بحزاني نت
26-04-2006, 20:23
الكورد الفيلية: عَوْد إلى بَدْء
العقاب الجماعي والتمييز والقرارات المشلولة
د. مجيد جعفر
مرت في الرابع من الشهر الجاري الذكرى ألأليمة لبدأ إنزال العقاب الجماعي على الكورد الفيلية الذي تضمن حملة الإبعاد ألقسري الجماعي إلى خارج الحدود (شملت أكثر من 500،000 إنسان) من القاطنين في بغداد وشرق ووسط وجنوب العراق، والتي كانت المحطة ألأولى من حملات التطهير العرقي والإبادة الجماعية للكورد عموما في العراق التي سماها النظام السابق \" الأنفال\". ومع أن الإبعاد ألقسري تركز آنذاك على الكورد الفيلية إلا انه شمل أيضا مواطنين عراقيين من أصول فارسية ومن التركمان والعرب الشيعة. وبهذه المناسبة الحزينة والمؤلمة نذكر من جديد إن القوى السياسية الفاعلة في \"العراق الجديد\" وكل العراقيين المنصفين، يضمنهم القانونيين والمشرعين، يؤكدون أن ما اتخذته دولة العراق من إجراءات بحق الكورد الفيلية خلال فترة إدارة نظام البعث ألصدامي كان تسفا وجورا واعتباطا ويشكل خرقا للقوانين العراقية وخروجا على ألمواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها دولة العراق ومخالفا لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، دين الدولة الرسمي، وان العقاب الجماعي الذي فرضته إلادارة ألسابقة على مواطنيها العراقيين من الكورد الفيلية،
وغيرهم، يدخل ضمن مفهوم \"جرائم ضد الإنسانية\".
ألملاحظات الواردة أدناه هي عن دولة العراق بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وليس عن العراق كوطن ننتمي إليه ونحن جزء منه وليس عن شعب العراق الذي نعتز بأننا نشكل مكوننا من مكوناته كاعتزازنا بانتمائنا لقومينا الكوردية.
الكورد الفيلية مواطنون قطنوا العراق منذ قرون وآلاف من السنين (راجع مقالة عدنان طعمه ألشطري المنشور في موقع \"كتابات\" التي يذكر فيها \"فتصريح لمحي الدين بن العربي في منظومته التي نظمها من علائم ظهور الأمام الحجة (ع) ، أن الأكراد يملكون بغداد وأطرافه من شمال العراق. حيث قال وتملك الكرد بغداد وساحتها إلى خريسان من شرق ألعراق\"). كما أن الكورد الفيلية حكموا العراق من جنوب كركوك حتى شمال البصرة في بداية القرن الخامس عشر الميلادي بقيادة قائدهم الكوردي \"موسلي\" (تعرب أحيانا إلى موصللي) الذي فقد الحكم نتيجة الصراع بين إيران (الصفويين) وتركيا (العثمانيين) – نقلا عن الأستاذ جرجس فتح الله (مجلة \"روژ\") والدكتور عز الدين مصطفى رسول، محادثة شخصية). كما أن هناك محلة عريقة في القدم في القسم ألقديم من بغداد، تقع قرب مرقد الشيخ عبد القادر ألگيلاني في باب الشيخ، اسمها \"عگد الأكراد\"، أي \"محلة الأكراد\".
فـي دولة \"العــراق القديــم\" (17-30 تموز 1968 حتى 9 نيسان 2003)
1- مقدمـــــة
جرى إبعاد محدود للكورد الفيلية من العراق منذ الحرب العالمية الثانية لأسباب سياسية (للذين كانت الدولة تشك بانتمائهم للحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي أو بتعاطفهم معهما). وكان هؤلاء يعودون إلى العراق عادة بعد بضعة أيام من إبعادهم. إلا أن اكبر حملات الإبعاد جرت بعد سيطرة حزب البعث على إدارة الحكم في العراق، من بينها حملات 1969 وبداية سبعينات القرن الماضي وأكبرها وأكثرها شمولا وقسوة هي الحملة التي بدأت في 4 نيسان 1980 واستمرت حتى سقوط ذلك النظام في 9 نيسان 2003.
قرار إسقاط الجنسية العراقية والإبعاد ألقسري
صدر عن دولة العراق ممثلة آنذاك بأعلى سلطة تشريعية وتنفيذية فيها، مجلس قيادة الثورة، القرار التالي رقم 666:
\" استنادا إلى أحكام الفقرة أ من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 7/5/1980 ما يلي:
1- تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة.
2- على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب الفقرة 1 ما لم يقتنع بناء على أسباب كافية بان بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسميا.
3- يتولى وزير الداخلية تنفيذ هذا القرار.\"
يتبين من نص هذا القرار أن الجنسية العراقية أسقطت بموجبه \"عن كل عراقي\"، أي أن الذي أسقطت جنسيته هو مواطن عراقي يحمل الجنسية العراقية وينتمي للعراق. ولكن القرار وضع عددا من الشروط يجب توفرها في من يطبق عليه القرار، أولها شرط أن يكون \"من أصل أجنبي\" دون أن يحدد المقصود بذلك. كما لم يحدد القرار فيما إذا كان المواطن العراقي حامل الجنسية العراقية أجنبيا بالولادة أو بالوراثة. كما انه لم يحدد هل \"الأصل الأجنبي\" يثبت على الشخص بسبب كونه/كونها من التبعية العثمانية أو التبعية الإيرانية أو أية تبعية أخرى، إذ من المعلوم والمعروف أن العراقيين قاطبة وبدون استثناء (بضمنهم الذين أصدروا القرار أنفسهم وعلى رأسهم صدام حسين) هم \"من أصل أجنبي\"، أي من تبعية إحدى دولتين أجنبيتين مجاورتين للعراق هما تركيا (التبعية العثمانية) وإيران (التبعية الإيرانية) إذ ليس بين العراقيين أحد من تبعية وطنه العراق، وذلك لعدم وجود تبعية عراقية في نصوص القوانين العراقية ( قانون الجنسية العراقية النافذ المفعول منذ تأسيس دولة العراق حتى صدور القانون الجديد مؤخرا)، وهذا بدوره جعل من دولة العراق دولة \"تابعين\" وليس
دولة \"مواطنين\". الشرط الثاني الذي فرضه القرار هو ثبوت \"عدم ولاء\" العراقي (أو العراقية) الذي أسقطت جنسيته العراقية \"للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة\" (المقصود طبعا ثورة 17-30 تموز 1968، أي الانقلاب العسكري لحزب البعث والضباط القوميين العرب في 17 تموز الذي تبعه غدر ألبعثيين بالقوميين العرب والانقلاب عليهم في 30 تموز 1968 والتفرد بالسلطة).
يتطلب تبيان \"عدم الولاء\" وجود معايير للسير عليها (معايير لا وجود لها في نص القرار ولا في توضيح ملحق به) ويتطلب إثبات وجوده قرائن وأدلة وإثباتات. من المعلوم أن أي تحقيق لم يجري مع أي من المبعدين قسرا سواء من قبل محقق مدني أو عسكري أو حاكم أو موظف أمني أو استخباراتي لتبيان أو إثبات عدم ولائه أو ولائها \"للوطن والشعب ... الخ\". يلاحظ بوضوح غياب للسلطة القضائية لدولة العراق عن جميع مراحل تنفيذ هذه القرارات، من كل مرحلة من مراحل تنفيذ عمليات الإبعاد ألقسري الجماعي وحملات التطهير العرقي والعقاب الجماعي، من مرحلة التحقيق حتى مرحلة فرض العقوبة. أما السلطتين التشريعية والتنفيذية فكانت عمليا موحدة متمثلة بمجلس قيادة الثورة. لقد أبعد نظام صدام قسرا مئات الآلاف من الكورد ألفيليه، منهم البعض من بين المتعاونين مع أجهزته الأمنية والمخابراتية والقمعية ولم يحميهم ولائهم \"للأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة\".
