بحزاني نت
11-05-2005, 11:34
مفاهيم إسلامية صابئية مترادفة ومتقاربة ـ 2 ـ
مثنى حميد مجيد
6.اليمين ـ من الضروري إلقاء المزيد من الضوء على مفهومي اليمين واليسار في
الديانتين الإسلامية والصابئية لأهميتهما في إجلاء أوجه للتشابه أساسية ومهمة
بينهما.وكتاب الكنزاربا المقدس نفسه كتاب فريد في تقسيمه إذ أن له أيضآ يمين
يشكل ثلثي الكتاب يتضمن السور الخاصة بخلق السماوات والأرض والكائنات أي كل ما
له علاقة بالحياة والروح ، ويسار يؤلف الثلث المتبقي يعالج أمورالموت والجسد
المادي وعودة النفس الى باريها وبما أن الكتاب مقدس بكل صفحاته فقد كتب القسم
الأيسر منه أيضآ من جهة اليمين مما جعله يتيح القراءة لشخصين ، الأول يقرأ
الأسفار الخاصة بالخلق والحياة والثاني يقرأ الأسفار الخاصة بالجسد والموت
وتحرر الروح وإنطلاقتها الى موطنها الأول.والإسلام له نفس النظرة الى اليمين
فالمسلم يبدأ الوضوء بأعضائه اليمنى قبل اليسرى ويضع اليد اليمنى على اليسرى
فوق الصدر عند القيام الذي يسبق الركوع.ويتم التسليم عن اليمين ثم عن
اليسار.وفي بعض الشعائر يتصافح رجل الدين مع المندائي باليد اليمنى تأكيدآ
للعهد المقطوع الى الخالق.وقد أكد الرسول محمد ـ ص ـ على ـ جعل اليد اليمنى
للطعام والشراب والمصافحة وغير ذلك من أمور الحياة وجعل اليد اليسرى للاستنجاء
والإمتخاط ـ ويقترن اليمين في المندائية بالشرق حيث تكون الشمس الى يمين المتجه
الى القبلة في الشمال والمعروف أن النبي محمد ـ ص ـ قد خص الشمس ، وهي مصدر
للضوء بيده اليمنى في حين خص القمر وهو متلق للنور بيده اليسرى ـ يا عم والله
لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره
الله أو أهلك فيه ما تركته ـ وهذا التفضيل متطابق مع النظرة الروحانية
الصابئية لهما.و نجد في القران الكريم أيضآ هذه المكانة لجهة اليمين ـ فلما
أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إني
أنا الله رب العالمين ـ القصص 30
ويرد أيضآ ـ وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشئمة ما أصحاب
المشئمة ـ الواقعة 3.ونقرأ أيضآ ـ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود
وظل ممدود وماء مسكوب ـ.
