PDA

View Full Version : خلدون جاويد : ياليت عزيز الحاج هو رياض البكري


بحزاني نت
09-05-2005, 12:50
ياليت عزيز الحاج هو رياض البكري

بقلم : خلدون جاويد

عطفا على مقالة سابقة كنت قد نشرتها في مواقع الانترنيت ، ارسل اليوم مجموعة
مما توفر لدي من نتاج صديقي الشاعر الشهيد رياض البكري . وعلي ّ ان أذكر حرص
ووفاء احد اقرب اصدقاء الشهيد الآ وهو الأديب عقيل الخزاعي ( أبو ذر ) الذي كان
أمينا على اوراقه رغم قساوة الظروف في زمن الفاشية، وها هي الكلمات تشرق مع شمس
الحياة لتقول للناس بان كلمة المحبة هي ملك لكم ... للعمال ، للفلاحين ، للطلبة
للنساء لكل المعذين في لأرض . ان انتماء شاعرنا الى الشعب والدفاع عنه في
مقارعة الظلاميين قد كلفه حياته ، وهنا وحسب قاموس فتى الفتيان رياض البكري فان
الشعراء يفعلون مايقولون. ان القصيدة الحقيقية تصعد بشاعرها كما يقول
الجزائريون الأبطال ، الى حبل المشنقة . والقصيدة في زمن السلام فرح وموسيقى
وحنان للأُم الأرض وللحبيبة والناس في بلادي والكوكب الجميل . لقد كان رياض
قوس قزح القصيدة العراقية القتيلة وكان يدفع بالشروق الى الأمام وكانت المشنقة
بانتظاره . ان هناك مئات الأيدي التي ستدفع بملف لوركا العراق الى العدالة
لمحاكمة ومقاضاة الموقعين على قرار تصفيته .

" لو يعلم الصياد عند رجوعه .....عما جناه الصيد ذاب تفجعا "

لو علم الذين شنقوا رياض البكري كم لهذا المفخرة العراقية من الموهبة والثروة
الأدبية والاحساس الرقيق والانساني لما اقترفوا فعلتهم ولكن لاحياء لمن تنادي .
وللذين لم يطلعوا على مقالة بعنوان " في ذكرى الشاعر الشهيد رياض البكري" فاني
سأدرج وباختصار بعض السطور من تلك المقالة ليكون للشهيد تعريف بسيط ومدخل
لقصائده :
" سمعت انه اعتقل ، انه يخضع الى جلسات تعذيب عديدة ، وان اسمه اصبح مشجبا او
شماعة لتعليق كل الاعترافات عليها . وبذا غدا اسما كبيرا في المعتقل ( غدا هو
عزيز الحاج ) بينما كان يفترض بعزيز الحاج ان يصمد وان يكون رياض البكري ! وهنا
على كل من يقود الناس ان يفي بالثقة التي توليه اياه الناس فارواحهم بيده ".

" .... فجرا ، كما أخبرني ( أبو ذر – الاستاذ عامر الداغستاني ) نودي على
رياض بعد ان ابلغوه بأمر اعدامه حتى الموت . استيقظ المعتقلون الذين معه . صعد
الى حبل المشنقة بجبروت العظماء في التاريخ ... هناك اعترف ولأول مرة صارخا
صرخته الشجاعة مناديا : اخبروا أهلي وأصدقائي بأني الشاعر رياض كمال الدين
البكري ... مت ولم اعترف ... " عاشت طبقتنا العاملة العراقية " .. " عاش الحزب
الشيوعي العراقي " .. وداعا يارفاق ... وداعا ... وداعا ."
آه .. ياليت عزيز الحاج هو رياض البكري شاعرا وفدائيا ومنفذا لما قاله (عبقر
الشعر) :

" ثار الأرقاء فاهتز الصدى لجبا ... مبشراً منذرا ثار الأرقاء ُ "

نموذج من نتاج الشهيد رياض : ( 1 )
17/8/1974 . الهدف العدد 365
شعر :
العنوان :

