بحزاني نت
28-03-2005, 10:51
عبد المنعم عنوز: القانونية للاتفاقات السياسية في دولة القانون
دكتوراه في القانون ( فرنسا )
عضو نقابة المحامين العراقية
من المعلوم ان اي اتفاق سياسي , سواء تم بين حزبين اوأئتلافين من الاحزاب او اكثر,لاينتج عنه الا التزاما محددا بالنتائج والاثار وذات طبيعة سياسية فقط. والاصل ان هذا الالتزام لايتجاوزأثره حدود الاطراف التي وضعته وصاغت محتواه لسبب او لاخر.فهو لايتجاوز في نفاذه والالتزام بمضمونه من الناحية السياسية أو الاخلاقية حدود الدائرة السياسية الموقعة عليه.
الا ان مثل هذه الاتفاقات السياسية قد يقصد منها ان تنتج وضعا قانونيا ملزما تمتد اثاره القانونية ليس فقط على طرفي الالتزام ,وانما قد يسري في نفاذه ليشمل شرائح المجتمع كله . فقد تتناول نصوص الاتفاقات السياسية في مضمونها الى وضع المبادى العامة لاقرار بعض الحقوق وتحديد درجة الواجبات ,تضييقها او اتساع دائرة تنفيذها , وغيرها من الاحكام التي يرتبها هذا الاتفاق على الغير ممن يسري عليهم تطبيقها.ومثل هذا الافتراض لايتحقق الا بعد ان يتحول الاتفاق السياسي الى نص قانوني , أو مايسمى بالتصرف الشرعي في الفقه الاسلامي,عندما تتفق الارادات لاحداث اثر قانوني يكون ملزما من حيث الزمان والمكان وينتج أثره على الاشخاص الذي يسري عليهم تنفيذ ماجاء به من احكام .
. فما هي اذن الشروط اللازمة لكي تولد الاتفاقات السياسية مثل هذه الاثارالقانونية ؟ اذا علمنا ان اهم ما فيها من اثر قانوني هو انه ينشيء التزاما يقضي النص تنفيذه وتحمل نتائجه .
ان غرض البحث يبين اهمية الطرق الاصولية التي تقود الى تأسيس واكتمال ضوابط دولة القانون التي يسعى اليها الجميع . ان هذه الحالة الجديدة هي التي تميز سيادة النص القانوني في الاتفاقات القائمة على الشرعية سواء في علاقة الافراد فيما بينهم في نطاق القانون الخاص او علاقتهم مع سلطات الدولة بكل انواعها في نطاق القانون العام : الدولي والاداري والدستوري كما هو الحال في الوظيفة العامة ,أوالنيابة في المجالس النيابية والبلدية ومجالس الادارة التي تعبر عن اتفاق بين النائب وناخبيه .هذه الوقائع القانونية تختلف عن تلك العلاقات التي يفرضها القرار السياسي الذي يفتقر الى اي سند تشريعي سواء كان صادرا عن حزب واحد او عدة احزاب مجتمعة اوائتلافات سياسية متنوعة الاهداف والمشاريع ,وطنية كانت او عرقية او دينية.فالقرار السياسي لحاله لاينتج أثرا قانونيا الا عندما يتحول الى نص تشريعي مستكملا اركانه.
كان من نتائج انتخابات المجلس الوطني العراقي في 30 كانون الثاني 2005 هو محاولة القوائم الفائزة أن تأخذ مواقعها في تحمل المسؤلية والعمل على انجاز ما يريده المواطن العراقي كما هو واضح ومثبت في برامجها وافكارها في بناء الدولة العراقية ونظامها السياسي للمرحلة الانتقالية الثانية التي تنتهي بعد كتابة الدستور الدائم وتشكيل الحكومة الدائمة . الا انه من الملاحظ هو انشغال اهتمامات السياسيين العراقيين في الوقت الحاضرفي مفاوضات ماراتونية متكررة تهدف جاهدة في حواراتها الىالاتفاق على تنفيذ ماتم التفاهم عليه سابقا في مؤتمراتهم التي سبقت تغيير نظام الحكم أو تم ادراجها في متن قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في 2004 الصادر في مرحلة مجلس الحكم. وهذه الحالة تنطبق على تلك القوى السياسية التي تحملت مسوؤلية احتلال المواقع المتقدمة في قيادة المعارضة وما نتج عنها من تحمل اضرار انسانية ومادية وجريمة ارتكبها النظام السابق بحق الشرائح الانسانية التي يمثلونها . ولاشك في ان كل طرف من هذه الاطراف الحق في ان يدفع بالحجة على ان اي اتفاق سياسي مشترك تم الاتفاق عليه بين هذه القوى السياسية ينبغي العمل به مهما كانت النتائج استنادا الى اعتبار ذلك نوعا من الالتزام المعنوي والاخلاقي والعرف السياسي الذي ينبغي احترامه و التقيد بما نص عليه .
واذا كان مثل هذا الافتراض ملزما في قواعد الفقه السياسي حيث يمكن اعتباره قاعدة من قواعد العمل والعرف في هذا الميدان ومن بديهيات مبدأ وضع الالتزام السياسي موضع التنفيذ. الا انه من العقم السياسي اعتبارمضمون الاتفاقات السابقة حالة مطلقة وجامدة لاتقبل اعادة النظروالتغيير.ان كثير من الوقائع السياسية قد تخضع لعامل الظرف الزمني لبعض المتغيرات التي لايمكن تجاهلها والتي تقود بالضرورة الى مراجعة الموقف استنادا الى قاعدة مبدأ المرونة والموضوعية في السلوك السياسي . فمن المعروف ان هنالك وقائع موضوعية جديدة ولدت بعد اجراء الانتخابات كانت غائبة في في المرحلة التي سبقتها والتي كان حينها من الطبيعي يتمتع السياسيون بقدر واسع من هامش الحرية في التنظيرالتجريدي لفرض طموحاتهم و ضرورة انجازها كما يرون على واقع مكونات الخارطة السياسية العراقية الجديدة , خاصة في جانبها الثقافي والعرقي والديني, نذكر منها مثل اعتماد الدين السياسي في نظام الحكم واعتماد الدين الاسلامي على انه المصدر الوحيد للتشريع, او تخطيط حدود اقليمية جديدة عسكرية أو عرقية لمنطقة كردستان أو تقسيم الثروات الوطنية....