7.الكوثر ـ الخير الكثير ـ في الحقيقة أن أي ديانة تزعم الإنتماء الى إبراهيم
الخليل ـ ع ـ ينبغي أن تثبت أنها ديانة خير وعطاء ونماء ووفرة ، تثبت ذلك
بنيويآ وتاريخيآ وعلميآ وليس بالتعسف الكهنوتي والإستحواذ على حقائق التاريخ
ومصادرتها.لقد فشلت بعض الجهات الاوربية الأصولية المساهمة في تمويل البعثات
الأثارية للعراق في ربط نتائج التنقيب بتصوراتها الاسطورية الكهنوتية عن تاريخ
وادي الرافدين فعوضت الفشل بالتأثير في الصياغة العلمية لتاريخ العراق بل وفي
نهب الثروات الاثارية وضياعها. ونسبت الى أور وبابل كل الأثام والشرور والإلحاد
وكأن تلك الأقوام لم تكن وما كانت أول من إخترع القلم وكتب على الطين وبنى
شبكات الري المعقدة وعمر وصاغ أقدم المعارف والعلوم.كانت حضارة العراق القديم
حقآ وفعلآ حضارة خير وعطاء ووفرة وكما وصفها هيرودتس المؤرخ اليوناني ـ 425.484
ق.م ـ بإشارته لبابل حين قال عنها منبهرآ ـ انها مخزن للحبوب ـ.و يلاحظ المتمعن
في الأداب البابلية والسومرية شيوع مفردة ـ الوفرة ـ أو ـ الكثرة ـ فيها
وكلما توغلنا عمقآ في التاريخ تكتسب هذه المفردة طابعآ روحانيآ وتصبح محورآ
للمقطوعات والأناشيد الدينية كما في أريدو وأور وأوروك وباقي المدن السومرية
وهي البيئة التي ظهر فيها الأنبياء الأوائل كشيت ونوح وإدريس وإبراهيم ـ ع
ـ.فالنبي شيت ـ ع ـ نفسه مشتق إسمه من الوفرة والخصب فهو شيتل طابا أي غرس
النعمة أو الشتل الطيب.هكذا نستنتج أن الأنبياء الأوائل من أبناء أدم ـ ع ـ
كانوا حقآ أنبياء خير وعطاء ووفرة وكتاب الكنزاربا المقدس ينتمي عمقآ وأصالة
ومبنى ومعنى الى تلك الحضارة المبدعة الأولى ، الى أولئك الأباء الأوائل شيت
وإدريس ونوح وإبراهيم ـ ع ـ الذين دعوا قومهم الى التوحيد فنقلوا جيلآ إثر جيل
تلك التعاليم الربانية السامية التي تنزلت على أبيهم ادم ـ ع ـ .ان الترجمة
الأكثر دقة والأقرب الى جوهر ومحتوى كتاب الكنزاربا، رغم أن ترجمة الكتب
الدينية أمر في غاية الصعوبة وأحيانآ الإستحالة ، هي ـ كتاب الكوثر العظيم ـ
فترجمته الى ـ الكنز العظيم ـ هي ترجمة حرفية بحتة أملاها التشابه اللغوي بين
كلمة ـ كنز ـ العربية و ـ وكنزا الارامية المندائية لأن المعنى الأساسي
والمحتوى الجوهري الكلي للكتاب يكمن في مفردات الخير الكثير ، العطاء الوفير
وهي معاني الكلمة الارامية المندائية ـ كنزا وكتاب الكنزاربا في ثلثيه ـ اليمين
ـ مكرس للخلق للولادة للعطاء في حين أن ثلثه الأيسر مكرس للموت كباب لولادة
حقيقية جديدة فهو كتاب إلهي للوفرة والخير والولادة والصيرورة الأبدية المتجددة
في كل تفاصيله الروحانية والجوهرية واللغوية والبنيوية والشكلية.إن هذه الخلفية
التاريخية والروحانية ، على إقتضابها ، يمكن أن تعيننا في فهم الروابط العميقة
بين الديانتين الإبراهيميتين الإسلام والصابئية المندائية.لقد وردت تفسيرات
عديدة لسورة الكوثر ومعني كلمة ـ الكوثر ـ بالتحديد وهي جميعآ تلتقي مع بعضها
في الجوهر فالكوثر هو الخير الوفير والأعظم الذي يخص به الله أنبياءه ، وهو
أيضآ موقعهم الذي خصهم به الله في جنته ، فهو النهر العظيم الأول الذي ينبع من
تحت العرش الرباني للحياة الأولى الذي ورد في كتاب الكنزاربا المقدس وهو أقدس
أنهار عالم الحق والخلود ـ مشوني كشطا ـ وبه تقترن سدرة المنتهى الواردة في
القران الكريم أو الكرمة المباركة الوارد ذكرها في الكنزاربا والشجرتان رغم
إختلافهما في الاسم الذي أملته الضرورة الإلهية بضرب المثل وفق معطيات البيئة
الطبيعية إلا إن لهما نفس المعنى الروحاني .