لذا فان القرار نفسه قرار تعسفي اعتباطي جائر يشكل عقابا جماعيا لا سند قانوني له، ويتناقض مع المواثيق والتعهدات الدولية العديدة التي صادقت عليها وأبرمتها رسميا دولة العراق (فعلى سبيل المثال لا الحصر، تنص الفقرة 2 من المادة 15 من الإعلان الدولي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 على أنه \"لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفا\")، ويخالف تعاليم الدين الإسلامي، دين الدولة الرسمي. ولكن ألذي استدعى اتخاذه هو مزاجية واعتباطية \"القائد الضرورة\" في فرض العقاب الجماعي في أعقاب تصريحاته \"النارية\" بعد محاولة اغتيال طارق عزيز، وكمحطة من محطات \"أنفله\" كورد العراق، الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وكجزء من تحضيراته لشن الحرب.على إيران، ويعكس طمع أقاربه وبطانته بالممتلكات المنقولة وغير المنقولة العائدة للكورد الفيلية الذين كان الكثيرون منهم من التجار وأصحاب الإعمال الكبار الذين بدأت بهم حملة الإبعاد ألقسري بعد دعوتهم رسميا للحضور إلى غرفة تجارة بغداد للاجتماع مع المسئولين للتداول حول توسيع إجازات الاستيراد العائدة لهم، والذي تبين إنه فخ (للغدر) نصب لهم لجمعهم في مكان واحد في 4/4/1980 ثم أخذهم
إلى مديرية الأمن العامة ومنها مباشرة إلى خارج الحدود بعد تجريهم من كل شيء سوى الملابس التي كانوا يلبسونها. كما أن تطبيق القرار كان بشكل كيفي وحسب أهواء مطبقية ومنفذيه. لذا يلاحظ مثلا إبعاد قسم أفراد عائلة واحدة وإبقاء القسم ألآخر في العراق، أو أبعاد عائلة بأكملها حين كان أحد شبابها يقاتل في جبهات الحرب مع إيران أو إبعاد قسم من عائلة واحدة يسكن في منطقة معينة من بغداد وعدم إبعاد القسم ألآخر منهم يسكن في محلة أخرى من نفس المدينة، وهلم جرى. والملاحظ هنا أن التحضيرات السرية لحملات الإبعاد ألقسري الجماعي قد بدأت فعلا حوالي ستة أشهر قبل بدأ هذه الحملات (بشكل \"همسات\" ومثل الإعلان الذي دعا المتقدمين للحصول إلى الجنسية العراقية بمراجعة دوائر السفر والجنسية للحصول عليها، والذي كان \"فخا\" آخر هدفه تحديد محلات إقامتهم لتسهيل عمليات كبس بيوتهم وإبعادهم عن العراق). كما أن من الملاحظ إن القرار رقم 666 (الصادر في 7/5/1980) المشار إليه أعلاه صدر بعد أكثر من شهر على بدأ حملات الإبعاد ألقسري الجماعي (في 4/4/1980)، أي أن القرار طبق بأثر \"رجعي\"!. وهذا يضيف إلى تعسف واعتباطية هذه القرارات و
الإجراءات والجرائم التي ترتبت عليها وبأنها لم يكن لها سند في القانون العراقي (أو الدولي أو في الشريعة الإسلامية حيث أن دين الجاني –دولة العراق- ودين المجني عليه –الكورد الفيلية- هو الإسلام ) عند إقدام الجاني على ارتكاب جرائمه من 4/4/1980 والأمر الذي يبرر اعتبار دولة العراق آنذاك \"دولة خارجة على القانون\" العراقي والدولي.
2- \"التجريد\" من المستمسكات والوثائق
جردت (سلبت) دولة العراق، عن طريق سلطاتها التنفيذية، من كل المبعدين قسرا جميع وثائقهم، وعلى رأسها الأوراق الثبوتية، (جواز السفر، الجنسية العراقية أو دفتر النفوس، هوية الأحوال المدنية، شهادة الجنسية العراقية، دفتر الخدمة العسكرية، سند الملكية أو أوراق الطابو، إجازة السباقة، عقد القران والزواج، شهادة الولادة، شهادة الوفاة، الشهادات المدرسية والجامعية، هوية غرفة التجارة وهوية اتحاد الصناعات العراقي وجميع الهويات الأخرى، دفاتر الإيداع المصرفي، أوراق قرض البنك العقاري... الخ) وغير ذلك من الوثائق والمستمسكات الرسمية وغير الرسمية. أما الذين استطاعوا أن يجلبوا معهم بعض هذه الوثائق والمستمسكات فهم من الذين هربوا وغادروا العراق قبل أن تصلهم أيادي \"الرفاق\" الحزبيين والأمن والمخابرات وباقي الأجهزة القمعية.
3- \"مصادرة\" الممتلكات المنقولة وغير المنقولة
قامت دولة العراق أيضا \"بمصادرة\" (أي بفرهدة أو سرقة) جميع الممتلكات المنقولة وغير المنقولة (شملت على سبيل المثال المؤسسات والشركات الصناعية، والمكاتب والمحلات والشركات التجارية (تجارة الاستيراد والتصدير وتجارة الجملة والمفرد)، والبساتين والأراضي والمشاريع الزراعية، إضافة إلى العقارات السكنية والتجارية) العائدة للكورد الفيلية دون إعطائهم أي تعويض واتخذت بشأنها الإجراءات التالية:
1- سجلت الممتلكات غير المنقولة ومحتوياتها (التي لم تفرهد من قبل \"الرفاق\" وعناصر الأمن) باسم وزارة المالية
2- وضع ألمتنفذون من أقطاب دولة العراق زمن النظام السابق أياديهم على الأملاك العامرة العائدة لأثرياء الكورد الفيلية وذات السعر العالي مع جميع محتوياتها (مثل خير الله طلفاح، الذي وضع يده على دار جاره الكوردي ألفيلي براخاس).
3- أعطى صدام حسين، رئيس دولة العراق آنذاك، بقية البيوت العامرة العائدة للكورد الفيلية كهبة ومكرمة لكبار عناصر أمنه ومخبراته ولبقية بطانته وقسم من قتلى قادسيته.
4- قامت دولة العراق، عن طريق وزارة المالية، ببيع ما تبقي من الممتلكات غير المنقولة بأسعار بخسة إلى المواطنين
شكل النظام جهازا خاصا لهذا الغرض تابع لمجلس الوزراء (مجلس الوزراء – النائب الأول لرئيس الوزراء – السكرتارية العامة لتصفية ممتلكات الإيرانيين المسفرين / المنقولة) برئاسة طه ياسين رمضان الجزراوي النائب الأول لرئيس الوزراء آنذاك)، يسمون هنا \"الإيرانيين المسفرين\" رغم أن قرار مجلس قيادة الثورة ينص في فقرته الأولى على \"تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل اجنني\" ولم يتطرق إلى \"إيرانيين\" أو \"عثمانيين\".
تمت عملية بيع الممتلكات \"المصادرة\" المباعة في مزاد نظم من قبل عناصر من مديرية الأمن العامة ومديرية ممتلكات الدولة التابعة لوزارة المالية. تفاصيل هذه المبيعات موثقة لدى مديرية ممتلكات الدولة، مع العلم أن جميع الوزارات ذات العلاقة بهذه المسألة شاركت في هذه العملية، ومن بينها وزارة العدل من خلال مديرية التسجيل العقاري (كلها من أجهزة ومؤسسات دولة العراق).
بالرغم من أن أخذ (فرهدة) هذه الممتلكات من قبل دولة العراق أطلق عليه في القرارات الرسمية تعبير \"مصادرة\" إلا أن المصادرة من قبل أية دولة تحترم نفسها وتحمي مواطنيها وتصون مصالحهم وممتلكاتهم وحقوقهم القانونية وتلتزم بالقوانين التي تشرعها وبالعهود والمواثيق الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها وتحترم شرائع وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف (حيث أن \" الإسلام هو دين الدولة\" الرسمي في العراق) لا تصادر ممتلكات هؤلاء المواطنين تعسفا واعتباطا دون سند قانوني إذا لم يكن لذلك مبررات محددة للنفع العام، كإقامة سدود مائية أو شق طرق عامة أو إقامة مشاريع اقتصادية مثلا، ولا يتم ذلك ألا حسب القوانين المحلية والالتزامات الواردة في المواثيق والعهود الدولية المصادق عليها والمبرمة من قبلها (دولة العراق) والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي دين الدولة الرسمي وبعد دفع تعويض عادل لأصحاب هذه الممتلكات على ضوء الالتزامات المشار إليها أعلاه. ويمكن مقارنة ما حل بالكورد الفيلية مع ما حل باليهود الذين أسقطت جنسيتهم بعد تأسيس دولة إسرائيل حيث \"جمدت\" ممتلكاتهم (أي يحق لمالكيها استعادتها) ولم \"تصادر\" (لا يستطيع مال
كيها استعادتها).
4- خطف وحجز ثم \"تغييب\" شبيبة الكورد الفيلية بعد إبعاد ذويهم قسرا
قامت دولة العراق، عن طريق الأجهزة الحزبية والأمنية والمخابراتية، باختطاف الشابات والشباب من الكورد الفيلية من الدوائر الرسمية وبقية أماكن عملهم الحكومية والأهلية ومن مدارسهم وكلياتهم ومن وحداتهم العسكرية في بداية حملات الإبعاد ألقسري، (وبعد ذلك في أعقاب إبعاد عائلاتهم) من جبهات القتال مع إيران ومن كلياتهم في مدن عراقية أخرى غير مدن إقامة عائلاتهم أو لأنهم لم يكونوا في منازلهم عند دهمها، إضافة إلى عدد كبير ممن كانوا في سن الخدمة العسكرية واحتجزتهم في مختلف السجون، خاصة سجن \"أبو غريب\". يقدر مجموع عدد المختطفين المحجوزين في كل هذه الحملات بين 10،000 و15،000 شاب وشابة وأكثر، أطلق سراح عدد ضئيل من المدنيين منهم بعد عصيان مدني قاموا به في سجن أبو غريب في بداية التسفيرات أو بعد عفو عام محدود. وأعطت الدولة قسما من الباقين \"الخيار\" بين الذهاب إلى جبهة القتال مع إيران والسير في حقول الألغام لفتح ممرات أمام القوات العراقية أو البقاء في الحجز بانتظار موت تدريجي ولكن محقق. ذهب قسم منهم إلى جبهة القتال وقتل اغلبهم هناك وقسم آخر منهم غدرت بهم دولة العراق باستخدامهم في التجارب الكيماوية
والجرثومية العراقية. أما الأغلبية الساحقة منهم فلا أثر لأي منهم في العراق - لا قبور ولا محاضر تحقيق ولا قرارات من سلطات قضائية، سوى بعض القرارات الصادرة عن \"القصر\" بالمصادقة على تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن عواد البندر رئيس محكمة الثورة ضد بعض المختطفين المحجوزين.
