PDA

View Full Version : شاكر رزيج فرج : طائر الدهشة..." قصص.. لوجه واحد


بحزاني نت
12-05-2005, 08:35
طائر الدهشة..." قصص.. لوجه واحد

شاكر رزيج فرج


تنتمي مجموعة يوسف ابو الفوز القصصية- طائر الدهشة ـ الى ما يسمى مجازاً بأدب – اللجوء – والتي جاءت اثر العديد من المخطوطات التي نشرها هنا وهنالك والتي ابتدأها في كردستان آب 1985 بمجموعته القصصية الاولى- عراقيون- اصدرتها رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين- الانصار- وبإمكانيات الانصار الطباعيه المتواضعة.

ان (ابو الفوز) كان يبحث عن سقف آمن قد وجد ضالته ليخرج بهذه الحصيلة والتي تضم(..مجموعة من القصص تم اختيارها من آخر ما كتبته لاعتقادي ان هنالك ما يجمعها، وإحساسي بان ثمة خيوطا مشتركة تمر بين نسيجها ص5)

فقصته الاولى- الو بغداد- تشعرنا بذلك التوق المختزن والذي في قلب عراقي المنفى في موسكو، حال سماعهم بان خطوط الهواتف قد اعيد فتحها بين بغداد وموسكو.. حيث يهرعون للاتصال بذويهم ومعارفهم، رغم ادراكهم للمخاطر التي سيتعرضون اليها جراء ذلك، وبما ان بطل الاقصوصة لم يكن ليحتفظ برقم أي هاتف من بعيد او قريب فانه يلجأ الى الاتصال، ليستمع على الطرف الآخر صوت امرأة (..راح الصوت يصيح بلوعة- الو، هنا بغداد، الو- بغداد- بغداد!

ولم يستطع ان يجيب بكلمة، اغلق الخط، بهدوء، وأجهش بالبكاء!

ص25).

وفي اقصوصته- عيون خضر في وجه اسمر- صحيفة اجنبية تحمل صورة لجندي عراقي صلمت اذناه ص28 وفي اخرى – معجزات- شهيد يبعث برسالة الى الكاتب ثم في – نوستالجيا شخص يمارس كل شيء، حماقات- سرقة... الخ وآخر في- ذات مساء- شخص تهجره صديقته وفي اقصوصته التي تحمل عنوان المجموعة رجل على موعد مع صديق من اهل بلده يتخلف عن موعده.. فيظل يدور في الشوارع لقتل الوقت عله يلتقي بوجه أليف. انه كما يشبهه بـ عصفور الأماني- وفي (علاقة) ينفجر الرعب والخوف في اعماق رجل، جراء تكرار رنين الهاتف بشكل دائم منتصف اليل ليكتشف نهاية الامر ان رجلا قد هجرته حبيبته لتقيم علاقة مع احد الاجانب، حيث يحصل العشيق على ارقام هواتف لعديد من اللاجئين ليتصل بهم، اما في قصته الجميلة- ماذا تريد ساتو؟ فان صديقته تجبره على تغيير تصفيف شعره وعند زيارته الى احد الاصدقاء من العراقيين، يجفل طفله من شكله الجديد ويرفض اللقاء به ليضطر الى اعادة شعر رأسه الى حالته الاول,...

وفي اقصوصته التي تحمل اسم المجموعة – طائرة الدهشة- شخص على موعد مع صديق- من اهل بلده- يتخلف عن الموعد فيحاول تمضية الوقت في التسكع عله يلتقي بوجه أليف..ثم يقول:(.. اسرعت لمحطة القطار، ليأخذك قطار الضواحي الى مسكنك حيث وحدتك المقدسة التي تشعر احيانا انها تمنحك اماناً اكثر ص 94).

