى السيد الدملوجي هذا الرأي في الصفحة 205 من كتابه اليزيدية المطبوع بالموصل 1949 حيث يذكر ( ان المعبد لم يكن ديراً قبل ان حل فيه الشيخ عدي بن مسافر وأتخذه مقاماً له كشأن كثير من المعابد التي رددت في زواياها ترانيم الوثنيين ) ، بينما يؤكد الباحث المرحوم سعيد الديوه جي في كتابه ( اليزيدية بالصفحة 206 ) ان المعبد انشأه الشيخ عدي بن مسافر عندما اتخذ لالش مقرا له ، ثم يعقب في الصفحة 208 بان المعبد كان مصلى للمسلمين ، ولسنا في موضع تفنيد او مناقشة الأراء التي تختلف مع الأيزيدية ، غير أن هذا المكان كان ولم يزل مكاناً مقدساً لدى الأيزيدية ومما زاده أهمية وتبجيلاً أن يكون قبر الشيخ عدي بن مسافر فيه ، بالأضافة الى الأعتقاد الذي يقول أن لالش هي مركز الأرض ، كما أن الأيزيدية ومنذ غابر الأزمان قدمت الضحايا والقرابين من أجل أن لايتم تدنيس المكان أو نزعه منهم تحت أية ذريعة ووسيلة ، ولو كان المكان ليس لهم لما بقوا مستمرين على تقديم التضحيات الجسام ، ولما قام أساس دينهم على المكان المقدس الذي لم يزلوا يزورونه ويتبركون به .
وأديره المسيحيين تتشابه في طرازها العمراني ، وأذ تختلف في بنائها عن شكل المكان من الداخل والخارج ، وكما تخنلف في وجود الصوامع وغرفة المصلى وقاعة الصلوات ، بالأضافة الى وجود عدد من الكنائس والأديرة في المنطقة لم تزل على قدمها وحالها ، لم تتغير وهي لاتتشابه قطعاً مع بناء المعبد المقدس ولم يتعرض لها احد ، كما أن بناء دير أو كنيسة من قبل أحد الرهبان لايعني أنه امتلكها وأختص بها ، فمن غير المعقول أن لايكون معه أو من بعده عدد من الرهبان والقساوسة يقومون بواجباتهم الدينية من بعده ، ولم يذكر أحد أن هناك في هذا المعبد قساوسة ورهبان من أهل الديانة المسيحية ، بالأضافة الى عدم وجود أية علامة دالة على تلك الهوية كالأجراص والصلبان والكتابات اللاتينية المنقوشة على الجدران والصور الرمزية التي تصور ولادة السيد المسيح او عذاباته في الصلب ومسيرة الالام . كما أن الكنيسة المسيحية تقوم بتسجيل هذه الأديرة والكنائس وتختص بأرسال القساوسة والرهبان اليها وتستمر في رعايتها وأدارة شؤونها ، بالأضافة الى لزوم وجود المسيحيين في المنطقة التي يقع فيها المعبد او الدير ، في حين أن المنطقة التي تحيط بالمعبد لايقيم فيها سوى الأيزيدية .
أن القصص التي قيلت من كون المعبد المقدس كان ديراً للمسيحيين يعوزه المنطق ويفتقر للدليل المقبول .
أما كون المكان المقدس معبداً ومصلى تابع للمسلمين فأنه ايضاً تصور قد يفتقد للعديد من الأسباب التي تجعله مقبولاً ، فطراز المكان المقدس يختلف عن طراز كل الأمكنة الأسلامية ، بالأضافة الى كون المكان يخلو من معالم الجوامع وقبابها المحنية والبيضوية ، والكتابات والنقوش الأسلامية ، وكما يفتقر المكان لوجود محلات او مكان يتشابه مع الأمكنة التي يصلي بها المسلمين بأتجاه قبلتهم ، كما ان المكان يتخلله العديد من الغرف المظلمة والكهوف والمخازن التي تختص بالزيت والشمع المستعمل لأضاءة المكان ، ومن المفيد ان نذكر ان مكان قبر الشيخ عدي بن مسافر المدفون في لالش مدفون على عكس الوضع الذي يقوم به المسلمين بدفن موتاهم مما يؤكد أن المكان لم يكن أسلامياً .
كما من غير المعقول ان تبقى النقوش الأيزيدية على جدران معبد اسلامي ، بالرغم من ظهور كتابات نقشت حديثاً بعد ان تم طرد الأيزيدية منه بالقوة لتحويله الى مكان لعبادة المسلمين ، حيث لم تكن تلك الكتابات العربية موجودة على جدران المعبد في العام 1849 م حسب ما صورته ( السيدة بادجر المستشرقة التي زارت معبد لالش ) ، حيث نلاحظ النقوش الحجرية والكتابات الموجودة على الجهة الغربية من الجدار الخارجي للمعبد المقدس والتي تثبت بما لايقبل الشك انها كتابات أيزيدية لا تتشابه مع الكتابات الفارسية أو اللاتينية والعبرية والعربية أيضاً .
ثم ان المعابد التي انشأت في المنطقة لم تكن تخص المسلمين والمسيحيين وحدهم ، فقد انشأت مكانات لعبادة المثرائيين والمانويين والزرادشتيين ، ويقول الباحث الاثاري عبد الرقيب يوسف الذي عمل مع المرحوم الديوه جي : (( أن أحد غرف المعبد المنقورة في الجبل هي التي تضم أصل المعبد ، والتي ذكرها كل من الديوه جي والدملوجي والحسني على أساس انها غرفة مخزن الزيت ، الا أن كل من الديوه جي والحسني – والكلام لعبد الرقيب يوسف – لم يستطيعا أن يدركا معاني الأشكال والرموز التي شوهدت من قبلهم منحوتة على الجدار الغربي للمرقد ، والمعبد الأصلي يتألف من منبر على شكل دكة منحوتة في الصخر وفوقها عرش ميثرا وحلقته ، وهناك الى جانب المنبر المحراب المنقور في الصخر أيضاً ، وأتجاهه يقع الى ناحية الجنوب بعكس أتجاه المحاريب في المساجد )) ، ( مقالة للسيد عبد الرقيب يوسف نشرت في الصفحة 92-109 في مجلة لالش العدد 21/2004 ) .
ولو تم تكليف بعض الآثاريين والمهتمين بالتاريخ لمعرفة قدم الصخور والحجارة التي بنيت بها جدران المعبد ، ولو قدر لهم التعرف على الرسوم والرموز المنقوشة على باطن صخور المعبد والتنقيب ، ولو تمكن بعض المهتمين بالدراسات التأريخية في التنقيب والنبش لأظهار الحقائق التي طمرها التراب وأخفتها الظروف التي مرت على المنطقة ، فستظهر بالتأكيد حلقات عديدة لم تزل لحد اليوم مطمورة بأنتظار من يجلو عنها ترابها .
ويذكر السيد يوسف انه زار موضع ( الجلخانة ) وهو موضع متكون من خمسة غرف تسبح في ظلام دامس ، وهذا الموضع قديم جداً ولربما يعود الى زمن سابق على ظهور الشيخ عدي بن مسافر ، كما أن قطع من الصخور المنتشرة في المكان المقدس والمتدحرجة من الجبل لم تزل تحمل في جوانبها رسوماً للشمس وبعض الأشارات الدينية والرموز القديمة ، وكل هذا يؤكد أن المعبد لم يكن أسلامياً بالنظر لتعارضهما ذكر مع طراز وشكل الجوامع وأماكن العبادة الخاصة بالمسلمين ، ويرى الباحث الاثاري السيد يوسف أن المعبد القديم الذي يتحدث عنه كان موجوداً في القرن الأول قبل الميلاد .
أن نقوشاً تمثل الشمس وبعض الرمزيات يمكن تحليلها ودراسة تأريخها ، ولانعتقد ان المسيحيين والمسلمين كان يعتمد النقش على الصخور في كتابة التعاليم الدينية أو الأشارة الى مسألة تخص الديانة ، بأستثناء الديانات القديمة .
أن اكتشاف هذه المعابد القديمة في المنطقة دليل على عدم تمكن المهربين والمعادين للديانة الأيزيدية من تشويه معالمها أو اخفاؤها بشكل نهائي ، مما يجعل دعوة المنظمات الدولية في الأمم المتحدة وحرصاً على التراث الأنساني ، ان تتوجه بالعناية لمثل تلك الأماكن لأعادة استكشاف ما موجود تحت صخورها وفي أروقة معابدها وفي ثنايا صخورها ومنحوتاتها ، وأن تبذل من الجهود والأهتمام بها أسوة بكل مناطق الآثار في العالم التي تحظى بأهتمام منظمات اليونسكو وغيرها من المنظمات ، وأن لم تكن من أجل ديانة خصت الأنسانية ويؤمن بها الملايين من البشر ، فمن أجل اظهار الحقاتق التأريخية ووضع النقاط على الحروف في كتابة التأريخ الأنساني .
وبالرغم من الزيارة التي قام بها الاثاري ( لايارد ) الذي صاحب ( السيدة بادجر ) في العام 1844 م ومشاهدتهما لتلك الاثار والنقوش الا انهما أسوة بالأيزيدية في ذلك الزمن لم يفهموا من معانيها شيئا ، وبقيت تلك الصخور مبثوثة ومطمورة في الوادي ، مما يوجب اليوم أن يكون المؤتمر المختص بالدراسات عن الأيزيدية قريب من المكان المقدس بمصاحبة المختصين والمعنيين بشؤون الديانة والتأريخ الأيزيدي لتحليل تلك الرموز والنقوش وكشف حقائقها المهمة للأنسانية .
وأذ تتشبث الأيزيدية بتوحيدها الله الا يدل هذا انها تقف في الصف المعارض للشرك وانكار الربوبية والخلق ؟ ثم الا يعني هذا أنها من الديانات التي تعتمد على العقل والمنطق لأنها عرفت طريقه وتلمست أسلوب معرفتها للحياة من خلال مقدساتها وطقوسها التي لم تشذ فيها ولم تسلك الغريب والعجيب ؟ لذا فمن الواجب التقرب منها ومعرفة حقيقتها والسعي لنزع تلك الأحقاد التي زرعها أشخاص ابتلوا بأمراض الكراهية دون الفهم ، وتبلدت مشاعرهم بالكراهية دون معرفة ، وأضحت ضمائرهم ممسوحة واجتاحتهم مشاعر الحقد دون علم أو سبب ، ولذا يتوجب على بقية المهتمين ببقية الديانات من العلماء وكبار رجال الدين من كل الأديان السعي والعمل من اجل أشاعة روح التسامي والمحبة بين كل تلك الأديان وشمول الأيزيدية بهذه المساحة الأنسانية فهم أخوة الأنسانية .
وأذا كانت الأيزيدية تتمسك بالألتزام بمبدأ الحلول والتناسخ ، فأنها بذلك تلغي كل الأتهامات التي تريد ربطها بالسعي لأقامة الدولة الأموية الأسلامية ، لأن الأسلام ككيان لايؤمن بمسألة الحلول والتناسخ قد ورد في القرآن الكريم في سورة الأسراء (( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من العلم الا قليلا. )) كما ورد في سورة الفجر (( ياأيتها النفس المطمئنة أرجعي الى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي )) .
أن فكرة الحلول والتناسخ تعتمد على الأمور الروحية وفلسفة الموت والحياة ، وسبق أن التزمت بها بعض الديانات القديمة التي لم تكن تؤمن بنهاية الحياة ودورتها الجديدة ،وأنما تقمص الروح لجسد أخر وأعادة الدورة في بقاء الروح التي حلت بجسد آخر ، وأن الأسلام أسهب في تفصيل القضايا الروحية الا انه لم يكن من المؤمنين بعقيدة الحلول والتناسخ التي أخذت بها الأيزيدية وإنما جعل الروح من أمر الله، وهذا الأمر يجعل الأحتمال الذي يقول أن الأيزيدية خرجت من عباءة الأسلام غير مؤكد وبعيد عن الواقع .
والإنسان كما نعرف حريص على ما منع ، ولهذا فأنه يخوض غمار كل مجهول ويسلك القفار ويتجشم الصعاب في بغيته ، فقد تطلع الإنسان منذ أقدم العصور ليتعرف على مكامن أسرار الحياة و ليعرف تفاصيل كينونة روح آدم عليه السلام التي انحدر هو منها وكذا روح السيد المسيح الذي لم يأت من زواج وأتصال بين رجل وأمراءة ، وكانت قضية الموت والحياة وعودة الروح والتناسخ والتقمص من الأمور التي عالجتها الديانات القديمة والحديثة بشيء من الأهتمام والعمق ، بالنظر لكونهاتدخل في تفصيل الحياة اليومية للأنسان وما بقيت تشغله كل هذا الزمان دون ان يحل لغزها ويفكك أسرارها ، ولكونها من الأمور التي تقلبها العقول والأفئدة في كل الأديان ، ولما يشوبها من غموض وأسرار لاقدرة للأنسان العادي على تفكيكها والوصول الى حقيقتها المطلقة ، ولذا فأن الفلسفة الدينية أتخذت مسارات متعددة بين من تجد منها ان الروح من عند الله يمنحها للأنسان وتعود اليه ثم تنتهي لتبدأ دورة الحساب الذي ينتهي بالحساب الأكبر يوم الحشر ، وبين من يرى أن الحساب مؤجل وأن النهاية مؤجلة ، وبين من يجد أن الاجساد هي التي تبلى وتنتهي بينما تبقى الأرواح هائمة حتى تحل الأرادة الربانية بحلولها في جسد آخر تبعاً لأعمالها السابقة في الحياة الدنيا ، وبهذا الشكل تستعيد الحياة دورتها حتى تقوم الساعة .