وغالبآ ما يذكر النهر العظيم ـ يردنا ربا ـ مقترنآ بالشجرة المباركة الأولى في
الصلوات والتراتيل المندائية وهذه ترجمة للترتيلة 156 من كتاب قلستا المندائي
ـ
عند ضفة النهر العظيم للحياة الأولى
تقوم في ثبات كرمة مطهرة
مرفوعة أمامها كل يوم يمر
مني صلاة وشكر.
8.الماء والأنهار ـ لا شك أن أديان الأرض كلها تولي الماء مكانة وقدسية لكننا
نجد فقط في الاسلام والصابئية المندائية نظيرآ روحانيآ سماويآ لبعض أنهار
الأرض.ففي حديث لأبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ سيحان
وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ـ رواه مسلم.أما الصابئة فيعتقدون أن
نهري دجلة والفرات مع روافدهما وفروعهما هما من أنهار عوالم النور.وفي القران
الكريم كما في كتاب الكنزا ربا يقترن الماء بالحياة في العالم المادي والخلود
في عالم النعيم.وتتشدد التعاليم المندائية في ضرورة عدم تلويث الأنهار ومصادر
المياه وتلعن من لا يلتزم بذلك.وقد روى البهيقي بنده عن النبي صلى الله عليه
وسلم ـ من غسل سخيمته على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين ـ.وفي مسند الامام الربيع ج 1 ص 221 ـ لا يبولن أحدكم في الماء
الدائم ثم يغسل منه أو يتوضأ ـ والماء الدائم هو الماء الجاري أما الماء الراكد
أو الاسن فهو غير صالح أو شرعي سواء للمسلم أو الصابئي.ان وزارة البيئة
العراقية مطالبة اليوم بالكثير الكثير لمعالجة الاثار المهلكة للحرث والنسل
التي تركتها جرائم النظام السابق والإحتلال الأمريكي المزدوجة بحق دجلة والفرات
والأهوار وطيورها وكل دابة وسمكة ،وبحق الإنسان وقيم السماء.
9. النظير ـ تؤكد الصابئية المندائية أن لكل إنسان نظير سماوي ينتظره بعد الموت
وتشبه أرواح المؤمنين بالطيور الخالدة التي تقطن الكرمة المقدسة وأشجار عالم
مشوني كشطا ـ عالم الحق المتقن ـ .وفي الإسلام هناك ما يؤكد وجود هذا التصور
فقد ورد في الحديث الصحيح ما يشير الى أن أرواح المؤمنين ـ طير خضر تعلق بشجر
الجنة حتى يبعث الله هذه الأجساد يوم بعثها ـ.وفي حديث أخر ـ تكون النسم ـ وهي
أرواح المؤمنين ـ طيرآ تعلق بالشجر ، حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس
جسدها.ومن المهم هنا الإشارة الى أن الروح في النصوص المندائية تقوم لها كلمة
نشماثا أي ـ نسمة ـ تمامآ كما ورد في الحديث الشريف.