وقد يكون من الصعب ان تتراجع بعض القيادات السياسية عن بعض برامجها وافكارها التي كانت ولا زالت هي المحرك في ديمومتها وضمان شرعية تمثيلها لهذة الشريحة العرقية او الدينية. رغم ذلك , الا يمكن اعادة النظر في بعض الثوابت السياسية أوالاهداف ان كان فيها تحقيق النفع العام الذي يجب ان يتقدم بالضرورة على منافع الطوائف العرقية او الدينية. ان تكييف هذه الثوابت بما يلائم الحالة العراقية الجديدة ( وطن واحد , عراقي واحد , ارض واحدة ) اصبح كما نقدر من مهام وواجبات المتخصصين في العلوم السياسية والاجتماعية والقانونية داخل هذه الكتل السياسية في ان تتدخل بتقديم استشاراتها بما هو واقعي وموضوعي. فعلى هذه الجهات الاستشارية المسؤولية المهنية والانسانية في اعطاء الحلول الملائمة التي يدعمها التبرير العلمي والعملي والواقع . أن هذا الموقف سيمكن القادة السياسيين اعادة النظر في افكارهم وتكييفها من جديد لما يمكن ان يرضى قبول احترام الاخرين لها عندما تصبح قابلة للتنفيذ في اطار الوطن الواحد . وفي خلاف ذلك, ستبتعد هذه المكونات السياسية عن واجباتها في بناء العراق الجديد.
ان ولادة رؤى جديدة وموضوعية تتكيف مع منطق بناء دولة عراقية عصرية ديموقراطية تعددية فدرالية موحدة ,يدفع باتجاه تحجيم محورين خطرين يهددان بناء واستقرار هذه الدولة .
المحور الاول ,هونهج التعصب الديني يرافقه المذهبي الذي خلق هذه التربية الراديكالية في ظروف الحصار الثقافي والمعرفي سواء كان على المستوى الاجتماعي العام أو الاكاديمي. ولقد حصل هذا بسبب موانع انتشار المعرفة الحضرية او الاتصال بها والاثراء منها بقدر أو باخر. ان حالة الطلاق التام في تناول اي ثقافة متحضرة اخرى في ظل النظام السابق( باستثناء التقافة الحزبية البعثية أو القومية باتجاهها العنصري ) نتج عنه اختلال ومصادرة قدرة الفرد العراقي التعامل مع احكام الشريعة الاسلامية الحنيفة بشكل معتدل ومتسامح سواء بتعامل الفرد مع ذاته او مع اسرته او مع الاخرين. لقد كانت اسباب القمع الفكري وانغلاق المجتمع أن اندفع من وجد في الاسلام الخلاص لحالة العدمية النفسية والمادية التي تعرض لها . وتنطبق هذه الحالة بشكل واضح على من وضع نفسه فكريا أو سياسيا لضرورة الخلاص والنجاة تحت مظلة الاحزاب الدينية سواء داخل مكونات أحزاب الأتلاف العراقي الموحد أو خارجه . ولكن هذه الحالة في اختيارالمنهج الاسلامي في اصوله الايمانية ومزجها مع جزئيات معاملات الحياة اليومية وفرضها كرها على الاخرين لا تخلوا من خطورة التصادم مع الغير لمن هو خارج اطار هذه التركيبة الدينية. انها كفيلة بتعريض السلم الاجتماعي الى منزلقات خطيرة تمنع ضمان وحدته واستقراره وتقدمه . ومثال ذلك احداث جامعة البصرة الاخيرة , أوتلك الجرائم التي تم تنفيذها بحق شرائح اجتماعية فقط كونها تعتبر من طائفة مذهبية أخرى تم تكفيرها وأجازت قتلها. أو نقل الطقوس الدينية الى قلب المؤسسات التعليمية.
ان مراجعة هذه الافكار الدينية وعدم محاولة دمجها في الحياة السياسية هي ليست دعوة لتفريغ منهج وفكر الاحزاب الدينية من قيم العقيدة الاسلامية. لكنها الضرورة الموضوعية وتحقيق المنافع العليا في التزام عمق مدلول هذه العقيدة وممارستها في اصولها الحضارية المتمدنة المتسامحة التي تقود الى رقي الانسان لا الى تخلفه أو رفضه للاخرين, وضرورة تعامله بشكل صحيح مع قانون الحياة الذي يسمح بتنوع مصادر الثراء وبناء وضمان حقوق الانسان وهي كلها نتاج الفكر البشري ,هذا الانسان الذي كرمه الله رغم تنوع العقائد والنظريات الفكرية الانسانية التي يأخذ منها منهجا في نوع وطبيعة علاقاته الاجتماعية أو السياسية ..... أما المحور الثاني , فانه لايقل خطورة عن سابقه لانه يتعرض الى مقومات وحدة الوطن المعلنة وتماسك مناطقه بواقع تنوع الاعراق فيه. وهذا الافتراض الذي لانتمناه قائم على ثقافة الانفصال التي تدفع اليها شريحة واسعة من شعبنا الكردي .فهل هو ناتج عن ارادة محضة يراد منها ان تتجه الى احداث نتائج قانونية محددة ومبرمجة ؟
أنه ليس غريبا ان تنمو وتقوى مثل هذه الحالة اذا علمنا أولا, انها تعبرفي الاصل طموحات مشروعة لاقلية عاشت مضطهدة ومسلوبة الحقوق وتعرضت مرارا لانواع الابادة الجماعية...... ان هدف الانفصال ليس خفيا فهو مؤكد ومعلن ويتردد دائما في خطاب و برنامج القيادات السياسية الكردية لبناء الدولة الكردية المستقلة في المستقبل.
ولكن ماهي حدود هذه الوقائع في اطارها السياسي ؟ وهل يريد بها أن تنشيء أثرا ملزما في الروابط القانونية المستقبلية؟
وثانيا, لقد نشأ جيل جديد منذ عام 1980 في اقليم كردستان على مفهوم العودة الى الذات القومية العرقية الكردية بسبب الويلات والاضطهاد العنصري وجريمة الابادة الجماعية التي تعرض لها كما ذكرنا سابقا. وهذا الواقع يجعل من احساس وسلوك الجيل الكردي الجديد غيرعابئا بنظرية العراق الواحد او الشعب الموحد . لقد خلق هذا الواقع انفصاما تاما في التفكيروالاهداف انسحب على مستوى عموم الشعب الكردي في علاقته الطبيعية مع الاقليات الاخرى في المجتمع العراقي .لقد كان الامر على خلاف ذلك في الفترة السابقة, حيث كان دائما في تاريخ العراق الحديث تمازجا تاما بين هاتين القومييتين والقوميات الاخرى ثبت فيها تعايشا انسانيا سلميا مثاليا في العلاقات الاجتماعية من خلال التواجد المشترك في الوظيفة العامة والخدمة العسكرية والسكن المتجاور اوفي المجال الاكاديمي والمعرفي او تبادل الاعمال التجارية بين الشمال وبقية ارجاء الوطن . ولكن بفعل الظروف الاخيرة برزللاسف السلوك الاجتماعي بشكله الراديكالي عند بعض الاخوة الاكراد في التعامل مع الواقع السياسي الحالي الذي لن يتردد في اطلاق الخطاب الموازي الذي يهدد بالانفصال والذي نتمنى أن لايكون مبرمجا ومقصودا ,لانه ان كان كذلك, فانه سيدفع اكثر في اتجاه الفرقة والتناحرلان الامور تؤخذ في مقاصدها.اليس هذا ما عبرت عنه طبيعة انتخابات الخيم الموازية لمراكز الانتخابات الرسمية التشريعية في30 كانون الثاني 2005 ؟
ان هذا الواقع الجديد يدعو الى اعادة النظرفي قراءة هذه الحقيقة معمقا والبحث عن وسائل علاجها سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
هذه الحقائق وغيرها تتطلب جهدا كبيرا من الجميع لكنه ليس مستحيلا عندما تتوفر النوايا الصادقة عند اصحاب القرار لغرض بناء دولة عراقية قوية الثوابت متماسكه في نسيجها الاجتماعي ومعبرة في دستورها عن مجتمع متحضرولكي تكون لهذه الدولة مكانتها الدولية المرموقة.