ويرى البيروني أن الصوفية أخذوا من فكرة التناسخ حين قالوا : "الدنيا نفس نائمة ونفس يقظة."( البيروني - المذاهب الصوفية، ص 32 -) يرى المعارضون أن هذه الحجج غير كافية وليس التناسخ يشبه الفناء لأن التناسخ معناه حلول الأرواح من جسد لآخر أما الفناء فيعني نهاية الجسد ورجوع الروح الى مستقرها .
ومن البديهي ان لايتعرف الناس على الموروث الشعبي لدى الأيزيدية ، أذ يرتبط ذلك الأمر بحالتهم القلقة وظروفهم العسيرة والمحنة التي مروا بها ، ولذا بقي الفولكلور الأيزيدي متحدداً وغير منتشر ، مع أن لكل أمة قيم وأعراف وتقاليد ، ولكل مجتمع قصائدة وامثاله وقصصه الشعبية التي تصور مآسية وافراحه وتجسد شجاعة أبناءه أو مواقفهم المتميزة وتطرح ادبه واشعاره ، ومن الجدير بالذكر أن كل ماذكر كان يتم التداول به بين أوساط الأيزيدية أنفسهم لم يتم نشره الا بشكل قليل ( أشير الى كتاب تقاليد القرية الايزيدية الذي كتبه خدر بير سليمان وترجمه عيدو بابا شيخ والمطبوع في لبنان 1998) كما أشير الى كتابات خيري شنكالي بهذا الخصوص .
أن للموسيقى ضمن الميثولوجيا الأيزيدية تأثيراً فعالاً بأعتبارها تمثل مصاحبة وجدانية في العديد من الطقوس والشعائر الدينية ، كطقوس الموت والفرح و الطقوس المتعلقة بالمطر والدعاء و الأحزان.
والمتعن ملياً في تأريخ العراق القديم وعلاقة المجتمعات القديمة بالموسيقى دينيا يدرك القواسم المشتركة بين الموسيقى والديانة الأيزيدية .
وبالرغم من الأرث الحضاري والأنساني والكبير في الجانب الأنثروبولوجي والفلكلوري الأيزيدي ، فقد بقي على حاله لم يستطع الكثير من الباحثين والكتاب أن يكتشفوا العلاقة الأزلية بين قدم هذه الأعراف والتقاليد والطقوس وبين هذه الديانة ، كما لم يجرأ اي كاتب آخر أن يوغل في الدخول الى أعماق الأيزيدية ومجاهلها لعدم وجود الفرصة التي تسنح له بالدخول اولا ، ولعدم وجود ما يسهل عملية الدخول ثانياً ، وبالنظر لكثرة المداخل التي تخص الحياة الأيزيدية وشؤونها وشجونها ما شغل الكتاب الأيزيديين الذين انشغلوا في قضية نشر حقائق ديانتهم والدفاع عن الأتهامات التي لحقت بها ردحاً طويلاً من الزمن ، مما ابعدهم عن معالجة هذا الجانب ثالثاً .
وليس اعتباطاً المحاولات التي طرحتها اغلب الديانات في المنطقة والتي تريد جر الأيزيدية تحت عبائتها ، فقد اشار العديد من الكتاب المسيحيين زاعمين أن الأيزيدية ما هي الا جزء من العقيدة المسيحيية ، وأن الأيزيديين مسيحيين ظلوا الطريق وسيعودون قريباً ، كما تم طرح العديد من المزاعم التي تحاول الأشارة الى كون الأيزيدية جزء من الأمة الآشورية وماهي الا محاولة لضم هذه الديانة تحت عباءة ديانة أخرى مهما كانت التبريرات والمزاعم ، مثلما أشار بعض من كتب عنهم كونهم ينتمون الى الديانة المندائية .
كما كتب العديد من المسلمين حول انحراف الأيزيدية عن الأسلام ، بأعتبارهم فرقة أسلامية أموية ، وان هذه الفرقة أخذت على عاتقها الدفاع والنضال عن بني أمية ، وتعمنل في سبيل استعادتهم للسلطة ، وأن الأيزيدية ماهم الا عرب اظلوا الطريق مما يوجب اعادتهم للحضيرة الأسلامية ولو عن طريق القوة والجبر وهو ما جر عليهم المآسي والأهوال .
كما زعمت الزرادشتية ان الأيزيدية فرقة منهم تستمد كل طقوسها واساسها الديني منها ، ومع تزامن الأيزيدية مع الديانة الزرادشتية وصمود الأولى مع الأجتياح والمد الذي لقيته الزرادشتية في المنطقة ، الا أن هذا الأمر يدل ببساطة كون الأيزيدية كانت موجودة في الزمن الزرادشتي ، ولسنا بصدد الجهات التي زعمت أن الأيزيدية منها ، وهي مزاعم تؤيد الوجود الحقيقي والعمق الفاعل للديانة الأيزيدية وهو الذي حدى بهذه الأديان لمحاولة ايهام الآخرين بأن الأيزيدية منها ، ودليلاً على قدم وعمق هذه الديانة ، لأن الديانات الهامشية والطرق الدينية والفرق الطارئة التي لاتستند على اساس متين لايقم احد بأن يتشرف بضمها اليه مالم تكن لها دلالتها وأسسها وأسبابها الذي يدعو لهذا الامر ، مما يوجب أن يتم النبش في أسس الأختلاف بين هذه الديانات وبين الأيزيدية التي لم تزل تتمسك ليس بقدمها فحسب بل بطقوسها وموروثها الذي يمثل القدم الغارق في العمق في المنطقة لحد اليوم حيث لم يزل اهالي المنطقة وما يجاورها يستعملون الطين ومسحوق الأحجار الكلسية في بناء بيوتهم وقباب مزاراتهم وقبورهم منها أسوة بما درج عليه أسلافهم من السكان القدماء ، غير أن ما يلفت النظر حقاً وجود الفتحات المثلثة التي تشير الى أتجاه مشرق الشمس في القبور في تلك القبور القديمة وتلك التي يتم تشييدها حديثاً لدى الأيزيدية ، مما يمكن الأعتقاد والدليل على أستمرار تلك الظاهرة العقائدية منذ فجر التاريخ تزامناً مع قدم الديانة الأيزيدية التي نمت في لالش وستنتهي مع نهاية الكون في لالش ايضاً كما تقول نصوصهم وديانتهم ، ولايمكن أن تكون متشكلة في منطقة أخرى .
وبهذا فأن المطلع على أحوال شعوب المنطقة يجد أن الأيزيديين لايمكن أن تكون جذورهم فارسية بالرغم من ظهور الديانة الزرادشتية التي انتشرت في بلاد فارس منذ العام 520 ق. م وحتى العام 642 ق. م والتي ربما تأثرت أو أثرت في الديانة الأيزيدية، ولم يذكر التاريخ أنسلاخ موجات بشرية أو انفصالها أو أي ترابط آخر مع المجتمعات الأخرى ، ولهذا فأن الكورد يعتزون بأنتساب الأيزيدية الى قوميتهم مثلما يتفاخر الأيزيدية بذلك ، ولم يثبت لحد اليوم أنتساب عشيرة عربية واحدة بين العشائر الكوردية التي تدين بالأيزيدية .
وأن العديد من علماء التأريخ والأنثربو لوجيا والآثار من يعتبر السومريين شعباً قدم من شمال بلاد الرافدين ( كوردستان الجنوبية ) حاملين معهم ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي نشروها في المنطقة ، كما أن العديد من الفخار الذي يتشابه في المنطقتين بالأضافة الى نقوش ورسوم تدل على أشجار لاتكون الا في مناطق كوردستان .
يتقرب الأيزيديون إلى الله مباشرة دون وسيط، وهم يعتقدون بأن الله موجود في كل شيء وأن الله عز و جلّ هو الخير ولا يمكن أن يخلق غير الخير ويمنح الرحمة لمن يشاء لأن الله هو الأساس والمخلوقات أجزاء من هذه الروح العليا، وأن الجزء تابع للكل، ولذلك فان تقديسهم للظواهر الكونية كالشمس والنور والقمر مبني على فكرة كون هذه الظواهر جزء من الذات والقدرة الإلهية التي يعجز عنها الشّر، وهي فكرة ذات إعتبار ومحل تقدير ، فأذا كانت هذه الفكرة تتطابق مع جميع الديانات الموجودة في المنطقة فأين يكمن التقاطع وأين تكمن الأختلافات ؟؟
وأذا كانت الديانة الأيزيدية من الديانات غير التبشيرية فما هو السبب الحقيقي لهذا الغلق وجعل الأيزيدي داخل دائرة صارمة ومغلقة ، واذا كنا نتفق أن الديانات جميعها جاءت لهداية الناس وتبصيرهم بالخالق والدعوة لألتزامهم بأوامر الخالق الكبير ، فما هو دور غير الأيزيدية في هذا المجال ، وليت الأمر يتوقف عن هذا الحد ، بل أن الأمر يتحدد نفسه بين الأيزيدية أنفسهم حيث يتم تقسيمهم الى طبقات وأبناء هذه الطبقات لايمكن لهم الزواج من طبقة غير طبقتهم الدينية ، وكذلك عدم زواج الأيزيدي من عائلة شيخه أو بيره أو مربيه ، ومن تزوج من خارج ديانته رجلاً كان أم امراءة ، يخرج من الديانة الأيزيدية ولاعودة له فيها ، ( نلاحظ الأختلاف بينهم وبين المسلمين الذين سمحوا للرجل المسلم أن يتزوج من المرأة الكتابية بينما حرم على المرأة المسلمة أن تتزوج حتى الرجل الكتابي ) ، وبالرغم من تغير الزمان وأنتشار الأيزيدية مهاجرين في أصقاع الأرض وعدم توفر مثل تلك الالتزامات الصارمة في دول المهجر ، لم تزل الأيزيدية رجالاً ونساءاً تعاني معاناة أنسانية كبيرة من هذا الجانب ، مما يوجب النبش والبحث في أساس كل تلك الأمور ومعرفة الأسس والغايات التي قامت عليها ومعالجتها معالجة انسانية بما لايخل بأسس الديانة ونصوصها المقدسة .
ولكون الأيزيدية تتشكل من مجموعة من العشائر الكوردية فأنها سكنت مناطق كوردستان ليس في العراق فحسب بل في كل الأجزاء المتبقية ، غير أن مايلفت النظر تكون هذه الديانات الموغلة في القدم في مناطق الاكراد ، فقد انتشرت الزرادشتية وقبلها الأيزيدية ، وانتشرت المذاهب الأسلامية والطرق كالكاكائية وأهل الحق في مناطق الكورد دون سواها ، ولكون الأمر يحتاج الى شيء من التدقيق والتوغل في الأسباب الكامنة وراء تلك الخصوصية لأن الأحاطة بموضوعة الاديان مسألة غاية في التشابك وأن الوصول الى غاية الدين أمر ليس بالسهل ويتصل بالمعاني الفلسفية والروحية للأنسان ، بالنظر للتحولات العقائدية في تحول الأنسان من الأعتقاد بألوهية الطواطم والرمزية الى الأسس الروحية والأعتقاد العقلي في الخلق والتكوين ، وأذا كان الأمر يتعلق بالتكوين الشخصي للأنسان الكوردي بأعتبار أن أول النشوء الأنساني كان في مناطق سكن الكورد فقد تنامى الوضع الأنساني لهذا المجتمع تدريجيا مع تطور الحياة الأنسانية وتطور العقائد معها .
وأذا كانت تلول حرمل وتلول شمشارا في كوردستان تشير الى التواجد الأنساني قبل عشرة الاف سنة قبل الميلاد ، فأن تلول المغزلية الواقعة على سفوح جبل سنجار تم اكتشاف جماجم بشرية كانت تسكن المنطقة قبل 7500 قبل الميلاد ، مع وجود نقوش وأحجار ، ولم يسكن هذه التلول حتى اليوم سوى الأيزيدية .
كما أن التشابه بين أسم الأيزيدية وبين كلمة ( يزدان ) حيث تنسب الى منطقة يزد في أيران وهي من مناطق الزرادشتية بل وهي مركز للديانة المذكورة ، وبين معناها حيث يقول الباحث أمبسن أنها تعني الروح الطيبة ، وبين ( ئيزي ) والتي تعني أنها أسم من أسماء الله خالق الكون والبشر .
ومن الجدير بالذكر كون المنطقة تتميز بالعديد من الديانات والمذاهب ، غير أن الأيزيدية تشكل الديانة الثالثة في العراق بعد الديانتين الأسلامية والمسيحية ، والثانية في أقليم كوردستان العراق .