في دولة \"العــراق الجديــد\" (منذ 9 نيسان 2003)
مقدمــــــــة
استبشر الكورد الفيلية كغيرهم من الغالبية العظمى من العراقيين خيرا من إسقاط نظام البعث ألصدامي التعسفي وكلهم أمل إن تعيد إليهم دولة \"العراق الجديد\" اعتبارهم وتعتذر لهم عما ألحقته بهم من ظلم وعدوان من ضمنه ما أخطفته منهم من شبيبتهم وأن تتحرى عن مصير الآلاف من المغيبين منهم وأن تعيد إليهم ما سلبته منهم من حقوق وما جردته منهم من وثائق ومستمسكات وما \"فرهدته\" منهم من ممتلكات منقولة وغير منقولة.
إلا أن خيبة الأمل صعقت بالكورد الفيلية عموما بعد حين عندما جاءوا وجها لوجه مع أجهزة دولة \"العراق الجديد\" التي يعشش فيها أناس وتطغى عليها ممارسات وتنتشر فيها عقليات تعود لأجهزة دولة \"العراق القديم\"، عراق البعث ألصدامي الجائر، أجهزة يديرها بيروقراطيون يبدو أنهم صم بكم عمين لا يفقهون أن النظام السياسي السابق قد انتهى، والصدمة باقية حين يراجع الكورد الفيلية أجهزة ودوائر \"هذه\" الدولة، في الداخل والخارج، ويحاولون معرفة مصائر شبيبتهم المختطفين المحجوزين أو عند محاولاتهم استعادة وثائقهم المسلوبة واسترجاع ممتلكاتهم المفرهدة منهم من قبل \"تلك\" الدولة.
5- قانون الممتلكات المتنازع عليها احتيال علــى أصحاب الأموال غير المنقولة المصادرة
قامت دولة العراق الجديد بإصدار قانون الممتلكات المتنازع عليها لفض وحل نزاعات الملكية العقارية، والذي يتعلق بالممتلكات غير المنقولة التي سبق لدولة العراق أن \"صادرتها\" من الكورد الفيلية وسجلتها لوزارة المالية أو قدمتها \"هبة\" أو باعتها، بدلا من الالتزام بالقوانين العراقية والمواثيق الدولية وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الدين الرسمي لدولة العراق \"القديم\" و\" الجديد\"، واحترام مواطنيها من ضحايا النظام السابق بإعادة الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين، بل قامت بدلا عن ذلك بتحويل قضية هذه الممتلكات من قضية ممتلكات أخذتها دولة العراق (تعسفا ظلما من مواطنيها العراقيين ومن أصحابها الشرعيين (الأصليين والقانونيين)) وسجلتها لوزارة المالية إلى قضية \"نزاع\" بين أصحابها ألشرعيين وبين الذين يسكنون فيها ألآن. وبهذا أضافت دولة \"العراق الجديد\" جناية \"الاحتيال\" على الساكنين الحاليين فيها الآن من المواطنين \"العاديين\" (لأن الكثيرين منهم اشتروا هذه الممتلكات ودفعوا أثمانها لدولة العراق أو اشتروها من مشترين آخرين اشتروها أصلا من دولة العراق ممثلة بوزارة المالية) وعلى الأصحاب الشرعيين لهذه ال
ممتلكات إلى الجريمة الأصلية لدولة \"العراق القديم\" المتمثلة في سرقة ونهب هذه الممتلكات من أصحابها الشرعيين من مواطني العراق. وإذا كانت دولة العراق دولة قانون تحترم نفسها وتحترم مواطنيها وتصون وتحمي حقوقهم وممتلكاتهم وتحترم المواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها وتلتزم بتعاليم الدين الإسلامي، دينها الرسمي، كان عليها أن تسن قوانين وتصدر قرارات وتحدد إجراءات تنفيذية لوزارة المالية (التي سجلت هذه الممتلكات باسمها عند \"مصادرتها\") بان تعيد هذه الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين وان تعوض الساكنين فيها حاليا أيضا عما دفعوه عند شرائهم لها، أو أن تعوض أصحابها الشرعيين عن ثمن هذه الممتلكات بسعر السوق ألحالي، إضافة إلى تعويضهم عن محتوياتها المنقولة وعما فقدوه من حقوق الانتفاع أو الاستعمال والاستخدام من تاريخ \"المصادرة\" حتى تاريخ دفع التعويض. ولكن بدلا عن ذلك قامت دولة \"العراق الجديد\" بتحويل القضية من قضية بينها (وزارة المالية) وبين مواطنيها إلى قضية بين المواطنين أنفسهم. وهذا ما سبب الكثير من التوتر الاجتماعي والمشاكل ألأمنية والتعقيدات للطرفين والتي وصلت أحيانا حد القتل
والتهديد بالقتل في حين أنها تتفرج وأجهزتها الإدارية تتلقى الأموال الحرام حتى وصل الحال إلى حدود اللامعقول حين يعرض البعض من رجال القانون، من محامين وحكام، خدماتهم للبيع إلى من يدفع لهم من الطرفين \"المتنازعين\" عددا أكبر من \"الأوراق\" و\"الدفاتر\" الخضراء (حتى وصل الأمر إلى ما يصفه ذوو العلاقة بما يشبه \"المزايدة\") عند النظر في قضاياهم في دوائر الدولة وفي المحاكم.
6- دوائر دولة \"العراق الجديد\" تطلب من الكورد الفيلية إبراز وثائقهم المصادرة منهم من قبل دولة \"العراق القديم\"
أما عند مراجعة الكورد الفيلية الدوائر المختصة داخل العراق وفي الخارج فان الحال ليس بأحسن بكثير، فأول ما تطلبه منهم هذه الدوائر (والسفارات والقنصليات في الخارج) هو إبراز وتقديم الوثائق والمستمسكات الثبوتية وكأن البيروقراطيون فيها صم بكم عمين لا يفقهون بان دولة \"العراق القديم\" (زمن إدارة صدام حسين السابقة) قد جردتهم من جميعها بعد أن أسقطت عنهم جنسيتهم العراقية قبل أن تلقي بهم في المناطق الحدودية بالملابس التي كانوا يلبسونها فقط. وعند إشارة المراجع الكوردي ألفيلي لهذه الحقائق عند مراجعته موظفي هذه الدوائر ( والسفارات والقنصليات) يواجه \"خيارين\"، \"الخيار\" الأول الإهمال وعدم الاكتراث في أحسن الأحوال، والاستعلاء والاستهزاء في أسوئها. أما \"الخيار\" ألآخر فهو الطلب منه تقديم أما أوراق ثبوتية عراقية \"أصلية\" وأما \"أوراق\" من نوع آخر، وليست أية أوراق، ليست عريضة أو طلب أو التماس، بل \"أوراق خضراء\" أو ربما من \"لون\" آخر.
هذا هو حال الكورد الفيلية مع دولة \"العراق الجديد\". وكلهم يتساءل متى يرفع عنا العقاب الجماعي وتنتهي معاناتنا والتمييز الذي نتعرض له باستمرار في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية والإدارية على يد دولة العراق \"القديم والجديد\"؟ ومن سيضع حدا لهذه المعاناة وهذا التمييز وذلك العقاب الجماعي؟ ومن سيمثلنا ويعبر عما نتعرض له ونطمح إليه؟ ومتى ستبدأ دولة \"العراق الجديد\" وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وأجهزتها المختلفة باحترام القوانين والدستور والمواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، دين الدولة الرسمي؟ وباحترام مواطنيها حاملي جنسيتها، قبل إسقاطها عنهم تعسفا وجورا وظلما؟ وبصيانة وحماية حقوقهم المنصوص عليها في الدستور وفي القوانين العراقية والمواثيق والعهود الدولية؟ ومتى ستبدأ بتنفيذ ما صدر عنها من قرارات؟ وباتخاذ الإجراءات الإدارية العملية لرفع التعسف والتمييز والاعتباطية الجائرة بحق الكورد الفيلية ولوضع حد لها عمليا وفي حياتهم اليومية؟ ومتى تقوم الوزارة المختصة (وزارة المالية) في هذه الدولة بما تلزمها القوانين
المحلية والعهود والمواثيق الدولية وتعاليم الدين الإسلامي لإعادة ممتلكاتهم إليهم؟ ومتى تقوم الوزارة المختصة الأخرى (وزارة المهجرين والمهاجرين) بواجباتها تجاه المبعدين منهم قسرا وبشان المختطفين المحجوزين المغيبين وحول حقوقهم المصادرة وممتلكاتهم المفرهدة ووثائقهم ومستمسكاتهم العراقية المسلوبة؟
أسئلة كثيرة ولكن ما من أجوبة صادقة واضحة ذات معنى عملي بل مبررات وكلمات وجمل منمقة لا نفع ولا طائل من ورائها.