ومن ناحية اخرى, فنحن نرى ان تطبيق( مبدأ حق تقرير المصير) ليس هدفا بحد ذاته , انما هو الوسيلة التي منحت للانسان في الخلاص من الاضطهاد والتمييز العنصري والقمع البوليسسي, ولغرض منح الاقلية امكانية التمتع بحياة حرة كريمة في نظام حكم مستقل يتحقق فيه العدل والمساواة والديموقراطية . هذه هي الاسباب الموجبة لاقرار هذا الحق في القانون الدولي. على ضوء ذلك فان الجميع يقدراهمية اكتساب نتائج هذا الحق الذي هو هدف لكل العراقيين حيث كان الاضطهاد والقمع ووو...من نصيب الجميع دون تمييز. وبرأينا أن التمتع بهذا الحق يحتمل الاتجاهين في التطبيق استنادا الى فرضية الاولويات في تحقيق المنافع.و لذلك نجد من الموضوعية بان تحقيق هذا الهدف لاخواننا الاكراد ينبغي أن لايقوم على خيارالانفصال, انما العمل به
في الاتجاه الذي يميل الى حالة الاندماج التام والتوجه الى عمق العراق بما يملكه هذا الوطن من ثراء اجتماعي وثقافي واقتصادي و تاريخ مشترك متسامح لكل القوميات والمعتقدات بعيدا عن فلسفة انظمة الحكم السياسية المتعاقبة. نعم ,لقد اختارت القيادات السياسية الكردية الرئيسية هذا الاتجاه الثاني بمسئولية عالية وتقدير الحالة الكردية تقديرا موضوعيا. ولكن هذا لايلغي حالة الارتباك والقلق النفسي المتراكم لدى أغلب عناصر النسيج الاجتماعي الكردي الذي لربما ياخذه الاعتقاد او قد يأخذه الظن بأن قرار القيادة المعنية بهذا الاتجاه هو مجرد مرحلة سياسية مؤقتة دخلت فيها مجبرة مكرهة بدافع واقع العلاقات الاقليمية أو الدولية,وما أشد وقعا على النفس البشرية من حالة الاكراه. وللتحرر المطلق من هذه الحالة القلقة فان على القيادة السياسية الكردية ان تتصارح بموضوعية عالية مع شعبها لكي تمنحه الثقة التامة للعيش مع الجميع في برنامج حياة دائمة على كامل تراب الوطن الواحد هو العراق . وعند ذلك يصبح الشد والجذب والصراع في وضع الحدود الاقليمية وترسيمها مسألة جدا ثانوية في اطار دولة ديموقراطية مستقلة ومتماسكة في كافة مناطقها, يرسم سياستها الجميع,وتتحمل مسؤوليتها كافة الاقطاب السياسية بخاصيتها العراقية الجغرافية والاقتصادية والامنية وغيرها .
أن كل ما تقدم يستدعي اتخاذ قرارات سياسية في غاية الاهمية تضاف على ماتم الاتفاق عليه سابقا بين القوى السياسية الرئيسية التي تكون العناصر الاساسية في بناء دولة القانون . الا ان مثل هذه الاتفاقات السياسية اينما كان مصدرها لايعتد بها مالم تكتسب قوة الالزام في تنفيذها. وهي لن تكون كذلك الا عندما تستند على نص قانوني نافذ التطبيق وتصبح بحكم التصرفات الشرعية .
ان الاتفاق السياسي هو في بدايته يشكل واقعة سياسية تستند علىارادة اطرافها. وهي في هذه الحالة تكون مصدر المسؤولية التعاقدية للاطراف الموقعة عليها وتحدث اترها القانوني فيما بينهم في ترتيب الالتزامات عندما تتفق الارادات لاحداث هذا الاثر.
أما الاتفاقات السياسية التي يراد منها ان تتحول الى قانون ينظم الروابط القانونية بين المواطنين فيما بينهم أو مع سلطات الدولة في اطار القانون الخاص او القانون العام كما ذكرنا سابقا بكافة انواعها, فلابد من دور لارادة المواطن في انشاء هذه الروابط مباشرة اوبشكل غير مباشر كما سنأتي على توضيحه لاحقا من خلال الموافقة عليها في عقد اجتماعي يتم بناؤه وتحديد الاثار المترتبة عليه.
أين هي اذن ارادة الفرد العراقي من هذه الاتفاقات السياسية التي تحولت الى مباديء عمل في نظام تمت صياغته على شكل قانون اساسي ؟ ان هذا النظام القانوني هو سبب تمسك بعض الاطراف السياسية على وجوب تنفيذ مانص عليه في قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت لعام 2004 والذي خلق حالة من الارتباك في الحوار أوالاتفاق في مرحلة حرجة للجميع .ولاشك أن لكل طرف من اطراف الحوارحججه ومبرراته التي يتمسك بها. مما يلزم أولا تقييم خصائص هذا النظام القانوني, وما هي قوة الالزام لما جاء فيه من احكام ؟
قبل الاجابة على هذا السؤال, لابد من توضيح مايلي :
هنالك من الانظمة السياسية من تعتبر بان مصدر العقد في تحديد نوع الرابطة التي تجمع المواطن ونظام الحكم بكافة سلطاته قائم على( مبدأ الرضائية) أي القبول الضمني كما كان سائدا في القرون الوسطى في نشأة العقود بكافة اشكالها. عند ذلك لايعتد بصلاحية الارادة ولا يمكن اعتبارها اساسا في نشأة الالتزام وما ينتج عنه من أثر قانوني. وان اساس العقد في الواقع ليس في جوهر التعبير عن الارادة , بل في تحقيق العدالة وضمان المصلحة العامة. أما حرية الفرد في التعبير ,فلا ينفسح لها مجال الا بقدر ما تتفق ارادتة مع المصلحة العامة. ان مثل هذه الافكار تصادر بدون شك حرية الفرد في صياغة قوانين الدولة تحت ذريعة اولوية المصلحة العامة, وهي في واقع الامر وسيلة يمكن الدفع بها من اجل حماية النظام السياسي القائم وعدم التعرض له بالتغييرمن خلال حرية التعبير والاختيار باجراءات ديموقراطية معلنة, بدعوى ان ارادة المواطن بالاختيار والقبول تفهم ضمنيا ومصدرها متحقق في العرف القبلي أو الاجتماعي لهذا المجتمع أو لغيره طالما درج الفرد على التعايش معه. وهذا ما دافع عنه الرئيس الليبي في خطابه الاخير في قمة الجزائرحينما اعتبر ان العقد الاجتماعي حاصل ضمنيا بقبول الشعوب لانظمتها في دول العالم الثالث في افريقيا واسيا. وقد اعتبر الديموقراطية متحققة فيها بهذا الشكل وهي اكثر قبولا من نماذج الديموقراطية في العالم الغربي دون ادراك منه بأن الديموقراطية هي وسيلة لتنظيم ممارسة الحرية المستقلة للفرد في اختيار مايراه مناسبا .