بحزاني نت
21-10-2006, 13:49
النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم

القسم الرابع

زهير كاظم عبود

مع ان المنطق يقول أن لكل فعل ردة فعل ، الاان ما وصلنا من قراءات تاريخية مجتزأة من تأريخ الأيزيدية يدل بما لايقبل الشك أن هذه المرويات كتبت بعين واحدة ووفق توجه غير محايد ، وبقصد أخفاء حقائق كثيرة عن ابناء هذه الديانة لغرض وضعهم في مشهد بائس لايمكن للقاريء أن يطلع على حقيقة تخالف هذا المشهد ، ولهذا كان الأيزيدي دوما منكسراً ومهزوماً ومسبياً بل وقابلاً بكل مايتعرض له وفي هذا الأمر خلاف واضح للحقيقة وتحريف عميق للواقع ، ويقينا لو سألت أي عراقي عن حقيقة التعتيم الذي لحق بالتأريخ الأيزيدي بالأضافة الى التشوية والتخرصات لفترة ليست بالقصيرة من عمر الزمن ، مما جعل العديد من أهل العراق فيما يخص أيزيدية العراق يعتقدون بصحة التخرصات والمرويات المشوهة عنهم ، حيث لم يكن هناك البديل الذي يعتمد الحقيقة والنقل الصادق أذ كان الأيزيدية يفتقدون الى وجود كتاب منصفين ومحايدين يكتبون حقائق تاريخهم ، ومن يقلب في كتب التأريخ الحديث يجد حيفاً وظلماً كبيرين لحق الأيزيدية دون أن يكون دافعها سوى الغل والحقد والكراهية التي تعشش في ضمير من تصدى للكتابة عن هذا الجانب ، او انه كتب خشية من سطوة التطرف او المغالاة في الفكر الديني أو القومي . ونلاحظ أن جميع الوقائع والمعارك كان فيها الأيزيدي الضحية المستكين والخانع الذي يستسلم لقدره دون ادنى موجبات القتال المقابل أو حتى الدفاع عن النفس ، وهو منطق غير مقبول وغير صادق لأن الحال في مواجهات قد تكون خاسرة ولكنها على الأقل تسجل الجزء الثاني من الحقائق التأريخية ، وجميع الكتب تتحدث عن حملات وحروب وقتال يتم شنها من قبل حكام وسلاطين وجيوش لغرض سحق الأيزيدية وإنهاء وجودهم والقضاء عليهم نهائياً ، مع أن النتيجة اليوم أننا بتنا نجد الأيزيدية أكثر تمسكاً بديانتهم وبتأريخهم وبرجال دينهم أكثر من ذي قبل ، بل وتوسعت أعدادهم وأنتشرت في مشارق الأرض ومغاربها .
عموماً فأن أغفال ذكر المعارك التي قادها زعماء أيزيديون للذوذ عن ارواحهم وشرف عوائلهم وأموالهم ، ومواجهة جيوش جرارة وتتسلح بكل صنوف الأسلحة الفتاكة في زمانها ، وفي مواجهات غير متكافئة بكل ما يعني عدم التكافؤ ، من أجل الحفاظ على الأقل على الوجود الأيزيدي في تلك القرى البائسة والنائية والتي لم تصلها الحضارة والتطور ولانظرت لها السلطات التي تعاقبت على حكم العراق حتى اليوم بعين الأنصاف والوجدان .
ولم نقرأ في التاريخ العراقي الحديث ما يذكر تلك المواجهات بسطر واحد ، وكأن الأيزيدية ليس لهم تأريخ ، وليس لهم رجال ، وليس لهم القدرة على المواجهة ، او على الأقل ردة فعل أو موقف شجاع لأيزيدي يواجه بشراً مثله ، اليس بين الأيزيدية من ذوي البأس الشديد ومعرفة فنون القتال ؟ وخصوصاً أذا عرفنا أن قتالاً كان يدور بين العشائر الأيزيدية أنفسها لأسباب عديدة !!
ويذكر السيد صديق الدملوجي في كتابه اليزيدية المطبوع 1949 عن ( خضر محمد كهية ) الذي كان يحدثه عن الحملات العسكرية التي شنتها السلطات العثمانية وواجهها الأيزيدية ومعهم محدثه ، ومن اكثر ما كان يؤلم هذا المقاتل ما تقوم به الجيوش العثمانية من اعتداء على النساء في تلك القرى وآسرهن وأقتيادهن معهم ، وخضر محمد كهية رئيس الهبابات في منطقة سنجار .
كما يذكر عن ( حمو شيرو ) وهو من عشيرة الدنادية ، وقد صار قائداً في معارك الدفاع عن الجبل وابلى بلاءاً حسناً ، وصار له صيتاً وقوة وأنتشرت أخباره وخشي منه الأعداء حتى أن الحاكم الأنكليزي ( لجمن ) أرسل بطلبه ليعينه حاكماً على جبل سنجار لما له من هيبة وسطوة وقوة ، وبقي هذا الفارس حتى بلغ المائة والعشرين عاماً دون أن يدخله الخرف ونقص الحواس ، ومن بعده صار ولده خديده قائدا مرموقا .
كما يورد ذكر كل من خلف بن الشيخ ناصر وداوود الداوود والشيخ خضر بن عطو وصفوق باشا .
كما تتزامن مناسبة أزاحة الستار عن النصب التذكاري لأيزيدي ميرزا قبل ايام في ناحية بعشيقة في أقليم كوردستان العراق ليدلل على وجود الرجال الذين غبنهم كتاب التأريخ من غير المحايدين والذين يبغون رضا السلاطين في كل مكان وزمان ولم يذكرونهم بأنصاف ، بينما بقيت الذاكرة الشعبية تحتفظ لهم بما سجله كل منهم في حياته ، وإيزدي ميرزا باشا الذي تولى ولاية الموصل للفترة ( 1650 ـ 1651 ميلادية ) ( 1059-1060 هـ ) في زمن السلطان العثماني مراد الرابع الذي أمر بترقيتة من رتبة فارس ضمن الجيش العثماني ليتولى ولاية الموصل بعد الدور البطولي الذي أبداه في معركة فتح بغداد) سنة 1638 ميلادية 1047 - هـ ) .
ومن الغريب والبعيد عن الحقيقة ان يذكر المؤرخ السيد ياسين العمري في ( الآثار الجلية ) أن مرزا بك ذهب الى اسطنبول مركز الخلافة العثمانية متوسلاً بمنحه منصب ولاية الموصل فلم يتيسر له ذلك ، مما دفعه للعودة الى دياره وجمع اعوانه المسلحين ليقطع الطريق وينهب القوافل ، وتمكن ( شمسي باشا ) ان يقاتل عصابته ويقبض عليه ليرسله الى السلطان محمد بن ابراهيم الذي أمر بقتله .
غير أن الحقيقة التأريخية أن الولاية لاتطلب بتوسل أنما تقوم المرجعية بناء على معلومات أكيدة وتقارير ولاتها بتنصيب الوالي ، ومما يذكره التأريخ أن أيزيدي ميرزا تمت ترقيته الى رتبة ( باشا ) ومثل هذه الرتب تمنح من الباب العالي حينها ولأسباب معروفة ، ولايعقل أن يتوسل أحد لمنحه الرتبة والمنصب ، ولو لم تجد السلطنة القدرة والأمكانية والشجاعة لدى ايزيدي ميرزا لما تمت ترقيته من جندي الى والي ، فقد ابلى المذكور بلاءاً حسناً في فتح بغداد في العام 1638 م حيث تميز بأندفاعه وقتالــه وشجاعته بحيث استحق ذلك التكريم بجدارة ، وكنت شخصياً قد زرت النصب المذكور عند زيارتي لناحية بعشيقة قبل ايام من هذا الشهر 2006 ، ومن جانب آخر فقد شكل ( آل مندي ) ولاية لهم في منطقة حلب ، كما تشكلت ولاية على ضفاف نهر البهتان بأسم ولاية قلب ويطمان ، كما في منطقة اربل وجبال الصوران حيث أمر السلطان سليمان القانوني أن يتم تفويض ثلاث أمارات لشخص أيزيدي ، كما في الموصل حيث ولي أيزيدي ميرزا باشا ولاية الموصل وهو ابن بعشيقة ليحكمها بما عرف عنه من شجاعة وحكمة ونفوذ .
ويلاحظ التستر والتغطية المتعمدة على أخبار القتال والحملات العسكرية التي أستمرت تشن من قبل السلطات العثمانية ومابعدها من رغبات لزعماء عشائر وحكام وولاة من أجل أجتثاث الأيزيدية وتحويلهم عن ديانتهم بالقوة ، وبعد ان نضع المبررات والتبريرات التي تضعها هذه الجهات لقتالهم ، وبعد ان يتم تمهيد الأرضية الشرعية في أصدار الفتاوى والفرمانات التي تبيح قتلهم وسبي حرائرهم والأستيلاء على اموالهم والأستيلاء على قرآهم وأراضيهم من قبل رجال دين متعصبين ومتطرفين يمهدوا الطريق للقتل والذبح والتشريد .
ولايتطرق أحد الى واقعة غاية في الأهمية وقعت في سنة 1200 هـ - 1785 م حين خرج والي الموصل عبد الباقي باشا الجليلي وتوجه من مدينة الموصل بأتجاه قرى الدنادية لغرض أستباحة القرى وقتل الأيزيدية ، وتأديب القرى المجاورة لهم ، ولدى وصوله مع عساكره هرب الأيزيدية الى الجبال والمغارات فارين بأرواحهم ، وتركوا بيوتهم خالية فنهبتها العساكر على فقر موجوداتها وأنتشرت العساكر تبحث عن أي شيء للأستيلاء عليه ، وتفرقوا عن قائدهم عبد الباقي باشا الجليلي حيث كان يقف غير بعيداً عنهم ومعه شقيقه ( عبد الرحمن آغا الجليلي ) وبقيت معهم مجموعة قليلة من الجنــود الحراس ، فخرج عليهم ( نمر بن سيمو ) ويلقبه الأيزيدية ( نمر آغا ) ومعه عدد من الأيزيدية المقاتلين لايتجاوز أصابع اليد الواحدة وبأيديهم السيوف ، وهجموا على القائد الذي تفرق عنه حراسه وهربوا ، وحين هرب الحراس تخاذل بقية الجند الذين لاذوا في الوديان وهم منهزمين دون قتال ، وما كان من نمر الا أن يجرد القائد من سيفه ويقتله ويقتل شقيقه عبد الرحمن ومن كان يقف معه ، وفي هذه الأثناء تكاثر الأيزيدية وتابعوا الفرسان المنهزمين الذين القى الله الرعب في قلوبهم ، ويتبعهم فرسان الأيزيدية يمعنون بهم تقتيلاً ويسلبونهم أسلحتهم وجيادهم ويعودوا بها الى قرآهم وبيوتهم المسلوبة .
هذه الحادثة وقعت بالقرب من قرية ( سميل ) الواقعة على طريق الموصل – دهوك ، وهي من أعمال منطقة كوردستان العراق ، ونمر بن سيمو أو سيبو أو شيخو كما يذكره الكاتب الدملوجي له قصر في تلك المنطقة وهو رئيس عشيرة الدنادية ، ولم يذكرها رواة حوادث تلك الفترة ولم يتطرق لها أغلب من كتب عن الديانة الأيزيدية بأستثناء الكاتب صديق الدملوجي الذي نقلها عن تأريخ جودت حيث ذكر ابياتاً من الشعر ضمن سرده للحادث يبين فيها الهروب الكبير للعسكر في هذه المعركة فيقول :
تفرق الكل حتى أن هاربهم أذا رأى غير شيء ظنه رجلا
وواقعة مهمة في تأريخ العراق الحديث وفي تأريخ الموصل لايتم اغماض العين عنها دون سبب ، كما لم يساهم أحد من المؤرخين في تحليل أسبابها ودوافعها ولاحتى في المعاني العسكرية والأنسانية التي دلت عليها ، ولو أن نمر بن سيمو كان متخاذلاً لكتب عنه الجميع دون وجل ، ومما يلفت النظر أن العساكر في المناطق الأخرى بقيت دون حركة ولم يحرك احد قادتها ساكناً ، وانتشرت الأخبار بسرعة البرق وزاد الرواة في تصويرها ، حتى بدا أسم نمر بن سيمو مرعباً للعساكر التابعة للولاة العثمانيين في المنطقة ، وهذا الأمر أدى الى قيام حاكم العمادية (( أسماعيل باشا البهديناني )) الى ان يحل ضيفاً على نمر بن سيمو تقرباً له وأتقاءاً لشره وليأمن على سلامة جنوده ، ولم تستطع الحكومة ولا الولاة أن يستعيدوا سطوتهم على مناطق الأيزيدية بوجود نمر بن سيمو الا بعد مضي 14 سنة على تلك الحادثة .
وأذا كنا نريد تقليب ونبش الأسس التي أستندت عليها الكتابات التأريخية ، وهذه الحادثة مثالاً على الغبن الذي لحق بالتاريخ الأيزيدي ، نجد ان عدم أيراد مثل هذه الحوادث يشكل بتراً لصفحات تأريخية وتشويهاً لصورة من الزمن الأنساني ، فقد تعرض الأيزيدية لمقاتل عديدة وشنت بحقهم حملات عززت بكتائب من الجيوش المدججة بالسلاح ، تحت شتى الذرائع ، وفي مرات كانت بحجج أنهم يقطعون الطريق ويسلبون القوافل المارة ، وفي مرات أخرى بسبب الفتاوى التي تقاطرت فوق رؤوسهم دون رحمة ، وفي مرات عديدة بسبب نزوة للوالي والحاكم ولأثبات قوته في المنطقة فلايجد سوى هذه المجاميع البشرية البائسة التي ابتلاها الله بالقتل والذبح والتشريد والأنعزال .
ولم يتعرض احد من الكتاب الى الحالة الأنسانية المزرية التي كان يعيشها الأيزيدية ، فقد كانوا على الدوام خارج نظرة السلطات التي لم تعرهم ادنى أهتمام ، وكانوا خارج تخطيطها وبرامجها العمرانية والتطويرية ، وبقيت قرآهم ومزاراتهم دون أدنى درجات الأهتمام ، ومع كل هذا فقد بقي المجتمع الأيزيدي زراعياً ورعوياً منتجاً ومسانداً في العطاء للأقتصاد الوطني ، لكون هذا المجتمع تحكمه قيم دينية وأجتماعية نبيلة وصارمة تصقل الألتزام الأجتماعي للفرد ليكون بالأضافة الى كونه منتجاً ملتزماً ونافعاً ضمن المجموعة البشرية التي يعيش وسطها تحكمه اعراف وقيم لايمكن للفرد ان يتخلص منها حتى وأن بدت بالية ، الا ان منها مايتباهى به ال]زيدي في تمسكه بأعراف الكرافة التي يتميز بها الايزيدية عن غيرهم من القوم في المنطقة .
واذا كنا نقول أن الأيزيدية نمت في لالش وتحصنت في مكانها المقدس ، فلم هذا الأنتشار الواسع للأيزيدية في تركيا وفي سورية وفي مناطق متباعدة في العالم كأرمينيا مثلا ؟ ولغرض التعرض لأسباب الهجرات التي تزامنت مع الهروب ومحاولة النجاة ، فقد توسعت المساحة التي تلوذ بها العائلة الأيزيدية خشية من الفتك بها والغدر بها كلياً ، وهذا الانتشار يربطه خيط متين من العلاقات والطقوس واللغة ، فبالرغم من الأنتشار في مناطق عربية كقرى الموصل أو سورية أو حتى القرى والمدن التركية والأرمنيــة ، فقد بقي الأيزيدي يتحدث بلغته الدينية ( الكوردية ) لم يتغير ولم يحاول أن يلغي هذا الأختلاط بالمجتمعات التي ساكنها على خصوصيته الدينية والقومية .
__________________