لا زال موظفو الدولة يقولون، عند مراجعة الكورد الفيلة لدوائرهم حول مختلف قضاياهم المعلقة، بصراحة أن قرارات النظام ألسابق حول كل ما يتعلق بهم وبقضاياهم لا زالت سارية المفعول لحد ألآن رغم صدور العديد من \"القرارات\" الجديدة بإلغاء تلكم القرارات السابقة. فهل الخلل في القرارات الجديدة نفسها أو في آلية تطبيقها أو في المنفذين لها أم في كل ذلك سوية؟ هذه القرارات العديدة تصيبها عاهة \"الشلل البيروقراطي\"، تجمدها \"يد خفية\" حال أو بعيد صدورها، \"يد خفية\" تريد، لسبب أو لآخر، إلابقاء على العقاب الجماعي والمعاناة واستمرار التمييز و\"الإلغاء\" المفروض على الكورد الفيلية.
لقد تغيرت دولة العراق في مدرجات قمة بنية هرمها (رئيس الجمهورية ونائبين له، البرلمان ورئاسته، مجلس الوزراء ورئاسته وغير ذلك من المؤسسات الواقعة في قمة الهرم) ولكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه على الكورد الفيلية هو هل تغيرت دولة \"العراق الجديد\" كثيرا في مواقفها الفعلية منهم ومن قضاياهم في مدرجات وسط وقاعدة بنية هرمها؟ وكيف تختلف ممارساتها العملية تجاههم عن ممارسات دولة \"العراق القديم\"؟ ويشيرون في هذا المجال إلى مؤشر صارخ طفح إلى السطح والعلن مؤخرا وهو الإعلان الصادر في 9/11/2005 عن عمادة كلية الشرطة ببغداد التابعة لوزارة داخلية دولة \"العراق الجديد\" حول شروط القبول في الكلية والتي تنص الفقرة ألأولى منه \"على أن يكون الطالب المتقدم عراقياً بالولادة ومن أبوين عراقيين بالولادة ومن أصل غير أجنبي\"!؟ الذي يذكر بالفقرة الأولي من قرار \"مجلس قيادة الثورة\" (راجع المقالة القيمة للأستاذ رياض جاسم محمد فيلي المعنونة \"من أصل غير أجنبي\" المنشورة في عدة مواقع على الانترنيت منها موقع ألأرشيف ألفيلي وموقع صوت العراق).
المعروف للجميع أن السلطة التنفيذية في \"العراق الجديد\"، فترة الحكومة الانتقالية، كانت تديرها شراكة التحالف الكردستاني (الكوردي) والائتلاف العراقي الموحد (الشيعي) وكانت هذه الشراكة تسيطر على أكثر من ثلثي مقاعد الجمعية الوطنية وهي تسيطر ألان على حوالي ثلثي مقاعد البرلمان وستكون الإدارة الجديدة التي ستحكم العراق خلال السنوات الثلاثة والنصف القادة بيد هذه الشراكة أيضا إلى حد كبير.
من يا ترى سيرعى الكورد الفيلية ويدافع عن مصالحهم وقضاياهم ويحقق لهم دورهم في العملية السياسية الجارية في العراق إن لم يكن هم أنفسهم قبل غيرهم؟ ومن سيمثلهم ويعبر عن طموحاتهم إن لم يكن هم أنفسهم قبل غيرهم؟ هل يمكن أخذ نتائج الانتخابات في بغداد في 15/12/2005 مقارنة مع 30/1/2005 كمؤشر عام؟ وهل تتوفر لدى الكورد الفيلية وسائل القيام بكل ذلك بنجاح لوحدهم فقط بمعزل عن ألآخرين في نظام ديمقراطي برلماني تتخذ فيه القرارات بالأكثرية؟
هذه أسئلة وتساؤلات كثيرة تراود الأغلبية الصامتة من الكورد الفيلية والكثير من نخبهم السياسية، داخل العراق وخارجه. ولكن ليست هناك مع الأسف تفسيرات واضحة ومقنعة أو أجوبة مبسطة وسهلة وجاهزة، خاصة والموضوع يتعلق بأوضاع العراق المعقدة والتي تزيد تعقيدا باستمرار. إما التعامل مع الواقع العراقي الحالي الصعب والمعقد باستخدام مفردات سياسية كلاسيكية مبسطة وعاطفية واطر تقليدية فلا يخدم هدفا بناء وليس في مصلحة أحد، خاصة مفردات لا تعود لعصر اضمحلال الشمولية السياسية والاقتصادية والثقافية وبالتعويل على أطر تنظيمية تقليدية تعود إلى بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر. الكورد الفيلية بحاجة ماسة إلى النظر لوضعهم وقضاياهم ودورهم نظرة انتقاديه تحليله موضوعية باستخدام مفردات تعود لعصر الديمقراطية البرلمانية حيث تتخذ القرارات بالأكثرية بعد عملية \"تفاهم\" مع ألآخرين (138 صوتا من مجموع 275 في البرلمان العراقي)، مفردات عصر قبول التعددية السياسية والثقافية، وتعددية مكونات القومية الواحدة، وتعددية شرائح المجتمع الواحد، وتعددية مذاهب الدين الواحد، عصر وحدة الصف ووحدة الخطاب السياسي (أي عصر \"الوحدة
في التنوع\")، عصر توزيع السلطات (صلاحيات وواجبات) على أساس جغرافي، والاستفادة من التجارب الناجحة. وهذا واجب يقع خاصة على نخبهم.
ومن نافلة القول أن الكورد الفيلية مواطنون مسالمون، معروف عنهم \"الديناميكية\" والحيوية الاقتصادية والاجتماعية والوعي السياسي والقومي والثقافي وبعدهم عن \"الانغلاق\" داخل شريحتهم الفيلية وعن التعصب القومي والتطرف الطائفي، بل المعروف عنهم تعايشهم وتماسهم وتواصلهم واختلاطهم مع كل المكونات القومية والدينية والمذهبية في المجتمع العراقي. لم يلجا الكورد الفيلية إلى العنف والقتل والهدم، بل بالعكس ساهموا في بناء العراق تجاريا واقتصاديا وسياسيا وشاركوا في تطويره في حقول العلوم والآداب والفنون والرياضة والمهن والحرف المختلفة، خاصة قبل حملات الإبعاد ألقسري الجماعي. ويشكل الكورد الفيلية \"جزر\" كوردية في \"المحيط\" العراقي.
علينا نحن الكورد الفيلية أن لا نشعر بحرج أو خجل من المطالبة، وباستمرار، باستعادة حقوقنا، أولا لأننا عراقيون، و\"العراق وطن الجميع\"، ولنا فيه حقوق وليس فقط واجبات ولان دولة العراق صادرت وهضمت حقوقنا بدون وجه حق وخرقا للقوانين الوضعية والشرائع السماوية، وثانيا لأننا كورد وجزء من الشعب الكوردي في العراق، وثالثا لأن الحقوق في ثقافات الشرق الأوسط لا تعطى بل \"تنتزع\" و\"تؤخذ\" (\"الحق يؤخذ ولا يعطى\") ، ورابعا لأن الحكمة تقول \"لا يضيع حق ورائه مطالب\".
فمتى سيكون للكورد الفيلية، كطيف من أطياف المجتمع العراقي، تمثيل حقيقي مناسب يعتمد على المؤهلات والكفاءة المهنية والنزاهة والتاريخ السياسي في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لدولة \"العراق الجديد\"، وفي الإدارة الجديدة التي \"ستمثل جميع أطياف المجتمع العراقي\"، وفي الجامعات والمؤسسات وألاجهزة العراقية الأخرى ؟
ومتى سيكون للكورد الفيلية، كمكون من مكونات الشعب الكوردي في العراق، تمثيل حقيقي مناسب يعتمد على المؤهلات والكفاءة المهنية والنزاهة والتاريخ السياسي في السلطتين التشريعية والتنفيذية في حكومة الإقليم، في إلادارة الجديدة الموحدة، وفي الجامعات والمؤسسات وألاجهزة الأخرى في إقليم كوردستان العراق؟
ملاحظة: أشكر جميع الأخوات والإخوة الذين ساهموا في أغناء هذه المقالة بالملاحظات والتعديلات القيمة التي اقترحوها.
