PDA

View Full Version : حبيب تومي : التنصير والأسلمة بالمعيار المعاصر


بحزاني نت
09-05-2005, 11:52
التنصير والأسلمة بالمعيار المعاصر

حبيب تومي / اوسلو


المقدمة
الأنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتسم بالأيمان بالعقيدة الدينية ومنذ فجر حياته الأولى .
ولقد هيمن الفكر الديني على مقدرات الشعوب قبل المسيح بآلاف السنين ، ومنذ ان كانت دويلات المدن ، حيث يكون إله الدولة [ المدينة ] المنتصرة ، هو الأله صاحب الحق على آلهة المدن المهزومة .
لقد تطور الفكر الديني بمراحل متعاقبة الى ان توصل الى الديانات السماوية التي ينضوي تحت لوائها اليوم مئات الملايين من البشر .
الديانات المحلية
في منطقتنا بلاد ما بين النهرين من بين هذه الديانات ما هو مغلوق على معتنقيه ، كما هو الحال في الديانات : ليزيدية واليهودية والمندائية ، وهذ ه الديانات لا تؤمن بالتبشير ، ولا ترحب بمن يرغب في اعتناقها ، وهم يعترفون بالديانة المولودة من الرحم فحسب ، وهذه رغبتهم وقناعتهم .
ان الديانة المسيحية ديانة اممية تسعى للنشر والتبشير في الجهات الأربع من كوكبنا الأرضي ، وهذا كان من امر الديانة الأسلامية ايضاً باعتبارها ديانة اممية ، لكن كان ثمة اختلاف في الوسيلة من اجل تحقيق الغاية .
ان النصوص الدينية تبقى ثابتة على مر العصور لكن يمكن ان نقول ان فهمها يتجدد من جيل الى آخر . ولو حصرنا اهتمامنا في هذا المقال ببلاد ما بين النهرين فنلاحظ انتشار الديانة المسيحية في هذه الأصقاع منذ القرون الأولى للميلاد .
العراق قبل الأسلام
ان من يقرأ عن الأديرة في العراق وفي الجزيرة والتي كانت كمدن واسعة يسكنها الوف الرهبان ناهيك عن الكنائس والعدد العظيم من الأساقفة والكهنة ..
ان الأديرة هي التي ذكرها الشعراء فقط منها على سبيل المثال لا الحصر :
دير الأبلق في الأهواز ، ودير ابي يوسف فوق الموصل وديارات الأساقف بالنجف بين قصري ابي خصيب والسدير وديري الأسكون بالحيرة وقرب واسط وكان فيهما مدارس للعلوم الدينية ، ودير اشموني قرب بغداد ودير الأعلى في الموصل ودير باشهرا بين بغداد وسامراء ودير باعربايا بين الموصل والحديثة ودير ميخائيل في الموصل ودير الثعالب منسوب الى بني ثعلبة قرب بغداد ودير الجرعة بالحيرة ودير الخوات بعكبرا ودير الخنافس على قلة جبل .. ودير درعا ودير الدهدار بنواحي البصرة ودير سابور غربي بغداد ودير الشاه ودير صباعي ودير سمالو ودير العاقول ودير العجاج بين تكريت وهيت ... انها قائمة طويلة من الأديرة لا مجال لذكرها ( راجع النصرانية وآدابها ص84 للأب لويس شيخو ) .
يقول الأب لويس شيخو ص92
ومما لا ينكر ان النصرانية غلبت بعد ذلك على ملوك الحيرة واهلها العرب حتى يجوز القول بأنها عمتهم قاطبة وان المسلين لما فتحوا مملكة المناذرة وجدوها مملكة نصرانية في دينها وآدابها وعاداتها . ان هذا كان حال الجزيرة ايضاً أي العراق بأجمعه .
ان الأرضية التي انتشرت بها الديانة الأسلامية كانت الأرضية المسيحية في بلاد الشام وفي بلاد ما بين النهرين وفي وادي النيل .
ان نشر الدين المسيحي شهد الأرضية الخصبة في الديانة اليهودية في البداية ، ومن ثم بين الوثنيين ، وكان المبشرون يتسلحون بالتواضع والبساطة وغالباً ما يلقون الأضطهاد والموت بسبب رسالتهم .
اما الرسالة الأسلامية فقد اتكأت في معظم فصولها على الجانب العسكري ، حيث ان العربي ابن الجزيرة العربية كان يتقن فنون استخدام السيف اكثر من الفنون الأخرى ، وهكذا كان امضى سلاح في نشر رسالته الى الأمم هو السيف .