بحزاني نت
21-10-2006, 13:52
النبش والتنقيب في التاريخ الأيزيدي القديم

القسم الخامس

زهير كاظم عبود



الأشراق الروحي يتجسد في كينونة القيم الأنسانية والممارسات الدينية في كل ديانة من ديانات البشر ويكمن داخل أعماق الفرد ، فكل الديانات تدخل ضمن أطار الدعوات الأصلاحية لتقويم الحياة الأنسانية ، وهي أيضاً دعوة صريحة لتحرر الأنسان من نوازعه الذاتية السلبية ، والسلوك بما يضمن تنظيم الحياة الأجتماعية وتهذيبها لمصلحة المجتمع والدعوة الى الفضيلة ، ومحاولة تجنب الفساد والظلم و كل ما يحدث الضرروالأضرار ، وهي بهذا تشكل دعوة لكبت النوازع الشريرة في الذات البشرية وتغليب الافعال الخيرة عليها ، أذ لاتوجد ديانة واحدة تعتمد على الشر أو تدعو له أو للتغييرات التي تضر بالحياة الأنسانية ، أو أنها تمجد القيم والأعراف البذيئة والقميئةلدى الجنس البشري ، أذ تعتقد جميع الديانات بأن آلهاً واحداً منح الحياة لكل الكائنات يحاسب على الأعمال البشرية في الحياة الدنيا ضمن حياة أبدية في الآخرة بعد الموت أو بعد تقمص الروح في أديان أخرى وهذا الحساب يكون تبعاً لعمل الأنسان الدنيوي ، والعديد من الديانات من يعتقد بالوحي والنبوة ، عدا البوذية والهندوسية والأيزيدية والزرادشتية التي لاتقر بالوحي السماوي لأعتقادهم أن الوحي الالهي نابع من الذات الأنسانية ، وفي كل الديانات تجد الرحمة والعفو والتوبة والخطأ والغفران كطريق من طرق العودة الى الطريق القويم الذي يستقيم مع متطلبات الحياة الأنسانية ، ويتجانس مع الطبيعة السوية للحياة الأنسانية بما فيها الديانة الأيزيدية ، ولكل ديانة زمان ومكان يمكن ان تتحدد ضمن مساحة المكان فتقتصر على مساحته ، كما يمكن أن تنتشر الى مناطق اخرى طبقاً لطبيعة تلك الأديان ، فيما أذا كانت تدعو للأنتشار أم انها مغلقة على من وجد نفسه فيها من ابوين مؤمنين بها ، فليس له الخيار في تركها ألا حين يتمرد على ديانته فيخرج منها لأسباب عديدة ، وقد يتحمل أذى وأستهجان من أهله ومجتمعه في سبيل ذلك ، لابل قد يدفع حياته ثمناً لهذا الأمر ، والأعتناق العفوي للدين الذي يتلبس الملايين من البشر الذين ليس لهم الخيار والأختيار في أية مرحلة من مراحل العمر ليس له من حل أو ضوابط سوى تقبل تلك الفرضية الدينية أعتقد بها المرء او لم يعتقد ، مع أن العديد من البشر يتم أحتسابهم على ديانة معينة وهم غير ملتزمين بها أو غير معتقدين بها أصلاً ، غير انهم لايعلنوا عن هذه الرغبات ويفضلوا أن تبقى كامنة في نفوسهم لاتخرج من صدورهم ، ولذلك فهم على الدوام يؤمنون بما يناسبهم ولكنهم قطعاً لايؤمنون بالأحتمال القادم مع بقاء السر الأزلي ، على سبيل المثال لاالحصر أعتقادهم في الموت والحياة كحقيقة راسخة يؤمن بها جميع الناس سواء منهم من أمن بديانته او كبت عدم أيمانه فيها بصرف النظر عن الأيمان بالبعث من عدمه ، وحقيقة أخرى كون البشر هم أسياد المخلوقات ولايمكن ان تكون كائنات حية غيرالأنسان من يحتل مركز السيادة والتفضيل ، ولكن ثمة أختلاف في فهم نظرية تقمص الأرواح وتناسخها مابين مؤيد لهذا التقمص والتناسخ ومابين من ينفي كل هذا ، وتكون بعض هذه الديانات ضمن دائرتها لاتخرج عنها مطلقاً اذ انها متقوقعة على نفسها وتنحصر في محيطها ، كما أن العديد من الديانات من يتخلى عن طقوس وعادات وأعراف دينية ويتساهل في تطبيقها وممارستها تبعاً لتغير الزمان والمكان ، في حين بقيت ديانات أخرى متمسكة بشكل صلب ومعاند بعاداتها وطقوسها .
ويمكن أن تكون الممارسات والطقوس الدينية نشاطات أنسانية ، منها مايرمز الى حقيقة تأريخية ومنها ما لايرتبط بأية حقيقة وأنما وجد من قبل العقل البشري وتم تقليده والألتزام به من قبل من جاء بعده أما بدواعي الالتزام التقليدي أو لحاجة ومصلحة أو خشية من التمرد او الظهور بمظهر الحريص على الطقوس والتقاليد الدينية أو ربما أعتقاداً حقيقياً بهذا الالتزام فالعديد من الاعراف الأيزيدية ليس لها علاقة بالدين ، كما أن لشكل وطبيعة الرقصات التي يؤديها الأيزيدية علاقة بالطقوس التعبيرية التي تعبر عن تقديم النذور والفرح في مواسم معينة تتعلق بتقديس الديانة لأيام معينة في شهر معين من السنة .
أن نزع مايلبسه المرء في رجليه قبل أن تطأ رجله عتبة المعبد المقدس يشير بالأضافة الى التبجيل والأحترام الى قدسية تؤكد ألتزام الفرد في الأعتقاد الطقسي واستعداد الأيزيدي للأقرار ضمنيا ونفسياً بموجبات الديانة التي يتقدم في مكانها حافياً طاهراً ملبياً لها في اعماقه .
كما أن التزام المرء عن عدم الأتيان بكل ما يشين السلوك ويشذ عن المألوف وكل ما يلبي حاجات النفس الذاتية في تلك الرحلة التي يكونها ضمن المكان المقدس ، دليلاً آخر على ضبط نوازع النفس وترويضها ، ويميل الأيزيدي دائماً الى ترويض النفس وتطويعها وفق مقياس ذاتي يمكن ان يصلح للمجتمع الذي يعيشه غير انه يبدو لايصلح لمجتمعات أخرى ، ولهذا نجد التناقض بين موجبات الالتزام لدى الأيزيدي ، وبين غيره من ابناء المجتمع الذي يعيشه ، فيتميز الايزيدية بوجود الفقراء من الزهاد والناسكين والذين تركوا نعم الحياة ومسراتها ليتفرغوا للصوم والصلاة والدعاء ولبس الملابس الخشنة والتمسك بملابس تفتقر للكثير من المتشابه مع ملابس الناس أمعاناً في أذلال النفس وترويضها على تحمل المصاعب والجوع والتقشف في متطلباتها .
ولذلك ينبغي التفريق بين ما هو الهي وبين ماهو بشري في الطقوس والديانة الأيزيدية ، فالعديد من الطقوس والعادات ما توارثه الأيزيدية كمجتمع ضمن خصوصيتهم وظروفهم لاعلاقة له بالدين أو بالنصوص المقدسة وانما وجدت من اجل التاثير النفسي في الفرد الايزيدي ، ومنها ما ورد حصراً في النصوص المقدسة التي تواتر على ذكرها رجال الدين سواء في نصوص مصحف رش أو في كتاب الجلوة من اجل اجبار الانسان على الالتزام بها ، ومن المتفق عليه أن المجتمعات تجعل لرجل الدين مكانة متميزة في جميع الديانات ، ولربما تجعله بعضها جزء من المقدس ، ويقع على عاتقه العديد من الأشراف على الممارسات الطقسية والدعوة للألتزام بالأعراف والنصوص ، ويقع عليه أيضا مهمة التعريف والأرشاد وأضفاء الشرعية على العديد من الممارسات والسلوك الأنساني ضمن أطار الديانة التي يعتقد بها ضمن الكتب المقدسة ، وبالرغم من تفرغ رجل الدين لهذه المهمة وأعتماد وسيلته في الحياة على ما تدره عليه من وارادات ، لإن هذه المهمة تتعلق بشكل متناسب مع ثقافة هذا الرجل وعلميته ومعلوماته وأسلوبه في مخاطبة الآخر كما في معرفة بقية الديانات وطريقته في الأرشاد والمواعظ ، ومن المؤكد أن للأيزيدية كتب مقدسة كانت تكتب بلغة دينية يعتمدها رجال الدين الأيزيدي ، وهذه اللغة لاتتشابه مع بقية اللغات ، ويمكن ان تكون الكتابات المنحوته على الجدار الخارجي للمرقد المقدس نموذج واضح لهذه الكتابة ، كما من المؤكد ان صفحات من تلك الكتب لم تزل موجودة بين طيات الصخور المخفية عن الأعين أو في صناديق مقفلة ومحكمة خشية من التفريط بها أو الأطلاع عليها من قبل الأغراب خوفاً من تحريفها أو أتلافها مع انها ماضية للتلف بالنظر للجهل في عملية الحفظ والصيانة بشكل أصولي .
وأثناء عملي القضائي في مدينة الموصل كان مدير أوقاف الموصل السيد سالم عبد الرزاق المتقاعد يعمل خبيراً في تقدير العقارات بمحاكم الموصل ، وللمنزلة الكبيرة والأمانة والنزاهة التي اتوسمها في الرجل ، فقد كنت أنتخبه خبيراً لتقدير العقارات في الدعاوى المدنية المنظورة من قبلي في محكمة بداءة الموصل في أوائل التسعينات ، وقد أخبرني الرجل بوجود نصوص من كتاب الجلوة في خزانة المحفوظات والكتب النادرة في مكتبة الأوقاف بالموصل والمخطوطة غير مهيأة للأعارة لأسباب أمنية ، وبالنظر لمتابعتي قضايا الأيزيدية وجمعي لمواد كتابي الأول عنهم فقد رجوته أن يساعدني بالأطلاع على هذه النصوص ، ولم نتعرف كلانا عن أسباب أخفاء هذه النصوص عن القاريء وأعتبارها بأمر الحكومة من الوثائق الممنوع الأطلاع عليها .
وقد تمكن الرجل من أصطحابي الى مكتبة الأوقاف لأطلع على النصوص التي كانت مكتوبة على ورق قديم مصفر اللون وبكتابة تدل على انها كتبت بالريشة وبالخط الرفيع ، وبادرت الى نقل الكتاب بالسرعة التي توفرت لي وبعد أن غادرنا المكتبة قمت بأعادة كتابة النصوص بخط واضح وعلى ورق صقيل ودفعتها للتصحيف لدى أحد المجلدين ولم أزل احتفظ بها في مكتبتي بالعراق والتي حافظ عليها اخوتي بعد هجرتي ، والنسخة لاتختلف كثيراً عن التي اوردهـــا المرحوم سعيد الديوه جي في كتابه اليزيدية المطبوع في الموصل عام 1973 ، ومن ناحية أخرى يقول الكاتب علي سيدو رشو في مقالة له بعنوان ( الأيزيديون في العراق ) ضمن بحث تم إلقاءه في ندوة الجمعية العراقية لدعم الثقافة بتاريخ 29/1/2006 (( إننا لو فرضنا بأنه تم تجميع الكتب السماوية للديانات المركزية بعد فترة زمنية من بعد الأنبياء، فإن الذي جرى مع الإيزيدية شيء مختلف، حيث لم يتم تجميع نصوصها الدينية بشكل مكتوب مما أصاب الكثير منها الضياع والتدخل والتحريف بسبب حملات الإبادة الجماعية والامية والجهل المخِّيمان على المجتمع الإيزيدي بسبب معاناته، إضافةً إلى تجاهل الحكومات المتعاقبة لحقيقة هذا الجزء الحيوي من الشعب العراقي . وأما القول بأن الديانات لا تكتمل مقوماتها إلاّ بالنبي والكتاب فإنها أمور قابلة للنقاش حيث هنالك العديد من الديانات التي تختلف مع هذا الشأن كالبوذية مثلاً ))
أن في الديانة الأيزيدية العديد من الأحالات على شخوص رجال الدين الذين تحملوا عبء حفظ النصوص الدينية المقدسة ومعرفة الطقوس والتقاليد الدينية في صدورهم غيباً بالنظر لأسباب كنا قد تطرقنا لها في كتاباتنا السابقة تعرض فيها المجتمع الأيزيدي للأبادة والهلاك ، أن دراسة مثل هذه النصوص يمكن أن تفتح افقاً معرفياً يوضح لنا حقيقة الأفتراضات الدينية ، كما يضع العديد من الأجابات للأسئلة والأستفسيارات التي تدور في أذهان المتابعين ، كما أن التعمق في معرفة اللغة التي كانت تكتب بها تلك النصوص يؤدي بالنتيجة الى فك العديد من الرموز والخفايا التي تحتمل عدة أحتمالات يتم أفتراضها من قبل المحللين والكتاب وفق الأجتهاد والقدرة على التحليل .
