PDA

View Full Version : القس قـرياقـوس حنـا : قرية تللسقف بين الماضي والحاضر


بحزاني نت
17-05-2005, 15:12
قرية تللسقف بين الماضي والحاضر
( القـســم الأول )

بقلم القس قـرياقـوس حنـا



الموضـوع نقلا ( بتصرف بسـيط ) عـن مجلة ( قالاسـريايا ـ الصـوت السـرياني ) العـددان 19 و20 آب 1978 / كانون الـثاني 1979 ، وأنـه جهـد رائع بذلـه المرحـوم القـس قـرياقـوس حـنا في تسـجيل الكثير من تـراث تـلازقيـبا ـ تللسـقف عـبر الأجيـال ، هـذا التـراث الذي هـو جـزء من تاريـخ القـرية وتـطورهـا . . والذي لـولا جهـد القـس قـرياقـوس ( رحـمه اللـه وأسـكنه فسـيح جنـاته ) لكـان قـد ضـاع قسـم كبيـر منـه وطـواه النسـيان . . أنـه عـمل خـالد مــن القـس قـرياقـوس سـتبقـى تـذكره أجيـال تللسـقف بالثـناء والأمتـنان . . وأن موقـع تـلازقيـبا ـ تللسـقف ، اذ يعـيد نشـر هـذا الجـهد العـظيم ، فأنـه يقـوم بذلك أنطـلاقـا من أهميـة ما قـام بـه المرحـوم القـس قـرياقـوس . . ليـكون في متـناول القـراء جميعـا ولمعـرفة ما سـبق جيـلـهم من حيـاة تللسـقف الخـالـدة . .

( وفـيما يلـي نســخة واضـحة مـن الموضوع ، تـمت أعـادة كـتـابـتها عـن النسـخة المنشـورة فـي قـالاسـريايا ) .

الـمقـــدمـة

لقد اهتمت الأمم والشعوب بجمع تراثها القديم وتسجيله لما له من أهمية كبيرة في بيان الحضارة التي نشأت في ربوعها في للأزمنة الغابرة ، فأصدرت الكتب والمجلات لحفظها خوفا عليها من الضياع والنسيان ، وقام الكتاب والمؤلفون والباحثون بجمع كل ما وقعت عليه يدهم بعد البحث والفحص والتدقيق والسؤال ممن طعنوا بالسن لـذا نرى مكتباتهم زاخرة وعامرة بهذه الكتب والمجلات.

وأني بعد المطالعة فيما تيسر لي من كتب والسؤال من أناس تقدم بهم العمر وما سمعته وشاهدته في صغري ، أردت أن أسجل هذه الوريقات عن كل ما يخص قريتنا من العادات والتقاليد والصناعات والأزياء وغيرها من الأمور التي أصبحت بعضها غير معلومة عند شبابنا وأطفالنا في الوقت الحاضر حتى تسجل وتحفظ من الضياع والنسيان ، وهي تشبه أو هي قريبة الشبه في بعض الأوجه مع القرى المجاورة وتختلف عنها في بعض الأمور ، فأرجو المعذرة من القراء الكرام إذا فاتني شي لم اذكره أو بحث لم أعطي حقه كما أرجو المولى أن يوفقني بما فيه الخير والفائدة.

قــرية تللســقف


كلمة تللسقف هي كلمة سريانية أي تلازقيبا ، فمعنى الكلمة الأولى ( الـتـل ) ومعنى الثانية ( الصليب أو المرتفع أو المنتصب ) فبعضهم يقول إن في جنوبها ثلاث تلال ترمز إلى الصليب فيكون معناها تل الصليب ، والأخر يقول إن احد التلال مرتفع وعال فترمز إلى معنى التل المرتفع أو المنتصب ، وهناك رأي أخر يقول إن كلمة تللسقف كلمة عربية بمعنى ( تل أسقف أي تل الاسقف ) وهذا ما ذهب إليه ياقوت الحموي كما سنلاحظه فيما بعد.

تللسقف قرية كبيرة تسكنها حاليا نحو ستمائة عائلة تتبع قضاء تلكيف التابع لمحافظة نينوى و تتصل بمركز المحافظة بشارع معبد يمر بقرية باقوفة وباطنايا حتى يصل إلى تلكيف ومنها يسير حتى يتصل بالشارع الذي يربط الموصل بدهوك وتبعـد عن المحافظة نحو سبعة وعشرين كيلومتراً .

لقد أصبحت تللسقف في الآونة الأخيرة قصبة حديثة فيها كل ما يحتاجه الإنسان لسعادته ورفاهيته بعد إن كانت مهملة زمناً طويلاً، فالكهرباء ينير دورها وشوارعها والمياه تسير في الأنابيب لتصل إلى كل دار فيها بعد أن عانت الأمرين من الشرب من المياه القذرة والأسنة والشحيحة من الآبار التي كانت تسبب لأهلها أمراضا عديدة ومختلفة، وقد فتحت فيها مدرسة إعدادية كاملة بعد إن كان كثير من الطلاب يتركون الدراسة بعد إنهاء المرحلة الابتدائية، وفيها مركز شرطة ومركز صحي ومدرستان ابتدائية للبنـين ومدرسة ابتدائية للبنات ودائرة بريد وتلفون ، وقد كتب الأستاذ كور كيس عواد عنها في جريدة التآخي في العدد الصادر يوم الأحد 2/أب /1975 العدد 2000 مايلي:


( لقد ذكر باجر سنة 1852 إنهم كانوا 110 عائلات وذكر مارتن سنة 1867 إنهم يبلغون 1800 نسمة ، كان في القرية كنيستان في أيام ريج، لكن أحداهما أصبحت خرابا في زمن باجر وذكر مارتن كنيستين ويبدو إن أحـداهما جددت بعد ذلك ، إما تسمية تللسقف فمن الآرامية(تلا زقيبا) أي التل المنتصب لان في جانبها تلا مرتفعا، يروي ريج إن أهالي تللسقف حفروا في هذا التل فعثروا على ضريح فيه حجر كتب عليه اسم (تللسقف)، وحينما أوغلوا في الحفر عثروا على حجارة ثم بلغوا مدفنا يضم أواني زجاج ومصابيح تمكن ريج من اقتناء أنائين كاملين منها.قال أنهما يشبهان الزجاج المكتشف في بعض المواضع الساسانية والبابلية كالذي عثر عليه في طيسفون وبابل ، وفي خزانة الأبرشية الكلدانية في كركوك مخطوطة كلدانية قديمة كتبها أبراهام ابن بدعة التلسقفي سنة 1582. وفي خزانة دير السيدة مخطوطة كلدانية كتبها القس إبراهيم التلسقفي سنة 1793 وأخرى سنة 1794 وثالثة كتبها توما بن نيسان التلسـقفي سنة 1819. وفي خزانة برلين ثلاث مخطوطات كلدانية أيضا كتبت في تللسقف ، لتللسقف ذكر في معجم البلدان بخلاف القرى المهمة التي تقرب منها كتلكيف وباقوفة وباطنايا والقوش فأنها لأذكر لها فيه ، قال ياقوت الحموي في وصفها ( تل اسقف بلفظ واحد أساقفة النصارى قرية كبيرة من إعمال الموصل شرقي دجلتها ) .

وقد فتح فيها في الآونة الأخيرة فرع بلدي تابع لبلدية تلكيف وقد خصص له مبلغ من المال لتعبيد شوارعها الداخلية ولإنشاء سوق عصرية.

حولها قرى عديدة مثل قرية سريشكة ودوغات في شمالها وتبعد كل منها نحو ستة كيلو مترات تقريبا، وقرية حتارة كبيرة وتلسين ومسقلاط من الجهة الغربية، وكر اسحق وكان شرين من الجهة الجنوبية الغربية فيأتي أهالي هذه القرى لشراء السلع والحاجات المنزلية ولطحن الحبوب والتداوي في المركز الصحي في القرية ويبيعون فيها الحاصلات الزراعية والخضراوات والمواشي .

فيها كنيستان الأولى في وسط القرية وباسم مار يعقوب المقطع وفيها هيكلان بني الكبير منها قبل أربعين سنة تقريبا على أنقاض هيكل قديم جدا والثاني بناؤه قديم. والثانية في الجهة الشمالية من القرية وباسم مار كور كيس بنيت هياكله الثلاثة قبل عشر سنوات على أنقاض هيكلين قديمين .

في الجهة الشرقية واد تجري فيه المياه شتاء عند سقوط الأمطار ويفيض أحيانا على الدور المجاورة ويسبب أضرارا مادية كما حدث في سنتي 1963 و1974 عليه قنطرتان أحداهما متهدمة تقريبا والثانية كان يمر فيها الشارع الذي يربط القوش بتلكيف قبل تعبيد الشارع الحديث الذي يمر خارج القرية محاذ للدور التي تقع في الجهة الشرقية والشمالية ، وإذا عبرنا الوادي واتجهنا إلى الجهة الجنوبية نرى جدارا اثريا قديما وقد سألت عنه في صغري عدة أشخاص تقدم بهم السن فأفادوا بأنهم سمعوا من إبائهم وأجدادهم انه بقايا دير لمار افني مارن وكان عامرا بالرهبان ، ولهذا يوجد بئر على طريق القوش في الجهة الشمالية الغربية من القرية تسمى بئر( ايحيذاي) ومعنى هذه الكلمة في اللغة الآرامية (الرهبان) ويقال إنها كانت خاصة لهذا الدير يشربون ماءها العذب وبجانب الحائط بئر أخر ماؤه مر كان يستعمل لشرب الماشية والغسيل، وقد كان هذان البئران مسدودان مدة طويلة من الزمن فحفر أهل القرية الأول قبل ثلاثين سنة والثاني قبل عشرين سنة ويقال إن الرهبان حفروا البئرين بعد أن جفت العين التي كان مائها يجرى للقرية بواسطة ساقية ويشرب منها الأهالي والرهبان والى يومنا هذا يوجد أثار تدل على هذه الساقية والطريق الذي يؤدي إلى قرية سريشكة يسمى طريق( شقيثا) أي ساقية نسبة إلى الساقية التي كانت تجري بها العين المذكورة وكان منبعها في الأراضي الواقعة بين قرية سريشكة ودوغات، ويروي بعض الأهالي إنهم قد سمعوا من إبائهم إن هذه العين كانت تدير رحى في المحلة المسمى(دكي) ألان وقد كانت أثارها موجودة قبل بناء الدور في هذا المكان وكانت ملكا للرهبان يطحن فيها الأهالي ويدفعون لهم الأجرة، ومن الروايات التي تروى- إن شخصا مر في تللسقف في صغره قادما من شمالها قاصدا جنوبها مسافرا إلى بلد بعيد ، ولما أصبح شيخا فقد بصره ورجع مع أولاده إلى موطنه الأصلي فمر في تللسقف فلما علم انه قريب إلى قرية ما سأل أولاده عن المحل الذي وصلوا إليه فأخبروه إنهم وصلوا إلى قرية تللسقف ولما كان راكبا على حماره أحنى رأسه فقال له أولاده لماذا حنيت راسك ياابتاه؟ فقال أخاف إن تمسني أغصان الأشجار الكثيفة. فقالوا له لا يوجد هنا لا غصن ولا شجرة فقال وكيف لا يوجد هنا أشجار فلما مررت من هنا وأنا صغير كانت الأشجار ملتفة حول هذا الطريق؟ ويقال إن سبب انقطاع جريان العين هو:-إن الرعاة كانوا ينزلون في أراضي تللسقف والقرى المجاورة لها بعد الحصاد لرعي مواشيهم ونظرا لحاجتهم إلى الماء يكثر نزولهم في هذه الجهة ، وفي أحدى السنين رأى شابا منهم بنتا جميلة من قرية سريشكة فخطفها واركبها على الفرس خلفه وسافر بها إلى بلده في جنوب العراق ولما سأل أهلها عنها قيل لهم إن شابا غريبا من الرعاة قد خطفها ولهذا قام أهل قرية سريشكة بالتعاون مع أهل قرية دوغات بسد هذه العين ويقال إنهم وضعوا الكجة في باديء الأمر ثم الحجارة فالتراب حتى جفت تماما وتوجد حكاية في القرية سمعتها من صغري من والدتي تدعى حكاية نسيمو ، تروي حادثة اختطاف هذه البنت.