لو تأخرت ياأول الليل

" انني أقفل الآن صوتي ..
بوجه الرياح التي داهمت فرحي
ذات ليلة عيد
واوشك ان اختفي
في الثلوج المدمرة ِ
استوقفتني على سور عشتار ...
زهرة ايامي الطفلة ِ ....
انتظرت ْ ضحكتي ان تعود النوارس ..
من سفر البحر ...
لكنني اوشك الآن ..
ان استرد عيوني المدماة
من بابل الأكدية ...
شبعاد تركض في البر عارية ..
وأنا في المطبات شيئا فشيئا أموت
ولكنني لا أموت ..... على الغصن بيتي ...
وفي الريح بيتي .... وفي البحر بيتي
هنالك اشرعتي ماتزال ...
مطاردة في الشوارع .. كل الشوارع
الغضب القرمطي ... وكل الشواطئ لي
انني ما أزال ... ولجت السراديب
أطفأت أسرجة الليلة الهمجية
ماذا هنالك خلف التوابيت ..
هل مدن خارجات من القتل ..
أم سفن
لصباح الدم الأبيض المتوهج
اني رضعت دمي ..
حينما ضج بي عطش الخيل في كربلا ء
فألفيت صوتي خناجر بيضاء ...
بيضاء والخيل كانت ... وكانت خيام
الحسين ..
مداخن سوداء ... والحرس الاموي ...
وكان عويل السبايا ...
لماذا نموت وهذا العويل ...
لماذا نموت وقد أيقظ الماء فينا ..
طقوس الصباح الذي سيجئ ..
شهدت على مدخل القلعة الملكية ...
موتا وموتين ... عمرا من الموت ..
ارصفة من خراب العصور ...
ومرّ المغول بأعلامهم ...
حرسا غاطسا باللحى والشوارب ..
والشارة الهتلرية ....
رسموا في الحياطين صلبانهم ..
وأنا تحت ظلمة زنزانتي ...
كنت منشغلا بالتماثيل ..
كان يسوع الاله َ ... وكان الاله هو النار ..
صليت للنار ... اعترف الآن .. اني هنالك عيّدت نوروز ...
أشعلت بعض القصاصات ... والورق
المتبقي لنوروز ..
كانت زهور الربيع على السفح تنهال فوق جبيني
وكانت عيوني تشم خطى الريح آتية
من شقوق النخيل ...
وكان لنا قاربا ... اتذكره ..
قصب الهور .... كان سيوفا لمعركة الريح ..
والسمك ...انتشر الليل ..
أفزعه أن يموت غناء المشاحيف
في أول الليل ...
يا أول الليل ....
يا أول الليل ...
لو أن بعض الدقائق ...
بعض الثواني ...
تأخرت ياأول الليل
ما أغرق الليل .... في أول الليل ..
لم يكن للسكاكين طعم الدم المتفجر ..
اني انتهيت هنا ..
وسأبدأ من آخر الليل ...
اغنيتي ...
طفلة كانت الثورة المشتهاة ..
وشيخا هو البحر ... يازبد البحر ..
يازبد البحر ..
ان الحشائش تنمو
على سطح قاربنا من جديد ".
" نافل سلام "