غير أنني على ثقة بأن العديد من الأيزيدية يحتفظ بالكثير من الصحف والمخطوطات التي تفيد الديانة الأيزيدية وتسهل طريق الباحثين نحو الحقيقة ، وبهذا نهيب بكل من يحتفظ بمثل تلك الوثائق تمكين الكتاب او المحققين من الأطلاع عليها تمهيداً لأعداد الدراسات الميدانية لأعادة كتابة التأريخ الأيزيدي بشكله الصحيح والحقيقي .
ومن المحتمل ان يكون الكتاب الذي نقلت عنه من الكتب القديمة غير انه لايمكن البت من كونه كتابا مقدساً او على الأقل معتمداً ومتفقاً عليه من قبل الأيزيدية ، غير أن الامر يدلل على وجود كتابات ووثائق في حوزة بعض مما يوجب الخوض في صحة هذه السندات والوثائق بغية التوصل الى الحقيقة .
ويقول الباحث الأيزيدي خليل جندي عن كيفية التوصل الى حقيقة الايزيدية في كتابه ( نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية ) في الصفحة 18 : يمكن القول بأن الديانة الأيزيدية تتألف من منظومة شعائر دينية والكثير من الطقوس والعادات الدينية ... أن دراس هذه الظواهر من المنظور التأريخي – الفلسفي بحاجة الى أناس وباحثين من ذوي الأختصاصات المختلفة وأعني بها والحديث للباحث جندي :
1- علماء اللغة خاصة العارفين باللغات القديمة ( السومرية ، البابلية ، الآشورية ، السانسكريتية ، اليونانية ، واللغات الآيرانية القديمة ، أضافة الى اللغتين العربية والكردية .
2- المختصين بعلم الأديان واللاهوت والفلسفات القديمة .
3- علماء الآثار
4- المختصين بعلم الأنثروبولوجيا
5- من له معرفة وأطلاع بعلم الفلك
6- علماء التأريخ خاصة تأريخ الحضارات القديمة
7- والأهم من كل ذلك من لهم الأطلاع الشامل على تراث الدين الأيزيدي .
ومع كون الباحث خليل جندي قد توسع في مطالبة كل هذه الأختصاصات الواسعة الا أن الواقع يكمن في قيام الأيزيدية أنفسهم بما عرف عن بعض مثقفيهم والمهتمين بتأريخهم وديانتهم ومنهم الدكتور خليل جندي وبير ممو عثمان وهوشنك بروكا والعديد من الباحثين المثابرين في سبيل كشف حقيقة تأريخ ديانتهم ومجتمعهم ، وبالتعاون مع كل الباحثين الذين يتوسم فيهم الأيزيدية الحيادية والأنصاف في كتاباتهم ومنهجهم العلمي من خلال مؤتمر يتم أنعقاده في مركز لالش ووضع محاور وخطط للعمل وبذل الجهود للوصول الى نتائج وأجابات للعديد من الأسئلة سعياً الى الوصول لحقيقة هذه الديانة العريقة .
أن وجود كلمة ( ئي زي دي ) في الكتابات المسمارية في العهد السومري وهي تعني الروح الخيرة غير الملوثة والتي تمشي على الطريق الصحيح والتي اكتشفها أحد الخبراء كما يذكر الباحث خليل جندي لها دلالة عميقة وأكيدة لأثبات قدم الديانة الأيزيدية في الألف الثالث قبل الميلاد مثلما تشير الدلائل والأشارات ، ويمكن ان تجد أن الفتحات الموجودة في أسوار المقابر الأيزيدية على شكل مثلث يواجه أتجاه الشمس رمزاً لم يزل يتمسك الأيزيدية به ، هي نفس الفتحات التي كان السومريون يضعونها على أسوار القبور نقشاً او مظهراً .
ومن ين محولات جر الأيزيدية الى ديانة أو حركة أصلاحية معينة ، فأن هناك من يعتبرها أحد فروع الديانة الزرادشتية ، وهناك من بين أبناء هذه الديانة من أسس مركزاً للديانة اليزيدية الزرادشتية ومنحني شخصياً الهوية المرقمة 21 بتاريخ 21/3/1993 بصفة صديق حين كنت في العراق ولم أزل احتفظ بها ، وهذه التسمية لاتتطابق مع الواقع لأن الأيزيدية أقدم من الزرادشتية ، ولايخفى أن عناك من المحاولات العديدة التي حاول بعض الكتاب لقلة في الأسانيد والبراهين والمعلومات التي تدلل على قدم الديانة الأيزيدية وتبعثر خيوطها لما أصابها من المحن والمهالك القاتلة .
والحكيم زرادشت ولد في حدود العام 628 قبل الميلاد وتوفي في العام 550 قبل الميلاد وعاش في فترة سقوط الدولة الآشورية على يد الميديين ، وأقتسام تلك الدولة بين الميديين والكلدانيين ، ثم حكم السلالة الأخمينية في العام 557 قبل الميلاد وإستيلاء كورش على بابل ، ولاشك أن الزرادشتية التي تعايشت مع اليهودية جائت بتعاليم وقيم متطورة وأنسانية ودعت الى عبادة الاله الأعظم ( أهور أمزدا_ ومعناها السيد الحكيم ) وهو واحد لاشريك له من الديانات الأنسانية التي حلت منتشرة بشكل واسع لتدين بها ممالك وأمم ، ولكنها لم تكن أقدم من الديانة الأيزيدية ، بالنظر لكون الأشارات والبراهين دلت على وجود الديانة الايزيدية في الزمن السومري والبابلي ، وهو ما مؤكد قبل سقوط الدولة الآشورية في نينوى ، كما أن أمتداد الأيزيديين لم يتحدد في لالش وماحولها ، وأنما وصل الى تكريت في العراق وعم منطقة كردستان ، كما تزوج البابليين والسومريون من الأيزيديات وربما يكون هذا الزواج بسبب كون الملوك يدينون بديانتهن أو أنهن وقعن في الآسر والسبي الذي يبيح لهم الزواج منهن في تلك الأحوال .
ومن الديانات من جاء وأنتهى وبقيت أخبارها مسجلة في سفر التاريخ ، ومن الديانات من تقهقر وتراجع لينزوي في زوايا ضيقة وأماكن محدودة ، ومن الديانات من بقي يجاهد الزمن ويقاوم كل النشاطات الأنسانية التي تريد القضاء عليه لشتى الأسباب والأعتبارات سواء بتغير الزمن أو بالوسائل التي يعتمدها اعداءه بما فيها القتال والحروب .
والقرابين قدمت منذ الزمن السحيق لأرضاء الآلهة ، وتنوعت هذه القرابين التي تقدمها الجماعة تبعاً لتغير المكان والزمان ، وكثيرا ما تكون المعابد والأماكن المقدسة هي المكان المناسب لتقديم الأضاحي والقرابين ، وعلى الدوام كان رجال الدين المستفيد من نتاج هذه القرابين ويخطط لطريقة تقديمها وموجباتها ، غير انها في كل الاحوال تدلل على أعادة أستمرار الحياة ، ومن بين الالتزامات التي يلتزم بها الأيزيدي في تقديمة القربان حيث يقدم الأيزيدي على ذبح ثور قربانا لوصول طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية تقرباً الى الله تعالى ، وتعبيراً عن غسل الآثام والذنوب وغفرانا عن الخطايا التي أرتكبها المرء في حياته .
بالنسبة للايزيدية، فأنهم ايضا يحتفلون عند زيارة السنجق للقرى الايزيدية في الشهر المقدس (نيسان ). لهذا فأن السنة تبدأ عند الايزيدية منذ أول يوم أربعاء من أول أسبوع من شهر نيسان حيث يكون اليوم المذكور بداية للسنة الايزيدية ، وعيداً يسمى عيد راس السنة ويدعونه ( سر صالي ) .
ولمعرفة البدايات الأولى للديانة الأيزيدية ينبغي البحث ملياً وبشكل دقيق لظاهرة الدين والأعتقاد الذي دخل عقل الأنسان في بدايات التكوين ؟ بالأضافة الى أعتبار أخر أكثر أهمية هو أيمان عدد من الأديان بوجود خالق معبود لاشريك له ، غير أن هناك عدة من ألأديان من يعتقد بالرسل والأنبياء وأن هؤلاء تم ارسالهم وتكليفهم وبعثهم من اجل أيصال رسالة توضح شروط الأيمان والمؤمن وتحدد أسس الديانة الجديدة من الحلال والحرام ، غير ان منها ما يؤمن بعدم وجود وسائط بين الأنسان والرب ، وأن هذه العلاقة المباشرة وضعت الأنسان أمام ربه لاسلطان عليه سوى ضوابط النصوص المقدسة والعمل الناتج منه ، ولايتيسر لنا أن نقول أحتمالا عن فترة زمنية محددة يمكن ان تكون نشأة الديانة الأيزيدية خلالها وبذلك فعلينا أن نتوصل الى المعايير والأسس التي تم اعتمادها كمعايير في عراقة وأصالة هذه الديانة .
وليس صحيحاً أن التضحية والقربان حصراً على ديانة معينة ، فقد لازم الأنسان القديم قبل أن يتبصر ويلتزم بديانات معينة . والقربان ليس بديلاً عن الشرور التي أرتكبها الأنسان في حياته ، أنما تدل دلالة واضحة على عبودية الأنسان للأله أو الرب وتوسله قبول دعاءه وتحقيق أمنياته ورغباته . فالنفس البشرية ضعيفة ازاء القدرة الغامضة والخارقة ، بالأضافة الى الرمزية في القربان ، فالأله لايأكل الضحية ولايستفاد من جسمها ، وقد قدم الأنسان قرابينه في الديانات القديمة كجزء من الطقوس الدينية ، وتبعاً لواقع حياته الأجتماعية سواء كان القربان زرعاً أو منتجاً زراعياً أو حيواناً .
ورد في القرآن الكريم – سورة الحج الآية 37 (( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا لله على ماهداكم وبشر المحسنين ))
جاء في بداية الإصحاح الأول: (( ودعا الرب موسى وكلَّمه من خيمة الاجتماع قائلا: كلم بني إسرائيل، وقل لهم: إذا قرّب إنسان منكم قربانا للرب من البهائم فمن البقر والغنم تقربون قرابينكم. إن كان قربانه محرقة من البقر فذكرا صحيحا يقربه إلى باب خيمة الاجتماع، يقدمه للرضا عنه أمام الرب، ويضع يده على رأس المحرقة فيرضى عليه للتكفير عنه، ويذبح العجل أمام الرب ويقرب بنو هارون الدم ويرشون الدم مستديرًا على المذبح الذي لدى باب خيمة الاجتماع، ويسلخ المحرقة ويقطعها إلى قطعها ويجعل بنو هارون الكاهن نارا على المذبح، ويرتبون حطبا على النار، ويرتب بنو هارون الكهنة القطع مع الرأس والشحم فوق الحطب الذي على النار التي على المذبح، وأما أحشاؤه وأكراعه فيغسلها بماء ويوقد الكاهن الجميع على المذبح رائحة سرور للرب .... )).
وجاء في الابستاه الكتاب المقدس لدى الزرادشتية : (( قدموا للنار ( آتر ) الخشب الصلب والشراب وطيوب اللبان .
ضحوا للنار ( فازشتا ) التي تقتل الشر اغذية مطبوخة واشربة كثيرة غزيرة
ضحوا للقديس اسراؤوشا ليقدر على ضرب الشر . ( كتاب الفنديداد – ترجمة الدكتور داود الجلبي – مطبعة ئاراس الصفحة 174 ) .
وكما كان القدماء تقدم نفساً بشرية تضحية للأله ، كما يذوب البوذي بجميع رغباته الدنيوية في المطلق الذي هو ( جو تاما ) .
وعمدت الأيزيدية الى أعتماد القربان تعبيراً رمزياً عن الخضوع للألهة أو للملائكة الذين يقومون بخدمتها ، غير أن الأيزيدية تستبعد التضحية بالنفس أو أيلامها قربانا للأله أو الملاك ، ومن العديد من الأضاحي والقرابين يبرز الثور مثلما أعتمدته كل الدول القديمة رمزاً للعطاء والقوة والسخاء ، غير أن الأيزيدية لايقدمون القربان مثلما يقدمه السومريين أو البابليين لعرضه على الأرباب أو تلطيخ الأرض وجدران المعبد بالدماء ، أنما يقومون بذبحه وطبخ لحمه وتقديمها نذوراً للفقراء والجياع ، أو أكراماً لمن يتجمع للتبرك بمشاهدة رمز طاووس ملك عند زيارته للقرى والمدن التي يدور فيها ، كما أنهم يقدمون قرابين عن روح امواتهم بعد دفنه ، أذ يقومون بتقديم الطعام عند قبره ليعودوا في الصباح لأخذ الصحون ، ونعتقد أن الفقراء والمعوزين يقوم بأكل الطعام الذي قدمته عائلة المتوفى قربانا لروح عزيزهم .__________________