إن شابا غريبا اختطف بنتا من أهالي أحدى القرى المجاورة لتللسقف اسمها نسيمو( نسيمو د سريجاي...مؤ رقا لنخرايي....مونخثا لأثرا ختاي ) نسيمو من سر يشكا ... خطفها الغرباء... وانزلوها إلى البلاد الجنوبية ، وكان لها ثلاثة أخوة فأراد الكبير إن يذهب ويفتش عنها فقال لامه..... اعملي طعام سبعة ايام وزاد سبعة سنين لاذهب وافتش عن اختي نسيمو .فقالت له ....اولادك اذا طلبوا ماء اسقيهم...واذا طلبوا الطعام اطعمهم .. وإذا طلبوا أب من أين اجلبه لهم فعدل عن الذهاب.فجاء اله.سط وقال لامه اعملي لي طعام سبعة أيام وزاد سبعة سنين لأذهب وأفتش عن أختي نسيمو.فقالت له.. عرقك موجود في الجرة.. ومهرك موضوع في كفية.. فان ذهبت عرقك يقلب ماء وعرسك يصبح عزاء فعدل عن الذهاب ، فتقدم الصغير وقال..(يمي خلابخ يمي..وذلي ايخالا دشوا يومي..وزوادا د شوا شني..دزالي جيلن لخاثي نسيمو..) متوسلا بأمه.. أمي عوضك أموت ياامي..اعملي لي طعام سبعة أيام.......وزاد سبع سنين...لأذهب وأفتش عن أختي نسيمو. فقالت له (يابروني خلابخ يموخ.. اقلاثوخ بيشي خكوشي..وبركاثوخ شروياثا) يا ابني عوضك تموت أمك أرجلك تبقى مثل قضبان الحديد (من كثرة السير) وركباك مثل قرص نعناع ، فقال اذهب ياامي مهما حدث لي فلم تتمكن إن تقل له شيئا بل هيأت له ما أراد فحمله على ظهره وسار من بلد إلى أخر وهو يسال عن أخته حتى وصل إلى قصر عال جدا في أحدى المدن فاستراح تحت ظله في يوم اشتد حره واخذ به التعب فأضناه فرأته سيدة الدار فقالت لخادمتها إن تطرده لان ثيابه وسخة وممزقة ورائحته كريهة لا تتمكن إن تشتمها فقالت له أيها الأجنبي اذهب من إمام قصرنا لكي لا يأكلوك كلابنا...وتمزقك قططنا، فقال لها لا اقوم من إمام قصركم حتى إذا أكلتني كلابكم ومزقتني قططكم ، فعادت وأخبرت سيدتها بأنه لا يقوم ولا يرحل فجاءت السيدة وقالت له أيها الغريب قم من إمام قصرنا لكي لا ياكلوك كلابنا...وتمزقك قططنا، فقال لها لا اقوم من إمام قصركم حتى إذا أكلتني كلابكم ومزقتني قططكم فبكى واخرج كفية من جيبه ووضعها على عينيه فلما رأت هذه الكفية قالت له إذا سرقت هذه الكفية اخبرني وإذا نهبتها من شخص فحدث لي. فقال لها حاشا علي أن اسرق وحاشا علي أن انهب فقالت له إذا من أين لك هذه الكفية.فقال لها قد غزلت خيوطها أمي العجوز ونسجها أبي العجوز ونقشتها أختي نسيمو.فعرفت انه أخوها فقالت اطلب من الله تعالى إن تعيش ثلاثة أيام في الأول اسبحك وأبدل ثيابك وفي الثاني أسقيك وأطعمك وفي الثالث اجلس بجانبك وأسالك, وأخذته إلى القصر ولكن حالما وصل إليه توفي فحزنت عليه حزنا عظيما.

وكان في القرية رجل توفي قبل عشرين سنة عن عمر ينيف عن الثمانين عاما كان يقول انه يعرف محل العين ويسعى لاستخراجها ولا يموت إلا إذا رآها تجرى ويصل ماؤها إلى القرية وقد دله على موضعها جده، ويروى إن العشب ينمو حولها ولكنه لا ينمو فوقها أبدا وقد أراد أهل القرية حفرها عدة مرات ولكن كلما ذهبوا في النهار وحفروا جاء أهل القريتين وارجعوا التراب إلى محله ليلا وقد جلبوا أناس لهم خبرة وإلمام في تجمع المياه فقالوا إن ماءها قد تفرق إلى أماكن أخرى فلا حاجة إلى حفرها, لذا اعتمدوا على الآبار فكان كل بئر يحفر في داخل القرية يكون ماؤه مرا ويستعمل للغسيل والاستحمام وشرب الحيوانات والبئر الذي يحفر خارج القرية يكون ماؤه عذبا غالبا إما في الشتاء فيعتمدون على المياه التي تتجمع في محل يسمى ( شيوا) خبراء ويبقى أحيانا إلى بداية الصيف حيث يصبح اصفرا من الضفادع التي تعيش به والإعشاب التي تنمو فيه وكان اثنتان منها في الجهة الشرقية من القرية واحدة كبيرة وإمامها أخرى صغيرة تسمى(كلولتا) واثنتان منها في الجهة الغربية وأخرى في الجنوبية الغربية وتسمى(كلولتا) وفي كل سنة عندما تسقط الأمطار يجتمع شباب القرية وينظفون أرضها من الأوساخ التي تتجمع فيها في الصيف ويضعون التراب على أسوارها لتقوى وتتجمع فيها كمية كبيرة من المياه.

طراز البناء(العمارة الشعبية القديمة)

كانت الدور التي يسكنها إباؤنا وأجدادنا دور ضيقة وغير صحية تشغل مساحة قليلة من الأرض خاصة في القرى والأرياف وكانت محصنة خوفا من اللصوص الذي يزعجون راحة سكانها بسرقة الحيوانات وما تصل إليه يدهم, وهذه الدار التي سأصفها فيما يلي هي أحدى الدور التي تتشابه مع الدور الأخرى مع فارق بسيط وهي الدار التي ولد فيها والدي وأجدادي وكان الطابق السفلي يعلو قليلا عن الأرض نحو متر تقريبا ولهذا كانت لا تسقط لسنين طويلة لتقارب الغرف مع بعضها ولتماسكها مع الدور المجاورة وقد كانت عمتي التي توفيت قبل خمسة وعشرين سنة عن عمر ينيف عن التسعين سنة تقول إن جدها لا يتذكر متى بنيت هذه الدار ولازالت صالحة للسكنى إلى يومنا هذا إذا أجريت فيها بعض الترميمات البسيطة. المواد المستعملة في البناء هي:الجص، الحجر، الأجر، الحلان، المرمر، الطين.

1 ـ الجـص

كان الجص سابقا ينقل بواسطة الحيوانات بما يسمى(سولا) وهو عبارة عن عدة خشبات مثبتة مع بعضها ومتفارقة بحيث تشكل صندوقا قاعدته اصغر من الأسفل بوضع كل واحد منها في طرف الحيوان ويربطان معا بحبل، يستخرج هذا الجص من الكند وهي مرتفعات بين تللسقف والقوش على بعد سبعة كيلومترات تقريبا بواسطة البارود حيث ترتفع بذلك قطعة كبيرة ثم تكسر إلى قطع منا سبة او بواسطة رفع قطعة كبيرة بواسطة موخل من حديد وما يسمى عندنا(مجباي) ثم ينقل إلى خارج القرية حيث يبنى الكور من الطين واللبن فوق حفرة عميقة بشكل قبة دائرية فيها كوى عديدة وكبيرة ولها ممر طويل من الجانبين لإسناد الجص ولرمي التبن عند حرقه فإذا أصبح الكور والجص جاهزين اخبر الشخص الذي يرغب أن يباشر بالبناء جيرانه وأقاربه وأصدقائه بان يجتمعوا عصرا عند الكور لمساعدته فيجتمعون ويحملون الجص الى رجل جلس فوق الكور ليعقد عقدا فوق كوى الكور وبعد أن ينتهي من ذلك يضعون قطع الجص فوقها الى أن ينتهي ما عنده من الجص وتجتمع النساء وتهلهل حتى تقوي همم الرجال ويبدون الغيرة والشجاعة ويغني احدهم ويردد الباقي عليه، وفي اليوم الثاني يأتي أهل الدار ومن يساعدهم من الأصدقاء ويجمعوا القطع الصغيرة بواسطة زمبيل يشترى من قرية باطنايا ويضعونها فوق الكور وفوقها الخرشان التي جلبت من الدار بعد هدم غرفة أو قسم منها واذا ليس له ما يكفي لذلك اشترى من احد له زيادة عن حاجته حتى يبقى الكور كمخروط قاعدته الى الأسفل ، ثم ينقل التبن من البيادر بواسطة(خرارة) وهي عبارة عن كيس كبير ينسج في القرية من الصوف وشعر الماعز تسع نحو أربع كواني كبيرة تستعمل لنقل التبن ويكفي للكور الواحد نحو 100-150 خرارة تقريبا.ثم يأتي رجل له خبرة بحرق الكور ويبدأ عمله عصرا فيستمر في رمي التبن مدة يومين أو ثلاثة حتى يعلم إن الجص قد استوى تماما. فيترك نحو أسبوع ليبرد ويأتي أهل ومن يساعدهم وينشرون الخرشان والجص ويضعونها على ما يسمى(مختر) وهو عبارة عن محل دائري ثم يؤتى بدابتين تربط معا بنير فوق رقبتيهما لتجر ما يسمى(ميدرون) لدق الجص وهي عبارة عن قطعة حجرية بشكل متوازي المستطيلات طولها نحو ثمانين سنتمترا وطول ضلع قاعدتها خمسة وعشرين سنتمترا ولها أربع أوجه فإذا صار الجص ناعما يسردونه بسراد وما يبقى فوقه يوضع ثانية ليدق حتى يصبح جميع الجص ناعما.

2- الأحجار

وتنقل من الكنود وبواسطة الدواب وسولا أيضا وتستخرج بالبارود والموخل وتكون كمية الأحجار اللازمة قليلة لان صاحب الدار يكون له مقدار منها اذ قد تهدمت له غرفة اواكثر فيأخذ أحجارها ويبني بها فإذا احتاج الى كمية قليلة نقلها لان البناء كان سابقا بنفس الدار فلا يوجد بناء دور جديدة إلا ما ندر فكل رجل يكون له ولد أو ولدين وما قل ثلاثة أولاد فإذا تقاسموا اشتروا دار رجل مات ولم يترك أولادا أما الزيادة التي حصلت في القرية فقد حدثت منذ أربعين سنة تقريبا ثم أخيرا استعمل الناس لنقل الجص والحجر العربة التي تجرها الحيوانات وبعدها السيارات.

3- الآجر

ويسمى الواحد منها في اللغة المحلية (كورتا والجمع كورياثا) ويصنع في القرية على شكل مربع طول ضلعها نحو خمسة وعشرون سنتمتر وبسمك ثلاث سنتمترات ويعمل من الطين والتبن بواسطة قوالب خشبية وبعد أن تجف توضع في كور يشبه الاكوار القديمة التي يصنع فيها الطابوق في بعض القرى المجاورة لمدينة بغداد ويشعل التبن لحرقها، ولم أرى عملية صنع الآجر في صغري ولكني رأيت بعض الاكوار المتهدمة وكان الآجر يستعمل للسقوف لخفتها.
4- الحلان

ولونه احمر فاتح يفنى بسرعة خاصة إذا لامسته مياه الأمطار ويتناثر كالتراب وخاصة أن جميع دور القرية كانت بدون تكحيل من الداخل والخارج وكان يستعمل لعقد الباورسيق وأحيانا للبناء وخاصة في الأساس لأنه يقال إن الجرذ والفئران لا تتمكن من حفره لأنه ينزل مثل التراب على عيونها ويعميها ويستعمل لرخصه ولسهولة استخراجه وقرب المحل الذي يوجد فيه فيكون على سطح الأرض في بعض المحلات ولم أر في أحدى القرى المجاورة من يستعمله.
5- المرمر

كان يجلب من تلكيف اوالموصل ويستعمل في الأبواب والشبابيك ويحفره النقار.
6- الطين
كان بعضهم ممن لا تساعده حالته المادية يبني داره أو قسما منها بواسطة الطين واللبن.

ـ البناء:

بعد أن أصبح كل شيء جاهزا وقد حفر الأساس الذي يكون عمقه متر الى مترين تحت أرضية الغرفة المراد بنائها ويدك بالحجارة لمدة يومين اوثلاثة بعد رشه بالماء في كل مرة حتى يكون قويا ولا ينزل تحت البناء لان الأرض في داخل القرية ترابها اسود ولا يوجد فيها ما يسمى (حري) مما يدل إنها قد بنيت منذ زمن قديم اذ يجدون دائما عند الحفر أساسات قديمة تخالف المحلات التي يحفرون فيها الأساس لغرفة قد تهدمت وأحيانا يجدون قطعا من العملة الذهبية أو الفضية في جرار أو شربات اذ يقال إن الأوبئة كانت تنتشر سابقا في القرية وما جاورها فيترك أهلها دورهم بعد أن يحفروا في الأرض ويضعون ما يملكونه من الحلي والنقود بعد أن يأخذوا قسما منها لنفقتهم فإذا توفوا في المحل الذي ذهبوا إليه بقي هذا المال في محله أو كانوا يأتون الى القرية غزاة فيقتلون الرجال وينهبون النساء والأموال فيضطر الأهالي الى الفرار للنجاة بأرواحهم, وعندما كنت صغيرا كنت اسمع أن الأم إذا أرادت إن تسكت طفلها الذي يبكي تقول له (ثيلي مخاي بسيبا) جاءوا من يضربون بالسيف أو( ثيلا نجدة ) جاء نهب مما يدل إن القرية قد شاهدت من الويلات والمصائب وان البنت قد تعلمت من أمها هذا القول وصارت تستعمله حتى وإنها لم ترى هذه العملية بعينها.وقد سمعت من شخص قال إن جده روى له إن وباء قد حصل في القرية ومات فيه عدد كبير فلما ولى جاء الرجال الى القرية فعدهم احدهم فكانوا اثنين وسبعين رجلا فقط.