يختلف الحال في النظام الذي يغلب (مبدأ سلطان الارادة) الذي يكون فيه النظام الاجتماعي يرتكز على الفرد, فهو الغاية, ولخدمته يسخر المجموع. والفرد لايستكمل شخصيته الا بالحرية, بل ان مظهر هذه الشخصية هو الارادة الحرة المستقلة.اذن الارادة هي آية الشخصية من الناحية القانونية, ولما كان الفرد يعيش في المجتمع , ولما كانت الغاية الاولى هي احترام حريته وارادته, كان من الواجب ان تكون روابطه بغيره من أفراد المجتمع أساسها الارادة الحرة, فلا يخضع لواجبات الا اذا كان قد ارتضاها مختارا, وعبر عنها صراحة مباشرة أو من خلال من ائتمنه في التمثيل النيابي. هذا هو جوهر العمل في الانظمة السياسية الديموقراطية الذي يتمشى مع قانون الحياة المعاصر والذي يعبر عنه مضمون العقد الاجتماعي الذي تقدم به جان جاك روسو.
فقد يكون اعلان الارادة للمواطن مباشرة في نشأة الالتزام كما هو الحال في اختيار ممثليه للمجالس البلدية أو للجمعية الوطنية , أو عندما تتم دعوته للاستفتاء على مسودة الدستور الدائم اوالاستفتاء لاختيار رئيسا للجمهورية في الاقتراع المباشر. وقد تنشا الالتزامات تجاه المواطن العراقي بشكل غير مباشروذلك من خلال تشريعات المجلس الوطني, الذي منحه هذا المواطن الثقةعند اختياره في الانتخابات في تشريع مايراه مناسبا .هذه هي القاعدة الاصل في تقييم خصائص النظام القانوني واصول تشريع القوانين في دولة القانون.
بعد كل ذلك نتسائل في ان ماورد من قواعد واحكام في قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت لعام 2004, هل يحمل عناصر الارادة الحرة المستقلة للفرد العراقي عند صياغة مضامينه , أم أن على هذا الفرد ان يقبلها كما هي عملا بقاعدة الخضوع لاولوية المصلحة العامة وظروف المرحلة التي قدرتها الاتفاقات السياسية ؟
في الفقه القانوني ,ينبغي في صياغة واصدار القانون مراعاة معياري الشكل والمضمون التشريعي.
لقد تم اصدار قانون ادارة الدولة المؤقت من قبل هيئة سياسية ( مجلس الحكم ) لن تتمتع مطلقا بسلطة التشريع. ثم أنه كان نتيجة اتفاقات لقوى سياسية وان كانت تمثل شريحة واسعة من المجتمع العراقي, ولكنها لاتمثل الاغلبية المطلقة لهذا الشعب والتي لايمكن تمثيلها الا في وجود برلمان تشريعي منتخب يتمتع بحق تشريع القوانين .فلقد كانت الحرية المستقلة للفرد العراقي غائبة حين اصداره .
من ناحية اخرى, تم اعتبار هذا القانون على انه بمثابة القانون الاساسي للدولة العراقية وعلى انه شكل من اشكال الدستور. وفي المفهوم القانوني بأن الدستور لا يتناول الا المباديء العامة التي تعبر عن ثوابت عقيدة الدولة بكل عناصرها لانها تتناول نظام الحكم وهوية الشعب وحقوقه الاساسية وجغرافية الوطن وسيادته.....الا ان قانون ادارة الدولة العراقية قد مزج بين المباديء الدستورية وبين مباديء العمل لادارة الدولة وتسيير امورها في المرحلة الانتقالية كما جاء في ديباجته ولغاية اصدار الدستور الدائم وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة بموجبه ( المادة الثانية والستون ). ان من مخاطر هذا الخلط هوأولا التقليل من القيمة القانونية للنص الدستوري لعدم تمتعه في تكوينه واصداره بالشكلية المطلوبة التي جرى عليها العرف الدستوري في الدول الديموقراطية, وكذلك غياب السلطات التي ستنفذ هذه المباديء السامية أو تلك التي ينبغي ان تكون حاضرة في رقابة دستورية القوانين بشكل يضمن عملها. ثانيا هو امكانية اعتبار بعض قواعد التسيير الاداري للمرحلة الانتقالية أوبعض اشكال الحلول التي نتجت عن الاتفاقات السياسية وكأنها مباديء دستورية تلزم الجميع و توجب العمل بها كما هو الحال لتخطيط حدود اقليم كردستان وما يتعلق بعلاج حالة كركوك.
نكتفي بهذا القدر بتناول الموضوع. وبرأينا انه في دولة القانون يجب احترام بعض الضوابط القانونية لانه من خلالها يستقر نظام الحكم ويتم ضمان حقوق الجميع. وقد يكون من الضروري والمنفعة العامة, بعد ان تم انتخاب اعضاء المجلس التشريعي المؤقت, النظر من قبل هذا المجلس في التصويت على صلاحية تنفيذ ما هو ممكنا في هذه الفترة الانتقالية لبعض ماجاء في نصوص قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية. هذه الموافقات البرلمانية ستؤدي الى اكتساب هذا القانون في تلك الجوانب الشرعية اللازمة في تطبيقه في حدود هذه المرحلة. ومن الاوليات هو تناول النصوص التي تعني اصول الاجراءات التي تضمن حالة الامن والخدمات الاساسية وتهيئة مستلزمات تحضير مسودة الدستور الدائم.وهذا يعني من ناحية اخرى وجوب عدم التعرض لتداول كل مايتعلق بالقواعد ذات الصلة بالسيادة الوطنية لان ذلك لايجوز الا في اطار احكام الدستور الدائم الذي سيكتسب قوة الزامه من خلال الاستفتاء العام عند الموافقة عليه من قبل عامة الشعب.