سيرورة التبشير
لقد كانت حملات الغرب في [ مرحلته الأستعمارية ] مقترنة بفرق تبشيرية ، ومن نافلة القول ان الحملات العسكرية كانت تستخدم بعض حالات التبشير لخدمة خططها ، ومن هنا الصقت بجميع البعثات التبشيرية تهمة الجاسوسية ، وهي لم تكن كذلك جميعها بدليل ما قدمته بعض هذه الفرق من خدمات جليلة في دنيا الثقافة والتربية والتعليم والخدمات الأنسانية ، ومنها في بلدنا بعثات االرهبان الكرمليون والكبوشيون والدومنيكيون .
التبشير بالدين الأسلامي
اتجه التبشير الأسلامي في العصر الحديث الى الدول الأوروبية التي تسيرها حكومات علمانية ليبرالية ، ولقد بلغت الجاليات العربية الأسلامية في هذه البلدان الملايين ، وهم يتمتعون بكامل الحرية بل اكثر من الحرية التي يتمتعون بها في بلدانهم الأسلامية . انهم يقيمون شعائرهم الدينية اضافة الى حرية التبشير بالأسلام ، واكثر من ذلك فان هذه الفرق تلقى الدعم المالي من بعض هذه الحكومات . ان الحكومات العربية الأسلامية بعيدة عن هذا السلوك جملة وتفصيلا ً ولا مجال للمقارنة بينها وبين الدول الأوروبية بهذا الشأن .
التبشير بالدين المسيحي
انطلاقاً من مفهوم الحكم العلماني الليبرالي الديمقراطي ، يسمح لعمليات التبشير في تركيا وفي منطقة كردستان العراق . وجرت بعض عمليات التبشير المحدودة في كردستان العراق ، ولكن نقرأ عن عمليات استنكار من قبل بعض الأحزاب العاملة في المنطقة ومنها الحركة الديمقراطية الآشورية [ الزوعا ] والحزب الأسلامي الكردستاني .
هناك من الكتاب الأجلاء تطرقوا الى هذا الموضوع بموضوعية ومن باب الحرص الشديد على عدم اعطاء الحجة بيد من يتربص بشعبنا للنيل من وحدته .
لكن الذي ينوي النيل من هذا الشعب لا يحتاج الى حجة ، ماذا نقول عن قتل اصحاب المشروبات الروحية وعن قتل الحلاقين والأطباء والذين يعملون في اجهزة الشرطة ....... ان من يريد ان يقتل يختلق الحجة الضرورية لتبرير فعله .
المواثيق الدولية
تعلن الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1981 عن حقوق الأنسان ، في موضوع القضاء على التعصب والتمييز الديني ، وفي المادة الأولى جاء :
1 ـ لكل انسان الحق في حرية التفكير والوجدان والدين . ويشمل هذا الحق حرية الأيمان بدين او بأي معتقد يختاره ، وحرية اظهار دينه او معتقده عن طريق العبادة واقامة الشعائر والممارسة والتعليم ، سراً بمفرده او مع جماعة ، وجهراً او سراً .
2 ـ لا يجوز تعريض احد لقسر يحد من حريته في ان يكون له دين او معتقد من اختياره .
ان هذه المادة وغيرها تعطي للفرد حرية الأختيار في المعتقد الديني ، وممارسة شعائره بحرية تامة .

الواقع
الواقع ان الدول الآوروبية والدول العلمانية الأخرى تعمل وتلتزم بالمواثيق والقرارات الصادرة من هيئة المم المتحدة في مجال حقوق الأنسان من ناحية معتقده الديني في حين تعزف عن الألتزام بهذه المقررات معظم الدول العرية والأسلامية .
ان بيان الحزب الأسلامي الكردستاني والحركة الديمقراطية الآشورية [ الزوعا ] من ان عملية التبشير تعمل على اشاعة الفوضى في المجتمع ، هي نظرية غير واقعية ، اذا نظرنا اليها بمنظار الحريات الأساسية للأنسان وباعتبار الأمر يتعلق في اشكالية محصورة بين الفرد وخالقه ، وكذلك ما تقرره هيئة الأمم المتحدة في مجال حقوق الأنسان في شتى مناحي الحياة .