يذهب الرجل الى مدينة الموصل ومعه دابة ليركب عليها البنـّاء ويؤجر أهل الدار عصرا للعمال، والبنّاء لاينام عادة في الدار التي يبني فيها بل في دار صديق له إلا إذا خرج للمرة الأولى الى القرية فينام عند هذا الرجل, وفي الصباح وقبل شروق الشمس يحضر العمال ويفطرون مع أهل الدار باقلاء وحمص وقد وضعت في زير ( مـركن ) في التنور وبعد شرب السيكارة أو الغليون يجلس الجبالان متقابلين بينهما جص ينقله شخص بغارة تصنع من البردي على دابة وبجانب كل منهما اناء فيه ماء يسمى (قحفة) وهو اناء من طين مفخور يشبه نصف برميل نفط كبير والماء تنقله امرأة بجرة فوق كتفها حيث يسحبه رجل من بئر داخل القرية بدلو من جلد بواسطة حبل خاص يجذل في القرية من البردي وقد نصبت خشبتان بينهما بكرة يمر فوقها الحبل فيدوسه برجله عدة مرات حتى يخرج الدلو ويفرغه في حفرة بجانب البئر حتى اذا جاءت المرأة غطست فيها جرتها حتى تمتليء وذهبت وافرغتها امام الجبالين وهؤلاء يعطون الجص الى البناء فياخذه ويرميه في الاساس بكفه وبجانبه رجل يسمى مروّج يعطي له الاحجار وقبل إن ينتهي الجبـّال الاول يبدا الثاني وهكذا يتناوبان بالعمل واذا انتهى البناء من ملىء الاساس بالحجر والجص ووصل الى مستوى ارض الغرفة ذهب الى زاوية منها ووضع بضعة احجار فوق بعضها وبيده مسطرة طويلة وشاقول ليتاكد إن الحائط عمودي ومستقيم ذهب الى الزاوية الاخرى وبنى عدة احجار بارتفاع الزاوية الاولى ومد بينهما خيط وبدأ بالبناء وتسمى هذه(خراز) وبعد الانتهاء من البناء في هذه الجهة يذهب ويبني في الجهة الاخرى حتى يكمل بناء الجدران الاربعة ثم يطبقها من الداخل اذ يضع احجار اصغر من السابق وفي الوسط احجار صغيرة ولايترك فراغا بل يملؤه بالجص فاذا انتهى بنى خرازا اخرى فوقها حتى يصل الى المحل الذي يرغب إن يعقد العقدة. وفي العاشرة تقريبا يجلسون للاستراحة ويقدم لهم (بثخاثة) أقراص مع الجبن والبطيخ والشمزي اذا وجد مع حفنة من زبيب لكل منهم وتسمى هذه الاستراحة(بثختا) أي قرصة نسبة الى ما يعطى لهم وفي الساعة الواحدة بعد الظهر يجلسون ثانية للغداء حيث يقدم لهم (بثخاثا) قرص مع الجبن أو البيض المسلوق والمخضرات وبعد الأكل والاستراحة الطويلة نحو ساعة من الزمن أو أكثر يقومون للعمل حتى غروب الشمس لان العمال كانوا يشتغلون من شروق الشمس حتى غروبها وفي العشاء يقدم لهم العدس أو(كركر كروسة) البرغل الخشن أو مذيرة (سوف يأتي شرحها فيما بعد عند الكلام عن الأكلات الشعبية.

أما البناء فلا ياكل مع العمال بل يقدم له صباحا بيضتين مع حليب أو قشفة فوق لبن، وفي الساعة العاشرة يقدم له بيض مقلي فوق عسل اودبس أو ما يسمى( بصل مكور مش)بصل مع لحم مفرومين معا. أو برغل فوقه لحم، وفي الغداء يقدم له برغل فوقه لحم أو كشكاء وفي العشاء يقدم له ديك مشوي مزة مع ربع عرق فيشرب ثم يقدم له البرغل مع المرقة بدونها، والمروج عادة يأكل مع البناء, وكان أكثر الناس لا يؤجرون من العمال غير الجبالين والمروج أما بقية الأعمال من كسر الاحجار الكبيرة وتقديمها امام المروج وتقديم الجص امام الجبالين فيقوم بها أهل الدار ومن يساعدهم من الجيران والاصدقاء والأقارب وهؤلاء المساعدين يبقون ويشربون مع البناء وأهل الدار. فأذا صار الجداران بعلو مناسب يبدا البناء بالعقدة فاذا كانت الغرفة مستطيلة كانت العقدة جمالية فيضع الشبثة على الحائطين المتقابلين الطويلين ويسمى هذان الحائطان (خاسر) ثم يعمل شبثة من جص فوقها ويسمى الحائطان الاخران( مرا) اما اذا كانت الغرفة مربعة اوتقرب من ذلك عمل الشبثة على الحيطان الاربعة وتسمى العقدة بكداشية ثم يعقد بالخرشان او بالاجر حيث يصعد بعضهم الى فوق فكلما وضع البناء اجرا مسكها احدهم حتى يتماسك الجص ويتركها ليمسك غيرها وهنا يجب إن يكون الجص شدادا حتى يجف بسرعة،اما في البناء فلا يرغب البناء إن يكون شدادا واذا كان كذلك طلب من أهل الدار إن يضعوا جزة صوف في حفرة المياه حتى تنحل قوته.وهنا يطلب البناء من صاحب الدار إن يرتقي البناء وله ليمسك الاجر وقبل إن ينتهي من العقد يمسك يده من الداخل ويضع فوقها الجص والاجر ويقول لوالده تعهد بالحلاوية والا تركت يد ولدك بين الجص والحجارة فيقول له بانه سيدفع له ما يرغب واذا لم يصعد ولد يترك دائرة صغيرة في وسط العقدة ويقول بانه لايكملها اذا لم يدفع له الحلاوية فيقول له عين عيونك ماتطلبه فهو حاضر فيتم العقد ويترك كوة صغيرة في وسط العقدة لدخول الشمس والهواء ولخروج دخان المواقد في الشتاء لانه لايوجد في الغرفة شبابيك بل يعملون بعض كوى صغيرة في الحائط اذا كان هناك حائط غير ملاصق لبنايةاخرى لهم او لجيرانهم ، ثم يصعد الى السطح ويضع حبوب او جرار مكسورة او حمراء لاتباع او عتيقة في البواسيق ويثبتها بالجص اويعقدها عقدا صغيرة خاصة اذا كانت العقدة بكداشية حتى يتساوى السطح تماما . او يعقد عقدة واحدة طويلة من كل جانب تسمى (خشيما) شخيم يوضع فيها الحنطة او الشعير بعد تسييعه بالجص من الداخل ،ثم يسطحه بطبقة من الجص بواسطة الكف فيضعون فوقه الحجارة الناعمة والخرشان ويضع فوقه طبقة من الجص فيه ماء اكثر من الجص المستعمل للبناء ليدخل بين الخرشان والاحجار ويتماسك معها بقوة ثم ينقل الجص بصحون ويمسك بيده المالج حتى يصبح السطح املس لاتدخل فيه المياه ثم ينزل ليسسيع ارض الغرفة، وكان الجص الذي يحرق بالتبن ويدق بالميدرون يقاوم الامطار الغزيرة المتساقطة في منطقتنا وردلازالت بعض البيوت التي بنيت قبل خمسين سنة وقد سيعيت به لايتخلل المياه في سقوفها الى الان بينما الجص المحروق بالنفط والذي دق بالماكنة لايقاوم الامطار ابدا ولهذا قام الناس بتسييع السطوح بالاسمنت غير المسلح حتى اذا كانت العقدة بشلمان او عقدة قديمة.

8 ـ وصف البيت:

نحن سائرون في طريق من الشرق الى الغرب لقد وصلنا امام باب الدار فنتجه الى الجنوب فندخل فسحة مربعة الشكل طولها ثلاثة امتار نرى في الجهة الشرقية منها باب الدار مجاورة تتجه الى الغرب وفي الجهة الغربية جدار اخرى لدار اخرى مجاورة وتتجه الى الجنوب وندخل بباب خشبي مكون من صفاقتين دقت فيها مسامير ذات رؤس كبيرة بشكل دائرة مقعرة من الداخل فوقه شريط من الحديد وهذه المسامير تثبت على خطوط مستقيمة لتزيين الباب وفي كل صفاقة زائدة من الاسفل تدخل بحفرة في الارض تسمى(سيورته) سوارة وزائدة في الاعلى تثبت في سقف الباب وفي احدى الصفقاقتين وفي حافتها المنطبقة على الصفاقة الاخرى خشبة بعرض اربعة سنتمتر دقت فوقها بهذه المسامير لتنطبق الصفاقتين تماما ولايبقى المجال لدخول عصا او يد بينهما وفي احداهما فتحة تدخل فيها اليد لغلق الباب او فتحه من الخارج بواسطة مفتاح فيه مايسمى(قلقولياثا) قلاقيل يدخل في (قفيصة) بلطات فيحرك مزلاج يسمى(دورا) ليدخل في ثقب خشبة دقت في الصفاقة الاخرى . عرض الباب مترا والبناية المحيطة به نصف متر من كل جانب فيكون عرض الدار عند دخولنا عليه من الجهة الشمالية ثلاثة امتار فقط فندخل الى الحوش ونسير فيه نحو اربعة امتار فيزداد عرضه من الجهة الغربية وهنا قد بنى دام يستعمل كمحل للتنور والحمام والمطبخ وهو مشيد من الطين واللبن لانهم كانوا يقولون إن الجص لايقاوم الحرارة الشديدة الناجمة من كثرة استعمال التنور وسقف بواسطة خشبة كبيرة تسمى (مدا) وضعت طوليا في الوسط وتكون مرتفعة عن الحائطين الاخرين ثم توضع منها والى كل حائط من الجانبين اخشاب اصغر تسمى(شقل) بحيث تكون مرتفعة من جهة الخشبة الكبيرة وواطئة من جهة الحائط ثم توضع فوقها سيقان نبات يسمى(قراميش) وهو يشبه البردي ينمو في وديان دائمة الجريان تسمى( روبار) يشتريها أهل القرية من اهالي القرى المجاورة حيث يجلبونها على الدواب لبيعها ثم يوضع فوقها (قصالة) وهوسيقان الحنطة الباقية بعد حصادها او نوع من الشولا يسمى(خاتا) ثم تسييع في الطين ولابد لكل إن يكون فيه هذا الدام نظرا للحاجة الماسة اليه اذ يستعمل كما قلنا لهذه الاغراض :

اولا : التنور


كان التنور سابقا يصنع في القرية فبعض النساء لهن خبرة في صنعه واذا لاتتمكن من ذلك دعت احدى جاراتها لتساعدها وتعلمها كيفية عمله ن وهو يعمل من الطين الحر والتبن ويصقل من الداخل والخارج بخشبة تسمى(مسرقتا) أي مشط وبعد إن يجف يؤتى بحجر صغير يشبه حجر الجاروش ويصقل به ثانية من الداخل ثم يوضع في المحل المراد ثم يسجر نحو اربع اوخمس ساعات متقطعة بواسطة البعر والتبن ثم يسجر بزمبيل من عظام جمعت لهذه الغاية ويؤتى بدم ويوضع فوقه من الداخل وبذلك يصبح جاهزا للخبز وقد اشتهرت قريتنا بخبز الرقاق المسمى(رقا) رغيف كما اشتهرت بذلك القرى المجاورة لها ومدينة الموصل، فتجتمع نساء الدار ومن يساعدهن من الجارات بعد إن تكون قد عجنت كمية من العجين فيما يسمى(ساتا) سابقا وهي اناء من الخشب حفر بحيث اصبح رقيقا مثل الطشت يسع نحو وزنه من الطحين (الوزنة 13 وثلث كيلو غرام) ثم ترك استعمالها بعد انتشار النحاس اخيرا او التوتيا مؤخرا بعد إن تضع فيه كمية من عجين مخمر وضع فيه مايسمى (بخمير) أي بيت الخمير وهي عبارة عن اناء من الفخار له قاعدة من الاسفل ويدان يوضع فيهما الخيط وتعلق بخشبة دقت في جدار لحين الحاجة ، واذا لم يكن للمراةعجين خميرة طلبته من جاراته على إن تملا هذا الاناء الذي اخذته وترجعه الى صاحبه وتجلس النساء وامام كل منهن ( خوانا) فرشة خبز وتاخذ قطعة من عجين تقطعه بسكين وتدعكه ثم تقطعه قطعا صغيرة الواحدة لتكفي لعمل رغيف تسمى(دعكثا) وتعطيه لامراة اخرى بيدها (كروما) شوبك وهذه تكبر هذه القطعة لتصبح بقدر القرصة التي تباع في اسواق المدينة ثم تدفعه لامراة اخرى بيدها(كيرا) نشاب وهي تلفه عليها وتفتحه حتى يصبح رغيفا وتطويه وتضعه على مايسمى(منزق) ملزق حتى يجتمع عندها نحو خمسين رغيفا وهناك امرأة اخرى قد سجرت التنور فتاخذ ماتجمع وتفرشه على الملزق وتلصقه على التنور وتاخذ غيره وتضعه بجانبه حتى يمتليء التنور وكلما استوى رغيق اخذته ووضعت غيره محله حتى لايبقى شيئا فوق الملزق وتسجل التنور مرة ثانية وتاخذ ماتجمع لديهم حتى ينتهي العجين فتسجر نحو خمسة او ستة مرات وذلك حسب عدد النساء اللواتي يشتغلن ، واذا لايوجد هذا العدد من النساء تقوم واحدة بعملتين او اكثر من هذه الاعمال واحيانا امراة واحدة تقوم بجميع العمليات ويخبز في التنور انواع مختلفة من القرص ومنها :

