جبل سنجار
25-09-2006, 12:50
التاريخ يتكلم الحلقة 24 ام سربت اليزيديةد. كاترين ميخائيلفي العاشرة صباحا عاودت الطائرات المغيرة هجومها. كنت اثناءها في الغرفة مع ام سربست , فهرعت بالطفلة الى الملجأ ولملمت ام سربست ما تبقى لها من قوة للركض الى الملجأ, ولكن محاولتها باءت بالفشل،
وجلست تنتظر الموت وفي الحال دهمها نزيف قوي ففقدت دماء كثيرة, استنجدت بالطبيب الذي حضر على الفور لاسعافها. لم تفارقنا الطائرات المقاتلة لحظة, وبعد ان ولت ادبارها رجعت لاكمل الطبخ, بينما كانت المرأة العجوز المولدة تناشد ام سربست بان لا تسمي ابنتها بغير الاسماء اليزيدية* المعتادة.
بدأت علامات التحسن تظهر على الام وبعد اسبوعين فارقتها لكي لا التقيها ثانية. وبعد عامين تلقيت اخبارها المؤلمة من زوجها ابو سربست الذي ذكر في رسالة لي بانها لفظت انفاسها مع اطفالها الثلاثة ومئات من العوائل, اعتقلوا ثم ابيدوا ودفنوا احياء في مقابر جماعية في حملة الانفال عام 1988 قرب مدينة اربيل, ولم ينج من المجزرة غير الزوج وابنه الرهينة في السجن لوركا اذ كان حتى تلك اللحظة باق على قيد الحياة وابنها الاخر وسام الذي كان مختفي عند اقاربه.
كان ذلك النبأ شديد الوطأة علي لقد تسارعت الى مخيلتي اصوات تلك الطفلة التي حملتها واستقبلت العالم على يدي وتلك المرأة في اللحظات الاخيرة وهي تلفظ انفاسها محتضنة اطفالها وكل ذرة في كيانها تقاوم ذلك المصير الى ان سدت عليهم اكوام التراب منافذ الحياة, لتستقر الى الابد في تلك الحفرة التي اختارها لها صدام. كانت لا تنفك في ايامها الاخيرة معنا, تتحدث عن الموت وعن حلبجة وفنائها وعن ولدها السجين, هو الآن على قيد الحياة .
* اليزيدية: طائفة كردية غير مسلمة, لها طقوسها ومراسمها الخاصة.
فارقتها. عهدا مني, يا رفيقتي وصديقتي, بان ازور مثواك واضع فوقه باقة زهور لاقول لك وداعا ايتها المرأة البطلة التي كافحت وصمدت حتى الرمق الاخير.
بعد اسبوعين انطلقت من مراني الى قرية كاني بلاف مسيرة يومين على الاقدام, في بداية الخريف الساعة الواحدة ظهرا والطائرات تحلق فوق رؤوسنا وتمطرنا بوابل من قنابلها. خرجت من الملجأ وسمعت صوت صراخ بسمة زوجة عبدالله بامرني , صديقتي, تركض مرعوبة, لقد قتلت عمتها (ام زوجها). تناولت طفلها وايقنت ان المرأة العجوز فعلا قد صعقت من الخوف واصيبت بالسكتة القلبية وفارقت الحياة. اقيمت مراسم دفنها على عجل لان اجواء القرية العسكرية فرضت على الناس التهيؤ للرحيل الى مصير مجهول, والكل يصرخ يجب اخلاء القرية! الجيش متوجه نحونا! رحلنا في اليوم الثاني من الوفاة تاركين القرية خالية وتوجهنا نحو الشمال باتجاه تركيا, امامنا طريق يجب اجتيازه وهو مزدحم بالسيارات العسكرية للجيش العراقي, نسمع صوتها وتلاحقنا انوارها الساطعة. في العاشرة ليلا عبرنا الشارع. كنت لا ازال مرتدية الزي العسكري ومعي سلاحي ارافق بيت عبدالله في المسيرة, ومعنا آلاف من الناس. وصلنا الى الكلي وارتمينا ارضا بعد ان شعرنا باننا في مأمن من الجيش العراقي, معنا بقرة غنم وحيوان يحمل المؤون التي تكفي لثلاثة ايام, نمنا دون عشاء وبدون فراش حتى السادسة صباحا واستيقظنا على دوي الطائرات, موجات من البشر, اطفالا ونساء وشيوخا, آلاف من الرجال المسلحة, قطعان الاغنام والابقار والحيوانات الحقلية والكلاب, حيوانات محملة بالارزاق وادوات المطبخ. مسيرة ضخمة متخبطة تحث الخطى لاجتياز الحدود, والطائرات تحوم حولنا ونحن في مرمى اسلحتها وهدف سهل لها, والآلاف تتلوا الشهادة استعدادا للموت فقنبلة واحدة من تلك الطائرات تحصد المئات, لكنها رمت قنابلها بعيدا في الكلي, لم نعرف السبب, لعله صحوة ضمير من قبل اولئك الطيارين الذين عرفوا انهم سيحصدون نفوسا بريئة.