***************

نموذج من نتاجه : ( 2 )
23 /4 / 1976 الى الأمام العدد 553
شعر :
العنوان

المجد للديناميت

" والآن اعرف قبل كل الشعر
والنسف السياسي الجميل
بأنه .... النسف بالديناميت
ميثاق المواثيق المفدى
والاله الآخر الباقي
على قيد الحياة ...
تحطمت كل التماثيل القديمة ...
لا احترام سوى للعلعة الرصاص ...
لقد وضعت الآن بين الشعر
والسكين حدا
اني أُصلي الآن للتفجير
في ليل المدينة ...وامتطاء النار في
الطرقات ... لاشعر ... ولا لحن عنيف ...
الصوت يُشدى
هو ذا زمان نحن فيه ! ..أنا وأنت َ
واننا سنواتنا هذي ... فلنفتح طريقا
للغد الآتي ... فبالتفجير نفتحه .... نشق به لهذا الجزر مدا
لاتنتظر يوما به يتدافع الثوار والعمال ..
ان الانتظار خرافة ... وعليك
شق الدرب ..شق الدرب
للعمال والثوار ... ان ْ تهدأ تَصَدّا
لاتنتظر ...وادفع بكل النار في رئتيك
لاتترك لهم بيتا وكابوسا وسدا
الآن فجر الاقتحام ... سيقحمون عليك
حتى شعرك الصافي ... ويبتزون صوتك
فاندفع .... لاتثن ِجهدا
ذهبت سنين الانتظار ..... تساقطت
كل القلاع المخملية للنضال
عليك ان تقوى يدا .... وتصير رعدا
وسينهض العمال يوما ... ذاك يومٌ
سوف يأتي ... الآن نحن ... أنا وأنت
نشق وسط الجزر مدا
الآن نحن ... أنا وأنت ... محطة في
شارع التاريخ ... ان لم نعترف
بزماننا ... ستمر فوق ضلوعنا
عجلاته انفا وعمدا
المجد للديناميت .... قد آن اكتشافك
موقفا ... اعلنت اني صرت بين
يديك يامولاي عبدا .
المجد للديناميت ...... اعلنت ُ
اصطفافي بين جندك .....
في المغارب والمشارق مستعدا
لايعدل الميزان .... لايتململ الشرق
المحاصر بالهزائم والأضاليل التي تشتد
ان لم نقتحم
ونكون في مستودع الديناميت جندا
المجد للديناميت فاشتعلي
دروب الشرق بالديناميت
واتخذيه بين الشعر والتاريخ حدا .
كوران – بغداد
....................

لقد أراد شاعر الوهج والابداع لحاضرنا وللحياة التي ماكانت لتتحقق الا بالفعل
، بالصراع بكل اشكاله ، ومنه مقارعة النار بالنار . ولأنه قد كتب قصيدة
الديناميت في بغداد فانه لا بد وقد عنى بها حكم السلطة العراقية . ويومئذ ٍ كان
له رأي بأن افضل طريقة لاجتثاث البعث هي تصفيته في صعوده أي بالضبط على حد
تعبيره : اسحقهم وهم في ( بيظة ) الأفعى . ولشاعر العرب الأكبر بيت شعر يكمن
فيه كل مادار من تاريخ أعوج وأفلج في العراق لو أننا – كما يشير البيت الشعري –
قد انتبهنا ومنذ البداية الى سحق العدو لكان هو الدواء الناجع وذلك لأن جريرة
ما حصدناه من مرار وموت تمكن في ان حكم الجهلة والحثالة والظلاميين في المجتمع
ادت حقيقة الى كارثة الكارثة والبيت باختصار :

" وضيّق الحبل واشدد من خناقهم ُ .... فربما كان في ارخائه ضرر "

ان الضرر قد ظهر في الاستبداد والاستعباد وتركيع الناس وتدمير انتماءاتهم
وسجنهم وتقتيلهم وتشريدهم ودفنهم في المقابر الجماعية وزجهم في الحروب وتصفية
الأحزاب وابادة الملايين من الكورد والعرب والأقليات ، وتخريب الاخلاق واشاعة
النفاق وارجاع الغالبية من ابناء الشعب العراقي الى العصر الحجري ! ان الحزب
الواحد لو ساد ، لسبى العباد وألبسهم السواد ! وهذا ماحدث فعلا في عراقنا
المظلوم والمحروم من حق القول والانتخاب النزيه والتعدد والسلام والحرية
الفردية وخيارات المرأة الخ . لقد قمع وخرب كل شئ .
رياض البكري والجواهري في رؤياهما الى المستقبل حكيمان أكثر من أي أكاديمي أو
منظّر او استاذ جامعي منضو ٍ أو سياسي فطحل زمانه ! أوأي دعي للحكمة قد تورط عن
قرب او بعد فوضع يده بيد الحرباء ولحقبة تقترب من نصف قرن من التخريب العام .
رياض اراد تدمير السد وهو في صعوده ولذا فهو الضحية الاولى .