1- تخراثا (دكرسا) اقراص الجريش:

تجرش الحنطة بواسطة جاروش اذ تذهب المراة عند جيرانها اذا لم تكن موجودة في دارها وتجرش هناك كمية من الحنطة او تحملها الى دارها وتصنع من هذا الجريش قرص بقطر 15 سنتمتر تقريبا وذلك في اليوم السابق لعيد الصليب الواقع في 14 ايلول او في يوم السبت قبل احد السعانين الواقع قبل اسبوع من عيد القيامة او في ايام الحصاد اور في بعض الايام الذي يشتهون اكل هذه القرص وبعض النساء تعمل منها خبز صاج بقدر القرص التي تباع في المدن.

2- تخراثا دكركر- قرص برغل:-

وتصنع من البرغل الناعم ومن الجريش المار الذكر وتكون اصغر قليلا من قرص الجريش وتضع المراة اصابعها الخمسة فوق القرصة وتعمل عادة بعد عمل البرغل وفي اوقات مختلفة من السنة حتى يتخلصوا من البرغل الخاص بها .

3- تخراثا دتؤل وطاحن:-

قرص الكزبرة والطحينية : وتعمل في يوم الاربعاء الذي ينتصف فيه الصوم الكبير وذلك يثرم البصل كم يثرم للكبة وخلطه مع الطحينية ثم يوضع فوقها الكزبرة التي دقت ناعما ثم يئتى بعجين الطحين ويحشى بهذا المخلوط كما تحشى الكبة ثم تخبز في التنور .

4- جثخاثا –قرص :

وهـي قرص عادية كالتي تباع في اسوا ق المدينة تخبز في ايام الحصاد والبناء او عند نفاذ خبز الرقاق والنساء ليس لهن مجال لخبزه او تعمل خبز صاج .

5- جله:-

وهي كالقرص العادية ولكن يعجن معها مايسمى(سسق) وهي بقايا الشحم المذاب ، اذ كان الشحم غالبا يستعمل للطبخ وحده او بعد خلطه بدهن الغنم او اذا فضل برغل في المساء تقوم المراة صباحا وتعجنه مع الطحين وتخبز منه مايسمى جله ، او عند اذابة الزبد تضع فيه برغل فتاخذه وتعجنه مع الطحين وتعمل منه مايسمى(جله ددويثة) .

6- كليجة:-

وتصنع قبل عيد الميلاد أو قبل عيد القيامة، وكان الناس سابقا يعملون كليجة مما يسمى حلاوة ومن التمر، وهذه الحلاوة تصنع من طحين يوضع قليلا فوق النار ويسمى(بوخن) ثم يخلط مع دهن ودبس الزبيب ثم تحشى القرصة بهذه الحلاوة وتكون كليجة كبيرة جدا إذ تكون القرصة اصغر من الرغيف قليلا ثم تنقش بواسطة ما يسمى منقاشا (المنقش) وهو عبارة عن خشبة قاعدتها دائرية دقت فيها مسامير ومن الأعلى بشكل دائري لمسكه بالأصابع فيضرب على الكليجة وحلاوة فينقشها بواسطة المسامير، إما كليجة التمر فكانت اصغر منها ولكنها كانت اكبر بكثير من كليجة التي نعملها في الوقت الحاضر وكانت تنقش بواسطة مفتاح صغير فيه ثقب وكان النوعان يقرصان باليد.

عدا هذا كان التنور واسطة لوضع البرمة فكانت المراة في كل مساء خاصة في الشتاء تسجر التنور وتضع فيها البرمة ليفطروا بها صباحا والأنواع التي توضع فيها هيا:

1- هريسا

وهي من الحبية وقليل من الحمص واللحم المكبوس.

2- مرقه:

وهي حمص مع لحم وبصل أو راس ورجلين المسماة (باجة) وعندما يخرجون ألمرقه يثردون الخبز أولا ويضعون عليه قليلا من مائها وبعد إن يملئوها افرغوا الحمص واللحم واكلوها.

3- شوبات :

وهي من العدس غير المجروش وقليل من الحبية والحمص بدون لحم عادة تؤكل في أيام الصوم الكبير حيث يفطرون بها عند الظهر وتؤكل صباحا في أيام الأربعاء والجمعة حيث لا يجوز فيها أكل اللحم.

4- قليوك:

وهي حبية وحمص بدون لحم يقلى فيها الدهن أحيانا أو يوضع فيها طحينية أو حب بطيخ بعد دقه ناعما واستخراج القشور وتؤكل في أيام الصوم أو الأربعاء والجمعة.

ثانيا - حمام:

أمـرأة تعمل محلا مستويا فوق ظهر التنور وتقيم حوله الجدران ليستر من يستحم فيه يسمى(حميمية) حمام وكانت النساء تسبح عادة كل يوم سبت أو قبل عيد إما الرجال فلا يستحمون عادة إلا قبل عيد كبير أو إذا راءوا إن جسدهم قد اتسخ كثيرا أو في بعض المناسبات وكان الاستحمام سابقا بدون صابون وفي ماء مر إلا في الشتاء عند وجود ماء الخبراء فالرجل يضع على جسمه الماء ويفركه قليلا، أما المراة فتكسر بيضة وتضعها في أناء وتخفقها في ملعقة من خشب وتضعها على شعرها وتفركه بها جيدا ثم تغسله بالماء حتى يزو ل إثرها وتأخذ مسحوق الخطمية وهو ينمو في المحلات المرتفعة في الكنود الواقعة بين تللسقف والقوش ويزرع ألان في بعض الحدائق في بعض البيوت له زهر ابيض أو احمر فاتح وكانت النساء تجلب كمية كافية من أوراقه وبعد إن تجف تطحنه بجار وش وبعضهن كن يعملن أناء من فخار يشبه المملحة ذات قسمين في الأول يوضع البيضة وفي الثاني الخطمية وبعد إن تضع هذا المسحوق على رأسها تفرك شعرها جيدا وتمشطه بمشط خشبي ثم تغسله بالماء ويقال إن البيضة والخطمية تجعلان الشعر ناعم الملمس يسهل تمشيطه لأنه كان يبقى طول الأسبوع بدون تمشيط مجذولا بما يسمى(صوصياثا) ثم تضع الماء على جسمها وتفركه قليلا وتلبس ملابسها ثم تخرج.

ثالثا : المطبخ:-

في زاوية من الدار تضع المرأة واحدة أو اثنتين مما يسمى( باية ) ( فاية ) واحدة كبيرة لوضع دست كبير فوقها وأخرى صغيرة لوضع الدست الصغير ، وتصنعها من الطين الأحمر المخلوط بالتبن بشكل دائري مفتوحة من الأمام ارتفاعها نحو قدم واحد وعند الطبخ تضع في المقدمة قطعتين من الباطوخ ( جلة ) بشكل مثلث قاعدته إلى الأسفل وترمي التبن أو البعر بينهما من الأسفل الى الداخل بعد إن أشعلت النار بواسطة قليل من الشوك ، وتراقب الطبيخ حتى يستوي وكان ذلك في المساء غالبا وبدون لحم إلا في الشتاء عند وجود اللحم المكبوس .

نسير في الحوش بمحاذاة الجهة الغربية فنرى إيوان صغير يرتفع قليلا عن مستوى الأرض وفي الجهة العربية منه درج نصعد به الى السطح، والآن لنتجه الى الجهة الشرقية وندخل في باب خشبي ذو صفاقة واحدة الى الدار وبعد مسيرة مترين يضيق البناء حتى يبقى نحو متر ونصف المتر لأن بيت الجيران من الجهة الغربية قد ضايقه والآن نسير الى الأمام حتى نصل الى باب يؤدي الى السرداب المسمى عندنا ( بيكار) وهي كلمة نصفها ( بي) من اللغة الآرامية المحرفة من ( بيث ) أي بيت ونصفها من اللغة الكردية ( كاري ) ومعناها حمار فيكون معنى الكلمة بيت الحمير وهنا قد أعطت الدار المجاورة من الجهة الشرقية مجالا واسعا لنا ونتجه الى الجنوب فنرى بابا يؤدي الى غرفة تستعمل مأوى للأغنام وفي زاوية منها جدار يعلو متر ونصف المتر بشكل دائري يسمى ( كوزا) وهو مأوى للخرفان وبمحاذاة الجدران في هذه الغرفة معالف لوضع التبن والشعير للغنم ثم نخرج منها فنرى بابا أخر مجاور لها فندخل فيه فنرى غرفة سقفها عال جدا يقابل طابقين أي السرداب والغرفة التي فوقها وتسمى ( بيتون) بيت التبن وتستعمل لخزن التبن بكمية كبيرة يكفي لمعيشة الأغنام والحيوانات لمدة سنتين أو أكثر لأنه في بعض السنين تكون الحاصلات الزراعية قليلة أو معدومة نظرا لقلة الأمطار أو الآفات الزراعية فلا يحصد الفلاح شيئا أو يحصد كمية قليلة فإذا رأى إن الموسم جيد في الربيع وسعر التبن غالي باع منه ما زاد حاجته وكانوا يقولون إذا الفلاح ليس له محل يحوي به تبن ليشق فخذه ويملأه تبنا لأنه يحتاجه. لنخرج من هنا الى الغرفة الأولى ونتجه الى الشمال الشرقي فنرى بابا فندخل فيه وننزل بدرجتين الى غرفة تسمى ( زرزمي) سو هذه عادة يكون سقفها بمستوى ارض الحوش ونجد فيها تبن يستعمل للخبز والطبخ يسمى ( قطر) عقد حيث لا تأكله الحيوانات. لنخرج من هنا ونتجه الى الشمال الغربي فنشاهد بابا ننزل فيه بدرجتين الى غرفة أخرى تسمى (زرزمي) وهي تحت الإيوان الخارجي الذي صعدنا منه الى السطح وفيها أخشاب لعمل المواقد في الشتاء وبعض الحاجيات والأخشاب الزائدة عن الاستعمال. لنخرج من هنا الى السرداب الأول فنلاحظ في وسطه غطاء من حجر لنرفعه فتظهر لنا حفرة عميقة تسمى ( جال) وهذه تعقد وتقيد أرضها وجدرانها بالقير لوضع الحنطة والشعير الزائد عن الحاجة في تلك السنة ويوضع فوق غطائها تراب حتى لا يعرف محلها لأنه يقال إن الدولة العثمانية كانت في بعض السنين تفتش بيوت الفلاحين وتأخذ ما تراه من الغلة ويقولون إن سنة الغلاء التي بيعت فيها وزنة الحنطة ( الوزنة3 1 وثلث كغم) بثلاث ليرات ذهبية في هذه القرى لم يكن سببها قلة الحاصل في تلك السنة بل إن الدولة العثمانية أخذت جميع الحاصلات الزراعية التي وقعت عليها يدها لإعاشة جنودها في زمن الحرب العالمية الأولى فكان الناس يملأ ون الجرار والأكياس بالحنطة والشعير ويضعونها داخل التبن أو تحت الأرض خوفا من أخذها من قبل الحكومة. ونلاحظ في السرداب ما يسمى ( خيا) وهي عبارة عن خشبة في حفرة من جدار تربط فيها الحيوانات وكذلك نرى منها في الحوش عندما تربط الحيوانات في الربيع حيث توضع أمامها الحشيش والكعوب,

لنخرج من السرداب كمن الباب الذي دخلنا منه وقبل إن نخرج نصعد بست درجات فندخل غرفة ليس لها باب يغلق بل إن الباب مشترك فيها وبين السرداب يدخل فيه الناس والحيوانات فالناس يصعدون الى الأعلى والحيوانات تنزل الى الأسفل، في هذه الغرفة حائط من الباب الذي دخلنا فيه حتى نهاية هذه الجهة التي دخلنا منها يسمى ( كوندا ) يعلو متر ونصف المتر يحفظ الأطفال من الوقوع في السرداب لا يوجد هنا شبابيك بل بعض الكوى الصغيرة وتستعمل للنوم وتسمى ( سربت) وقد صفت حولها ما يسمى ( كوارا ) صنعت من الطين الأحمر والتبن على شكل اسطواني طويل مختلفة الإحجام تسع أكبرها نحو 50 كيلو غرام، لوضع المونة مثل البرغل ومشتقاته والحبية والعدس وغيرها. ونتقدم الى الإمام نحو الجهة الجنوبية وندخل الى غرفة تسمى ( ئليتا) وتستعمل للنوم أيضا بني فيها حائط من الطين بارتفاع مترين في الجهة الداخلية منها قسم الى قسمين لوضع الحنطة والشعير فيها تسمى ( اصرا) ونرى عددا من البرانى لوضع الدهن والجبن والدبس واللحم المكبوس إذا كان الموسم شتاءا.

