ميرزا حسن دنايي
22-05-2005, 17:05
بقلم ميرزا حسن دنايي
كانت تجارب المثقف الايزيدي في العقود الماضية، وخاصة قبل التسعينات تجارب مريرة، حيث إختلطت فيها المهام الموكلة إليه، بين مهام سياسية وأجتماعية وأقتصادية، مهام قومية ووطنية ودينية وعقائدية-تحررية. وفي نفس الوقت كانت المرجعية الدينية لاتختلف في ظروفها الصعبة عن المثقفين، فهي إلى جانب تلك المسؤوليات، كانت تدخل مرحلة جديدة من العصر، مثل غيرها من المرجعيات الدينية في العالم، مرحلة صراع الدين مع التكنولوجيا.
وتنبع صعوبة الموقف من الواقع المرير للمجتمع الايزيدي، الذي يختلف عن غيره كونه كان ضحية سياسات خارجية قاسية وإضطهاد ديني وقومي، إضافة إلى التشويه في كتابة تاريخه وحقائقه من جهة، والتخلف والامية المتفشية والعوز المنتشر في داخل المجتمع من جهة أخرى. وكانت طلائع المثقفين الايزيديين تجد نفسها أمام عدة جبهات مواجهة أقوى منها:
1. جبهة التشويهات وتحريف التاريخ. فحاولوا نشر الحقائق عن الايزيدية وعن تاريخها للرد على الكتب التي كانت تشوه ديانتهم.
2. جبهة السلطة المتغطرسة التي تبتلع الوجود القومي الكوردي، فحاولوا مواكبة حركة التحرر الكوردية وتطلعاتها، للدفاع عن وجودهم القومي ومقارعة النظام الفاشي.
3. جبهة الواقع الايزيدي المزري، فحاولوا الالتفات إلى الشأن الداخلي وحاولوا معالجتها بروح ثورية.
وكل هذه الجبهات، كانت جبهات قاسية وصعبة، وتلعب الانظمة المتعاقبة الدور الاكبر في قمع كل من يتصدى لها. ثم أن مهمة المثقف كانت أصعب، لأن الجيل الاول من الحركة الثقافية الايزيدية، كان متأثرا بحركات التحرر اليسارية الموجودة في العالم، ولهذا فإن نظرته وحلوله لمأساة الايزيدية كانت معظمها لإيجاد بدائل وفق تلك الايديولوجية، بما فيها التعاطي مع الشأن الداخلي وإعادة بناء البيت الايزيدي، بعقيدة ثورية وكأنهم أمام حرب بين (طبقة العامة والاقطاع).
ومن هنا بدأ الخلاف مع المرجعية الدينية، وبشكل خاص مع بيت الامير، الأمر الذي مهد لنوع من الفتور وأزمة الثقة بين الطرفين. فرواد الجيل الاول كانوا يعتبرون حلولهم في الشأن الايزيدي الداخلي هي بديلة للواقع. والامير كان ينظر إلى ذلك تهديدا لوجوده على الهرم الروحاني-الدنيوي.
والمقصود بالجيل الاول، ليس الاشخاص بحد ذاتهم ولا التواريخ، بل الجيل الاول من الحركة الثقافية كنضوج وإنطباعات فكرية، بدأت في مرحلة متقدمة من القرن الماضي وبرزت كثيراً في السبعينات والثمانينات.
وكانت فترة التسعينات بداية لمرحلة جديدة، أو لجيل جديد، هو الجيل الثاني، خاصة بعد تأسيس المراكز والجمعيات الثقافية الايزيدية في كوردستان والمهجر. ومرت هذه المرحلة بفترة دامت أكثر من عشرة سنوات، كان الجيل الجديد في مرحلة تبلور وتأقلم. خاصة وأن معظم رواد الجيل الأول كانوا أنفسهم من يقود المرحلة الجديدة، فيحاولوا هم بدورهم أيضا التأقلم وفق أيديولوجية الجيل الثاني. إضافة إلى ظهور البعض منا كجيل شباب متأثرين بهؤلاء المخضرمين، نعايش مراحل تأقلمهم الفكري ونبني منها تجارب جديدة. فأستمرت المرحلة تتبلور لتمر بالمؤتمر العالمي الاول في هانوفر، ولينتهي التبلور بسقوط طاغية بغداد. حيث كان سقوطه نهاية ذلك التبلور الحرج. حتى أصبح الجيل الثاني من الحركة الثقافية الايزيدية، منهجاً بارزاً وظاهرة مفهومة المعالم ومحددة التوجهات. هنا أؤكد أن المقصود بالجيل الثاني، ليس اشخاص معينين أو تأريخا معينا، بل الحركة أو الفكر.