بحزاني نت
21-10-2006, 13:55
النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم

القسم السادس

زهير كاظم عبود

بقيت الشمس رمزاً وعلامة تعتمدها الأمم والأديان القديمة في عباداتها وتقديسها للدلالة على سرها العميق ، وعلى قصور العقل البشري وحيرته للتوصل الى أسرارها وتفصيلاتها وبالأضافة الى علاقتها بالنجوم وبالمد والجزر والليل والنهار وبالحياة الانسانية بشكل عام ، بالنظر ما لأهمية بزوغها وماتبعثه من دفء وضوء ، بالأضافة الى كونها معيناً لبث الطمأنينة والحيوية والحركة والعمل وانكشاف المظلم من الأمكنة عند شروقها بخلاف ما يحل على الأنسان من الظلام في الليل أو عند غيابها ومايصاحب ذلك من خمود الجسد البشري وهدوء صخب الطبيعة وتوقف العمل والحركة وترقب المجهول ، ولهذا فقد كانت رسومها المنقوشة على الكهوف والصخور والمكتوبة بالخط المسماري و الباقية على جدران المعابد وعلى ألواح الفخار المعثور عليها دليلاً على تلك الاهمية والأهتمام وعلى القوة الغامضة وغير المكتشفة للشمس والتي وصل الأعتقاد بها أن تعتبرها بعض الديانات والحضارات القديمة من الآلهة القوية التي ينبغي عبادتها ، ومن الرموز المقدسة التي يخشاها الأنسان القديم ويضع لها كل الأعتبارات القدسية والمبجلة ، فأنليل حتى يكون عظيما فأنه يعد أيضاً الها للشمس ، وقد تطورت الفكرة لتتعدد الالهة تبعاً للأعجاز الطبيعي وتتنوع عند المجتمعات القديمة ، فقد صار القمر آلها والنجوم الهة والانهار ايضا آلهة وهكذا ، الا ان هذه الالهة جميعها تخضع الى الاله الكبير ، أذ يتوزع الأعتقاد بتلك الالهة تبعاً لتنوع الظواهر الطبيعية وحجمها وقوتها المؤثرة في الحياة البشرية ، غير أن الشمس تعد من بين أهم وأقوى تلك الالهة لما لها من تأثير مادي وتماس مباشر على حياة الأنسان والطبيعة ، وعند الفراعنة كان الاله ( رع ) هو اله الشمس التي تزامن مع عبادة أيزيس ملكة السماء والبحار ومعه الاله آمون ، وفي العام 1375 ق.م. دعى إخناتون الى التوحيد ونقل العاصمة من طيبة لتل العمارنة ومنع عبادة الشمس. ومن بعد كل هذا تطورت العبادة لدى المصريين القدماء بعد ان كانت عبادة الشمس في هليوبولس من خلال حجر مخروطي الشكل يرمز لأشعة الشمس .
ولايغب عن البال حيرة الأنسان في حال كسوف الشمس وغيابها ووضع المعالجات المعبرة عن مدة تعلقه بالخرافة والأسطورة للتعبير عن عجزه وضعفه ازاء تلك الظاهرة الطبيعية الخارقة .
جاء في كتاب هاري ساكز ( حضارة وادي الرافدين القديمة ) ترجمة الدكتور عامر سليمان ان المعبد الموجود في شمال نينوى يدعى ( معبد ايزيدا كلا ) اي بمعنى معبد الخالق العام غير المخلوق او الاله غير المولود ويقول الكاتب حسو اومريكو ان المعبد المذكور كان في منطقة لالش وقد هدمه حمورابي في العام ( 1760 ) قبل الميلاد في الحقبة البابلية الاولى ( مجلة روز العدد 7-8 / 2000– ص 20 ) .
وآثار هذه المعابد لم تزل موجودة ، وكان الكاتب شمو قاسم الدناني قد نشر في العدد 12 لسنة 2000 الصفحة 46 من فصلية لالش موضوعا عن الديانة البابلية في عهد بختنصر تعرض فيه الى معبد ايزيدا يقول فيه :
يتم في هذا المعبد مراسيم عيد راس السنة ( الأكيتو ) والتي تسمى بالسومرية ( زكموك ) ، وهذه الطقوس تسمى بأحتفالات بيت اكيتو الديني ، وكان الكاهن ( بيرخوسا ) هو الكاهن الأكبر للمعبد مستندا في بحثه على ما اورده الباحث طه باقر في كتابه العراق القديم طبعة بغداد ص 223 ، ويقول ان آثار المعبد لم تزل باقية على الجهة الغربية من نهر الفرات مقابل بابل ، وخصص له اعلى تل في المنطقة ، وبناه بأرضية مربعة وبنى فوقها مدرجات وثم بنى غرفة في قمتها جعلها معبداً للألهة نابو وفي الطابق الأرضي تقام الطقوس الدينية من قبل الكاهن ، وأضافة الى هذا المعبد فقد بنى بختنصر الكثير من المعابد وقام بتجميلها مثل معبد أيزيد كلاومعبد الاله شمش ومعبد الاله سن ، ( ليونارد وولي – وادي الرافدين مهد الحضارة – ترجمة يعقوب بكر ص 64 ) .
ويقول الباحث جورج حبيب ان اله مدينة بورسيبا الواقعة على الفرات كان يقوم فيها معبده الذي يسمى ( ايزيدا ) ، بينما كانت مدينة بابل تقع على الضفة المقابلة التي كان يعبد فيها الاله مردوخ وكان له فيها معبد يسمى ايساكيلا .
واصبحت عبادة نابو منتشرة في بلاد اشور التي تشمل منطقة الشيخان والزابين والجزيرة ، فاقيمت تماثيله في مزارات بنيت لهذا الغرض في نهاية القرن التاسع قبل الميلاد ، وبلغت هذه العبادة على مايبدو اوجها ، فنجد ان لنابو هيكلا في كالح النمرود وهي لا تبعد عن لالش باكثر من 70 كيلومتر . ( جورج حبيب – اليزيدية بقايا دين قديم – مطبعة المعارف بغداد 78 ) .
وأذا كانت الحضارات القديمة تعتمد الظواهر الطبيعية رموزاً لعباداتهم وخضوعهم لما فيها من أعجاز وأسرار ، مما يعزى إلى انه لم يكن باستطاعة الإنسان في حينها أن يفككها أو يتوصل الى بعض علومها ، كما أن بقاء تلك الظواهر مقدسة ومهيبة لدى الأيزيدية يدلل على أستمرار الظاهرة القديمة التي كانت تنتشر بين الأديان والحضارات القديمة ، فلم يزل حتى اللحظة تقديساً ومهابة لكل من الشمس والقمر في الديانة الأيزيدية ، وأن دل استمرار التقديس على شيء فأنما تدل على الأمتداد التأريخي القديم والتواصل في الأعتقاد داخل هذه العقيدة .
ومما لاشك فيه أن وجود المعابد السومرية على شكل بناء عالي ( الزقورات ) يشير الى الأرتقاء بأماكن العبادة نحو السمو والاعالي ، وهذه المعابد اشارة الى امكانية التواصل بين المطالب البشرية والأرادة الخارقة للألهة ، ومما يمكن الالتفات اليه شكل المعابد والقباب التي تزينها لدى الأيزيدية ، والتي ترتقي قبابها نحو السماء ، حيث لم تكن لها أشكال مشابهة في مزارات وأماكن عبادة الأديان التي تعاقبت ، فشكل القباب مخروطي يبدأ من نقطة الألتقاء وينخرط بشكل متوزع ومتساوي على قاعدة البناء ليشكل خطوط متوازية تتوزع عليها أشعة الشمس عند شروقها مخالفة بذلك الطراز المعماري للجوامع والقباب وأماكن العبادة في جميع الديانات ، ويسمي الباحث الدكتور بير ممو عثمان طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية بأله الشمس ، ويقول ان عبادة الشمس لم تنتقل من الأيزيدية عن طريق العبادات البابلية وأنما عن طريق العبادات المثرائية ، وذلك لأن الأخمينين بعد ان احتلوا بلاد بابل أخذت الديانات المثرائية تؤثر في الديانات البابلية .
وفي تأريخ الأديان تبين بأن الشعوب التي كانت تعبد الشسمس كانت ترمز لها بأنواع متباينة من الطيور ، فعند المصريين القدماء كان الباز رمزاً للشمس ، وعند الأغريق الوز ، وعند الهنود طير النسر ما يرمز للشمس ، اما عند الأيزيديين فكان ولازال طير الطاؤوس رمزاً لاله الشمس ، وانقلبت تسميته بمرور الزمن وبتأثير الأديان الأخرى الى الملك طاؤوس ، اما في الديانة القديمة فيرمز طير الطاؤوس الى اله الشمس وهناك اشارة تأريخية الى أن الطاؤوس لم يكن موجوداً في وادي الرافدين بل جاء على هيئة ضريبة من الهند . ( مقالة للدكتور بير ممو عثمان بعنوان الديانة الايزيدية بين عبادة الشمس والتصوف فصلية لالش العدد 21 لسنة 2004 ) .
وقدسية الشمس في الأديان الأخيرة التي حلت على البشرية من خلال كونها جزء من القدرة الالهية ، ولهذا خضع الأنسان لها محتاراً في قدرتها وأستمراريتها ، وفي كتاب ( كنزا ربا ) المندائي يرد ذكر الشمس في التسبيح الثاني ضمن الوصايا ( منه كان الملائكة والأثريون * بضيائه ونوره يرفلون * أسنى من الشمس والقمر *) ، وقد ورد ذكر الشمس في القرآن الكريم 32 مرة ، وفي محاججة بين النبي أبراهيم أبو الأنبياء وبين أحد الناس يشير القرآن الى عجز الأنسان أن يأتي بالشمس من المغرب حيث يأتي بها الله من المشرق بأعتبار أن شروق الشمس من المشرق أعجازاً ربانياً لايمكن تغييره أو تبديله الا بأمر الله ، وفي سورة أخرى يقرر الأنسان أن الشمس البازغة هي الرب الذي يعبد ، لكنه يعدل عن ذلك حين تأفل الشمس وتغيب ، والله الخالق الصمد هو الذي خلق الكون وسخر الشمس والقمر كآيات معجزات من آياته المتعددة التي يعجز الأنسان أن يأتي بمثلها .
ويضع الزرادشتي اعتباراً عظيما للشمس التي يعتبرها أحد أكبر تجليات الله ( أهور أمزدا ) ولايراد بها عبادتها لأن العبادة شيء والقدسية شيء آخر .
غير أن النقوش والرسوم الموجودة على جدران البيوت القديمة والقصور والمعابد والتي تصور الشمس تدل بما لايقبل الجدل على قدم هذه الحضارات والأديان ، فالديانات الحديثة لم ترسم او تنقش الشمس في مدوناتها وكتبها المقدسة ، وأنما أشارت لها ضمن نصوصها بأعتبارها آية من آيات الله .
لقد تم اكتشاف معبداً قديما من المعابد المثرائية داخل المنطقة المقدسة في معبد لالش داخل كهف في جبل سفين ، وهناك في هذا المعبد صورة منقوشة للشمس بالقرب من صورة غراب ، كما ان هناك صورة ثالثة لـ ( ميثرا ) ولكنها للأسف تعرضت للتشويه جراء العبث بها من قبل مهربي الآثار كما يذكر الأثاري يوسف عبد الرقيب .
وفي لالش وعلى الحائط ذاته صورة لقرص الشمس كبقية الأماكن الأخرى في لالش والتي بدأت الطبيعة في مسحها واتلافها وتآكلها .
وضمن نصوص كتاب الجلوة التي وردت في كتاب الديوه جي ( اليزيدية ) ، ان الشمس تم تفويضها الى الملاك ( اسرافيل ) بالإضافة إلى القمر والنجوم ومن انعكاس نوره انتشر الشعاع في جميع ارجاء الارض ، ومنعت الفقرة الاولى من الفصل الخامس الحلف كذبا بالشمس والقمر وان لايحلف الايزيدي باي نور ، ( سعيد الديوه جي ص 242- 243 اليزيدية 1973 ) .
ويذكر الباحث الدكتور خليل جندي في كتابه ( نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية ) بالصفحة 129 : (( الدور الكبير للشمس كمادة كونية تعطي النور ، الحرارة ، الخير والطمأنينة للأنسان ، لذا نرى أن الأيزيديون قد كرسوا – ومازالوا – أربعة من أدعيتهم للشمس ( دعاء الفجر ، الصبح ، الظهيرة ، المساء ) ، يقفون بكل تبجيل في حضرة هذه المادة الخارقة ويتحركون كزهرة عباد الشمس مع حركة الشمس من الشرق الى الغرب عند اداؤهم لهذه الأدعية ) .
وللأيزيدية أعتقاد بآلالهة الأعوان ( بمعنى أن للاله الكبير خودا بعض الملائكة الذين تتوزع عليهم شؤون الدنيا ) ، أي بمعنى أن الديانة الايزيدية تعتقد بوجود اله واحد يدعى ( خدا ) وهو ( الله ، يزدان أو أيزيد ) ،وهو الموجود قبل كل الخلائق وليس له نهاية ، ( كنت ولم يكن احد ، ولم يكن لي شريك ) ، ولهذا يعتبر الايزيدية انفسهم اول من عرف حقيقة الوحدانية في الخليقة وانهم اول الموحدين مع استمرار اعتقادهم بالهة الاعوان الذين يسيطرون على الظواهر الطبيعية بامر الله ، فيقولون أن لهذا الاله الكبير ملائكة تحت امره يقومون بأدارة الكون وفق أوامره ومشيئته ، وتربط الديانة الايزيدية الشمس بالخير والرزق وبالنور والضياء وبالشيخ شمس أيضاً ، والذي يعد من أهم الألهة الأعوان ، ويليه الاله سن والذي هو اله القمر ، وفي كل ذلك تطابق مع المثرائية التي تقدس الكواكب السيارة والتي تكون الشمس فيها من اول الظواهر المقدسة وأهمها .
وتكريساً لأعتقاد الأيزيدية بهذه المقدسات فقد حرصوا على تسمية اولادهم بالاسماء المقدسة ، خديدا – شمسو – بيروز – بيرو – كولان – بهار – يزدين –وغيرها من الاسماء مع دخول الاسماء الحديثة المتناسبة مع تطور الزمان في اعتماد التسميات .
ومن الطريف ان يتسائل العديد من الأخوان عن السر في تسمية الأيزيدية بأسماء عربية أحياناً وفي أحيان أخرى بأسماء أموية ، والتساؤل لايخلو من قصد بناء أستنتاج تبعية الأيزيدية الى قومية غير قوميتهم ، بأعتبار أن من يحرص على تسمية اولاده بأسماء عربية أو اموية فأنه اعتزازاً وربما انتسابا يسمي تلك الأسماء ، ومن المفيد أن نذكر ان الأديان والحضارات القديمة كانت تسمي الأبناء بأسمين أحدهما خفي لايمكن أن يتعامل به الا دينيا حصرا ، والثاني الأسم الحقيقي المتداول بين الناس غير أن اغلب الأسماء من يستمدها الناس من الطبيعة .
غير أن الديانات والحضارات التي حلت في الفترة الأخيرة أعتمدت على أسم واحد للشخص فكانت العرب مثلاً تسمي ابنائها باسماء الحيوانات والنباتات والجماد مثل أسد وفهد ونسر وحنظلة وصخر وهذه الأسماء والتسميات من قبيل التفاؤل ، كما يلاحظ أن العرب كانوا يتعمدون تسمية ابنائهم بمكروه الأسماء ككلب وحنظلة ومرة وضرار وحرب وبالمقابل تسمية عبيدهم بمحبوب الأسماء كفلاح ونجاح وسعيد وغيرها .
ويعلل القلقشندي في كتابه ( صبح الأعشى في صناعة الأنشا ) ، بما روي من أنه قيل لأبي الدقيش الكلابي : لم تسمون ابناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح ؟ فقال أنما نسمي ابنائنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا .
في الديانة المندائية يبقى الأنسان له اسم ديني غير أسمه الحقيقي ، الطرافة ان المتابع ينتقي أسماء عربية في المدن المتداخلة بين قرى الأيزيدية وبين القرى العربية ، كما انه ينسى الأسماء الكردية العديدة والتي تطغي على بقية الأسماء ، بالأضافة الى الأسماء التي لها دلالة عميقة وواضحة في الديانة الأيزيدية ، او التي ترتبط بالديانات القديمة ، مثل خيرو وخديدة وكتو وكانو وسمو وشمو ، او التي تستمد من الطبيعة ولايمكن ان تكون اسماء الأيزيدية في القرى المتداخلة مع القرى العربية مقياساً لأفتراض وجهة نظرة لاسند لها من الواقع ، وهذه الأسماء ليس لها وجود في القرى والمدن البعيدة عن الأختلاط مع العرب .
فالأسماء كما اسلفنا يتم تسميتها طبقاً للطبيعة والظروف وتشابهاً مع حيوانات ورموز وقوى خفية ، غير اننا لاننفي دور رد الفعل الذي الجأ الأيزيدية الى تسمية بعض اسماء الأمويين في مناطق وظروف معينة ، وهذا الأمر لايعني بأي حال من الأحوال أرتباط الأيزيديين بالأمويين .
ولايمكن ان يقبل المتابع بفرضية الأسماء ليؤسس عليها الأنتساب القومي للأيزيدية ، فقومية الأيزيديين الكردية ثابتة وواضحة ، وكثيرا ما تتداخل الأسماء وتتشابه بين القوميات ، وخصوصاً عندما تتداخل وتتعايش في منطقة واحدة مثل مناطق الشيخان وبعشيقة وبحزاني وسنجار حيث تتعايش قوميات واديان عديدة ، ولكنها تنحسر في مناطق نائية كمنطقة كرسي مثلاً .
ويرتبط الأيزيدي بالمكان المقدس ارتباطاً وثيقاً وازلياً ، وهذا مما ولد مشكلة لدى السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، والتي عمدت الى سلوك سياسة أبعاد الناس عن مناطق سكناهم وتغييرها ، وقد دأبت على هذا السلوك والمنهج مع شعب كردستان ، لكنها واجهت مشكلة عصية في أرتباط الأيزيدية بالمكان المقدس ، فالمندائي يمكن أن ينتقل من منطقته بشرط توفر الماء الجاري والطاهر لممارسة طقوسه في المنطقة التي ينتقل اليها ويمارس فيها طقوسه الدينية ، والمسيحي يمكن ان ينتقل الى أي مكان لأن تعاليم السيد المسيح ونصوص الأناجيل يمكن تطبيقها في أي زمان ومكان ، وكذلك اليهودي ، كما يمكن ان ينتقل المسلم الى أي مكان لأنه يقصد بيت الله الحرام في موسم معين ولأن قبلته تواجه البيت الحرام في مكة ، الا ان الايزيدية تترابط مع المكان المقدس ومع ظهور السنجق وطقوس الزيارات المتكررة الى لالش والتعميد في الماء المقدس من عين كاني سبي ولايمكن ان يكون هناك بديلاً عنها ، وهذه تشكل ايضاً مشكلة بخصوص الأيزيدية المهاجرين قسراً أو طوعاً خارج كردستان بعيداً عن المكان المقدس .
ويقول الاثاري السيد عبد الرقيب يوسف : لقد ذهب العديد من الكتاب والمؤرخين والبعض من المستشرقين وعلماء الاثار الى لالش بقصد الحصول على المعلومات عن كثب ، ولكنهم لم ينتبهوا الى المعبد القديم وكذلك الى تلك الأشكال والرموز التي لها علاقة بالديانة المثرائية المنقوشة على صخور جبل عرفات في خارج معبد الشيخ آدي ، منها رسوم الطاؤوس والحفر الدينية ورسوم القبة السماوية بنجومها ( فصلية لالش العدد 21 لسنة 2004 ص 93 ) .
ومن اللافت للنظر ان يذكر الباحث المذكور ان كل من المؤرخ عبد الرزاق الحسني والكاتب والآثاري سعيد الديوه جي ومعهم ( ويكرام ) قد زاروا المعبد ( لالش ) ودخلوا الغرفة المنقورة في الجبل والتي تضم أصل المعبد ولكنهم لم يتعرضوا الى قدمها وأهميتها ، ولم يعرضوا استنتاجاتهم في علاقة المعبد القديم بالمثرائية والأستنتاج الذي يؤكد قدم الديانة الأيزيدية وفق ما لمسوه وشاهدوه في تلك الغرف المحفورة في جسد الجبل ، لأن الغرفة المذكورة لايمكن ان تكون مجرد مخزن لزيت الزيتون ، حيث ان مثل هذه الغرف لايمكن ان يتم النقش على جدرانها أو يتم رسم اشكال مهمة في الديانة الأيزيدية مالم تكن جزء من المعبد القديم حيث يمكن القبول كما استنتج الباحث الاثاري عبد الرقيب يوسف من الأيزيديون كانوا في الأصل مثرائيون ، على الأقل كقرينة لأثبات قدم الديانة الأيزيدية .
لم تختلف عبادة العبريون عن عبادة الأيزيدية ، فهم كانوا يبجلون كبير الملائكة مع وجود الاله ( يهوه ) ، كما تشير الالواح المعثور عليها في ( رأس شمرا ) العديد من المقاربات التي تشترك بها كلا الديانتين ، وتقارب مثل هذا يمكن ان يلوح لنا بتزامن تاريخي قديم بين تلك الديانات ، كما ان مصلحين ومجددين مثل عاموس وهوشع اشارا الى العبريين للعودة الى اصولهم والتمسك بالمباديء التي انزلت عليهم عند خروجهم من مصر ، وتلك التعاليم ترجع الى زمن النبي ابراهيم وأولاده الذين كانوا يسكنون في مدينة أور ثم هجروها ، وهو ما صار مع مجدد الديانة الأيزيدية الشيخ عدي بن مسافرالذي هاجر من منطقته في لبنان ليستقر في المكان المقدس للأيزيدية في لالش ، غير أنهما افترقا بوجود نبي لليهود وعدم وجود نبي لدى الأيزيدية ، وقد عاد قلة من العبريون الى القدس من منفاهم البابلي لأعادة بناء الهيكل في المكان المقدس ، كما يشتركون في ان الكون متكامل وكما ان الشر غير مطلق وان الوجود ابدي .
وفي كل الاحوال فان الديانات جميعها تجسد المقدس من خلال الهيمنة والقدرة الكبيرة للاله على كل الوجود ، وتختلف في طرق التقرب الى الله وفي فلسفة معرفة وسائل التقرب الى الله ووسائل الحياة والاخرة والتحول ، تبعا لتفكيرها في حالات الكشف الروحي من خلال الاستقامة وطاعة اوامر الله وتجنب عصيانه والأيمان بالعودة والتقمص من عدمه ، وتتقارب في كل الأمور الاساسية غير انها تختلف في الفرعيات