لنخرج من هنا وننزل بست درجات ونرجع الى الوراء وقبل أن نصل الى الباب الذي دخلنا فيه الدار من الحوش نتجه الى الشرق وهنا قد أعطت الدار الواقعة في الجهة الشرقية المجال للدار أن يتسع ونصعد بدرجة واحدة وندخل الى إيوان مفتوح له ( كوندا ) وهو فوق الزرزمي الأولى ونتجه الى الجهة الجنوبية وندخل الى غرفة نوم تسمى( سربت) فيها عدد من ( كوارا واصرا) أيضا ونخرج الى الإيوان ونتجه الى الشرق وندخل الى غرفة أخرى للنوم ونرى في كل غرفة نوم تقريبا ما يسمى( شقلا) وهو عبارة عن حبل مشدود في خشبتين دقت في الجدارين المقابلين توضع فوقها الملابس عوض الكانتور والعلاقة، وكذلك نشاهد خشبات دقت في الحيطان لتعليق بعض الإغراض فيها وكذلك بعض الرفوف لوضع بعض الحاجيات عليها. كان الناس سابقا لا يستعملون ( الجرباية ) أو التخت إلا بعض البيوت الغنية تملك تخت واحد أو تختين بل ينامون على الأرض أو يجلبون حزما من الشوك وخاصة نوع منه يسمى ( اسرا) ويضعون فوقها حصيرة مصنوعة من البردي كانت أكثر نساء القرية تنسجه بيدها وإذا لا تتمكن اشتراه الرجل من باطنايا وفوقها كجاية تصنع من عك ( صوف الخرفان ) أو من الصوف الذي يقص عند صنع الفراوي إذ يقولون إن هذه الأشواك تحفظ من الحيات والعقارب حيث كانت موجودة بكثرة سابق لارتفاعها عن الأرض ولأن هذا الشوك له رائحة خاصة تبتعد عنه الحيات والعقارب ويصنعون اللحاف من الصوف والقماش القطني المحلي المصبوغ باللون الأحمر حتى لا يتسخ بسرعة ولا يضعون عليه الخام ووجه اللحاف كما في الوقت الحاضر بل يبقى طبقتين من القماش الأحمر بينهما صوف ويضعون فوقه في الشتاء جاجما أو برا، وقد سكن في هذه الدار جدي وأولاده الثلاثة مع زوجاتهم وأولادهم وبقوا فيه جميعا حتى وفاة والدهم فتقاسموا وخرج كل منهم الى دار وبقي احدهم في هذه الدار حتى سنة 1974 حيث خرج منه أولاد عمي بعد أن بنوا لهم دار جديدة خارج القرية.

وقبل أن اترك هذا الحديث لا بد أن اذكر بعض الأدوات فاتني أن اذكرها في محلها إذ كانت مستعملة في كل دار في القرية:-

1- زبيرا – زنبيل .. وكان يستعمل للبناء ولوضع التبن للحيوانات يصنع من البردي في باطنايا

2- قرطالا – سلة.. وكانت المرأة تجمع فيها روث الحيوانات من السرداب أو الرماد الناتج من التنور ودفاية وتحملها على ظهرها وترميها في حفرة خارج القرية حتى إذا تجمع مقدار كبير أخذها الرجل بواسطة غارة مصنوعة من البردي تنسجها النساء أو يشترونها من باطنايا الى الأراضي لتسميدها

3- بتورتا – طبق.. ويستعمل لرش خبز الرقاق وبعض النساء كن ينسجن طبق من سيقان الحنطة أما بلون ابيض أو بألوان مختلفة.

4- باثورا- وهو مثل الطبق ولكنه اكبر منه يستعمل لوضع الخبز بعد خبزه ويعلق بحبل بالكوة الموجودة في السقف بوسط الغرفة أو يوضع فوق كوارة كبيرة.

5- مكب – مكبة.. وهي تستعمل لوضع الطبيخ الزائد في المساء أو اللبن أو اللحم وخاصة في الصيف فوق السطوح لحفظها من القطط والكلاب إذ يوضع فوقها حجرة كبيرة وكذلك حتى لا يفسد إذا وضع في إناء لا يدخله الهواء وهذه الأربعة الأخيرة تصنع من عيدان صغيرة تسمى ( تور) يجلبها أهل القرى المجاورة لبيعها هنا.. /

ملاحظـات عـن أمـور وردت في الموضوع :

نبذة عن حياة المرحوم القس قريا قوس حنا

ولد الأب قريا قوس حنا يعقوب في قرية تللسقف عام 1919 من عائلة فلاحية وهو الابن الأكبر لوالديه، درس الابتدائية حتى الصف الخامس في تللسقف ، ولعدم وجود الصف السادس فيها أكمل دراسته في تلكيف ، ثم درس المتوسطة في الثانوية الشرقية في الموصل ونجح بتفوق ، أكمل دراسته في دار المعلمين الابتدائية في بغداد ، تخرج من الدار عام 1942 وعين معلما في مدرسة تللسقف ، وهـو أول معلم من أهالي القرية.مارس مهنـة التعليم متنقلا بين عدة قرى لمدة 27 عاما حتى أحيل على التقاعد عام 1969. ، وبعد التقاعد بدأ الدراسة والبحث في تراث تللسقف وعادات وتقاليد القرية . . كتب بحثـا متكامـلا بعنوان (تللسقف بين الماضي والحاضر) نشر في مجلات عـدة منها التراث الشعـبي وقالا سوريا يا ، كتب العديد من القصص والحكايات والأمثال الشعـبية كما كتب نبذة عن تاريخ تللسقف.

رشحه راعـي أبرشـية ألقـوش لخدمة الكهنوت وبدأ بالتحضير لذلك لمدة ثلاث سنوات رسم بعـدها كاهنا في 26/6/1976 في كنيسة مار كور كيس في تللسقف ، وخدم فيها بهمة الراعـي الغــيور. . تخرج على يديه ثلاثة كهنة في تللسقف وعـددا من الشمامسة ، أسـس أول نـدوة في تللسـقف سـميت ( نـدوة الخميس ) و كانت تلقى خلالها المحاضرات الدينية والاجتماعية والنفسـية.

توفي يوم 17/12/ 1993 اثر مرض عـضال لازمه الفراش مـدة طويلة ودفـن في كنيسـة مار كور كيس.

أنجب 8 بـنين و3 بـنات اهـتم بتربـيتهم وتعـليمهم حيث تخرجوا جميعـهم من الكليات والمعاهد العـاليـة .

كـوركيـس عـواد : ولـد في مدينة الموصـل عـام 1908 وتـوفى في بغـداد 1991 ، درس الأبتدائية والمتوسـطة في الموصل ، وتخـرج من دار المعـلمين الأبتدائيـة في بغـداد سـنة 1926 ، وأمضى عشـرة أعـوام في التعـليم في الموصل ، بعـدها نقـل خدماتـه الى مديرية الآثار في بغـداد عـام 1936 وتـم تعـييـنه أميـنا لمكتبـة المتـحف العـراقي ، وهـو المنصـب الذي بقـي فيه حتى أحـال نفسـه الى التقاعـد عـام 1963 . . حقـّق وألـّـف نـحو ثمانيـن كتـابا . . أولـها طبع في الموصل سـنة 1934 وعـنوانه " أثـر قـديم في العـراق : ديـر الربـان هرمـزد بـجوار الموصـل " ويوصـف كوركيس عـواد بأنـه " صــديق الكتـاب " وأنـتخب عـام 1963 عـضوا عـاملا في " المجمع العـلمي العـراقي " وعـام 1974 أختـير عـضوا عـــاملا فـي " مجمـع اللغـة السـريانيـة " .

ريــج : رحـالة أوروبـي زار العـراق حوالـي سـنة 1830 ودوّن ما شـاهده في كتـابه " رحـلة ريــج الى العــراق " .

بـــلجـر : رحــالة أوروبـي زار العـراق عـام 1852 ونشـر كتـابا عـن مشـاهداتـه فـي أنحـاء العـراق .

مـارتــن : رحــالة أوروبي زار مناطق الشـرق ومنها العـراق عـام 1867 وسـجل أنطبـاعـاته في كتـاب نشـره عن رحلتــه .

يـاقـوت الحمـوي : ( 117 ـ 1229 ) مؤرخ وجغـرافي ، رومـي الأصـل ، أشـتراه تـاجر من حـماة ، عـاش في حلـب ، من آثـاره " معـجم البلـدان " و " معـجم الأدبـاء ـ أرشـاد الأريـب الى معـرفة الأديـب " وهـو في مجـال الـتراجـم عـن الأدبـاء وأعـمالهم الأدبيـة حـتى عـهـده .

القسم الثاني


كانت الحرف الموجودة في تللسقف حرف بسيطة وبدائية ، اذ كان اغلب الناس يشتغلون بالزراعـة وتربية الحيوانات .

اولا – الزراعـة : -

كانت الزراعـة المهنة الرئيسية في القرية وبعـتمدون في ذلك على مياه الامطار وكانت الاراضي مقسمة بين الاهالي قسمة غير عـادلة وغير متساوية فبعـضهم يملك مساحة واسعة منها اذ نتيجة غـناه يشتري ممن يحتاج ويبيعها او بعـضهم لهم ولد واحد تبقى اراضيه بدون تقسيم بينما الاخر له ولدين او ثلاثة فتقسم بينهم , وبعـضهم تزوج امراة ليس لها اخ فترث عـقار والدها , اذ كان اكثر الناس سابقا تموت اطفالهم في الصغر فمنهم من يبقى بدون ولد او بولد واحد والقليل من له ولدان والاقل ثلاثة والنادر اكثر من ذلك .

بينما يملك البعـض الاخر كمية متوسطة منها والاخر كمية قليلة ومنهم لايملكون شيئا وهؤلاء قليلون جدا , والاراضي ليست قطعـة واحدة لكل شخص بل كل منهم له قطعة في هذا الطريق وقطعـتان في طريق اخر منها قريبة من القرية ومنها بعـيدة عنها حتى تبلغ عـدد القطع لشخص واحد نحو ثلاثين قطعة او اكثر في طرق مختلفة .

فالشخص الذي يملك مقدارا كثيرا من الاراضي له دابتين لادارة فدان والدواب تكون بغال وكدش وقليل من الفقراء يقتنون حمير ولا يوجد في القرية من يشد فدان ثيران ابدا كما يوجد في بعـض القرى الجبلية . ولبعـضهم فرس اصيل يستعـملها للتنقل من القرية الى المدينة او الى القرى المجاورة او لتفقد الحقول .

فاذا لم يتمكن من ادارة الفدان لعـدم وجود شباب كافية في الدار يقومون بهذا العـمل وبتربية المواشي يؤجر رجلا ليس له اراضي او عـنده مقدار قليل منها فيجلس عـنده كما يسمى عـندنا ( غـلاما ) خادم من بداية موسم الزرع الى نهاية الفلحان أي من منتصف ايلول حتى اواخر نيسان ويعـطى له عـن هذه المدة حسب الاتفاق لانه تختلف من سنة لاخرى حسب سعـر الحنطة والشعـير وكثرتها وقلتها فيعـطى له احيانا طغار شعـير ( الطغار عـشرين وزنة والوزنة ثلاثة عـشر وثلث الكيلوغرام ) وبدلتين من قميص وسروال ( شبوكثا ) زبون واحدة وعـباية سميكة من الصوف و ( كالكة ) كلاش وطاكية وجمدان والتبغ الذي يحتاجه في هذه المدة فكلما نفذ ما في كيسه اعـطى له حفنة او حفنتين ويزرع له نحو فدانين او ثلاثة حنطة او شعـير بارض سيده ( لانه يسميه استاذي عـندما يتكلم معه ) (( الفدان عـندنا 50 زوج خطوة في 20 زوج خطوة )) يزرعـها بدوابهم وياخذ منهم البذر ويحصدها بيده ويدقها بجرجرهم وكلما احتاجت امراته الى الوقود للتنور والطبخ جاءت واخذت من روث حيواناتهم .