ولأن نشاط الجيل الثاني من هذه الحركة ليس مقتصراً على الرواد المخضرمين فحسب، بل تكاثر عدد ونوعية المثقفين أضعافاً أضعاف. وتجاوز العمل مرحلة كتابة مقالة هنا أو هناك، إذ أصبحت هناك مجلات متخصصة وجرائد ومواقع انترنيت، وأصبح هناك كتاب و أساتذة جامعيون يدرسون في جامعات عالمية. ولم يعد العمل مقتصرا على جمع التراث ونشره، بل تجاوز لتكون هناك بحوث ورسائل ماجستير ودكتوراه. وتنوعت المؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسية الايزيدية. إضافة إلى ذلك تمكن أبناء الايزيدية من الوصول إلى مناصب إدارية وسياسية عالية وقيادية في الدولة والحكومة وبعض الاحزاب.
كل هذا النمو الطبيعي أثر في الجانب الآخر من المجتمع الايزيدي، ألا وهو المؤسسة الدينية، أو المرجعية الدينية، التي بدأت هي أيضا مرحلة جديدة من تفكيرها منذ عام 1997 ، حيث أول إجتماع موسع في بعشيقة وبحزاني ضم كافة شرائح المجتمع، من رجال دين ومثقفين ووجهاء عشائر من سنجار وشيخان. وبدى واضحاً، من خلال تتبعنا المستمر للشأن الايزيدي، أن المرجعية الايزيدية لم تعد تتعاطى مع المثقف الايزيدي نظرة توجس أو شك، بل أخذت كلما توحد صف المثقفين تخطو خطوات هامة تجاه مطاليبهم، وتقودهم أحياناً. فقد رأينا كيف كان دور سمو الامير تحسين بك متميزا في المؤتمر العالمي الاول عام 2000. ورأينا أيضا الدور الايجابي الذي لعبه الامير في مساندة مشروع قنديل الخيري عام 2001 لمساعدة طلبة جامعة الموصل، رغم كل الظروف الصعبة آنذاك. ورأينا أن الامير وفي كل مناسبة كان يؤكد فيها على خصوصية الايزيدية وحقوقهم، وانه لن يتنازل عنها. فقد كان واضحاً أن الامير يتعاطى مع متطلبات الايزيدية ومع مطاليب المثقفين برحابة صدر وتشجيع. وكان تضامن الامير مع المذكرة الايزيدية وموقفه الثابت من الخصوصية الايزيدية ضمن أقليم كوردستان، هي تجسيد آخر ومهم لبداية جديدة تفتح أمامنا جميعاً آفاقاً رحبة للدخول في عصر جديد، هو عصر العمل المشترك من أجل تحقيق الذات الايزيدية ومن أجل بناء البيت الايزيدي.
فأصبحت السمة المهمة للجيل الثاني من الحركة الثقافية الايزيدية، بل الاحرى أن نسميها الان حركة النهضة الايزيدية، هي تعاضد الجهود، بين المثقف الايزيدي والمؤسسات الثقافية-المدنية والمرجعية الدينية من أجل الوقوف أمام المرحلة القادمة الصعبة. مرحلة إثبات الوجود وتحقيق المستحقات، لأن جهودنا إن لم تتحد فسوف نكون أضعف بكثير حتى من سماع الصدمات التي ستتلاحق على رؤوسنا في ظل المتغيرات اليومية.