25/4/2006
العقاب الجماعي والتمييز والقرارات المشلولة
د. مجيد جعفر
مرت في الرابع من الشهر الجاري الذكرى ألأليمة لبدأ إنزال العقاب الجماعي على الكورد الفيلية الذي تضمن حملة الإبعاد ألقسري الجماعي إلى خارج الحدود (شملت أكثر من 500،000 إنسان) من القاطنين في بغداد وشرق ووسط وجنوب العراق، والتي كانت المحطة ألأولى من حملات التطهير العرقي والإبادة الجماعية للكورد عموما في العراق التي سماها النظام السابق \" الأنفال\". ومع أن الإبعاد ألقسري تركز آنذاك على الكورد الفيلية إلا انه شمل أيضا مواطنين عراقيين من أصول فارسية ومن التركمان والعرب الشيعة. وبهذه المناسبة الحزينة والمؤلمة نذكر من جديد إن القوى السياسية الفاعلة في \"العراق الجديد\" وكل العراقيين المنصفين، يضمنهم القانونيين والمشرعين، يؤكدون أن ما اتخذته دولة العراق من إجراءات بحق الكورد الفيلية خلال فترة إدارة نظام البعث ألصدامي كان تسفا وجورا واعتباطا ويشكل خرقا للقوانين العراقية وخروجا على ألمواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها دولة العراق ومخالفا لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، دين الدولة الرسمي، وان العقاب الجماعي الذي فرضته إلادارة ألسابقة على مواطنيها العراقيين من الكورد الفيلية،
وغيرهم، يدخل ضمن مفهوم \"جرائم ضد الإنسانية\".
ألملاحظات الواردة أدناه هي عن دولة العراق بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وليس عن العراق كوطن ننتمي إليه ونحن جزء منه وليس عن شعب العراق الذي نعتز بأننا نشكل مكوننا من مكوناته كاعتزازنا بانتمائنا لقومينا الكوردية.
الكورد الفيلية مواطنون قطنوا العراق منذ قرون وآلاف من السنين (راجع مقالة عدنان طعمه ألشطري المنشور في موقع \"كتابات\" التي يذكر فيها \"فتصريح لمحي الدين بن العربي في منظومته التي نظمها من علائم ظهور الأمام الحجة (ع) ، أن الأكراد يملكون بغداد وأطرافه من شمال العراق. حيث قال وتملك الكرد بغداد وساحتها إلى خريسان من شرق ألعراق\"). كما أن الكورد الفيلية حكموا العراق من جنوب كركوك حتى شمال البصرة في بداية القرن الخامس عشر الميلادي بقيادة قائدهم الكوردي \"موسلي\" (تعرب أحيانا إلى موصللي) الذي فقد الحكم نتيجة الصراع بين إيران (الصفويين) وتركيا (العثمانيين) – نقلا عن الأستاذ جرجس فتح الله (مجلة \"روژ\") والدكتور عز الدين مصطفى رسول، محادثة شخصية). كما أن هناك محلة عريقة في القدم في القسم ألقديم من بغداد، تقع قرب مرقد الشيخ عبد القادر ألگيلاني في باب الشيخ، اسمها \"عگد الأكراد\"، أي \"محلة الأكراد\".
فـي دولة \"العــراق القديــم\" (17-30 تموز 1968 حتى 9 نيسان 2003)
1- مقدمـــــة
جرى إبعاد محدود للكورد الفيلية من العراق منذ الحرب العالمية الثانية لأسباب سياسية (للذين كانت الدولة تشك بانتمائهم للحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي أو بتعاطفهم معهما). وكان هؤلاء يعودون إلى العراق عادة بعد بضعة أيام من إبعادهم. إلا أن اكبر حملات الإبعاد جرت بعد سيطرة حزب البعث على إدارة الحكم في العراق، من بينها حملات 1969 وبداية سبعينات القرن الماضي وأكبرها وأكثرها شمولا وقسوة هي الحملة التي بدأت في 4 نيسان 1980 واستمرت حتى سقوط ذلك النظام في 9 نيسان 2003.
قرار إسقاط الجنسية العراقية والإبعاد ألقسري
صدر عن دولة العراق ممثلة آنذاك بأعلى سلطة تشريعية وتنفيذية فيها، مجلس قيادة الثورة، القرار التالي رقم 666:
\" استنادا إلى أحكام الفقرة أ من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 7/5/1980 ما يلي:
1- تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة.
2- على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب الفقرة 1 ما لم يقتنع بناء على أسباب كافية بان بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسميا.
3- يتولى وزير الداخلية تنفيذ هذا القرار.\"
يتبين من نص هذا القرار أن الجنسية العراقية أسقطت بموجبه \"عن كل عراقي\"، أي أن الذي أسقطت جنسيته هو مواطن عراقي يحمل الجنسية العراقية وينتمي للعراق. ولكن القرار وضع عددا من الشروط يجب توفرها في من يطبق عليه القرار، أولها شرط أن يكون \"من أصل أجنبي\" دون أن يحدد المقصود بذلك. كما لم يحدد القرار فيما إذا كان المواطن العراقي حامل الجنسية العراقية أجنبيا بالولادة أو بالوراثة. كما انه لم يحدد هل \"الأصل الأجنبي\" يثبت على الشخص بسبب كونه/كونها من التبعية العثمانية أو التبعية الإيرانية أو أية تبعية أخرى، إذ من المعلوم والمعروف أن العراقيين قاطبة وبدون استثناء (بضمنهم الذين أصدروا القرار أنفسهم وعلى رأسهم صدام حسين) هم \"من أصل أجنبي\"، أي من تبعية إحدى دولتين أجنبيتين مجاورتين للعراق هما تركيا (التبعية العثمانية) وإيران (التبعية الإيرانية) إذ ليس بين العراقيين أحد من تبعية وطنه العراق، وذلك لعدم وجود تبعية عراقية في نصوص القوانين العراقية ( قانون الجنسية العراقية النافذ المفعول منذ تأسيس دولة العراق حتى صدور القانون الجديد مؤخرا)، وهذا بدوره جعل من دولة العراق دولة \"تابعين\" وليس
دولة \"مواطنين\". الشرط الثاني الذي فرضه القرار هو ثبوت \"عدم ولاء\" العراقي (أو العراقية) الذي أسقطت جنسيته العراقية \"للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة\" (المقصود طبعا ثورة 17-30 تموز 1968، أي الانقلاب العسكري لحزب البعث والضباط القوميين العرب في 17 تموز الذي تبعه غدر ألبعثيين بالقوميين العرب والانقلاب عليهم في 30 تموز 1968 والتفرد بالسلطة).
يتطلب تبيان \"عدم الولاء\" وجود معايير للسير عليها (معايير لا وجود لها في نص القرار ولا في توضيح ملحق به) ويتطلب إثبات وجوده قرائن وأدلة وإثباتات. من المعلوم أن أي تحقيق لم يجري مع أي من المبعدين قسرا سواء من قبل محقق مدني أو عسكري أو حاكم أو موظف أمني أو استخباراتي لتبيان أو إثبات عدم ولائه أو ولائها \"للوطن والشعب ... الخ\". يلاحظ بوضوح غياب للسلطة القضائية لدولة العراق عن جميع مراحل تنفيذ هذه القرارات، من كل مرحلة من مراحل تنفيذ عمليات الإبعاد ألقسري الجماعي وحملات التطهير العرقي والعقاب الجماعي، من مرحلة التحقيق حتى مرحلة فرض العقوبة. أما السلطتين التشريعية والتنفيذية فكانت عمليا موحدة متمثلة بمجلس قيادة الثورة. لقد أبعد نظام صدام قسرا مئات الآلاف من الكورد ألفيليه، منهم البعض من بين المتعاونين مع أجهزته الأمنية والمخابراتية والقمعية ولم يحميهم ولائهم \"للأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة\".