والله الموفق للجميع
دكتوراه في القانون ( فرنسا )
عضو نقابة المحامين العراقية
من المعلوم ان اي اتفاق سياسي , سواء تم بين حزبين اوأئتلافين من الاحزاب او اكثر,لاينتج عنه الا التزاما محددا بالنتائج والاثار وذات طبيعة سياسية فقط. والاصل ان هذا الالتزام لايتجاوزأثره حدود الاطراف التي وضعته وصاغت محتواه لسبب او لاخر.فهو لايتجاوز في نفاذه والالتزام بمضمونه من الناحية السياسية أو الاخلاقية حدود الدائرة السياسية الموقعة عليه.
الا ان مثل هذه الاتفاقات السياسية قد يقصد منها ان تنتج وضعا قانونيا ملزما تمتد اثاره القانونية ليس فقط على طرفي الالتزام ,وانما قد يسري في نفاذه ليشمل شرائح المجتمع كله . فقد تتناول نصوص الاتفاقات السياسية في مضمونها الى وضع المبادى العامة لاقرار بعض الحقوق وتحديد درجة الواجبات ,تضييقها او اتساع دائرة تنفيذها , وغيرها من الاحكام التي يرتبها هذا الاتفاق على الغير ممن يسري عليهم تطبيقها.ومثل هذا الافتراض لايتحقق الا بعد ان يتحول الاتفاق السياسي الى نص قانوني , أو مايسمى بالتصرف الشرعي في الفقه الاسلامي,عندما تتفق الارادات لاحداث اثر قانوني يكون ملزما من حيث الزمان والمكان وينتج أثره على الاشخاص الذي يسري عليهم تنفيذ ماجاء به من احكام .
. فما هي اذن الشروط اللازمة لكي تولد الاتفاقات السياسية مثل هذه الاثارالقانونية ؟ اذا علمنا ان اهم ما فيها من اثر قانوني هو انه ينشيء التزاما يقضي النص تنفيذه وتحمل نتائجه .
ان غرض البحث يبين اهمية الطرق الاصولية التي تقود الى تأسيس واكتمال ضوابط دولة القانون التي يسعى اليها الجميع . ان هذه الحالة الجديدة هي التي تميز سيادة النص القانوني في الاتفاقات القائمة على الشرعية سواء في علاقة الافراد فيما بينهم في نطاق القانون الخاص او علاقتهم مع سلطات الدولة بكل انواعها في نطاق القانون العام : الدولي والاداري والدستوري كما هو الحال في الوظيفة العامة ,أوالنيابة في المجالس النيابية والبلدية ومجالس الادارة التي تعبر عن اتفاق بين النائب وناخبيه .هذه الوقائع القانونية تختلف عن تلك العلاقات التي يفرضها القرار السياسي الذي يفتقر الى اي سند تشريعي سواء كان صادرا عن حزب واحد او عدة احزاب مجتمعة اوائتلافات سياسية متنوعة الاهداف والمشاريع ,وطنية كانت او عرقية او دينية.فالقرار السياسي لحاله لاينتج أثرا قانونيا الا عندما يتحول الى نص تشريعي مستكملا اركانه.
كان من نتائج انتخابات المجلس الوطني العراقي في 30 كانون الثاني 2005 هو محاولة القوائم الفائزة أن تأخذ مواقعها في تحمل المسؤلية والعمل على انجاز ما يريده المواطن العراقي كما هو واضح ومثبت في برامجها وافكارها في بناء الدولة العراقية ونظامها السياسي للمرحلة الانتقالية الثانية التي تنتهي بعد كتابة الدستور الدائم وتشكيل الحكومة الدائمة . الا انه من الملاحظ هو انشغال اهتمامات السياسيين العراقيين في الوقت الحاضرفي مفاوضات ماراتونية متكررة تهدف جاهدة في حواراتها الىالاتفاق على تنفيذ ماتم التفاهم عليه سابقا في مؤتمراتهم التي سبقت تغيير نظام الحكم أو تم ادراجها في متن قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في 2004 الصادر في مرحلة مجلس الحكم. وهذه الحالة تنطبق على تلك القوى السياسية التي تحملت مسوؤلية احتلال المواقع المتقدمة في قيادة المعارضة وما نتج عنها من تحمل اضرار انسانية ومادية وجريمة ارتكبها النظام السابق بحق الشرائح الانسانية التي يمثلونها . ولاشك في ان كل طرف من هذه الاطراف الحق في ان يدفع بالحجة على ان اي اتفاق سياسي مشترك تم الاتفاق عليه بين هذه القوى السياسية ينبغي العمل به مهما كانت النتائج استنادا الى اعتبار ذلك نوعا من الالتزام المعنوي والاخلاقي والعرف السياسي الذي ينبغي احترامه و التقيد بما نص عليه .
واذا كان مثل هذا الافتراض ملزما في قواعد الفقه السياسي حيث يمكن اعتباره قاعدة من قواعد العمل والعرف في هذا الميدان ومن بديهيات مبدأ وضع الالتزام السياسي موضع التنفيذ. الا انه من العقم السياسي اعتبارمضمون الاتفاقات السابقة حالة مطلقة وجامدة لاتقبل اعادة النظروالتغيير.ان كثير من الوقائع السياسية قد تخضع لعامل الظرف الزمني لبعض المتغيرات التي لايمكن تجاهلها والتي تقود بالضرورة الى مراجعة الموقف استنادا الى قاعدة مبدأ المرونة والموضوعية في السلوك السياسي . فمن المعروف ان هنالك وقائع موضوعية جديدة ولدت بعد اجراء الانتخابات كانت غائبة في في المرحلة التي سبقتها والتي كان حينها من الطبيعي يتمتع السياسيون بقدر واسع من هامش الحرية في التنظيرالتجريدي لفرض طموحاتهم و ضرورة انجازها كما يرون على واقع مكونات الخارطة السياسية العراقية الجديدة , خاصة في جانبها الثقافي والعرقي والديني, نذكر منها مثل اعتماد الدين السياسي في نظام الحكم واعتماد الدين الاسلامي على انه المصدر الوحيد للتشريع, او تخطيط حدود اقليمية جديدة عسكرية أو عرقية لمنطقة كردستان أو تقسيم الثروات الوطنية....