ان نظرة متمعنة لكامل قصص المجموعة تكشف ان بطلها رجل واحد اسعفته ذاكرته على تدوين احداث لها وقع مرير عليه، وان صموده لتجاوز المحنة كان يعتريه احيانا حالة من الاحباط واليأس ومحاولة للفرار والتوحش في أي ركن او زاوية نائية .. والقاص (باعتقادي) كان مع كل نبضة من قلب – بطلة – يتابع انكفاءه ونهضته بانحياز جلي، كي يتقدم خطوة الى امام، ولكن كامل – مهيمنات المجموعة- تشير الى التراجع – خطوتين الى الخلف-، اننا ازاء رواية، ان جاز ذلك- قطعت اوصالها وجرت ترتيب فصولها- خارج الزمكان- (مع بيان مباشر لبعض، زوايا المكان، هنا وهناك) ومن ثم اعيدت لحمتها لتخرج كما هي عليه..

ان محاور مجريات الاحداث وان بدت متباعدة إلا ان – قطب الرحى- كان يغلق دائرته عند شخص متفرد له ذات الملامح والأفكار والرؤى سواء كان ضمير المتكلم او ضمير الغائب (انتقالات لوجستية لإغراض ثيمة واحدة) بل ويستضيف في احايين كثيرة هواجسه وقناعاته المشكلة – ظرفياً- لتأليبها لتكون شهادات ادعاء- وليس دفاع – بهدف ادانته،(.. وأنت تدرك ان المكان الى جانبك، في الغالب – وحتى تصل محطتك- سيظل فارغا اذا لم يحتله سكير يفتح لك ملفا تحقيقياً ينبش فيه ماضي اجداد اجدادك، ليعرف لماذا تركت الشمس والخضرة وثروة النفط وجئت تزاحمه على برد القطب وفرص العمل القليلة ومعونة الشؤون الاجتماعية وشمسه التي لا تشرق الا نادراً ص95)،

والبطل عند (ابو الفوز) ليس هو السوبرمان، وأيضا ليس هو (الخّواء) ذو العين المفقودة، المستسلم، الانتهازي، المجبول على الخيانة والتردد.. بل هو ذلك الانسان التواق للحرية والمقاتل- الذي سقط من بين يديه احد الاسلحة وليس جميعها- فأثقلته (الهموم بما يكفي) بل ان ..(.. خيوطا سرية تمتد داخله تحركها اصابع من خوف وقلق وحنين تشكل روحه دائما وبشكل مفاجئ فيجد نفسه محلقا في فضاءات للوجع...ص67) ليظل محتفظا بسلاحه السري في رأسه وليساهم بما يستطيع لانقاذ ما قد تبقى ( وهذا المسكين لا يمكن انقاذه الا بعمل جذري حقيقي، الناس في المنفى تعبت من الوعود والسياسات الفارغة، الناس ستذوب في المجتمعات الغربية، انها كارثة، الامر يتطلب عملا حقيقيا لانقاذ ما يمكن انقاذه ص48 ولعل بطل (ابو الفوز) يجد الحل الحقيقي في توصله وهو في (مدن اللجوء) مع ما يجري في الوطن.. تلك الاصرة التي لافكاك لها حتى في حالة الموت...(.. رفض دفنه تحت الثلج وطلب منهم ان يكون له قبر في العراق .. ص62) و (لكنهم وإكراما لرغبة والدهم نفذوها.. وهما يرجون عمران ان يقوم بهدوء وبدون ضجة، وبدون حاجة لان يعلم الجميع، بدفن اصولي، وفي مقبرة العائلة، للعلبة الزجاجية المضلعة التي تحوي رماد جثمان والدهم ! 62)

والحق يقال ان (يوسف ابو الفوز) استطاع ان يوصل رسالته كاملة الينا بعيدة عن الرتوش والتزويق وبلغة شفافة متدفقة تشد في توترها واندفاعاتها بعض المفردات من اللغة (المحكية) المحلية والقريبة من ذائقة المتلقي، وربما هو اسلوبه (الخاص) لاسيما واننا رأينا ذلك في قصصه اللاحقة (مجموعته- لدى اسئلة كثيرة، التي هي شهادات ادلى بها- اطفال كردستان- ايام الانفال السيئة الصيت والصادرة عن وزارة الثقافة- اقليم كردستان- والتي تعتبر من اهم الوثائق التي تدين النظام الساقط والتي من الضروري التعرف عليها ونشرها بما تستحق.