لذا فان القرار نفسه قرار تعسفي اعتباطي جائر يشكل عقابا جماعيا لا سند قانوني له، ويتناقض مع المواثيق والتعهدات الدولية العديدة التي صادقت عليها وأبرمتها رسميا دولة العراق (فعلى سبيل المثال لا الحصر، تنص الفقرة 2 من المادة 15 من الإعلان الدولي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 على أنه \"لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفا\")، ويخالف تعاليم الدين الإسلامي، دين الدولة الرسمي. ولكن ألذي استدعى اتخاذه هو مزاجية واعتباطية \"القائد الضرورة\" في فرض العقاب الجماعي في أعقاب تصريحاته \"النارية\" بعد محاولة اغتيال طارق عزيز، وكمحطة من محطات \"أنفله\" كورد العراق، الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وكجزء من تحضيراته لشن الحرب.على إيران، ويعكس طمع أقاربه وبطانته بالممتلكات المنقولة وغير المنقولة العائدة للكورد الفيلية الذين كان الكثيرون منهم من التجار وأصحاب الإعمال الكبار الذين بدأت بهم حملة الإبعاد ألقسري بعد دعوتهم رسميا للحضور إلى غرفة تجارة بغداد للاجتماع مع المسئولين للتداول حول توسيع إجازات الاستيراد العائدة لهم، والذي تبين إنه فخ (للغدر) نصب لهم لجمعهم في مكان واحد في 4/4/1980 ثم أخذهم
إلى مديرية الأمن العامة ومنها مباشرة إلى خارج الحدود بعد تجريهم من كل شيء سوى الملابس التي كانوا يلبسونها. كما أن تطبيق القرار كان بشكل كيفي وحسب أهواء مطبقية ومنفذيه. لذا يلاحظ مثلا إبعاد قسم أفراد عائلة واحدة وإبقاء القسم ألآخر في العراق، أو أبعاد عائلة بأكملها حين كان أحد شبابها يقاتل في جبهات الحرب مع إيران أو إبعاد قسم من عائلة واحدة يسكن في منطقة معينة من بغداد وعدم إبعاد القسم ألآخر منهم يسكن في محلة أخرى من نفس المدينة، وهلم جرى. والملاحظ هنا أن التحضيرات السرية لحملات الإبعاد ألقسري الجماعي قد بدأت فعلا حوالي ستة أشهر قبل بدأ هذه الحملات (بشكل \"همسات\" ومثل الإعلان الذي دعا المتقدمين للحصول إلى الجنسية العراقية بمراجعة دوائر السفر والجنسية للحصول عليها، والذي كان \"فخا\" آخر هدفه تحديد محلات إقامتهم لتسهيل عمليات كبس بيوتهم وإبعادهم عن العراق). كما أن من الملاحظ إن القرار رقم 666 (الصادر في 7/5/1980) المشار إليه أعلاه صدر بعد أكثر من شهر على بدأ حملات الإبعاد ألقسري الجماعي (في 4/4/1980)، أي أن القرار طبق بأثر \"رجعي\"!. وهذا يضيف إلى تعسف واعتباطية هذه القرارات و
الإجراءات والجرائم التي ترتبت عليها وبأنها لم يكن لها سند في القانون العراقي (أو الدولي أو في الشريعة الإسلامية حيث أن دين الجاني –دولة العراق- ودين المجني عليه –الكورد الفيلية- هو الإسلام ) عند إقدام الجاني على ارتكاب جرائمه من 4/4/1980 والأمر الذي يبرر اعتبار دولة العراق آنذاك \"دولة خارجة على القانون\" العراقي والدولي.
2- \"التجريد\" من المستمسكات والوثائق
جردت (سلبت) دولة العراق، عن طريق سلطاتها التنفيذية، من كل المبعدين قسرا جميع وثائقهم، وعلى رأسها الأوراق الثبوتية، (جواز السفر، الجنسية العراقية أو دفتر النفوس، هوية الأحوال المدنية، شهادة الجنسية العراقية، دفتر الخدمة العسكرية، سند الملكية أو أوراق الطابو، إجازة السباقة، عقد القران والزواج، شهادة الولادة، شهادة الوفاة، الشهادات المدرسية والجامعية، هوية غرفة التجارة وهوية اتحاد الصناعات العراقي وجميع الهويات الأخرى، دفاتر الإيداع المصرفي، أوراق قرض البنك العقاري... الخ) وغير ذلك من الوثائق والمستمسكات الرسمية وغير الرسمية. أما الذين استطاعوا أن يجلبوا معهم بعض هذه الوثائق والمستمسكات فهم من الذين هربوا وغادروا العراق قبل أن تصلهم أيادي \"الرفاق\" الحزبيين والأمن والمخابرات وباقي الأجهزة القمعية.
3- \"مصادرة\" الممتلكات المنقولة وغير المنقولة
قامت دولة العراق أيضا \"بمصادرة\" (أي بفرهدة أو سرقة) جميع الممتلكات المنقولة وغير المنقولة (شملت على سبيل المثال المؤسسات والشركات الصناعية، والمكاتب والمحلات والشركات التجارية (تجارة الاستيراد والتصدير وتجارة الجملة والمفرد)، والبساتين والأراضي والمشاريع الزراعية، إضافة إلى العقارات السكنية والتجارية) العائدة للكورد الفيلية دون إعطائهم أي تعويض واتخذت بشأنها الإجراءات التالية:
1- سجلت الممتلكات غير المنقولة ومحتوياتها (التي لم تفرهد من قبل \"الرفاق\" وعناصر الأمن) باسم وزارة المالية
2- وضع ألمتنفذون من أقطاب دولة العراق زمن النظام السابق أياديهم على الأملاك العامرة العائدة لأثرياء الكورد الفيلية وذات السعر العالي مع جميع محتوياتها (مثل خير الله طلفاح، الذي وضع يده على دار جاره الكوردي ألفيلي براخاس).
3- أعطى صدام حسين، رئيس دولة العراق آنذاك، بقية البيوت العامرة العائدة للكورد الفيلية كهبة ومكرمة لكبار عناصر أمنه ومخبراته ولبقية بطانته وقسم من قتلى قادسيته.
4- قامت دولة العراق، عن طريق وزارة المالية، ببيع ما تبقي من الممتلكات غير المنقولة بأسعار بخسة إلى المواطنين
شكل النظام جهازا خاصا لهذا الغرض تابع لمجلس الوزراء (مجلس الوزراء – النائب الأول لرئيس الوزراء – السكرتارية العامة لتصفية ممتلكات الإيرانيين المسفرين / المنقولة) برئاسة طه ياسين رمضان الجزراوي النائب الأول لرئيس الوزراء آنذاك)، يسمون هنا \"الإيرانيين المسفرين\" رغم أن قرار مجلس قيادة الثورة ينص في فقرته الأولى على \"تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل اجنني\" ولم يتطرق إلى \"إيرانيين\" أو \"عثمانيين\".
تمت عملية بيع الممتلكات \"المصادرة\" المباعة في مزاد نظم من قبل عناصر من مديرية الأمن العامة ومديرية ممتلكات الدولة التابعة لوزارة المالية. تفاصيل هذه المبيعات موثقة لدى مديرية ممتلكات الدولة، مع العلم أن جميع الوزارات ذات العلاقة بهذه المسألة شاركت في هذه العملية، ومن بينها وزارة العدل من خلال مديرية التسجيل العقاري (كلها من أجهزة ومؤسسات دولة العراق).
بالرغم من أن أخذ (فرهدة) هذه الممتلكات من قبل دولة العراق أطلق عليه في القرارات الرسمية تعبير \"مصادرة\" إلا أن المصادرة من قبل أية دولة تحترم نفسها وتحمي مواطنيها وتصون مصالحهم وممتلكاتهم وحقوقهم القانونية وتلتزم بالقوانين التي تشرعها وبالعهود والمواثيق الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها وتحترم شرائع وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف (حيث أن \" الإسلام هو دين الدولة\" الرسمي في العراق) لا تصادر ممتلكات هؤلاء المواطنين تعسفا واعتباطا دون سند قانوني إذا لم يكن لذلك مبررات محددة للنفع العام، كإقامة سدود مائية أو شق طرق عامة أو إقامة مشاريع اقتصادية مثلا، ولا يتم ذلك ألا حسب القوانين المحلية والالتزامات الواردة في المواثيق والعهود الدولية المصادق عليها والمبرمة من قبلها (دولة العراق) والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي دين الدولة الرسمي وبعد دفع تعويض عادل لأصحاب هذه الممتلكات على ضوء الالتزامات المشار إليها أعلاه. ويمكن مقارنة ما حل بالكورد الفيلية مع ما حل باليهود الذين أسقطت جنسيتهم بعد تأسيس دولة إسرائيل حيث \"جمدت\" ممتلكاتهم (أي يحق لمالكيها استعادتها) ولم \"تصادر\" (لا يستطيع مال
كيها استعادتها).
4- خطف وحجز ثم \"تغييب\" شبيبة الكورد الفيلية بعد إبعاد ذويهم قسرا
قامت دولة العراق، عن طريق الأجهزة الحزبية والأمنية والمخابراتية، باختطاف الشابات والشباب من الكورد الفيلية من الدوائر الرسمية وبقية أماكن عملهم الحكومية والأهلية ومن مدارسهم وكلياتهم ومن وحداتهم العسكرية في بداية حملات الإبعاد ألقسري، (وبعد ذلك في أعقاب إبعاد عائلاتهم) من جبهات القتال مع إيران ومن كلياتهم في مدن عراقية أخرى غير مدن إقامة عائلاتهم أو لأنهم لم يكونوا في منازلهم عند دهمها، إضافة إلى عدد كبير ممن كانوا في سن الخدمة العسكرية واحتجزتهم في مختلف السجون، خاصة سجن \"أبو غريب\". يقدر مجموع عدد المختطفين المحجوزين في كل هذه الحملات بين 10،000 و15،000 شاب وشابة وأكثر، أطلق سراح عدد ضئيل من المدنيين منهم بعد عصيان مدني قاموا به في سجن أبو غريب في بداية التسفيرات أو بعد عفو عام محدود. وأعطت الدولة قسما من الباقين \"الخيار\" بين الذهاب إلى جبهة القتال مع إيران والسير في حقول الألغام لفتح ممرات أمام القوات العراقية أو البقاء في الحجز بانتظار موت تدريجي ولكن محقق. ذهب قسم منهم إلى جبهة القتال وقتل اغلبهم هناك وقسم آخر منهم غدرت بهم دولة العراق باستخدامهم في التجارب الكيماوية
والجرثومية العراقية. أما الأغلبية الساحقة منهم فلا أثر لأي منهم في العراق - لا قبور ولا محاضر تحقيق ولا قرارات من سلطات قضائية، سوى بعض القرارات الصادرة عن \"القصر\" بالمصادقة على تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن عواد البندر رئيس محكمة الثورة ضد بعض المختطفين المحجوزين.