10.ليلة القدر ـ لقد سبق للباحثة السيدة ناجية المراني أن أشارت الى تشابه ليلة
القدر بين الإسلام والصابئية
بإعتبار عظمة وقدر هذه الليلة التي هي للسلام وللملائكة يتنزلون فيها وللمؤمنين
يتعبدون ويسهرون ويدعون خلالها.لكن أوجه التشابة في الحقيقة تحتاج الى دراسة
مقارنة كاملة من لدن السادة المختصين للوقوف على التفاصيل الدقيقة لخلفية هذا
التشابه المدهش والفريد الذي يمتد اليها ، وفيمايلي بعض النقاط الأساسية التي
تلامس الجوهر وتؤشر تلك التفاصيل.أـ أن اليوم المرجح لليلة القدر هو اليوم
السابع من العشرة الأواخر لشهر رمضان ووفق التقليد المندائي هي الليلة السابعة
بعد ليلة عيد رأس السنة الصابئية أي ليلة يوم كنشي وزهلي ـ الكنس والتنظيف
ـ،ووفق التقليد المندائي أيضآ تتوسط بين اليوم السابع وهو يوم السلام العظيم ـ
شيشلام ربا ـ واليوم السادس وهو يوم للسلام أيضآ كاليوم السابع تمامآ.والمعروف
أن الرقم سبعة والأرقام الفردية عامة لها قيمة روحانية كبيرة في الإسلام
والصابئية ، ويكفي أن نذكر الاية 87 من سورة الحجر ـ ولقد أتيناك سبعآ من
المثاني والقران العظيم ـ. ب ـ ان ليلة اليوم الأول من السنة المندائية هي ليلة
أخرى تكرس للعبادة والدعاء حتى طلوع الشمس وهي ليلة عودة الملائكة بعد زيارتها
للعرش الإلهي إحتفاء بالسنة الجديدة وتقدير المصائر وهو ما ينسجم مع الترجيح
الشيعي لليلة القدر أي ليلتي 21 و23 من رمضان.عن الإمام الباقر عن أبائه سلام
الله عليهم ـ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تغفل عن ليلة إحدى وعشرين
وليلة ثلاث وعشرين أو ينام أحد تلك الليلة.وملخص القول إن المندائيين لا يكرسون
ليلة القدر فقط للعبادة والسهر بل وكذلك يسبقونها للسهر في يومين سابقين.ألا
يثير هذا التكرار في السهر والعبادة لثلاث ليال الى الأصل المشترك لهذا التقليد
والمنبع الواحد الإلهي لنفس مفهوم ليلة القدر ؟. ج ـ يقوم المندائيون بالإطفاء
التام لمصادر النور وهي طبعآ قبل إكتشاف الكهرباء النار فقط وكل مندائي ورع
ومكرس نفسه كلية لتلك الليلة يتوقع رؤية نورانية تترائى له فيحصل على مراده وما
تتوق له نفسه من خلالها.ويشبه التقليد الإسلامي تمامآ التقليد الصابئي في ظهور
الرؤية النورانية وبعضهم يعتقد بالظهور الفعلي للنور.د ـ يعتقد الصابئة أن الله
عز وجل يقدر الأقدار والأحداث والأرزاق في الأيام السبعة لعيد رأس السنة ويقوم
بعضهم بالقراءة في كتاب ـ أسفر ملواشة ـ أي سفر الأرواح وهو كتاب غير ديني
ولكنه يعينهم كما يعتقدون على إستكناه السنه فيما إذا كانت تدعو الى التفاؤل أم
انها غير ذلك وهو تقليد شعبي لكن أساسه الديني مشابه للإسلامي ـ إنا أنزلناه في
ليلة مباركة إنا كنا منذرين ، فيها يفرق كل أمر حكيم ـ سورة الدخان.ه ـ لصبيحة
ليلة القدر قدسية مشتركة لدى المسلمين والصابئة حيث إن هناك تأكيد في سورة
القدر على بزوغ الشمس في الفجر الذي تختتم به ـ سلام هي حتى مطلع الفجر ـ وفي
حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال ـ أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
انها تطلع يومئذ لا شعاع لها ـ رواه مسلم.ومما تجدر الإشارة له أن اليوم
المندائي يبدأ بظهور الشمس ويقوم علماء الدين الصابئي في صبيحة يوم السلام
العظيم ـ دهوا اد شيشلام رباـ أو هبة السلام العظيم بزيارة الأسر المندائية
معلقين على أبواب الدور أكاليل الأس والصفصاف الخضراء تفاؤلآ بالسنة ودفعآ للشر
عنهم.وعن الإمام الباقر سلام الله عليه ـ صبيحة يوم ليلة القدر مثل ليلة القدر
فاعمل واجتهد ـ.