بحزاني نت
21-10-2006, 14:02
النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم

القسم السابع

زهير كاظم عبود

لاتتحدد اهمية القوال في الديانة الأيزيدية كونه ينشد الأناشيد والمدائح والوصايا الدينية في الحفلات والمراسيم ، وليس في ترديد فضائل الشخصيات الدينية والمشائخ ورواية القصص والحكايات التاريخية عنهم ، وليس في العزف ومصاحبة السنجق عند تجواله في قرى الأيزيدية ، ولافي اجراء مراسيم دفن الموتى ، ولافي معرفة بعض مابقي من الذاكرة التأريخية الأيزيدية المبعثرة المتداخلة مع القصص والأساطير الشعبية ، أنما تكمن أهمية القوال في قدرته على حفظ النصوص الدينية وثقافته الدينية التي لايستهان بها بالنسبة للمجتمع الأيزيدي الذي كان يفتقر لوجود المثقفين الذين يتحملون على عاتقهم معرفة التأريخ والدين الأيزيدي كما في الوقت الحاضر .
ولم يتحدد القوال للعمل في مكان معين ، فقد تم الأعتماد عليه من قبل الأمراء في ارسالهم كسفراء الى المناطق البعيدة التي يقطنها الأيزيدية في العالم ، كما ان للقوال أن ينتقل الى المناطق القريبة والتي يتطلب وجوده بين الناس ، لذا فان مهمة القوال لم تكن مقتصرة على الأنشاد وحفظ النصوص الدينية التي تحمل حفظها وادامتها وتناقلها القوالين فيما بينهم جيلاً بعد جيل ، بعد ان تعرضت النصوص الأيزيدية المقدسة المكتوبة والمنقوشة الى التلف والتدمير والحرق والأخفاء نتيجة الهجمات والحوادث التي تعرض لها المجتمع الأيزيدي مدة غير قصيرة من الزمن .
أن التواشيح الدينية التي يرددها القوالون في المناسبات والأعياد الدينية تكون باللغة العربية التي تتخللها اللغة الكردية ، وأن جميع التراث الديني الذي يحفظه القوال يردد أغلبه باللغة الكردية ، وهذه التواشيح جزء من الموروث الديني الشعبي للأيزيدية ، وقد تمت صياغته من قبل رجال الدين والشعراء على الأغلب في أيام الشيخ عدي بن مسافر ، إذ كانت جميع النصوص المقروءة والمغناة تتم باللغة الكردية وعلى الرغم من عدم توثيق وجمع هذا التراث بشكل مستقل ومحدد من قبل جهة مختصة بهذا الشأن من قبل الأيزيدية أو غيرهم من المهتمين بالديانة والتراث الأيزيديين ، مع أن دراسات مهمة وعلمية وتتصف بالغزارة من قبل المهتمين بالشأن الأيزيدي كانت قد صدرت منذ مدة مما يتطلب جمعها وتوثيقها خدمة للأجيال القادمة التي بدأت تفقد هذه المسألة أثناء انشغالها في أمور حياتها وخلال تبعثرها في العديد من دول العالم .
وجاء في قلائد الجواهر لمحمد بن يحيى التادفي – مصر 1356هـ ان للشيخ عدي بن مسافر عدة قوالين يرتلون المدائح في تكيته .
ويتمتع القوال بمنزلة أجتماعية مرموقة وأحترام ملحوظ في أوساط المجتمع الأيزيدي ، لذا فأنه يكون من الملتزمين أجتماعياً ومن القدوة بين الناس في التصرفات والأفعال .
والقوال لايحلق لحيته ولاشاربه ، ويجيد التراتيل والأنشاد و الضرب على الدف والعزف على الشبابة كما يخلفه اولاده في عمله ومهمته ، أذ ان الوظيفة وراثية محصورة بعائلة القوالين ، تنتقل بينهم جيلاً بعد جيل ، ويقوم بمصاحبة السنجق عند خروجه من لالش وحتى وصوله الى بيت الأيزيدي الذي ضمن حلوله بداره ، ويقع على عاتقه أداء المراسيم الخاصة بالميت عند وفاته وعند دفنه وعند اجراء مراسم العزاء وعند زيارة القبور ،وكذلك تعميد الاطفال بالماء المقدس في المناطق البعيدة عن لالش ، ويكون ذلك مقابل أجور رمزية تساعده في الأنفاق على حاله وعياله ، والقوالين لايتزوجون الا من طبقتهم او من طبقة المريدين ، وهم يفضلون التزاوج بين ابناء صنفهم من اسر القوالين ، ويبدو من قدم الزمان قيام هذا الصنف من العوائل بهذه المهمة ، وتناط بهم معرفة العشائر الكردية من الأيزيدية وغيرها واماكن سكناها ، فالغالبية منهم من له دراية بأنساب العشائر الكردية وتفرعاتها ومناطق سكناها ، وعليهم مهمة استلام النذور من أبناء الأيزيدية ، وعليهم ألقاء المواعظ وحث الأيزيدية على الالتزام بموجبات الدين والقيم الخيرة ، ونبذ المحرمات والنواهي ، وإرشاد الناس للصلاح ومساعدة الاخرين بالأضافة الى مهمة نبيلة في أيقاع الصلح والتراضي بين المتخاصمين لما لهم من دور أجتماعي مهم داخل المجتمع الأيزيدي ، ومن الثابت أن القوالين في الأصل ينتمون إلى عشيرتين إيزيديتين هما عشيرتي الهكاري والدوملي .
ومن المفيد ان نذكر أن السلطات التي تعاقبت على حكم العراق لم تنظر لهذه الشريحة الدينية الموغلة في القدم ضمن أراضي العراق النظرة العادلة والمنصفة ، ولذلك لم تلتفت للقوالين فتعتبرهم من رجال الدين التابعين الى دواوين الأوقاف الرسمية كما فعلت مع غيرهم من أبناء الديانات الأخرى فيستحقون الرواتب التقاعدية أو المنح المالية الشهرية ، كما لم تهتم بمسألة أيجاد المصادر المالية التي تعينهم وعوائلهم بعد ان يشيخ القوال ويعجز عن تحصيل رزقه ، وجميع القوالين يجيدون التحدث بالعربية بالأضافة الى لغتهم الكردية الأم ، ويتمركز القوالين في قرية بعشيقة وبحزاني شمال شرق الموصل ، كما يسكن منهم في سنجار والشيخان وجميع هذه الأماكن تقطنها الغالبية من الأيزيدية ، وهم مكلفين بتوزيع ( البراة ) وهي حجرة صغيرة من الطين بحجم البندقة مأخوذة من مكان مقدس في منطقة لالش يمنحها الأيزيدي شيئا من القدسية والتبجيل ، وتكون نوعا من الحروز والرموز التي يحتفظ بها الأيزيدي معه في كل حين ، كما تصاحبه عند الوفاة ، وتكون علامة للصلح بين المتخاصمين .
وبعيدا عن المنطق والمقبول يذكر المؤرخ السيد عباس العزاوي في كتابه تاريخ اليزيدية واصل عقيدتهم المطبوع في بغداد 1935 الصفحة ( 181 ) من إن القوالين حين يقومون بالعزف والنقر على الدف اثناء تجوال السنجق فانهم يرددون كلاماً بذيئا ومعيباً لايمكن لعاقل قبوله بقوله انهم يقولون بالعربية التي لايفمها الأيزيدي ( خذ منو واخره بفمو ) ،( اي بمعنى خذ ماله وتغوط عليه ) بالنظر لتناقض هذا الكلام مع الخلق العالي والتهذيب والأدب والمنزلة المحترمة التي يتمتع بها رجل الدين القوال ضمن المجتمع الأيزيدي والتي لاتتناسب معها مثل هذه الترهات التي تدخل في باب الأفتراء على هذه الديانة ورجالها بقصد الحط من قيمتها ومن رجال الدين فيها .
وفي باب قول في لسان العرب :
القَوْل: الكلام على الترتيب، وهو عند المحقِّق كل لفظ قال به اللسان، تامّاً كان أَو ناقصاً، تقول: قال يقول قولاً، والفاعل قائل، والمفعول مَقُول؛ قال سيبويه: واعلم أَن قلت في كلام العرب إِنما وقعت على أَن تحكي بها ما كان كلاماً لا قَوْلاً، يعني بالكلام الجُمَل كقولك زيد منطلق وقام زيد، ويعني بالقَوْل الأَلفاظ المفردة التي يبنى الكلام منها كزيد من قولك زيد منطلق، وعمرو من قولك قام عمرو، فأَما تَجوُّزهم في تسميتهم الاعتقادات والآراء قَوْلاً فلأَن الاعتقاد يخفَى فلا يعرف إِلاَّ بالقول، أَو بما يقوم مقام القَوْل من شاهد الحال، فلما كانت لا تظهر إِلا بالقَوْل سميت قولاً إِذ كانت سبباً له، وكان القَوْل دليلاً عليها، كما يسمَّى الشيء باسم غيره إذا كان ملابساً له وكان القول دليلاً عليه، فإِن قيل: فكيف عبَّروا عن الاعتقادات والآراء بالقَوْل ولم يعبروا عنها بالكلام، ولو سَوَّوْا بينهما أَو قلبوا الاستعمال فيهما كان ماذا؟ فالجواب: أَنهم إِنما فعلوا ذلك من حيث كان القَوْل بالاعتقاد أَشبه من الكلام، وذلك أن الاعتقاد لا يُفْهَم إِلاَّ بغيره وهو العبارة عنه كما أَن القَوْل قد لا يتمُّ معناه إِلاَّ بغيره،