في دولة \"العــراق الجديــد\" (منذ 9 نيسان 2003)
مقدمــــــــة
استبشر الكورد الفيلية كغيرهم من الغالبية العظمى من العراقيين خيرا من إسقاط نظام البعث ألصدامي التعسفي وكلهم أمل إن تعيد إليهم دولة \"العراق الجديد\" اعتبارهم وتعتذر لهم عما ألحقته بهم من ظلم وعدوان من ضمنه ما أخطفته منهم من شبيبتهم وأن تتحرى عن مصير الآلاف من المغيبين منهم وأن تعيد إليهم ما سلبته منهم من حقوق وما جردته منهم من وثائق ومستمسكات وما \"فرهدته\" منهم من ممتلكات منقولة وغير منقولة.
إلا أن خيبة الأمل صعقت بالكورد الفيلية عموما بعد حين عندما جاءوا وجها لوجه مع أجهزة دولة \"العراق الجديد\" التي يعشش فيها أناس وتطغى عليها ممارسات وتنتشر فيها عقليات تعود لأجهزة دولة \"العراق القديم\"، عراق البعث ألصدامي الجائر، أجهزة يديرها بيروقراطيون يبدو أنهم صم بكم عمين لا يفقهون أن النظام السياسي السابق قد انتهى، والصدمة باقية حين يراجع الكورد الفيلية أجهزة ودوائر \"هذه\" الدولة، في الداخل والخارج، ويحاولون معرفة مصائر شبيبتهم المختطفين المحجوزين أو عند محاولاتهم استعادة وثائقهم المسلوبة واسترجاع ممتلكاتهم المفرهدة منهم من قبل \"تلك\" الدولة.
5- قانون الممتلكات المتنازع عليها احتيال علــى أصحاب الأموال غير المنقولة المصادرة
قامت دولة العراق الجديد بإصدار قانون الممتلكات المتنازع عليها لفض وحل نزاعات الملكية العقارية، والذي يتعلق بالممتلكات غير المنقولة التي سبق لدولة العراق أن \"صادرتها\" من الكورد الفيلية وسجلتها لوزارة المالية أو قدمتها \"هبة\" أو باعتها، بدلا من الالتزام بالقوانين العراقية والمواثيق الدولية وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الدين الرسمي لدولة العراق \"القديم\" و\" الجديد\"، واحترام مواطنيها من ضحايا النظام السابق بإعادة الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين، بل قامت بدلا عن ذلك بتحويل قضية هذه الممتلكات من قضية ممتلكات أخذتها دولة العراق (تعسفا ظلما من مواطنيها العراقيين ومن أصحابها الشرعيين (الأصليين والقانونيين)) وسجلتها لوزارة المالية إلى قضية \"نزاع\" بين أصحابها ألشرعيين وبين الذين يسكنون فيها ألآن. وبهذا أضافت دولة \"العراق الجديد\" جناية \"الاحتيال\" على الساكنين الحاليين فيها الآن من المواطنين \"العاديين\" (لأن الكثيرين منهم اشتروا هذه الممتلكات ودفعوا أثمانها لدولة العراق أو اشتروها من مشترين آخرين اشتروها أصلا من دولة العراق ممثلة بوزارة المالية) وعلى الأصحاب الشرعيين لهذه ال
ممتلكات إلى الجريمة الأصلية لدولة \"العراق القديم\" المتمثلة في سرقة ونهب هذه الممتلكات من أصحابها الشرعيين من مواطني العراق. وإذا كانت دولة العراق دولة قانون تحترم نفسها وتحترم مواطنيها وتصون وتحمي حقوقهم وممتلكاتهم وتحترم المواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها وتلتزم بتعاليم الدين الإسلامي، دينها الرسمي، كان عليها أن تسن قوانين وتصدر قرارات وتحدد إجراءات تنفيذية لوزارة المالية (التي سجلت هذه الممتلكات باسمها عند \"مصادرتها\") بان تعيد هذه الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين وان تعوض الساكنين فيها حاليا أيضا عما دفعوه عند شرائهم لها، أو أن تعوض أصحابها الشرعيين عن ثمن هذه الممتلكات بسعر السوق ألحالي، إضافة إلى تعويضهم عن محتوياتها المنقولة وعما فقدوه من حقوق الانتفاع أو الاستعمال والاستخدام من تاريخ \"المصادرة\" حتى تاريخ دفع التعويض. ولكن بدلا عن ذلك قامت دولة \"العراق الجديد\" بتحويل القضية من قضية بينها (وزارة المالية) وبين مواطنيها إلى قضية بين المواطنين أنفسهم. وهذا ما سبب الكثير من التوتر الاجتماعي والمشاكل ألأمنية والتعقيدات للطرفين والتي وصلت أحيانا حد القتل
والتهديد بالقتل في حين أنها تتفرج وأجهزتها الإدارية تتلقى الأموال الحرام حتى وصل الحال إلى حدود اللامعقول حين يعرض البعض من رجال القانون، من محامين وحكام، خدماتهم للبيع إلى من يدفع لهم من الطرفين \"المتنازعين\" عددا أكبر من \"الأوراق\" و\"الدفاتر\" الخضراء (حتى وصل الأمر إلى ما يصفه ذوو العلاقة بما يشبه \"المزايدة\") عند النظر في قضاياهم في دوائر الدولة وفي المحاكم.
6- دوائر دولة \"العراق الجديد\" تطلب من الكورد الفيلية إبراز وثائقهم المصادرة منهم من قبل دولة \"العراق القديم\"
أما عند مراجعة الكورد الفيلية الدوائر المختصة داخل العراق وفي الخارج فان الحال ليس بأحسن بكثير، فأول ما تطلبه منهم هذه الدوائر (والسفارات والقنصليات في الخارج) هو إبراز وتقديم الوثائق والمستمسكات الثبوتية وكأن البيروقراطيون فيها صم بكم عمين لا يفقهون بان دولة \"العراق القديم\" (زمن إدارة صدام حسين السابقة) قد جردتهم من جميعها بعد أن أسقطت عنهم جنسيتهم العراقية قبل أن تلقي بهم في المناطق الحدودية بالملابس التي كانوا يلبسونها فقط. وعند إشارة المراجع الكوردي ألفيلي لهذه الحقائق عند مراجعته موظفي هذه الدوائر ( والسفارات والقنصليات) يواجه \"خيارين\"، \"الخيار\" الأول الإهمال وعدم الاكتراث في أحسن الأحوال، والاستعلاء والاستهزاء في أسوئها. أما \"الخيار\" ألآخر فهو الطلب منه تقديم أما أوراق ثبوتية عراقية \"أصلية\" وأما \"أوراق\" من نوع آخر، وليست أية أوراق، ليست عريضة أو طلب أو التماس، بل \"أوراق خضراء\" أو ربما من \"لون\" آخر.
هذا هو حال الكورد الفيلية مع دولة \"العراق الجديد\". وكلهم يتساءل متى يرفع عنا العقاب الجماعي وتنتهي معاناتنا والتمييز الذي نتعرض له باستمرار في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية والإدارية على يد دولة العراق \"القديم والجديد\"؟ ومن سيضع حدا لهذه المعاناة وهذا التمييز وذلك العقاب الجماعي؟ ومن سيمثلنا ويعبر عما نتعرض له ونطمح إليه؟ ومتى ستبدأ دولة \"العراق الجديد\" وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وأجهزتها المختلفة باحترام القوانين والدستور والمواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها وأبرمتها وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، دين الدولة الرسمي؟ وباحترام مواطنيها حاملي جنسيتها، قبل إسقاطها عنهم تعسفا وجورا وظلما؟ وبصيانة وحماية حقوقهم المنصوص عليها في الدستور وفي القوانين العراقية والمواثيق والعهود الدولية؟ ومتى ستبدأ بتنفيذ ما صدر عنها من قرارات؟ وباتخاذ الإجراءات الإدارية العملية لرفع التعسف والتمييز والاعتباطية الجائرة بحق الكورد الفيلية ولوضع حد لها عمليا وفي حياتهم اليومية؟ ومتى تقوم الوزارة المختصة (وزارة المالية) في هذه الدولة بما تلزمها القوانين
المحلية والعهود والمواثيق الدولية وتعاليم الدين الإسلامي لإعادة ممتلكاتهم إليهم؟ ومتى تقوم الوزارة المختصة الأخرى (وزارة المهجرين والمهاجرين) بواجباتها تجاه المبعدين منهم قسرا وبشان المختطفين المحجوزين المغيبين وحول حقوقهم المصادرة وممتلكاتهم المفرهدة ووثائقهم ومستمسكاتهم العراقية المسلوبة؟
أسئلة كثيرة ولكن ما من أجوبة صادقة واضحة ذات معنى عملي بل مبررات وكلمات وجمل منمقة لا نفع ولا طائل من ورائها.