مثنى حميد مجيد
6.اليمين ـ من الضروري إلقاء المزيد من الضوء على مفهومي اليمين واليسار في
الديانتين الإسلامية والصابئية لأهميتهما في إجلاء أوجه للتشابه أساسية ومهمة
بينهما.وكتاب الكنزاربا المقدس نفسه كتاب فريد في تقسيمه إذ أن له أيضآ يمين
يشكل ثلثي الكتاب يتضمن السور الخاصة بخلق السماوات والأرض والكائنات أي كل ما
له علاقة بالحياة والروح ، ويسار يؤلف الثلث المتبقي يعالج أمورالموت والجسد
المادي وعودة النفس الى باريها وبما أن الكتاب مقدس بكل صفحاته فقد كتب القسم
الأيسر منه أيضآ من جهة اليمين مما جعله يتيح القراءة لشخصين ، الأول يقرأ
الأسفار الخاصة بالخلق والحياة والثاني يقرأ الأسفار الخاصة بالجسد والموت
وتحرر الروح وإنطلاقتها الى موطنها الأول.والإسلام له نفس النظرة الى اليمين
فالمسلم يبدأ الوضوء بأعضائه اليمنى قبل اليسرى ويضع اليد اليمنى على اليسرى
فوق الصدر عند القيام الذي يسبق الركوع.ويتم التسليم عن اليمين ثم عن
اليسار.وفي بعض الشعائر يتصافح رجل الدين مع المندائي باليد اليمنى تأكيدآ
للعهد المقطوع الى الخالق.وقد أكد الرسول محمد ـ ص ـ على ـ جعل اليد اليمنى
للطعام والشراب والمصافحة وغير ذلك من أمور الحياة وجعل اليد اليسرى للاستنجاء
والإمتخاط ـ ويقترن اليمين في المندائية بالشرق حيث تكون الشمس الى يمين المتجه
الى القبلة في الشمال والمعروف أن النبي محمد ـ ص ـ قد خص الشمس ، وهي مصدر
للضوء بيده اليمنى في حين خص القمر وهو متلق للنور بيده اليسرى ـ يا عم والله
لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره
الله أو أهلك فيه ما تركته ـ وهذا التفضيل متطابق مع النظرة الروحانية
الصابئية لهما.و نجد في القران الكريم أيضآ هذه المكانة لجهة اليمين ـ فلما
أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إني
أنا الله رب العالمين ـ القصص 30
ويرد أيضآ ـ وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشئمة ما أصحاب
المشئمة ـ الواقعة 3.ونقرأ أيضآ ـ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود
وظل ممدود وماء مسكوب ـ.
7.الكوثر ـ الخير الكثير ـ في الحقيقة أن أي ديانة تزعم الإنتماء الى إبراهيم
الخليل ـ ع ـ ينبغي أن تثبت أنها ديانة خير وعطاء ونماء ووفرة ، تثبت ذلك
بنيويآ وتاريخيآ وعلميآ وليس بالتعسف الكهنوتي والإستحواذ على حقائق التاريخ
ومصادرتها.لقد فشلت بعض الجهات الاوربية الأصولية المساهمة في تمويل البعثات
الأثارية للعراق في ربط نتائج التنقيب بتصوراتها الاسطورية الكهنوتية عن تاريخ
وادي الرافدين فعوضت الفشل بالتأثير في الصياغة العلمية لتاريخ العراق بل وفي
نهب الثروات الاثارية وضياعها. ونسبت الى أور وبابل كل الأثام والشرور والإلحاد
وكأن تلك الأقوام لم تكن وما كانت أول من إخترع القلم وكتب على الطين وبنى