___________________________
المصدر (قنديل نت) المقال الاسبوعي
كانت تجارب المثقف الايزيدي في العقود الماضية، وخاصة قبل التسعينات تجارب مريرة، حيث إختلطت فيها المهام الموكلة إليه، بين مهام سياسية وأجتماعية وأقتصادية، مهام قومية ووطنية ودينية وعقائدية-تحررية. وفي نفس الوقت كانت المرجعية الدينية لاتختلف في ظروفها الصعبة عن المثقفين، فهي إلى جانب تلك المسؤوليات، كانت تدخل مرحلة جديدة من العصر، مثل غيرها من المرجعيات الدينية في العالم، مرحلة صراع الدين مع التكنولوجيا.
وتنبع صعوبة الموقف من الواقع المرير للمجتمع الايزيدي، الذي يختلف عن غيره كونه كان ضحية سياسات خارجية قاسية وإضطهاد ديني وقومي، إضافة إلى التشويه في كتابة تاريخه وحقائقه من جهة، والتخلف والامية المتفشية والعوز المنتشر في داخل المجتمع من جهة أخرى. وكانت طلائع المثقفين الايزيديين تجد نفسها أمام عدة جبهات مواجهة أقوى منها:
1. جبهة التشويهات وتحريف التاريخ. فحاولوا نشر الحقائق عن الايزيدية وعن تاريخها للرد على الكتب التي كانت تشوه ديانتهم.
2. جبهة السلطة المتغطرسة التي تبتلع الوجود القومي الكوردي، فحاولوا مواكبة حركة التحرر الكوردية وتطلعاتها، للدفاع عن وجودهم القومي ومقارعة النظام الفاشي.
3. جبهة الواقع الايزيدي المزري، فحاولوا الالتفات إلى الشأن الداخلي وحاولوا معالجتها بروح ثورية.
وكل هذه الجبهات، كانت جبهات قاسية وصعبة، وتلعب الانظمة المتعاقبة الدور الاكبر في قمع كل من يتصدى لها. ثم أن مهمة المثقف كانت أصعب، لأن الجيل الاول من الحركة الثقافية الايزيدية، كان متأثرا بحركات التحرر اليسارية الموجودة في العالم، ولهذا فإن نظرته وحلوله لمأساة الايزيدية كانت معظمها لإيجاد بدائل وفق تلك الايديولوجية، بما فيها التعاطي مع الشأن الداخلي وإعادة بناء البيت الايزيدي، بعقيدة ثورية وكأنهم أمام حرب بين (طبقة العامة والاقطاع).
ومن هنا بدأ الخلاف مع المرجعية الدينية، وبشكل خاص مع بيت الامير، الأمر الذي مهد لنوع من الفتور وأزمة الثقة بين الطرفين. فرواد الجيل الاول كانوا يعتبرون حلولهم في الشأن الايزيدي الداخلي هي بديلة للواقع. والامير كان ينظر إلى ذلك تهديدا لوجوده على الهرم الروحاني-الدنيوي.
والمقصود بالجيل الاول، ليس الاشخاص بحد ذاتهم ولا التواريخ، بل الجيل الاول من الحركة الثقافية كنضوج وإنطباعات فكرية، بدأت في مرحلة متقدمة من القرن الماضي وبرزت كثيراً في السبعينات والثمانينات.
وكانت فترة التسعينات بداية لمرحلة جديدة، أو لجيل جديد، هو الجيل الثاني، خاصة بعد تأسيس المراكز والجمعيات الثقافية الايزيدية في كوردستان والمهجر. ومرت هذه المرحلة بفترة دامت أكثر من عشرة سنوات، كان الجيل الجديد في مرحلة تبلور وتأقلم. خاصة وأن معظم رواد الجيل الأول كانوا أنفسهم من يقود المرحلة الجديدة، فيحاولوا هم بدورهم أيضا التأقلم وفق أيديولوجية الجيل الثاني. إضافة إلى ظهور البعض منا كجيل شباب متأثرين بهؤلاء المخضرمين، نعايش مراحل تأقلمهم الفكري ونبني منها تجارب جديدة. فأستمرت المرحلة تتبلور لتمر بالمؤتمر العالمي الاول في هانوفر، ولينتهي التبلور بسقوط طاغية بغداد. حيث كان سقوطه نهاية ذلك التبلور الحرج. حتى أصبح الجيل الثاني من الحركة الثقافية الايزيدية، منهجاً بارزاً وظاهرة مفهومة المعالم ومحددة التوجهات. هنا أؤكد أن المقصود بالجيل الثاني، ليس اشخاص معينين أو تأريخا معينا، بل الحركة أو الفكر.