لا زال موظفو الدولة يقولون، عند مراجعة الكورد الفيلة لدوائرهم حول مختلف قضاياهم المعلقة، بصراحة أن قرارات النظام ألسابق حول كل ما يتعلق بهم وبقضاياهم لا زالت سارية المفعول لحد ألآن رغم صدور العديد من \"القرارات\" الجديدة بإلغاء تلكم القرارات السابقة. فهل الخلل في القرارات الجديدة نفسها أو في آلية تطبيقها أو في المنفذين لها أم في كل ذلك سوية؟ هذه القرارات العديدة تصيبها عاهة \"الشلل البيروقراطي\"، تجمدها \"يد خفية\" حال أو بعيد صدورها، \"يد خفية\" تريد، لسبب أو لآخر، إلابقاء على العقاب الجماعي والمعاناة واستمرار التمييز و\"الإلغاء\" المفروض على الكورد الفيلية.
لقد تغيرت دولة العراق في مدرجات قمة بنية هرمها (رئيس الجمهورية ونائبين له، البرلمان ورئاسته، مجلس الوزراء ورئاسته وغير ذلك من المؤسسات الواقعة في قمة الهرم) ولكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه على الكورد الفيلية هو هل تغيرت دولة \"العراق الجديد\" كثيرا في مواقفها الفعلية منهم ومن قضاياهم في مدرجات وسط وقاعدة بنية هرمها؟ وكيف تختلف ممارساتها العملية تجاههم عن ممارسات دولة \"العراق القديم\"؟ ويشيرون في هذا المجال إلى مؤشر صارخ طفح إلى السطح والعلن مؤخرا وهو الإعلان الصادر في 9/11/2005 عن عمادة كلية الشرطة ببغداد التابعة لوزارة داخلية دولة \"العراق الجديد\" حول شروط القبول في الكلية والتي تنص الفقرة ألأولى منه \"على أن يكون الطالب المتقدم عراقياً بالولادة ومن أبوين عراقيين بالولادة ومن أصل غير أجنبي\"!؟ الذي يذكر بالفقرة الأولي من قرار \"مجلس قيادة الثورة\" (راجع المقالة القيمة للأستاذ رياض جاسم محمد فيلي المعنونة \"من أصل غير أجنبي\" المنشورة في عدة مواقع على الانترنيت منها موقع ألأرشيف ألفيلي وموقع صوت العراق).
المعروف للجميع أن السلطة التنفيذية في \"العراق الجديد\"، فترة الحكومة الانتقالية، كانت تديرها شراكة التحالف الكردستاني (الكوردي) والائتلاف العراقي الموحد (الشيعي) وكانت هذه الشراكة تسيطر على أكثر من ثلثي مقاعد الجمعية الوطنية وهي تسيطر ألان على حوالي ثلثي مقاعد البرلمان وستكون الإدارة الجديدة التي ستحكم العراق خلال السنوات الثلاثة والنصف القادة بيد هذه الشراكة أيضا إلى حد كبير.
من يا ترى سيرعى الكورد الفيلية ويدافع عن مصالحهم وقضاياهم ويحقق لهم دورهم في العملية السياسية الجارية في العراق إن لم يكن هم أنفسهم قبل غيرهم؟ ومن سيمثلهم ويعبر عن طموحاتهم إن لم يكن هم أنفسهم قبل غيرهم؟ هل يمكن أخذ نتائج الانتخابات في بغداد في 15/12/2005 مقارنة مع 30/1/2005 كمؤشر عام؟ وهل تتوفر لدى الكورد الفيلية وسائل القيام بكل ذلك بنجاح لوحدهم فقط بمعزل عن ألآخرين في نظام ديمقراطي برلماني تتخذ فيه القرارات بالأكثرية؟
هذه أسئلة وتساؤلات كثيرة تراود الأغلبية الصامتة من الكورد الفيلية والكثير من نخبهم السياسية، داخل العراق وخارجه. ولكن ليست هناك مع الأسف تفسيرات واضحة ومقنعة أو أجوبة مبسطة وسهلة وجاهزة، خاصة والموضوع يتعلق بأوضاع العراق المعقدة والتي تزيد تعقيدا باستمرار. إما التعامل مع الواقع العراقي الحالي الصعب والمعقد باستخدام مفردات سياسية كلاسيكية مبسطة وعاطفية واطر تقليدية فلا يخدم هدفا بناء وليس في مصلحة أحد، خاصة مفردات لا تعود لعصر اضمحلال الشمولية السياسية والاقتصادية والثقافية وبالتعويل على أطر تنظيمية تقليدية تعود إلى بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر. الكورد الفيلية بحاجة ماسة إلى النظر لوضعهم وقضاياهم ودورهم نظرة انتقاديه تحليله موضوعية باستخدام مفردات تعود لعصر الديمقراطية البرلمانية حيث تتخذ القرارات بالأكثرية بعد عملية \"تفاهم\" مع ألآخرين (138 صوتا من مجموع 275 في البرلمان العراقي)، مفردات عصر قبول التعددية السياسية والثقافية، وتعددية مكونات القومية الواحدة، وتعددية شرائح المجتمع الواحد، وتعددية مذاهب الدين الواحد، عصر وحدة الصف ووحدة الخطاب السياسي (أي عصر \"الوحدة
في التنوع\")، عصر توزيع السلطات (صلاحيات وواجبات) على أساس جغرافي، والاستفادة من التجارب الناجحة. وهذا واجب يقع خاصة على نخبهم.
ومن نافلة القول أن الكورد الفيلية مواطنون مسالمون، معروف عنهم \"الديناميكية\" والحيوية الاقتصادية والاجتماعية والوعي السياسي والقومي والثقافي وبعدهم عن \"الانغلاق\" داخل شريحتهم الفيلية وعن التعصب القومي والتطرف الطائفي، بل المعروف عنهم تعايشهم وتماسهم وتواصلهم واختلاطهم مع كل المكونات القومية والدينية والمذهبية في المجتمع العراقي. لم يلجا الكورد الفيلية إلى العنف والقتل والهدم، بل بالعكس ساهموا في بناء العراق تجاريا واقتصاديا وسياسيا وشاركوا في تطويره في حقول العلوم والآداب والفنون والرياضة والمهن والحرف المختلفة، خاصة قبل حملات الإبعاد ألقسري الجماعي. ويشكل الكورد الفيلية \"جزر\" كوردية في \"المحيط\" العراقي.
علينا نحن الكورد الفيلية أن لا نشعر بحرج أو خجل من المطالبة، وباستمرار، باستعادة حقوقنا، أولا لأننا عراقيون، و\"العراق وطن الجميع\"، ولنا فيه حقوق وليس فقط واجبات ولان دولة العراق صادرت وهضمت حقوقنا بدون وجه حق وخرقا للقوانين الوضعية والشرائع السماوية، وثانيا لأننا كورد وجزء من الشعب الكوردي في العراق، وثالثا لأن الحقوق في ثقافات الشرق الأوسط لا تعطى بل \"تنتزع\" و\"تؤخذ\" (\"الحق يؤخذ ولا يعطى\") ، ورابعا لأن الحكمة تقول \"لا يضيع حق ورائه مطالب\".
فمتى سيكون للكورد الفيلية، كطيف من أطياف المجتمع العراقي، تمثيل حقيقي مناسب يعتمد على المؤهلات والكفاءة المهنية والنزاهة والتاريخ السياسي في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لدولة \"العراق الجديد\"، وفي الإدارة الجديدة التي \"ستمثل جميع أطياف المجتمع العراقي\"، وفي الجامعات والمؤسسات وألاجهزة العراقية الأخرى ؟
ومتى سيكون للكورد الفيلية، كمكون من مكونات الشعب الكوردي في العراق، تمثيل حقيقي مناسب يعتمد على المؤهلات والكفاءة المهنية والنزاهة والتاريخ السياسي في السلطتين التشريعية والتنفيذية في حكومة الإقليم، في إلادارة الجديدة الموحدة، وفي الجامعات والمؤسسات وألاجهزة الأخرى في إقليم كوردستان العراق؟
ملاحظة: أشكر جميع الأخوات والإخوة الذين ساهموا في أغناء هذه المقالة بالملاحظات والتعديلات القيمة التي اقترحوها.
25/4/2006