شبكات الري المعقدة وعمر وصاغ أقدم المعارف والعلوم.كانت حضارة العراق القديم
حقآ وفعلآ حضارة خير وعطاء ووفرة وكما وصفها هيرودتس المؤرخ اليوناني ـ 425.484
ق.م ـ بإشارته لبابل حين قال عنها منبهرآ ـ انها مخزن للحبوب ـ.و يلاحظ المتمعن
في الأداب البابلية والسومرية شيوع مفردة ـ الوفرة ـ أو ـ الكثرة ـ فيها
وكلما توغلنا عمقآ في التاريخ تكتسب هذه المفردة طابعآ روحانيآ وتصبح محورآ
للمقطوعات والأناشيد الدينية كما في أريدو وأور وأوروك وباقي المدن السومرية
وهي البيئة التي ظهر فيها الأنبياء الأوائل كشيت ونوح وإدريس وإبراهيم ـ ع
ـ.فالنبي شيت ـ ع ـ نفسه مشتق إسمه من الوفرة والخصب فهو شيتل طابا أي غرس
النعمة أو الشتل الطيب.هكذا نستنتج أن الأنبياء الأوائل من أبناء أدم ـ ع ـ
كانوا حقآ أنبياء خير وعطاء ووفرة وكتاب الكنزاربا المقدس ينتمي عمقآ وأصالة
ومبنى ومعنى الى تلك الحضارة المبدعة الأولى ، الى أولئك الأباء الأوائل شيت
وإدريس ونوح وإبراهيم ـ ع ـ الذين دعوا قومهم الى التوحيد فنقلوا جيلآ إثر جيل
تلك التعاليم الربانية السامية التي تنزلت على أبيهم ادم ـ ع ـ .ان الترجمة
الأكثر دقة والأقرب الى جوهر ومحتوى كتاب الكنزاربا، رغم أن ترجمة الكتب
الدينية أمر في غاية الصعوبة وأحيانآ الإستحالة ، هي ـ كتاب الكوثر العظيم ـ
فترجمته الى ـ الكنز العظيم ـ هي ترجمة حرفية بحتة أملاها التشابه اللغوي بين
كلمة ـ كنز ـ العربية و ـ وكنزا الارامية المندائية لأن المعنى الأساسي
والمحتوى الجوهري الكلي للكتاب يكمن في مفردات الخير الكثير ، العطاء الوفير
وهي معاني الكلمة الارامية المندائية ـ كنزا وكتاب الكنزاربا في ثلثيه ـ اليمين
ـ مكرس للخلق للولادة للعطاء في حين أن ثلثه الأيسر مكرس للموت كباب لولادة
حقيقية جديدة فهو كتاب إلهي للوفرة والخير والولادة والصيرورة الأبدية المتجددة
في كل تفاصيله الروحانية والجوهرية واللغوية والبنيوية والشكلية.إن هذه الخلفية
التاريخية والروحانية ، على إقتضابها ، يمكن أن تعيننا في فهم الروابط العميقة
بين الديانتين الإبراهيميتين الإسلام والصابئية المندائية.لقد وردت تفسيرات
عديدة لسورة الكوثر ومعني كلمة ـ الكوثر ـ بالتحديد وهي جميعآ تلتقي مع بعضها
في الجوهر فالكوثر هو الخير الوفير والأعظم الذي يخص به الله أنبياءه ، وهو
أيضآ موقعهم الذي خصهم به الله في جنته ، فهو النهر العظيم الأول الذي ينبع من
تحت العرش الرباني للحياة الأولى الذي ورد في كتاب الكنزاربا المقدس وهو أقدس
أنهار عالم الحق والخلود ـ مشوني كشطا ـ وبه تقترن سدرة المنتهى الواردة في
القران الكريم أو الكرمة المباركة الوارد ذكرها في الكنزاربا والشجرتان رغم
إختلافهما في الاسم الذي أملته الضرورة الإلهية بضرب المثل وفق معطيات البيئة
الطبيعية إلا إن لهما نفس المعنى الروحاني .