اما هو فياتي من الفجر وياخذ الحيوانات ليسوق الفدان وفي الايام الممطرة يقوم بسقي الحيوانات اما من البئر او من الخبرا وطعـامه في دار سيده حتى في الايام الممطرة . واذا لم يتمكنوا من رؤية شخص كهذا او لم يرغـبوا ان يؤجروه لتكاليف ذلك فتشوا عـن شخص يشتغـل خمسة ايام لصاحب الدار ويومين له .

اما من يملك كمية متوسطة من الاراضي فله دابتين ايضا يديرها بنفسه غـالبا واذا لم يتمكن من ذلك اجر له شخص يشتغـل بيومين له وخمسة لصاحب الدار . اما من يملك كمية قليلة فهذا يكون له دابة واحدة عـادة فاما ان ياخذ دابة من شخص اخر فيشتغـل يومين له ويوم لصاحب الدابة الاخرى او يعـطي دابته لغـيره وتسمى هذه العـملية ( طروح ) . اما من ليس له دابة وله قسم من الاراضي فيشتغـل غـلام او فلاح عـند الغـير او يمتهن حرفة او يحرث اراضيه باجرة ومن ليس له اراضي وهذا قليل فيتعـلم حرفة من صغـره او يشتغـل عـامل في الصيف ويحرث للناس في الشتاء .

يبدا العـمل بالزرع في بداية ايلول او قبل ذلك احيانا فيزرع الفلاح قسما من اراضيه ما يسمى ( قيطايا ) صيفي أي قبل سقوط الامطاراذ ينتخب الاراضي التي لم يكن فيها عـشب في السنة الماضية وقد زرعـت بعد سقوط الامطار , واذا انتهى من زراعـة القسم المخصص لذلك ولم تقع الامطار ذهب واخذ السماد المتجمع له في المزبلة ونقله الى احدى الاراضي بواسطة غـارة على الحيوانات اذ كما قلنا سابقا ان كل دار يحفر له حفرة عـميقة خارج القرية يرمي بها روث الحيوانات والرماد الناتج من التنور والطبخ ويبقى لمدة سنة او سنتين ليتخمر وينقله الى الاراضي لتسميدها , فاذا سقطت الامطار زرع في باديء الامر الباقلاء , فاذا جفت الارض زرع بعـضا من الاراضي التي يعـرف انها لم يكن فيها اعـشاب في السنة الماضية وتسمى ( نيرا دخرخرتا ) راس المالي , واذا عـلم ان ( البلة ) وقعـت او كما يسمى عـندنا ( برأدبرا ) أي ان العـشب قد نما تماما ويعـلم ذلك اذا سكة الفدان لا تخرج ترابا يابسا فيقول ( مطيل ربسا لربسا ) أي وصلت الرطوبة الى الرطوبة , فيزرع العـدس ثم بقية الاراضي التي لم يزرعـها والعـدس عـادة يزرع بعـد سقوط الامطار بمدة كافية حتى ينمو العـشب تماما لانه يضرها اكثر مما يضر الحنطة والشعـير , ثم يبدا بكرب الارض وخاصة تلك التي سيزرعـها حمص وبطيخ .

وفي بداية اذار يزرع الحمص وفي نهايته وبداية نيسان يزرع البطيخ اذ كانوا يقولون ان احسن وقت لزراعـة البطيخ هو اسبوع من اذار واسبوع من نيسان ويكون قد ثنى الارض قبل زرعـها , والبطيخ نوعـان نوع كان يزرع سابقا في القرية يسمى بطيخ تللسقف وكانوا سابقا يزرعـون ما يكفي للاكل فقط وما زاد وزع على الجيران او اخذ منه الحب الذي يستعـمل كجرسات , ثم بدا الناس بزرع كميات كبيرة منه للبيع وزرعـوا نوع اخر من البطيخ يسمى بطيخ القوش لانه كان يزرع فيها سابقا ويكون اكبر واقوى من الاول , واخذوا يبيعـونه في الموصل بنقله على الدواب ولما شاع استعـمال العـربات التي تجرها الحيوانات نقلوه بواسطتها ولما شاع استعـمال السيارات نقل بها ولازال اهل القرية يعـتنون بزراعـة البطيخ ويسمى البستان الذي يزرع فيها ( ورزا ) ويبيعـون منه كميات كبيرة في الموصل والمدن الاخرى ويصلون الى بغـداد وجنوبها ويزرع حول البستان وبخطوط مستقيمة وفي الوسط لتقسيمها ( كلجان ) –جمع لجنة – الذرة الصفراء او البيضاء او عـباد الشمس ويزرع نحو لجنة واحدة ترعـوز وكذلك يزرع الشمام وهو نوعـان نوع احمر بخطوط صفراء ويسمى شمام تللسقف ونوع احمر بنقط سوداء يسمى شمام القوش وهي لا تؤكل بل يلعـب بها الاطفال ولها رائحة زكية .

وكان الناس يخرجون صباحا ومساءا للتمتع بمنظر الخضرة البديع لان القرية تخلوا من الاخضرار بالصيف الا في بعض الاماكن . وفي الربيع يذهب الناس لقلع الاعـشاب المضرة من بين المزروعـات وخاصة من العـدس . وكان الفلاح تقريبا مشغـولا بقتل الفئران فكانت كثيرة وتفتك بالمزروعـات من اول نموها حتى حصادها فكان ياخذ الفخاخ التي يصيد بها العـصافير ليصطادها بها وكان بعـضهم يصيد الفئران باجرته بارض الغـير فياخذ عن كل فار يصطاده خمسة فلوس . ويذهب في يوم تكون فيه الارض رطبة ويسد جميع الثقوب بكعـب رجله ويعـود ثانية بعـد يومين ومعـه منفاخ من جلد فيه تبن فيشعـل نارا غـير ملتهبة وينفخ به في الثقوب التي فتحت جديدة فكان يرى الفئران تخرج فيقتلها او تموت داخل جحورها

واذا انتهى الفلاح من الفلحان بعـد كرب وثني واحيانا ثلث اخذ دوابه وذهب الى الحقول ليرى العـشب ويملأ ( هكبا او تهرا ) خرج بالكعـوب حتى تاكله في الليل . فاذا راى ان البطيخ قد نما ذهب ليربشه بيده او يؤجر العـمال لذلك اما من الرجال او من النساء . فاذا راى ان الشعير قد اصفراخذ منجله وبدا بالحصاد قبل ان يجف تماما حتى يكون له مدة كافية للحصاد وكان يقول هذا المثل ( ثلاثة في ايار احصد شعـير مثل خيار ولا تأتمن الطيار ) وعـند الحصاد تجمعها النساء وتعـملها مايسمى ( كديشا ) غـمور وبعـد ان ينتهي من حصاد الشعـير ينقلها بواسطة ال ( شخرا ) الى البيادر اما بدابة واحدة او بدابتين فينقل له ولد او بنت وتقف المراة لتساعـده وتجلب له الماء والطعـام ولترفع الشعـير من الوسط فاذا كانت كميتها كبيرة صفته بشكل دائري له باب من جهة واحدة يسمى ( خندق ) واذا كانت الكمية قليلة عـملته ما يسمى ( قوختا ) كومة .

واذا انتهى من نقل الشعـير ذهب لتربيش الخضرة مرة ثانية اذ ان الحنطة لا تجف الا بعـد مدة من حصاد الشعـير لان الفلاح عـندنا كان يزرع الحنطة الخشنة المسمات ( سماقي ) وهذه تبطيء في جفافها ولا يحصدها الا بعـد ان تجف تماما فكان يقول اذا اشد شخر الحنطة يجب ان يسحق الحبل سنابلها , اما الشعـير فكان يقول لاباس من حصادها قبل جفافها لانها تجـف وتسمن في الغمر والحنطة تحصد وتنقل في نفس اليوم وكل شخص يحصد ما تنقل دوابه ومن ليس له دواب يحصد الحنطة ويجمعـها بخط مستقيم يسمى ( حوقا ) وينقلها في اليوم الثاني .

اما كيفية الحصاد فكان الرجال يخرجون الى السوق فجرا ويذهب الشخص الذي يريد ان يؤجر عمالا الى هناك ويطلب من عـدد منهم ان ياتوا ويحصدوا عـنده بعـد ان يتفق معـهم على سعـر معـين لانه يختلف بين يوم واخر فيذهبون الى الحقل ويجلسون عـند وصولهم للاستراحة وشرب السيكارة او السبيل ثم يخرج كل منهم منجله ويضع عـليه قسم من شحم الغـنم او دهن حر وضع في قرن نعـجة وياخذ حجر المسن ويجلب صاحب الارض عـددا منها ويسن به منجله ليصبح حادا ويقومون ويقفون امام الحقل مصطفين حسب قابلية كل منهم في الحصاد فالاول ويسمى ( ملكايا ) يقف في الداخل والاخير يقف عـند حد الارض المجاورة ويقيس المتقدم فيهم قطعـة من الارض حسب عـددهم وتسمى ( ترا ) باب ويبدا بالحصاد وحده من بداية الارض حتى نهايتها بعـرض ربع متر تقريبا من دون ان يرفع ظهره مهما كانت الارض طويلة ثم يرجع الى اصحابه واذا اعـترض احدهم قائلا ان محل وقوفه ليس مناسبا مع قابليته عـليه ان يبرهن ذلك مع من قال انه احسن منه ويحصد واياه دون ان يرفعـا ظهريهما فمن تمكن ان يقاوم اكثر فيكون المتقدم بينهما , وكانوا يحصدون جميعـهم او بعـضهم من المكان الذي حصد به المتقدم بينهم مصطفين الواحد بجانب الاخر من بداية الارض حتى نهايتها دون رفع الظهر والنساء وراءهم يهلهلن وتسمى هذه ( بكرة ) او يحصد بعـضهم بكرة بينما يحصد البعـض في محله لانه لايتمكن ان يحصد هذه المسافة دون رفع ظهره , وكان بعـضهم يقاول الاخر ويحصدون دون رفع الظهر ساعـة او ساعـتين واكثر حتى ان قسما منهم كان يقع ويغـمى عـليه من التعـب والحر .


وقد اجرت يوما عـاملا وذهبت واياه الى ارض قريبة مزروعـة شعـيرا مساحتها نصف الفدان ونصف الربع ( الفدان يساوي 4000 متر مربع تقريبا او 50 زوج خطوة في 25 زوج خطوة ) ولما كان من المعـلوم ان العـامل الماهر يحصد نصف فدان شعـير او فدان حنطة اخذت المنجل لاساعـده ولما راى اني لا اعـرف الحصاد قال ارم منجلك فانا اعـلم ما معـنى مساعـدتك لي فاني سوف احصدها وحدي باذن الله فحصد من شروق الشمس حتى الساعـة الثامنة دون رفع ظهره حيث جلسنا الى الفطور والاستراحة وحصد الى الظهر فرفع ثلاث مرات فقط فقال انظر ما بقي من الارض ؟ فقلت له لم يبق الا القليل وبعـد الاكل والاستراحة حصد البقية الباقية على مهله ورجعـنا الى البيت الساعـة الثالثة بعـد الظهر .

وبعـد الانتهاء من الحصاد الذي يكون في نهاية حزيران عـادة او الى اليوم الثالث من تموز احيانا يذهب الفلاح ليتفقد خضرته ليقلع منها الحشائش النامية ويدكها برجله حتى لا تتفطر ارضها فاذا نضج البطيخ قام ببيعـه حتى ينتهي من ذلك حتى اواخر تموز فيبدا بدق الجرجر فاذا كان بشكل خندق وهذا ما كان الغـالب فياخذ منه ويرميه في الداخل بشكل دائرة يسير عـليها الجرجر وما دقه جمعـه بشكل كومة ورمى حولها القش الى ان ينتهي جميعـه فتسمى هذه العـملية ( توارا د قرشا ) كسر القش وبعـد مدة يرجع اليها ثانية وياخذ منها ويفرشها حولها ليسير عـليها الجرجر وما يدقه اخرجه واخذ منها ووضع محله حتى تنتهي الكومة فيستمر بالعـمل وما يدقه بالمرة الثالثة جمع الى الداخل بشكل كومة حتى لا يبقى في الخارج شيئا وتسمى هذه الكومة ( خوانا ) وتكون بشكل مخروط تقريبا وتسمى هذه العـملية ( دقدوق ) تنظيم . اما اذا كان القش بشكل كومة رمى حولها ودقه واخرج ذلك الى الخارج حتى لا يبقى من القش شيئا واستمر بالعـمل وادخل ما دقه في المرة الثانية الى الداخل حتى تصبح ( خوانة ) لكنها طبعـا صفين ليست كما في الخندق .