نماذج من نتاجه : (3 )

16 نيسان 1976 الى الأمام العدد 553
شعر ( 3 )
العنوان

آخر ملاحظة في الدفتر الحربي .... يكتبها روشن

قبل أن تأزف اللحظة ويتفرق الجمهور ... لنقل الكلمة ونذهب ... وانها لمجازفة
... تكتب الشعر .. لوحة جدارية على مرسم الهوليداي أن ... نشيد في ساحة
الاشتباك ... صرخة في وجه الوجه . مقال حول الصراع الطبقي .
انها المجازفة : انها لحظة السلاح .
سيدي أنا مغني صغير ... تحطم قيثاري .. وكثيرا ما اشرب الشاي وارتاد المقاهي
الصغيرة في ازقة مدينتي الاولى ... حيث نبتت اصابع طفولتي ... واندلق اناء الحب
.
أما هذه ...فبيروت ..
انها على وشك الدفن
هل تشارك في المراسيم ... ضع على رأسك قماشا اسود
سيطلقون رصاصا مطرا في المقبرة : هل تؤمن بالنفاق ؟
كتبت كثيرا ... ولكن لشدة الحزن اخيرا تعرفت ماذا كان
علي ان افعل ..
: ماذا ؟
: اخيط فمي ...وادخل بين اوراق الكتاب
: انه منطق بورجوازي ... يالك من ( .... )
: حسنا اسمع مايقوله صاحبنا :
" ان هناك فترات زمنية لم يكن ماركس وانجلس ليستطيعا تقديم التطور التاريخي
فيها بوصة واحدة ولو تحت ضربات سياطهما ، وهناك فترات يستطيع رجال عاديون
يملكون زمام الأمر ان يؤخروا تطور الثورة العالمية لسلسلة كاملة من السنين "
: اذن مالعمل الآن ؟
: الزراعة
: ماذا تقول ؟ أية زراعة ؟ نعود الى الفلاحة !؟
: ولم لا ... انها صحراء قاحلة ... وعلينا ان نشق
الأرض .... ونفتح الطريق للسيول .
الحركة والسكون هما الحياة ... والعلاقة بينهما هي الشريان
الرصاص والقذائف ... القناصون والمسلحون ... البيانات والاسلحة ... الفنادق
والسيارات ...
ولكن أين هو صوتي ؟
: صوتك في الريح
: لقد هلكت من الحزن والانتظار
: اولى بك ان تحترف الزراعة
: هذا ما سأفعله أخيرا .
( روشن ) 23 آذار 1976 .

**************
ممكن ان تكون هذه القصيدة من مجموعة قصائد اخيرة للشاعر قبل أن يجري القبض عليه
وتصفيته . وانه كما قال سأحترف الزراعة اشارة الى انه بذرة في ارض الشهادة
ستورق ذات يوم ... وأي يوم ؟ " .

وأخيرا وليس آخرا ، فللعمل من اجل شعر رياض البكري لابد من جمعه كاملا فهو
غزير ويقع على ثلاث مراحل :
1 – القصائد الغزلية وبعضها منشور في الملحق الأدبي من جريدة الجمهورية أعوام
1965 - 1968 اضافة الى قصائد سياسية وعامة في جرائد ومجلات عراقية مختلفة .
2- قصائد كتبها خارج العراق – بعد هذه الفترة - عندما انتمى الى الفصائل
الفلسطينية المقاتلة وخاض نضالا فكريا ومسلحا .
3- لابد للكتابة النقدية عن الشاعر القتيل من احاطة تامة بظروفه ودراستها ..
والخروج على الناس بديوان شعري كبير ( لأن النتاج غزير) ولذا فهي مهمة ليست
يسيرة . ولا بد لمحبيه ورفاقه القدماء ان يشتركوا بالبحث عن كتاباته ومن ثم
العمل على اعادة نشرها على الأقل في الانترنيت ابتداءا ومن ثم يصار الى خطة عمل
بهذا الاتجاه .
ملاحظة أخيرة : لا أميل الى تقديم النصوص التي بحوزتي من شعر رياض ومقالاته
ورسائله دفعة واحدة بل سأعتمد التقسيط المريح للحزن .
وللذكرى ساوقد شمعة او شمعتين في كل مرة ، ومشوار الحنين والذكرى طويل . وكا
قال شاعر ما لا أتذكر اسمه : " لعل الموت ينسينا .... بغير الموت لا ننسى " .
***********