وغالبآ ما يذكر النهر العظيم ـ يردنا ربا ـ مقترنآ بالشجرة المباركة الأولى في
الصلوات والتراتيل المندائية وهذه ترجمة للترتيلة 156 من كتاب قلستا المندائي
ـ
عند ضفة النهر العظيم للحياة الأولى
تقوم في ثبات كرمة مطهرة
مرفوعة أمامها كل يوم يمر
مني صلاة وشكر.
8.الماء والأنهار ـ لا شك أن أديان الأرض كلها تولي الماء مكانة وقدسية لكننا
نجد فقط في الاسلام والصابئية المندائية نظيرآ روحانيآ سماويآ لبعض أنهار
الأرض.ففي حديث لأبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ سيحان
وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ـ رواه مسلم.أما الصابئة فيعتقدون أن
نهري دجلة والفرات مع روافدهما وفروعهما هما من أنهار عوالم النور.وفي القران
الكريم كما في كتاب الكنزا ربا يقترن الماء بالحياة في العالم المادي والخلود
في عالم النعيم.وتتشدد التعاليم المندائية في ضرورة عدم تلويث الأنهار ومصادر
المياه وتلعن من لا يلتزم بذلك.وقد روى البهيقي بنده عن النبي صلى الله عليه
وسلم ـ من غسل سخيمته على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين ـ.وفي مسند الامام الربيع ج 1 ص 221 ـ لا يبولن أحدكم في الماء
الدائم ثم يغسل منه أو يتوضأ ـ والماء الدائم هو الماء الجاري أما الماء الراكد
أو الاسن فهو غير صالح أو شرعي سواء للمسلم أو الصابئي.ان وزارة البيئة
العراقية مطالبة اليوم بالكثير الكثير لمعالجة الاثار المهلكة للحرث والنسل
التي تركتها جرائم النظام السابق والإحتلال الأمريكي المزدوجة بحق دجلة والفرات
والأهوار وطيورها وكل دابة وسمكة ،وبحق الإنسان وقيم السماء.
9. النظير ـ تؤكد الصابئية المندائية أن لكل إنسان نظير سماوي ينتظره بعد الموت
وتشبه أرواح المؤمنين بالطيور الخالدة التي تقطن الكرمة المقدسة وأشجار عالم
مشوني كشطا ـ عالم الحق المتقن ـ .وفي الإسلام هناك ما يؤكد وجود هذا التصور
فقد ورد في الحديث الصحيح ما يشير الى أن أرواح المؤمنين ـ طير خضر تعلق بشجر
الجنة حتى يبعث الله هذه الأجساد يوم بعثها ـ.وفي حديث أخر ـ تكون النسم ـ وهي
أرواح المؤمنين ـ طيرآ تعلق بالشجر ، حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس
جسدها.ومن المهم هنا الإشارة الى أن الروح في النصوص المندائية تقوم لها كلمة
نشماثا أي ـ نسمة ـ تمامآ كما ورد في الحديث الشريف.