وقد يكون من الصعب ان تتراجع بعض القيادات السياسية عن بعض برامجها وافكارها التي كانت ولا زالت هي المحرك في ديمومتها وضمان شرعية تمثيلها لهذة الشريحة العرقية او الدينية. رغم ذلك , الا يمكن اعادة النظر في بعض الثوابت السياسية أوالاهداف ان كان فيها تحقيق النفع العام الذي يجب ان يتقدم بالضرورة على منافع الطوائف العرقية او الدينية. ان تكييف هذه الثوابت بما يلائم الحالة العراقية الجديدة ( وطن واحد , عراقي واحد , ارض واحدة ) اصبح كما نقدر من مهام وواجبات المتخصصين في العلوم السياسية والاجتماعية والقانونية داخل هذه الكتل السياسية في ان تتدخل بتقديم استشاراتها بما هو واقعي وموضوعي. فعلى هذه الجهات الاستشارية المسؤولية المهنية والانسانية في اعطاء الحلول الملائمة التي يدعمها التبرير العلمي والعملي والواقع . أن هذا الموقف سيمكن القادة السياسيين اعادة النظر في افكارهم وتكييفها من جديد لما يمكن ان يرضى قبول احترام الاخرين لها عندما تصبح قابلة للتنفيذ في اطار الوطن الواحد . وفي خلاف ذلك, ستبتعد هذه المكونات السياسية عن واجباتها في بناء العراق الجديد.
ان ولادة رؤى جديدة وموضوعية تتكيف مع منطق بناء دولة عراقية عصرية ديموقراطية تعددية فدرالية موحدة ,يدفع باتجاه تحجيم محورين خطرين يهددان بناء واستقرار هذه الدولة .
المحور الاول ,هونهج التعصب الديني يرافقه المذهبي الذي خلق هذه التربية الراديكالية في ظروف الحصار الثقافي والمعرفي سواء كان على المستوى الاجتماعي العام أو الاكاديمي. ولقد حصل هذا بسبب موانع انتشار المعرفة الحضرية او الاتصال بها والاثراء منها بقدر أو باخر. ان حالة الطلاق التام في تناول اي ثقافة متحضرة اخرى في ظل النظام السابق( باستثناء التقافة الحزبية البعثية أو القومية باتجاهها العنصري ) نتج عنه اختلال ومصادرة قدرة الفرد العراقي التعامل مع احكام الشريعة الاسلامية الحنيفة بشكل معتدل ومتسامح سواء بتعامل الفرد مع ذاته او مع اسرته او مع الاخرين. لقد كانت اسباب القمع الفكري وانغلاق المجتمع أن اندفع من وجد في الاسلام الخلاص لحالة العدمية النفسية والمادية التي تعرض لها . وتنطبق هذه الحالة بشكل واضح على من وضع نفسه فكريا أو سياسيا لضرورة الخلاص والنجاة تحت مظلة الاحزاب الدينية سواء داخل مكونات أحزاب الأتلاف العراقي الموحد أو خارجه . ولكن هذه الحالة في اختيارالمنهج الاسلامي في اصوله الايمانية ومزجها مع جزئيات معاملات الحياة اليومية وفرضها كرها على الاخرين لا تخلوا من خطورة التصادم مع الغير لمن هو خارج اطار هذه التركيبة الدينية. انها كفيلة بتعريض السلم الاجتماعي الى منزلقات خطيرة تمنع ضمان وحدته واستقراره وتقدمه . ومثال ذلك احداث جامعة البصرة الاخيرة , أوتلك الجرائم التي تم تنفيذها بحق شرائح اجتماعية فقط كونها تعتبر من طائفة مذهبية أخرى تم تكفيرها وأجازت قتلها. أو نقل الطقوس الدينية الى قلب المؤسسات التعليمية.
ان مراجعة هذه الافكار الدينية وعدم محاولة دمجها في الحياة السياسية هي ليست دعوة لتفريغ منهج وفكر الاحزاب الدينية من قيم العقيدة الاسلامية. لكنها الضرورة الموضوعية وتحقيق المنافع العليا في التزام عمق مدلول هذه العقيدة وممارستها في اصولها الحضارية المتمدنة المتسامحة التي تقود الى رقي الانسان لا الى تخلفه أو رفضه للاخرين, وضرورة تعامله بشكل صحيح مع قانون الحياة الذي يسمح بتنوع مصادر الثراء وبناء وضمان حقوق الانسان وهي كلها نتاج الفكر البشري ,هذا الانسان الذي كرمه الله رغم تنوع العقائد والنظريات الفكرية الانسانية التي يأخذ منها منهجا في نوع وطبيعة علاقاته الاجتماعية أو السياسية ..... أما المحور الثاني , فانه لايقل خطورة عن سابقه لانه يتعرض الى مقومات وحدة الوطن المعلنة وتماسك مناطقه بواقع تنوع الاعراق فيه. وهذا الافتراض الذي لانتمناه قائم على ثقافة الانفصال التي تدفع اليها شريحة واسعة من شعبنا الكردي .فهل هو ناتج عن ارادة محضة يراد منها ان تتجه الى احداث نتائج قانونية محددة ومبرمجة ؟
أنه ليس غريبا ان تنمو وتقوى مثل هذه الحالة اذا علمنا أولا, انها تعبرفي الاصل طموحات مشروعة لاقلية عاشت مضطهدة ومسلوبة الحقوق وتعرضت مرارا لانواع الابادة الجماعية...... ان هدف الانفصال ليس خفيا فهو مؤكد ومعلن ويتردد دائما في خطاب و برنامج القيادات السياسية الكردية لبناء الدولة الكردية المستقلة في المستقبل.
ولكن ماهي حدود هذه الوقائع في اطارها السياسي ؟ وهل يريد بها أن تنشيء أثرا ملزما في الروابط القانونية المستقبلية؟
وثانيا, لقد نشأ جيل جديد منذ عام 1980 في اقليم كردستان على مفهوم العودة الى الذات القومية العرقية الكردية بسبب الويلات والاضطهاد العنصري وجريمة الابادة الجماعية التي تعرض لها كما ذكرنا سابقا. وهذا الواقع يجعل من احساس وسلوك الجيل الكردي الجديد غيرعابئا بنظرية العراق الواحد او الشعب الموحد . لقد خلق هذا الواقع انفصاما تاما في التفكيروالاهداف انسحب على مستوى عموم الشعب الكردي في علاقته الطبيعية مع الاقليات الاخرى في المجتمع العراقي .لقد كان الامر على خلاف ذلك في الفترة السابقة, حيث كان دائما في تاريخ العراق الحديث تمازجا تاما بين هاتين القومييتين والقوميات الاخرى ثبت فيها تعايشا انسانيا سلميا مثاليا في العلاقات الاجتماعية من خلال التواجد المشترك في الوظيفة العامة والخدمة العسكرية والسكن المتجاور اوفي المجال الاكاديمي والمعرفي او تبادل الاعمال التجارية بين الشمال وبقية ارجاء الوطن . ولكن بفعل الظروف الاخيرة برزللاسف السلوك الاجتماعي بشكله الراديكالي عند بعض الاخوة الاكراد في التعامل مع الواقع السياسي الحالي الذي لن يتردد في اطلاق الخطاب الموازي الذي يهدد بالانفصال والذي نتمنى أن لايكون مبرمجا ومقصودا ,لانه ان كان كذلك, فانه سيدفع اكثر في اتجاه الفرقة والتناحرلان الامور تؤخذ في مقاصدها.اليس هذا ما عبرت عنه طبيعة انتخابات الخيم الموازية لمراكز الانتخابات الرسمية التشريعية في30 كانون الثاني 2005 ؟
ان هذا الواقع الجديد يدعو الى اعادة النظرفي قراءة هذه الحقيقة معمقا والبحث عن وسائل علاجها سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
هذه الحقائق وغيرها تتطلب جهدا كبيرا من الجميع لكنه ليس مستحيلا عندما تتوفر النوايا الصادقة عند اصحاب القرار لغرض بناء دولة عراقية قوية الثوابت متماسكه في نسيجها الاجتماعي ومعبرة في دستورها عن مجتمع متحضرولكي تكون لهذه الدولة مكانتها الدولية المرموقة.