واذا انتهى جميع الاهالي من دق الجرجر طلبوا رخصة للتذرية من الشخص الذي ضمن القرية , فكانت الدولة العـثمانية تضمن كل قرية يكون عـقارا ملكا لها الى شخص او اكثر بمبلغ من المال فياتي هذا ومعـه اربع سعـاة يسمى الواحد منهم( شحنا ) فهؤلاء يتجولون في البيادر لئلا تذهب النساء فتدق الحنطة بما يسمى ( خطورتا ) وهي خشبة مسطحة لها يد لدق الحنطة وغـيرها , لانه لبعـض السنين لا يبقى لناس حنطة في دارهم اذا كانت السنة الماضية ناتجها قليل نظرا لقلة الامطار والافات الزراعـية كالفئران والجراد والسونة وغـيرها التي كانت تكثر في تلك السنين فيضطر الناس لاكل الشعـير وحده او مخلوطا مع الحنطة , فاذا امتلئت البيادر اشتهوا اكل خبز الحنطة فتذهب المراة لتدق منها قليلا لتجرشها وتعـمل منها قرص الجريش او خبز الساج فاذا رآها الساعي توسلت به فاذا كان ذو شفقة تركها واذا كان بدون رحمة اخذ ما دقته الى سيده واشتكى على زوجها لديه ليوبخه .

فاذا اعـطيت رخصة التذرية قام جميع الناس معـا بذلك فاذا انتهى من كانت غـلته قليلة عـليه ان ينتظر حتى ينتهي الجميع ويتجول السعـاة في البيادر وكل من انتهى من التذرية ضرب غـلته بما يسمى ( شقلا ) وهي خشبة مسطحة يظهر نتيجة ذلك كتابة ( ميري ) حتى لا يتمكن اصحابها ان يسرقوا منها شيئا , وكان الناس ينامون في البيادر منذ دق الجرجر حتى نقل الحنطة والشعـير الى الدار . وبعـد الانتهاء من التذرية قسم كل شخص ما له من الحنطة والشعـير الى عـشرة اقسام فياتي الشخص الضامن وياخذ كومة واحدة من هذه الكوم ونقلها الى محل قد اعـد لذلك فاذا انتهى من جميع البيادر امر ان ينقل الناس غـلتهم الى دورهم وهنا كان من له كمية قليلة يساعـد جيرانه واصدقاءه واقاربه الذين لهم كميات كبيرة فكنا نرى في دار نحو عـشرة رجال ينقلون من البيادر الى البيت بما يسمى ( اروختا ) وكانت تسمى عـند نقلها ب ( طيما ) فكان الرجل ياخذها من البغـل ويحملها على ظهره ويفرغـها في غـرفة او فوق السطح وكانت تزن نحو ( 120 كغـم ) او اكثر وبعـد الانتهاء يذبح صاحب الدار خروفا ويطبخونه مع برغـل فياكل الجميع ثم يشترون كمية كبيرة من العـنب وتوضع امامهم بعـد الطعـام ثم ينقلون التبن وقد هياوا له مكانا واسعـا خوفا من سنين اخرى يكون ناتجهم قليلا لانهم يحتاجونه الى المواشي والحيوانات والتنور والطبخ , واذا احتاج شخص كمية منه وليس له اراضي اعـطي مجانا وكذلك اذا احتاج احد الى حنطة او شعـير في الشتاء او الربيع جاء الى صديق او جار واستدان منه حاجته فاذا كان الحاصل في السنة القادمة قليلا لا يطلبها منه بل تبقى الى سنة اخرى ,

وقد حدثني شخص عـندما كنت صغـيرا وهو بعـمر نحو تسعين سنة , ان رجلا غـنيا في القرية كان اذا طلب احد منه مبلغ من المال يمد يده الى جرة كان قد وضعـه فيها واخرج كمية منها ووضعـه في ميزان صغـير ووضع في الكفة الاخرى مقدارا من الطين ثم ياخذه ويضع في ( طاقة ) تسمى عـندنا ( قبال ) وهي كوة مفتوحة من الداخل ومسدودة الى الخارج وعـندما يعـيد المبلغ وضع ذلك ووزن الدراهم مقابله . وفي يوم من الايام نظر ولد فراى هذه العـملية فقال لهذا الرجل يا عـم ان هذا الطين ينقص في الصيف لانه يجف فقال له لقد خربت الدنيا فنحن لا نحسب لهذا حساب بل نعـطي حسب بساطتنا والله يرزقنا على قلوبنا .

وعندما تشكلت الحكومة العـراقية كان يعـين في كل قرية موظف يدعـى مامور استهلاك ومعـه ساعـيان فاذا انتهى شخص من دق الجرجر واراد ان يذري جاء اليه وطلب منه اذنا بذلك فياتي ويرى ما عـنده في البيدر يسجلها في دفتره دون علم الفلاح فاذا انتهى من التذرية جاء ثانية وخمنها وامر بنقلها دون ان يعـلم الفلاح ما سجله ايضا فاذا اراد ان يسلم ما بذمته جاء الى الدائرة فيباغـته الموظف بمبلغ اضعـاف ما تستحقه غـلته فاما ان يدفعـه صاغـرا او يتبع احدى الطريقتين :

1 – مثلا اذا كان المبلغ المستحق على الفلاح ثلاثين دينارا يقسم الى ثلاث حصص , عشرة دنانير للحكومة وعـشرة دنانير للموظف وعـشرة دنانير للفلاح فيدفع عـشرين دينارا فيكتب له في الوصل الذي كان يسمى عـلم وخبر عـشرة دنانير فقط , وهذا الامر كان يعـيق الفلاح اذا كانت له كمية زائدة واراد ان يبيعـها في الموصل , فعـليه أن يبيعـها في القرية دون عـلم الموظف

2 – يذهب عـند شخص يكون سمسارا للموظف ويتفق معـه عـلى مبلغ وهذا يسلمه الى الموظف بعـد ان ياخذ كل منه حصته . وكان يراس هؤلاء الموظفين موظف يدعـى رئيس المراقبين فكان كل منهم يقدم له مبلغـا من المال فمهما اشتكى الا هالي لا يسمع احد شكواهم , او ياتي مع مدير الناحية ويجتمع معـهما هؤلاء الموظفين ويلعـبون القمار بحيث يخسرون لهم وهذه كانت بمثابة رشوة يسدون بها افواههم وهذا قد شاهدته بعـيني وسمعـته باذني ليس كرواية بل حقيقة اكيدة وثابتة .

وقد حصلت لي هذه الحادثة في سنة 1943 , فقد عـينت الحكومة مدير ناحية تلكيف وفلاح من الموصل ومامور استهلاك تلكيف كلجنة لتخمين البيادر في القرى التابعـة للناحية لتشتري الحكومة من كل فلاح يزيد الحاصل عـنده في كل من الحنطة والشعـير يزيد عـن سبعة اطنان ونصف الطن , فخمنوا ما كان عـندي في البيادر وقد كانت باسم والدي 400 كغـم من الحنطة و400 كغـم من الشعـير لان الحاصل كان قليلا ولما جئت عـند الموظف بعـد التذرية لتسليم العـشر عـن 4000 كغـم من الحنطة و4000 كغـم من الشعـير أي عـشرة اضعـاف ما كان عـندي وليست العـملية صعـبة بل بسيطة جدا فقد وضع صفرا واحدا فقط امام كل عـدد ولما كنت موظفا اتمكن ان اتكلم معـه ولا اهابه طلبت منه ان يحلف اذا راى هذه الكمية فساعد له المبلغ المطلوب فقال انه لم يـر ذلك وبعـد الاخذ والرد طلب مني ان ابرز الورقة التي اعـطتني اللجنة المذكورة فلما اعـطيتها جن جنونه ولكنه ماذا يتمكن ان يفعـل وهذه اللجنة قانونية وانا موظف اتمكن ان ادافع عـن نفسي ولا يتمكن ان يحتال عـلي كما يفعـل مع بقية الفلاحين فاخذ حسب تلك الورقة ولكن مع غيري لا ياخذ حسب هذه الورقة فكان يقول ان اللجنة قد خمنت باقل من الموجود فاذا تكلم فلاح كتب كتاب الى الناحية بان الفلاح الفلاني قد اهانني في دائرتي فتاتي الشرطة وتاخذه مخفورا الى الناحية , فعـلى كل شخص ان يطيع اوامره .

فاذا اراد الفلاح ان يبيع ما فاض عـن حاجته في الموصل عـليه ان ياخذ الورقة من المامور حتى لا يؤخذ عـليها عـشر هناك فاذا كانت الكمية المسجلة في الوصل قليلة عليه ان يدفع العـشر ثانية اما في القرية او في الموصل فاذا دفع له امّن داره من التفتيش طيلة السنةلانه يسجلها باسم شخص له كمية كافية وقد باع ما عـنده في القرية فياخذ هذا المبلغ له , لانه كان يسال الاشخاص الذين لهم كميات كبيرة , هل يبيعـونها بالموصل ؟ فيقول بعـضهم بانهم ليس لهم ما يبيعـونه فيعـلم انهم قد باعـوه هنا ليستفيدوا من ذلك . اذ انه في الشتاء كان يقول ان راتبي قليل ولا وارد لي غـيره سافتش بعـض البيوت فيسجل عـليهم كمية كبيرة فاما ان يدفعـوا له مبلغـا من المال يرضى به ويضعـه في جيبه لمصرفه او يكتب كتاب الى الموصل فتحسب الكمية مهربة فيؤخذ عـليها ضعـفان .

اذا انتهى الفلاح من البيادر بدا يعـمل المونة فتغـربل النساء الحنطة وتغـسلها حيث تكفي طول السنة للطحين , ثم يسلق البرغـل في دست ينصب على بئر يؤخذ عـليه اجرة خمسة وعـشرين فلسا في ذلك الوقت فياخذ الرجل الحنطة الى هناك وتستقي النساء وترمي التبن تحت الدست حتى تستوي الحنطة فتاخذ السليقة وتوضع على الارض بجانب الدست حتى اذا بردت نقلت الى السطح , واذا جفت نقلت الى ( الدنك ) ’’’ والدنك قطعـة حجرية كبيرة تديرها دابة , تسير فوق الحنطة لتقشرها ’’’ ثم ينقل الى السطح ثم يذرى لتخرج منه النخالة وبعـد ان يجف تجرشه النساء بجاروش من الحجر فتجلس امراتان متقابلتان وتمسك كل منهما بيد الجاروش وتجرشان في الليل عـادة حيث كان الجرش فوق السطح ولا يتمكنون من ذلك في حر النهار , واذا لم تتمكن النساء في الدار من جرشه , اجرت امراتين باجرة 75 فلسا لكل واحدة لدست يسع 250 كغـم في السلق وتجلس امراة بجانب الجاروش وتاخذ ما يخرج منها وتضعـه في غـربال وما يبقى فيها يجرش ثانية او يؤخذ قسم منه لطبخ ما يسمى ( كركر كروسا ) البرغـل الخشن وتجلس امراة اخرى بجانبها وبيدها غـربال ثقوبها انعـم من الاولى وتاخذ ما خرج منها فما يبقى فيها يكون البرغـل الاعـتيادي وتجلس امراة ثالثة وبيدها غـربال انعـم وما يبقى فيها يكون البرغـل المستعـمل لعـمل الكبة وتجلس امراة رابعـة وبيدها غـربال انعـم وما يبقى فيها يكون برغـل قرص وتجلس امراة خامسة وبيدها موخل وما يتبقى فيها يسمى برغـل ( جكجوك ) يطبخ صباحا للفطرة وما ينزل منها يكون طحينا يوضع للحيوانات , وهناك تساعـد الجارات بعـضهن بعـضا في هذه العـمليات المختلفة وكذلك يطلبن الغـربال الناقص عـندهم واذا لم يتوفر العـدد الكافي من النساء قامت احداهن بعـمليتين او اكثر من هذه العـمليات وهذا يكون في ايلول عـادة .

ثم يقومون بعـمل الحبية والجريش فتغـربل الحنطة وتنظف من الزيوان والاوساخ لان حنطة الحبية يجب ان تكون خشنة ثم تؤخذ الى الدنك فيدق قسما منها دقا كافيا حتى تتقشر تماما وتجلب الى الدار وتترك في الكواني الى اليوم الثاني حتى تتخمر ثم تذرى صباحا لاستخراج النخالة فاذا جفت اصبحت حبية صالحة للطبخ وضعـت في ( كوارة ) صغـيرة اما الجريش فيدق بالدنك وقبل ان يقشر تماما يؤخذ ويجلب الى الدار وتجري عـليه العـمليات التي اجريت للحبية ثم يجرش ويوضع في كوارة صغـيرة , وتسمى ( برذ ) جريش ويستعـمل لطبخ شوربة للمرضى ولمن يشرب مسهل او يطبخ كما يطبخ البرغـل او لكبب صغـار وكبار .