10.ليلة القدر ـ لقد سبق للباحثة السيدة ناجية المراني أن أشارت الى تشابه ليلة
القدر بين الإسلام والصابئية
بإعتبار عظمة وقدر هذه الليلة التي هي للسلام وللملائكة يتنزلون فيها وللمؤمنين
يتعبدون ويسهرون ويدعون خلالها.لكن أوجه التشابة في الحقيقة تحتاج الى دراسة
مقارنة كاملة من لدن السادة المختصين للوقوف على التفاصيل الدقيقة لخلفية هذا
التشابه المدهش والفريد الذي يمتد اليها ، وفيمايلي بعض النقاط الأساسية التي
تلامس الجوهر وتؤشر تلك التفاصيل.أـ أن اليوم المرجح لليلة القدر هو اليوم
السابع من العشرة الأواخر لشهر رمضان ووفق التقليد المندائي هي الليلة السابعة
بعد ليلة عيد رأس السنة الصابئية أي ليلة يوم كنشي وزهلي ـ الكنس والتنظيف
ـ،ووفق التقليد المندائي أيضآ تتوسط بين اليوم السابع وهو يوم السلام العظيم ـ
شيشلام ربا ـ واليوم السادس وهو يوم للسلام أيضآ كاليوم السابع تمامآ.والمعروف
أن الرقم سبعة والأرقام الفردية عامة لها قيمة روحانية كبيرة في الإسلام
والصابئية ، ويكفي أن نذكر الاية 87 من سورة الحجر ـ ولقد أتيناك سبعآ من
المثاني والقران العظيم ـ. ب ـ ان ليلة اليوم الأول من السنة المندائية هي ليلة
أخرى تكرس للعبادة والدعاء حتى طلوع الشمس وهي ليلة عودة الملائكة بعد زيارتها
للعرش الإلهي إحتفاء بالسنة الجديدة وتقدير المصائر وهو ما ينسجم مع الترجيح
الشيعي لليلة القدر أي ليلتي 21 و23 من رمضان.عن الإمام الباقر عن أبائه سلام
الله عليهم ـ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تغفل عن ليلة إحدى وعشرين
وليلة ثلاث وعشرين أو ينام أحد تلك الليلة.وملخص القول إن المندائيين لا يكرسون
ليلة القدر فقط للعبادة والسهر بل وكذلك يسبقونها للسهر في يومين سابقين.ألا
يثير هذا التكرار في السهر والعبادة لثلاث ليال الى الأصل المشترك لهذا التقليد
والمنبع الواحد الإلهي لنفس مفهوم ليلة القدر ؟. ج ـ يقوم المندائيون بالإطفاء
التام لمصادر النور وهي طبعآ قبل إكتشاف الكهرباء النار فقط وكل مندائي ورع
ومكرس نفسه كلية لتلك الليلة يتوقع رؤية نورانية تترائى له فيحصل على مراده وما
تتوق له نفسه من خلالها.ويشبه التقليد الإسلامي تمامآ التقليد الصابئي في ظهور
الرؤية النورانية وبعضهم يعتقد بالظهور الفعلي للنور.د ـ يعتقد الصابئة أن الله
عز وجل يقدر الأقدار والأحداث والأرزاق في الأيام السبعة لعيد رأس السنة ويقوم
بعضهم بالقراءة في كتاب ـ أسفر ملواشة ـ أي سفر الأرواح وهو كتاب غير ديني
ولكنه يعينهم كما يعتقدون على إستكناه السنه فيما إذا كانت تدعو الى التفاؤل أم
انها غير ذلك وهو تقليد شعبي لكن أساسه الديني مشابه للإسلامي ـ إنا أنزلناه في
ليلة مباركة إنا كنا منذرين ، فيها يفرق كل أمر حكيم ـ سورة الدخان.ه ـ لصبيحة
ليلة القدر قدسية مشتركة لدى المسلمين والصابئة حيث إن هناك تأكيد في سورة
القدر على بزوغ الشمس في الفجر الذي تختتم به ـ سلام هي حتى مطلع الفجر ـ وفي
حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال ـ أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
انها تطلع يومئذ لا شعاع لها ـ رواه مسلم.ومما تجدر الإشارة له أن اليوم
المندائي يبدأ بظهور الشمس ويقوم علماء الدين الصابئي في صبيحة يوم السلام
العظيم ـ دهوا اد شيشلام رباـ أو هبة السلام العظيم بزيارة الأسر المندائية
معلقين على أبواب الدور أكاليل الأس والصفصاف الخضراء تفاؤلآ بالسنة ودفعآ للشر
عنهم.وعن الإمام الباقر سلام الله عليه ـ صبيحة يوم ليلة القدر مثل ليلة القدر
فاعمل واجتهد ـ.