ومن ناحية اخرى, فنحن نرى ان تطبيق( مبدأ حق تقرير المصير) ليس هدفا بحد ذاته , انما هو الوسيلة التي منحت للانسان في الخلاص من الاضطهاد والتمييز العنصري والقمع البوليسسي, ولغرض منح الاقلية امكانية التمتع بحياة حرة كريمة في نظام حكم مستقل يتحقق فيه العدل والمساواة والديموقراطية . هذه هي الاسباب الموجبة لاقرار هذا الحق في القانون الدولي. على ضوء ذلك فان الجميع يقدراهمية اكتساب نتائج هذا الحق الذي هو هدف لكل العراقيين حيث كان الاضطهاد والقمع ووو...من نصيب الجميع دون تمييز. وبرأينا أن التمتع بهذا الحق يحتمل الاتجاهين في التطبيق استنادا الى فرضية الاولويات في تحقيق المنافع.و لذلك نجد من الموضوعية بان تحقيق هذا الهدف لاخواننا الاكراد ينبغي أن لايقوم على خيارالانفصال, انما العمل به
في الاتجاه الذي يميل الى حالة الاندماج التام والتوجه الى عمق العراق بما يملكه هذا الوطن من ثراء اجتماعي وثقافي واقتصادي و تاريخ مشترك متسامح لكل القوميات والمعتقدات بعيدا عن فلسفة انظمة الحكم السياسية المتعاقبة. نعم ,لقد اختارت القيادات السياسية الكردية الرئيسية هذا الاتجاه الثاني بمسئولية عالية وتقدير الحالة الكردية تقديرا موضوعيا. ولكن هذا لايلغي حالة الارتباك والقلق النفسي المتراكم لدى أغلب عناصر النسيج الاجتماعي الكردي الذي لربما ياخذه الاعتقاد او قد يأخذه الظن بأن قرار القيادة المعنية بهذا الاتجاه هو مجرد مرحلة سياسية مؤقتة دخلت فيها مجبرة مكرهة بدافع واقع العلاقات الاقليمية أو الدولية,وما أشد وقعا على النفس البشرية من حالة الاكراه. وللتحرر المطلق من هذه الحالة القلقة فان على القيادة السياسية الكردية ان تتصارح بموضوعية عالية مع شعبها لكي تمنحه الثقة التامة للعيش مع الجميع في برنامج حياة دائمة على كامل تراب الوطن الواحد هو العراق . وعند ذلك يصبح الشد والجذب والصراع في وضع الحدود الاقليمية وترسيمها مسألة جدا ثانوية في اطار دولة ديموقراطية مستقلة ومتماسكة في كافة مناطقها, يرسم سياستها الجميع,وتتحمل مسؤوليتها كافة الاقطاب السياسية بخاصيتها العراقية الجغرافية والاقتصادية والامنية وغيرها .
أن كل ما تقدم يستدعي اتخاذ قرارات سياسية في غاية الاهمية تضاف على ماتم الاتفاق عليه سابقا بين القوى السياسية الرئيسية التي تكون العناصر الاساسية في بناء دولة القانون . الا ان مثل هذه الاتفاقات السياسية اينما كان مصدرها لايعتد بها مالم تكتسب قوة الالزام في تنفيذها. وهي لن تكون كذلك الا عندما تستند على نص قانوني نافذ التطبيق وتصبح بحكم التصرفات الشرعية .
ان الاتفاق السياسي هو في بدايته يشكل واقعة سياسية تستند علىارادة اطرافها. وهي في هذه الحالة تكون مصدر المسؤولية التعاقدية للاطراف الموقعة عليها وتحدث اترها القانوني فيما بينهم في ترتيب الالتزامات عندما تتفق الارادات لاحداث هذا الاثر.
أما الاتفاقات السياسية التي يراد منها ان تتحول الى قانون ينظم الروابط القانونية بين المواطنين فيما بينهم أو مع سلطات الدولة في اطار القانون الخاص او القانون العام كما ذكرنا سابقا بكافة انواعها, فلابد من دور لارادة المواطن في انشاء هذه الروابط مباشرة اوبشكل غير مباشر كما سنأتي على توضيحه لاحقا من خلال الموافقة عليها في عقد اجتماعي يتم بناؤه وتحديد الاثار المترتبة عليه.
أين هي اذن ارادة الفرد العراقي من هذه الاتفاقات السياسية التي تحولت الى مباديء عمل في نظام تمت صياغته على شكل قانون اساسي ؟ ان هذا النظام القانوني هو سبب تمسك بعض الاطراف السياسية على وجوب تنفيذ مانص عليه في قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت لعام 2004 والذي خلق حالة من الارتباك في الحوار أوالاتفاق في مرحلة حرجة للجميع .ولاشك أن لكل طرف من اطراف الحوارحججه ومبرراته التي يتمسك بها. مما يلزم أولا تقييم خصائص هذا النظام القانوني, وما هي قوة الالزام لما جاء فيه من احكام ؟
قبل الاجابة على هذا السؤال, لابد من توضيح مايلي :
هنالك من الانظمة السياسية من تعتبر بان مصدر العقد في تحديد نوع الرابطة التي تجمع المواطن ونظام الحكم بكافة سلطاته قائم على( مبدأ الرضائية) أي القبول الضمني كما كان سائدا في القرون الوسطى في نشأة العقود بكافة اشكالها. عند ذلك لايعتد بصلاحية الارادة ولا يمكن اعتبارها اساسا في نشأة الالتزام وما ينتج عنه من أثر قانوني. وان اساس العقد في الواقع ليس في جوهر التعبير عن الارادة , بل في تحقيق العدالة وضمان المصلحة العامة. أما حرية الفرد في التعبير ,فلا ينفسح لها مجال الا بقدر ما تتفق ارادتة مع المصلحة العامة. ان مثل هذه الافكار تصادر بدون شك حرية الفرد في صياغة قوانين الدولة تحت ذريعة اولوية المصلحة العامة, وهي في واقع الامر وسيلة يمكن الدفع بها من اجل حماية النظام السياسي القائم وعدم التعرض له بالتغييرمن خلال حرية التعبير والاختيار باجراءات ديموقراطية معلنة, بدعوى ان ارادة المواطن بالاختيار والقبول تفهم ضمنيا ومصدرها متحقق في العرف القبلي أو الاجتماعي لهذا المجتمع أو لغيره طالما درج الفرد على التعايش معه. وهذا ما دافع عنه الرئيس الليبي في خطابه الاخير في قمة الجزائرحينما اعتبر ان العقد الاجتماعي حاصل ضمنيا بقبول الشعوب لانظمتها في دول العالم الثالث في افريقيا واسيا. وقد اعتبر الديموقراطية متحققة فيها بهذا الشكل وهي اكثر قبولا من نماذج الديموقراطية في العالم الغربي دون ادراك منه بأن الديموقراطية هي وسيلة لتنظيم ممارسة الحرية المستقلة للفرد في اختيار مايراه مناسبا .