اما العـدس فيغـسل ويوضع ليجف في غـرفة لانه يقال ان يستوي اذا جف بدون ان تضربه الشمس فيجرش قسم منه للطبخ ويترك قسم اخر بدون جرش .اما الباقلاء فيضعـونها في ماء وملح وتفرش نحو اسبوع فوق السطح حتى لا تدود اذا بقيت طول السنة , وكذلك يحفظن مقدارا من الحمص يكفي طول السنة , فترى ان الخبز والبرغـل والحبية والعـدس والباقلاء والحمص كان الغـذاء الرئيسي للفلاح لان الرز لم يكن معـروفا ومعـلوما عـندنا الا في بعـض البيوت القليلة .

ونرى ان اعـمال الفلاح متواصلة لا يجد وقتا يستريح ولهذا كان في القرية رجل يدعـى (( مخو كانا كانا )) كان يقول ( كخالص كيكرا ... كثيا بذانا ) يخلص الجرجر ... ياتي الفدان . ويقول ايضا ( ليث نياخا ... الا آث ملاخا ) لا يوجد راحة ... حتى ياتي الملاك . وكانت اكثر الحاجيات التي لا تتوفر في القرية يشترونها بتبادلها بالحنطة والشعير ومشتقاتها فكان الرجال يذهبون في الربيع الى الجبل وقد حملوا دوابهعم الطحين والبرغـل والحبية ويتبادلونها بالجبن لانهم في القرية كانوا يعـملون الدهن ولا يعـرفون عـمل الجبن . ويذهبون في الخريف ويبادلونها بالزبيب الاسود والاحمر والدبس والتين والجوز وغيرها . وكان الاكراد ياتون الى القرية ويجلبون ما تنتج جبالهم ويبادلونها بالحاصلات الزراعـية وكذلك ياتي اهل القرى المجاورة ويجلبون المخضرات ويبادلونها في القرية

ثانيا – تربية الحيوانات :

ان الحيوانات التي كانت تربى في القرية على نوعـين :-
1 – الحيوانات التي يستفاد منها في الزراعة مثل البغـال والكدش والحمير , وبعـضهم يقتني فرس اصيل للتنقل بها الى الموصل والقرى المجاورة وتفقد الحقول .
2 – الحيوانات التي يستفاد منها اقتصاديا : كالغـنم والماعـز والبقروالدجاج والنحل والحمام . وكان اكثر الناس في القرية يربون الغـنم ونظرا لضيق البيوت كانت ترعى بعـد نفاذ حليبها مع اعـرابي الى ما يسمى عـندنا ( برية ) حتى تلد فيجلبها الى اصحابها لترعـى هناك حيث كانت اكثر الاراضي لا تزرع سابقا وكان هذا الشخص يجلبها وقد نقص منها في كل سنة عـدد لا يستهان به وكان يقول انها ماتت او اكلها الذئب وغير ذلك من الحجج الواهية , وفي الربيع يخرجون الى القرى المجاورة مع مواشيهم لقلة المراعـي في القرية فاما ان تكون مزروعـة او ( قلمان ) ليس فيها ما ياكله الحيوان , فيقولون نذهب الى ( باناي عـزبة ) فيخرج من كل دار رجل وامراته او ام وولدها فالنساء تقام في خيمة الراعـي اما الرجال فيحرسون الغـنم ويسمى الحارس عـندنا ( شفنوفا ) وفي الصباح والمساء تحلب النساء الغـنم في ما يسمى ( ستلوك ) سطل من نحاس ثم تغـليه في قدر وتضعـه في اناء او اكثر من الخشب يسمى ( مخمر ) ثم تضع عـليه الخثرة ليصبح خاثر و تقوم فجرا لتخضه في ما يسمى ( كوذا ) شجوة وهو جلد معـزى استخرج منه اللحم بدون فتح البطن , لاستخراج الزبد الذي يوضع في ( برنية ) حتى اذا امتلات اذابته ليصبح دهن حر .

واللبن الناتج تضعـه في كيس من الخام لينضح ماؤه وتعـمل منه جثي . وكان الرجل بين حين واخر يركب دابته ويتوجه الى القرية وياخذ معـه الخاثر والقشفة واللبن والدهن المذاب ويجلب معـه ما يحتاجونه للمعـيشة ويبقون هناك حتى الحصاد ويرجعـون الى القرية , واللبن الموضوع في كيس كانوا ياكلونه مع الخبز او بعـد خلطه بالدبس . والدهن يستعـمل للطبخ ويباع ما زاد منه . وكل دار كان يربط غـنمة او اكثر حسب عـدد السكان تسمى ربيطة تذبح عـند سقوط الامطار وتوضع في ( براني ) لتستعـمل في الشتاء للطبخ ووضع الهريسة التي يفطرون بها صباحا , والكرش تترك لتجف وتعـلق في الكوة الموجودة في السقف حتى اذا جاء عـيد الميلاد الواقع في 25 كانون الاول حشيت برغـل خشن واكلت صباحا وتسمى ( كيباي ) , والصوف يؤخذ منه للغـزل وعـمل المنام ويباع ما زاد من ذلك .

ثالثا – الحياكة :

قلنا ان الشخص الذي لا يملك ارضا او يملك مقدارا قليلا منها عـليه ان يتعـلم احدى الحرف الثلاثة التي كانت منتشرة في القرية وهي الحياكة والندافة وعـمل الفراوي وكذلك اذا خرج ولد من ابيه عـليه ان يتعـلم حرفة ليعـتاش بها اذ اصبحت هذه الحرف مورد رزق اكثر من الزراعـة وتربية الحيوانات في العـشرينات والثلاثينات فكان سابقا اذا ارادت امراة ان تزوج ابنتها تقول ( بإيون براتي ت بيثا , دغـمطا بكروش , ولا سنقا لمندي ) اعـطي بنتي الى بيت لتطمس في الزبد وروث الحيوانات , ولا تحتاج لشيء . وبعـدئذ انقلبت الاية فكانت الام تقول ( بإيون براتي ت مر صنيتا , رزقح كآث يوما بيوما , دهويا نختا ولا جهيثا ) اعـطي بنتي الى صاحب صنعـة رزقه ياتي كل يوم , وتكون مرتاحة وغـير تعـبانة . واهذا اصبحت الحياكة منتشرة انتشارا عـظيما لان الملابس التي يلبسها الرجال والنساء كانت اكثرها تنسج في القرية وكذلك حاجات اخرى كثيرة , والقرى المجاورة ليس فيها حائك فجميعـها تجلب من تحتاجه لينسج هنا ,

وساذكر بعـض الاشياء التي كانت تنسج هنا وادع الملابس لتذكر في بحث الازياء الشعـبية بعـدئذ : -
1 – أروختا : وهي مثل الكونية ولكنها اعـرض واكبر منها تنسج من خيوط صوفية غـليظة ومبرومة او من خيوط صوفية وخيوط شعـر الماعـز , تستعـمل لنقل الحنطة والشعـير من البيادر وللطحن ولحمل البذور الى الحقول وعـندما تكون مملوءة تسمى ( بطيما ) .
2 – خرارة : وتصنع مثل اروختا وهي اكبر منها مرتين واكثر وتستعـمل لنقل التبن من البيادر الى البيت وكذلك منها والى الكوس .
3 : تهرا : وهو عـبارة عـن فردتين متصلتين من الاعـلى توضع على الدابة من الجهتين , تستعـمل لنقل الغـلة والحشيش والكعـوب للحيوانات ولنقل البطيخ وبعـض الحاجات الاخرى , تصنع كما مر سابقا
4 – هكبا : وهي مثل تهرا ولكنها اصغـر منها وينسج ويستعـمل مثله .
5 – برا : وهي مثل البطانية يوضع فوق اللحاف في الشتاء ينسج من خيوط صوفية وغـليظة ومبرومة بيضاء وسوداء او حمراء وبيضاء او غـيرها من الالوان ولكن بلونين فقط حسب ذوق صاحب الدار .

6 – جاجما : ويستعـمل لوضعـه فوق اللحاف ايضا ولكنه اخف من برا ويعـتنى بغـزل خيوطه اذ تكون رفيعـة ومبرومة وملونة بالوان مختلفة والحائك يعـتني بنسجه ويضع نقوش بالوان زاهيةوبديعـة وكل حائك ينسجه حسب ذوقه ومعـرفته وحسب رغـبة اهل الدار ولايزال بعـض من هذه الاشياء موجود الى يومنا هذا ولكن لا ينسج منها في الوقت الحاضر وستنقرض بعـد مدة قصيرة .

اما القطن فكانت تنسج منه ملابس الرجال والنساء الداخلية كما سنذكره بعـدئذ فالرجال يلبسون بلون ابيض والنساء بلون اسود فكل دار يشتري كمية من القطن الذي يجلب الى القرية لبيعـه من القرى المجاورة فيبداون باستخراجه من جوزه في باديء الامر فيجتمع اهل الدار مع الجيران وكان الصغـار ينشغـلون بالكلام ولا يشتغـلون غـالبا فتاخذ امرأة قطعـة من القطن وتعـملها بشكل ولد وتعـلقه في خشبة دقت في جدار وتقول هذا اسمه ( كجلونا )اقرع كل بنت تتاخر في عـملها يصبح هذا خطيبها , وتعـمل اخر بشكل بنت وتقول هذه ( كجلة ) قرعـاء كل ولد يتاخر في عـمله تكون هذه خطيبته وتعـطي لكل منهم كمية من القطن فيتنافس الجميع في العـمل , فاذا رأوا ان احدهم قد تأخر ساعـده الكبار دون عـلم الصغـار حتى لا يبكي اذا صار متاخرا ويضحكون عـليه ويبكي , وتسمى هذه العـملية ( خروج د كتانا ) استخراج القطن , فاذا تم استخراجه من جوزه هناك في دار تقريبا تحلج تقوم النساء بحلجه واستخراج البذور منه ويقال انه كان في دار امرأة لها قوس صغـير تندف به القطن لدارها ولكن هذه كانت قبل الحرب العـالمية الاولى بمدة اذ اني لم ار امرأة تندف قطنا ابدا بل رايت بعـضا من هذه الاقواس مكسورة في بعـض البيوت , فكان النداف ياتي الى كل دار ويندف لهم القطن وبذا يبقى جاهزا للغـزل , فتقوم النساء بغـزله بواسطة دولاب وتلفه حول سيخ من الحديد حتى يمتليء وتاخذه منه وتعـمل غيره وتسمى هذه ( ضناخ ) حيث تعـمل منه ما يسمى ( ككلا ) شليلة بواسطة ( صربص ) حتى ينتهي من غـزله فيؤخذ الى الحائك الذي ينسجه قماشا ابيض يسمى ( ثوبا او نصية ) وساذكر ما يتجه في بحث الازياء الشعـبية بعـدئذ .

رابعـا – عـمل الفراوي :

كان لبس الفراوي شائعـا في القرية فكل رجل او شاب او ولد بلغ العـاشرة يلبس فروة تعـمل من جلود الغـنم وتصبغ بلون اصفر بواسطة دبغـها بقشر الرمان واحيانا تصبغ بيضاء واحسن فروة كانت من جلود الخرفان الصغـيرة فتكون خفيفة الحمل غـالية الثمن وكانوا يضعـون فوق الفروة عـبايا في خارج القرية وخاجية في داخلها .

خامسا – الندافة :

قلنا ان النداف كان يذهب الى كل بيت فيه قطن ليندفه وياخذ معـه عـدته ويبقى في بعـضها يوم او اكثر لوجود كمية كبيرة من القطن اذا كان عـدد افراد الدار كبيرا , عـدا هذا كان النداف يقوم بعـمل ال ( كجا ) اذ كان جميع الناس في القرية ينامون عـليها فلا يعـرفون عـمل المطرح بتاتا بل يضعـونها فوق حصيرة مصنوعـة من البردي وينامون عـليها . واللحاف يعـمل من القماش القطني المحلي المصبوغ باللون الاحمر حتى لا يتسخ ولا يضعـون له وجه بل يبقى من طبقتين بينهما صوف او قطن ويخاط كما يخاط اللحاف الان وتعـمل الكجا اما من صوف الخرفان المسمى ( لفا ) ناعم , وهذا يكون الاحسن او من الصوف الذي يقص عـند صنع الفراوي وكانوا يضعـون نقوشا بلون اسود حيث يؤخذ من الخرفان السود في الوسط والحوافي واحيانا يصبغـون الصوف بالوان اخرى لعـمل بعـض النقوش في الكجايا , وكان الناس يجلسون على الكجايا ايضا اذ يعـملون ما تسمى ( مدادا ) وهي كجايا طويلة تفرش في الغـرفة اثنتان او ثلاثة منها كديوان وتحتها حصيرة حسب طولها ايضا . وكان النداف وصانعـوا الفراوي يذهبون الى قرى بعـيدة حيث لا يوجد هناك من يعـرف هذه الحرف ويشتغـلون هناك مدة شهرين او اكثر ويرجعـون الى دورهم ثم يذهبون الى قرى اخرى وهكذا يتجولون من محل الى اخر لكثرتهم في القرية وعـدم توفر العـمل لجميعـهم .

نقلا عن موقع تل اسقف

www.telskuf.com