يقول الباحث الدكتور خليل جندي :
((اعتقد البعض إلى وقت قريب، ولا يزال آخرون يظنون أن كلمة (قوال) مشتقة من (قال ـ يقول ـ قولاً) العربية. إلا أنه من خلال بعض التحليلات والمقارنات اللغوية يظهر بأن كلمة (قوال) مأخوذة من كلمة (كالو Kalo) السومرية.
وتعني (كالو Kalo) بتلك اللغة: الكاهن، الرجل المتدين، كبير السن.. الخ. وفي لغتنا الكردية وخاصة في لهجة أهل شنكال şingal فان (كالو Kalo) تستخدم بنفس المعنى المذكور، وجدير بالذكر فإن كلمة (شنكال şingal ) نفسها مركبة من كلمة (كال + شنكو = Kal + şingo) بمعنى الرجل المتدين، الكبير، المجيور Magi = الكاهن (1). وإصطلاحاً تعني (شنكال şingal أو شنعار) كما ترد في التوراة، تعني سهل بابل أو أرض بابل، وأحياناً تعطي معنى (الجنّة). كما يذكر في بعض الكتب التاريخية بأنه كان هناك معبد كبير للإله سن في جبل شنكال، وهذا ما يقدم دليلاً بأن جذر كلمة (قوال) ترتبط بشكل وثيق باللغة السومرية أو البابلية. ولم يكن إرتباط (القوال) بالتاريخ القديم إرتباطاً لغوياً فحسب، بل وحتى في العصر البابلي كان الـ (كالو) يخدم في المعابد ويعزف الموسيقى الدينية (الدف والشبَّابة) في الأعياد والمناسبات الدينية.
وهذا يظهر جلياً حتى في عصرنا الحاضر، حيث يلعب القوالون دوراً متميزاً في العديد من الأعياد، ويعزفون على الموسيقى المقدسة، ومن تلك الأعياد: عيد (جز الصوف)، حيث يجلب الأهالي الأغنام، ويقومون بجز صوفها وأثناء هذا ينقر القوالون على الدفوف ويعزفون على آلة الشبابة (الناي). هذا الطقس ـ العيد لا يزال يمارس بين الأيزيدية في قصبتي بعشيقة وبحزاني في شهر نيسان، وبعد عيد رأس السنة (سه رسالى Sersalِ) مباشرة، وفي هاتين القصبتين يجيء إحياء طواف (غفورى رييا Xefurِ rِya) حيث يقوم القوالون بإحياء تلك الذكرى القديمة. )) ( د. خليل جندي - نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية – السويد 1998. )
مهنة(القوّال) في الديانة الإيزيدية تتشابه مع مهنة وتسمية ألـ (كالو) البابلية والتي تعني منشد المراثي، ولم تتشابه هذه المهنة مع بعضها في الأديان الأخرى ، إلا بين مهنة الكالو البابلية وبين مهنة القوال الأيزيدية ، ولايمكن إن يكون التشابه في التسمية والمعنى محض صدفة .
ويقول الباحث صباح كنجي عن القوالين :
(( هم رجال دين متخصصون بإحياء المناسبات الدينية من خلال ترديدهم للأقوال والأناشيد والتراتيل ولهم رئيس يطلق عليه (كبير القوالين) ويعتبر من كبار رجال الدين ، تجري استشارته في الشؤون المختلفة للأيزيدية من قبل المير والبابا شيخ ، و لا يجوز أن يشترك مع القوالين في تأدية هذه المهام إلا (الكواجك) وفي مناسبات محدودة.
ويمكن تحديد ثلاث درجات لصنف القوالين وهم :
1- كبير القوالين.
2- القوالون الذين يشتركون في تأدية الطقوس ويعتمد عليهم.
3- القوالون العاديون الذين لا يشتركون تأدية الطقوس بشكل فعّال. ))
بينما يذكر الباحث الدكتور خليل جندي عن درجات وأصناف القوالين :
((نظام ومراتب القوالين :
1- زعيم القوالينMeznê Qewala
يعتبر رئيساً ومرشداً للقوالين من جميع النواحي، ففي إختيارهم، تعليمهم، تعيين المجموعات التي ترسل مع ( السنجق - الطاؤوس ) الى أقليم شنكال ، وه لات شيخ، وسابقاً الى تركيا، أقليم خالتا، ويران شهر، طور، وسوريا، وروسيا وإيران.
وزعيم القوالين عضو فعّال في المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى، ويسافر مع الطاؤوس أيضاً فبي موسمه الى قرى الأيزيدية وكذلك لالش حيث يدير شؤون القوالين. ينتمي رئيس القوالين الى عشيرة ( دوملي ) ويعيش حالياً في بحزاني.
2- سنجق به كى Sinceq Begî
أعلى درجات القوالين، وهو العالم الذي يقع على عاتقه المحادثة والرواية في ديوان الطاؤوس( سنجق ) أي ( Mishabet ). ويتوجب أن يكون ال ( سنجق به كى ) منتمياً الى مجموعة القوالين الهكاريين أو الدومليين ويجلس دوماً على يمين أو شمال الطاؤوس مباشرة لأنهما يمثلان ال ( شيخ سن ) وال ( شيخ شمس ).
وفي مجلس الطاؤوس يعتبر ال ( سنجق به كى ) أعلى شخص في الديوان حتى بحضور الأمير أو البابا شيخ أو أية شخصية دينية أخرى.
نظراً لأهمية هذا المنصب فهم الذين يفصلون في شتى قضايا الشرع التي تطرح عليهم خلال موسم تطواف الطاؤوس، لذلك فانه يتم إختيار القوالين الأكبر سناً والأكثر خبرة وأصحاب التجارب والعلم الغزير.
3- رئيس العازفين = سه ر هوستا Serhosta
أولئك القوالين الذين يتقنون ويجيدون ميلوديا وألحان كافة النصوص الدينية سواء كان عزفاً أو إلقاءاً.
ويعتبر ال ( سه ر هوستا ) مسؤولاً عن مجموعة القوالين العازفين ( كأنه قائد الاوركسترا )، ومن وظائفه : العزف على آلة الدف وإلقاء القصائد الدينية مع متابعة عزف ونقر القوالين الآخرين كي لا يخطئوا في الألحان.
الشئ الذي يجلب الإهتمام بخصوص العازفين -وما زلنا بصددهم- هو أن الذين يعزفون على آلة الشباب >ibab موقعهم في الجهة اليمنى من الطاؤوس ويمثلون الشيخ سن. أما ناقروا الدفوف فيجلسون على الجانب الأيسر ويمثلون الشيخ شمس ، والمبتدئون يجلسون على الجانبين ويرددون القصائد الدينية وأحياناً المقطع الأخير منها فقط.
4- المبتدئ = >agirt = Nufِr
وهو القوال الذي يلتحق بالمدرسة الدينية ويتعلم بالتدرج مهنة القوال ويتمرن على وظائفه.)
( مقالة للدكتور خليل جندي بعنوان القوالون الوعاء الأمين لحفظ تراثنا الديني منشورة في دورية لالش )
وشكل القوالين مجموعة من بسطاء الأيزيدية كرسوا حياتهم لحفظ الأناشيد الدينية وتحملوا أمانة حفظ النصوص الشفاهية والمحافظة عليها مناقلة أو ترديداً ، وهم بذلك الأمر أهلاً للأمانة مما يجعلهم في منزلة محترمة من المجتمع الأيزيدي ، ويزيد هذه المنزلة أهمية مايتمتع به اغلبهم من ثقافة متواضعة .
وكنت قد التقيت لمرات عديدة بالقوال سليمان سيفو رئيس القوالين الأيزيدية في العالم ، ويتمتع الرجل بالإضافة إلى ثقافته الدينية بشخصية وديعة وبسيطة ومعلومات تنم عن ثقافة متواضعة وامكانية جيدة في التعبير والتبسيط لايصال الحقائق الاساسية للديانة الايزيدية ، وحرص اكيد على التمسك بشعائر الدين ، وعرفته شخصياً كريماً وحميماً وصديقاً صدوقاً مخلصاً ، وكان ذا فائدة كبيرة في مدي بالمعلومات وتبسيطها وتوضيحها وتمكيني من الولوج الى الطقوس والممارسات الدينية الأيزيدية التي زادتني معرفة وأطلاعاً على خصوصيات وأسرار الديانة الأيزيدية في حينها عندما شرعت للدخول الى حقائق المجتمع الأيزيدي وما تراكم عليه من المظالم ، ويتمتع القوال سليمان بطول البال والصبر ، وقد منحني الكثير من الوقت لتسجيل اجابته عن اسئلتي في اجتماعات متعددة ضمتنا سوية بدار ( كريفي الأيزيدي الكريم ) الأستاذ عمر خضر حمكو في بحزاني .
وفي مقاربة مهمة يقول الباحث صباح كنجي :
(( لقد زودتنا النصوص المسمارية السومرية بمعلومات قيمة ودقيقة تتعلق بالموسيقيين وأصنافهم وإختصاصاتهم ومراكزهم الوظيفية، ويستفاد من هذه النصوص، إن معظم الموسيقيين في العهد السومري كانوا من الكهنة ورجال الدين التابعين للمعبد ومهنة الموسيقى كانت في العراق القديم من المهن التي يتوارثونها عن الآباء1 . وأثبتت النصوص المسمارية أيظا ً( إن الموسيقيين في العراق القديم كانوا قبل أكثر من 4500سنة مصنفين إلى ثلاث درجات، وكانت الوظائف الموسيقية في المعبد حسب التخصص تقسم إلى قسمين يعرفان في اللغة السومرية بإسم ( كالا ... GALA )والثاني ( نار ... NAR)
وبالأكدية( كالو ... KALU ونارو ... NARU ) 2.
تصرف وتشير الكلمة السومرية (كالا) باللغة الأكدية(كالو) إلى الكاهن الذي يرتل ويعزف الألحان الحزينة عند دفن الموتى وغيرها من المناسبات، ويقسم هذا الصنف الى ثلاث درجات هي :
أ- كالا- ماخ GALA-MAK.
تعني هذه الكلمة السومرية الكاهن الموسيقي الكبير للغناء الحزين وهذا الصنف هو اعلى المراتب ويعود شاغرها إلى طبقة رجال الدين والمعبد.
حول هذه النقطة يمكن القول أن صفة كبير القوالين عند اليزيدية اليوم هي نفسها من حيث الأهمية والدور شكلا ً ومضمونا ً مع سابقتها الموسيقي الكبير عند السومريين.
والملاحظة الثانية إن لفظة( ماخ .. ماك MAK ) بالكردية تحديدا ً وهي لغة الأيزيديين اليوم وتلفظ كما تكتب باللاتينية والأنكليزية (ماك) هي الأم أو العرق الرئيسي ، ولا زال المزارعون الكرد يطلقون على أية عقدة في الشجرة قابلة للقص والزرع والأنبات لفظة ماك = الأم = الأصل.
إذن فإن ال ( كالا ... ماك) هي التسميه المشتركة التي كانت تطلق على اعلى مرتبة عند السومريين وهي نفسها التي تطلق على ( كبير القوالين ) اليوم عند الأيزيديين.
ب- كالا ... GALA
كالا ... KALA السومرية وكالو KALU الأكدية تعني الكاهن الموسيقي والذي يأتي بعد كالا .. ماك.
يشارك هذا الكاهن الموسيقي في شعائر دفن الموتى بإداء وظيفة الغناء والعزف على الآلة الوتريه المعروفة عند السومريين باسم( بالاك ... BALAG )، وبجانب مهامهم الموسيقية فإن هؤلاء الكهنة الموسيقيون يقومون بأداء أعمال أخرى تخص حقول وابنية المعبد وتنظيف قنوات الري لأن القسم الأعظم من اراضي دويلات المدن في العصر السومري القديم يعود إلى ملكية المعبد ، وكان الكهنة الموسيقيون من هذا الصنف يستلمون لقاء اعمالهم المواد والملابس والأصواف والفضة . يوجد تشابه إلى حد ٍ كبير بين الصنفين ، ال( كالو) من السومريين الأسلاف و(القوالين ) من اليزيدية المعاصرين. فالقوالون لا زالوا يؤدون نفس المهام ، حيث إن الأيزيديون يدفنون موتاهم على انغام الموسيقى ( الدف والشباب ) المقدستان التي يعزف عليها القوالون فقط .
وتؤكد الباحثه( ايفلين كينكل) على إن:
( كان الكهنة يعزفون بالآلات الموسيقية الألحان الجنائزية ويتهيئون لإجراء مراسيم الدفن . ويشترك هؤلاء العازفون بأخذ ثمن اتعابهم من الحنطة أو الخبز وبقايا مخلفات الموتى بما فيها الصوف والملابس)4 ، وتضاف اليها الآن عند اليزيديه الحلوى والنقود.
وعند انتهاء اعياد الأيزيديه في وادي لالش الذي يتواجد فيه معبدهم الرئيسي بنفس الأسم- لالش - يقوم القوالون من أهالي بعشيقة وبحزاني مع عوائلهم بإدامة وادي لالش وتنظيفه بعد مغادرة الزائرين له ، وهي مهمة ذات امتداد تاريخي ومتوارثة ميثولوجيا ً رغم البعد السحيق زمنيا ً، اصلها كما ورد سابقا ً، تنظيف قنوات الري في العصر السوري القديم من قبل الكهنة الموسيقيين بحكم عودة ملكيتها للمعبد .
وتقع على عاتق القوالين أيظا ً مهمة قطف الزيتون بعد نضجه من البساتين العائدة للمعبد في وادي لالش ، الذي يستخدم زيته في إشعال نيران المصابيح عند رموز الأرباب المتواجدة فيه ليلة كل اربعاء والجمعة وايام الأعياد، ولا يشترك مع القوالين في مهمة قطف الزيتون إلا عوائلهم وابناؤهم فقط ... وهذه المهام لـ( كالو) والقوالين لم تتغير في العهدين رغم مرور آلآف السنين بين الطرفين .
ج- كالا- تور GALA-TUR .
تدل هذه الكلمة السومرية على الكاهن الموسيقي الصغير أو المبتدىء أو المتدرب ، وهي شبيهة إلى حد ما لفئة القوالين الذين لا يمارسون مهمة إداء الشعائر والطقوس الدينية ويجري التعامل معهم شكليا ً كونهم من القوالين ويسميهم عامة الناس الأيزيدية : بالقوالين، وتشمل التسمية جميع أهالي بعشيقة وبحزاني سواءً كانوا من القوالين المنشدين فعليا ً أم من المحسوبين عليهم فقط ، بإختصار انه لقب عام لكافة أهالي المدينتين. ))
وإذ لاتتحدد مهمة القوال بمهنة الإنشاد الديني والعزف ، ولا بإلقاء المواعظ والحكم على الناس في مجالس الحزن والفرح ، ولاقي إشاعة قيم المحبة والخير واحترام الإنسان ، أنما تكمن الأهمية في تواصل هذه المهمة ضمن ديانة أكدت قدم هذه المهنة ، كما أكدت على مهمة كبيرة لم تزل تتحملها طبقة القوالين في المجتمع الأيزيدي ، وهي مهمة حفظ النصوص الدينية المقدسة ، مثلما كان الكالو عند البابليين يحفظ النصوص المقدسة ، ومهمة مرافقة طقوس الموتى والدفن والقراءة على القبور ، وهي نفس مهمة الكالو عند البابليين ، ويتوجب اليوم أن يقم القوال بكتابة النصوص التي يحفظها ويتم توثيقها وغربلتها خدمة للحقيقة والتأريخ الأيزيدي .

بحزاني نت
21-10-2006, 14:11
النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم -

زهير كاظم عبود

القسم التاسع
الصوم

تشكل ظاهرة الصوم ممارسة إنسانية قديمة ارتبطت بأقدم النواميس البشرية ، وسبقت حتى طقوس الصلاة والشعائر التي عرفتها الأديان ، وتذكر الكتب والدراسات والأبحاث أن آدم أول من مارس الصيام من البشر ، وحين طلب الله عز وجل من آدم أن يأكل من كل شجر الجنة إلا من شجرة معينة ، لكن آدم اختار طريقةً مغايرة ثانية للحياة ، و تصرف متناسياً أمر الرب وما فرضه من وصية ، إنما بحسب ما اشتهته نفسه ، وتغلبت الحاجة الجسدية التي تمثل غلبة الجسد الفاني على الروح الأزلية ، ومع أن عدم رضا الله على آدم في تناسيه الأمر فأنه