يختلف الحال في النظام الذي يغلب (مبدأ سلطان الارادة) الذي يكون فيه النظام الاجتماعي يرتكز على الفرد, فهو الغاية, ولخدمته يسخر المجموع. والفرد لايستكمل شخصيته الا بالحرية, بل ان مظهر هذه الشخصية هو الارادة الحرة المستقلة.اذن الارادة هي آية الشخصية من الناحية القانونية, ولما كان الفرد يعيش في المجتمع , ولما كانت الغاية الاولى هي احترام حريته وارادته, كان من الواجب ان تكون روابطه بغيره من أفراد المجتمع أساسها الارادة الحرة, فلا يخضع لواجبات الا اذا كان قد ارتضاها مختارا, وعبر عنها صراحة مباشرة أو من خلال من ائتمنه في التمثيل النيابي. هذا هو جوهر العمل في الانظمة السياسية الديموقراطية الذي يتمشى مع قانون الحياة المعاصر والذي يعبر عنه مضمون العقد الاجتماعي الذي تقدم به جان جاك روسو.
فقد يكون اعلان الارادة للمواطن مباشرة في نشأة الالتزام كما هو الحال في اختيار ممثليه للمجالس البلدية أو للجمعية الوطنية , أو عندما تتم دعوته للاستفتاء على مسودة الدستور الدائم اوالاستفتاء لاختيار رئيسا للجمهورية في الاقتراع المباشر. وقد تنشا الالتزامات تجاه المواطن العراقي بشكل غير مباشروذلك من خلال تشريعات المجلس الوطني, الذي منحه هذا المواطن الثقةعند اختياره في الانتخابات في تشريع مايراه مناسبا .هذه هي القاعدة الاصل في تقييم خصائص النظام القانوني واصول تشريع القوانين في دولة القانون.
بعد كل ذلك نتسائل في ان ماورد من قواعد واحكام في قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت لعام 2004, هل يحمل عناصر الارادة الحرة المستقلة للفرد العراقي عند صياغة مضامينه , أم أن على هذا الفرد ان يقبلها كما هي عملا بقاعدة الخضوع لاولوية المصلحة العامة وظروف المرحلة التي قدرتها الاتفاقات السياسية ؟
في الفقه القانوني ,ينبغي في صياغة واصدار القانون مراعاة معياري الشكل والمضمون التشريعي.
لقد تم اصدار قانون ادارة الدولة المؤقت من قبل هيئة سياسية ( مجلس الحكم ) لن تتمتع مطلقا بسلطة التشريع. ثم أنه كان نتيجة اتفاقات لقوى سياسية وان كانت تمثل شريحة واسعة من المجتمع العراقي, ولكنها لاتمثل الاغلبية المطلقة لهذا الشعب والتي لايمكن تمثيلها الا في وجود برلمان تشريعي منتخب يتمتع بحق تشريع القوانين .فلقد كانت الحرية المستقلة للفرد العراقي غائبة حين اصداره .
من ناحية اخرى, تم اعتبار هذا القانون على انه بمثابة القانون الاساسي للدولة العراقية وعلى انه شكل من اشكال الدستور. وفي المفهوم القانوني بأن الدستور لا يتناول الا المباديء العامة التي تعبر عن ثوابت عقيدة الدولة بكل عناصرها لانها تتناول نظام الحكم وهوية الشعب وحقوقه الاساسية وجغرافية الوطن وسيادته.....الا ان قانون ادارة الدولة العراقية قد مزج بين المباديء الدستورية وبين مباديء العمل لادارة الدولة وتسيير امورها في المرحلة الانتقالية كما جاء في ديباجته ولغاية اصدار الدستور الدائم وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة بموجبه ( المادة الثانية والستون ). ان من مخاطر هذا الخلط هوأولا التقليل من القيمة القانونية للنص الدستوري لعدم تمتعه في تكوينه واصداره بالشكلية المطلوبة التي جرى عليها العرف الدستوري في الدول الديموقراطية, وكذلك غياب السلطات التي ستنفذ هذه المباديء السامية أو تلك التي ينبغي ان تكون حاضرة في رقابة دستورية القوانين بشكل يضمن عملها. ثانيا هو امكانية اعتبار بعض قواعد التسيير الاداري للمرحلة الانتقالية أوبعض اشكال الحلول التي نتجت عن الاتفاقات السياسية وكأنها مباديء دستورية تلزم الجميع و توجب العمل بها كما هو الحال لتخطيط حدود اقليم كردستان وما يتعلق بعلاج حالة كركوك.
نكتفي بهذا القدر بتناول الموضوع. وبرأينا انه في دولة القانون يجب احترام بعض الضوابط القانونية لانه من خلالها يستقر نظام الحكم ويتم ضمان حقوق الجميع. وقد يكون من الضروري والمنفعة العامة, بعد ان تم انتخاب اعضاء المجلس التشريعي المؤقت, النظر من قبل هذا المجلس في التصويت على صلاحية تنفيذ ما هو ممكنا في هذه الفترة الانتقالية لبعض ماجاء في نصوص قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية. هذه الموافقات البرلمانية ستؤدي الى اكتساب هذا القانون في تلك الجوانب الشرعية اللازمة في تطبيقه في حدود هذه المرحلة. ومن الاوليات هو تناول النصوص التي تعني اصول الاجراءات التي تضمن حالة الامن والخدمات الاساسية وتهيئة مستلزمات تحضير مسودة الدستور الدائم.وهذا يعني من ناحية اخرى وجوب عدم التعرض لتداول كل مايتعلق بالقواعد ذات الصلة بالسيادة الوطنية لان ذلك لايجوز الا في اطار احكام الدستور الدائم الذي سيكتسب قوة الزامه من خلال الاستفتاء العام عند الموافقة عليه من قبل عامة الشعب.
والله الموفق للجميع