ولأن نشاط الجيل الثاني من هذه الحركة ليس مقتصراً على الرواد المخضرمين فحسب، بل تكاثر عدد ونوعية المثقفين أضعافاً أضعاف. وتجاوز العمل مرحلة كتابة مقالة هنا أو هناك، إذ أصبحت هناك مجلات متخصصة وجرائد ومواقع انترنيت، وأصبح هناك كتاب و أساتذة جامعيون يدرسون في جامعات عالمية. ولم يعد العمل مقتصرا على جمع التراث ونشره، بل تجاوز لتكون هناك بحوث ورسائل ماجستير ودكتوراه. وتنوعت المؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسية الايزيدية. إضافة إلى ذلك تمكن أبناء الايزيدية من الوصول إلى مناصب إدارية وسياسية عالية وقيادية في الدولة والحكومة وبعض الاحزاب.
كل هذا النمو الطبيعي أثر في الجانب الآخر من المجتمع الايزيدي، ألا وهو المؤسسة الدينية، أو المرجعية الدينية، التي بدأت هي أيضا مرحلة جديدة من تفكيرها منذ عام 1997 ، حيث أول إجتماع موسع في بعشيقة وبحزاني ضم كافة شرائح المجتمع، من رجال دين ومثقفين ووجهاء عشائر من سنجار وشيخان. وبدى واضحاً، من خلال تتبعنا المستمر للشأن الايزيدي، أن المرجعية الايزيدية لم تعد تتعاطى مع المثقف الايزيدي نظرة توجس أو شك، بل أخذت كلما توحد صف المثقفين تخطو خطوات هامة تجاه مطاليبهم، وتقودهم أحياناً. فقد رأينا كيف كان دور سمو الامير تحسين بك متميزا في المؤتمر العالمي الاول عام 2000. ورأينا أيضا الدور الايجابي الذي لعبه الامير في مساندة مشروع قنديل الخيري عام 2001 لمساعدة طلبة جامعة الموصل، رغم كل الظروف الصعبة آنذاك. ورأينا أن الامير وفي كل مناسبة كان يؤكد فيها على خصوصية الايزيدية وحقوقهم، وانه لن يتنازل عنها. فقد كان واضحاً أن الامير يتعاطى مع متطلبات الايزيدية ومع مطاليب المثقفين برحابة صدر وتشجيع. وكان تضامن الامير مع المذكرة الايزيدية وموقفه الثابت من الخصوصية الايزيدية ضمن أقليم كوردستان، هي تجسيد آخر ومهم لبداية جديدة تفتح أمامنا جميعاً آفاقاً رحبة للدخول في عصر جديد، هو عصر العمل المشترك من أجل تحقيق الذات الايزيدية ومن أجل بناء البيت الايزيدي.
فأصبحت السمة المهمة للجيل الثاني من الحركة الثقافية الايزيدية، بل الاحرى أن نسميها الان حركة النهضة الايزيدية، هي تعاضد الجهود، بين المثقف الايزيدي والمؤسسات الثقافية-المدنية والمرجعية الدينية من أجل الوقوف أمام المرحلة القادمة الصعبة. مرحلة إثبات الوجود وتحقيق المستحقات، لأن جهودنا إن لم تتحد فسوف نكون أضعف بكثير حتى من سماع الصدمات التي ستتلاحق على رؤوسنا في ظل المتغيرات اليومية.
___________________________
المصدر (قنديل نت) المقال الاسبوعي