وصلنا كلي قريب من الحدود التركية فمكثنا فيه ثلاثة ايام كان علينا بعدها التحرك لان ارزاقنا على وشك النفاذ. خرجنا من كاني بلاف مع آلاف من البشر والدواب متوجهين نحو المجهول. نسير في النهار وازيز الطائرات يرافقنا, لنستقر في أي كلي في العراء دون مأوى, دون افرشة. اليوم الثاني . يجب ان نعبر الشارع الذي يؤدي الى العمادية. وعلى طرفي الشارع ربايا عراقية متهيئة لضرب أي كائن حي يعبر الشارع بالاضافة الى دوريات من المدرعات والمصفحات تجوب الشارع ذهابا وايابا طوال الليل. وصلنا على مقربة من الشارع يلفنا الهدوء والسكون والشارع محاط بالكمائن. لايمكن اذن العبور, والساعة قاربت الثانية عشر ليلا. الاطفال ناموا على اكتاف الكبار بدون طعام, وبدون شراب, رجعنا لنركد في كلي بعيد عن الربايا ونمنا في العراء حتى السادسة صباحا عندما استيقظنا على دوي الطائرات المحومة فوقنا. قضينا الليل وكنا محظوظين لاننا استطعنا ان نطبخ وجبة رز احمر, طبخة عراقية, ونخبز قليلامن الخبز على الصاج, اصبحت بطوننا مكتفية بالاكل حتى الليل, شدينا الرحال لنعبر الشارع بكل هدوء محذرين الاطفال من البكاء كانت الام لو بكى طفلها متهيئة لوضع منشفة على فمه وقطع انفاسه حتى لو كان الامر يتطلب موت طفلها, والقرار العسكري هو انه يمكن التضحية بطفل وحماية المئات الآخرين الذين سيعبرون الشارع. ونحن نعبر الشارع, الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل, سمعنا هدير الدبابات يقترب منا, صدر فورا قرار عسكري بان "اسرعوا ايها الاطفال والنساء, اتركوا الحيوانات, المهم انقاذ حياة البشر وليس الحيوانات". فعلا انطلقنا نركض بسرعة رهيبة حتى كبار السن والاطفال الصغار وتركنا الحيوانات, لكن الغريب ان الحيوانات تتحسس الرعب هي الاخرى, فكانت تركض وراءنا مذعورة من دوي الدبابات الذي يقترب منا الا ان الاغنام والابقار اقل ذكاء من البغال لانها آخر من يتحسس الخوف. ابتعدنا عن مرأى الدوريات العسكرية لكن كان يؤلمنا مصير الآلاف التي بقت خلف الشارع ولم يحالفها الحظ للالتحاق بنا. قاربت الساعة الثالثة من بعد منتصف الليل حين وصلنا الى كلي بعيد عن انظار الجيش. مكثنا في الكلي اربعة ايام مع الآلاف من العوائل, الا ان مؤونتنا التي كنا نحملها على الدواب نفذت.
الى اللقاء في الحلقة القادمة
وجلست تنتظر الموت وفي الحال دهمها نزيف قوي ففقدت دماء كثيرة, استنجدت بالطبيب الذي حضر على الفور لاسعافها. لم تفارقنا الطائرات المقاتلة لحظة, وبعد ان ولت ادبارها رجعت لاكمل الطبخ, بينما كانت المرأة العجوز المولدة تناشد ام سربست بان لا تسمي ابنتها بغير الاسماء اليزيدية* المعتادة.
بدأت علامات التحسن تظهر على الام وبعد اسبوعين فارقتها لكي لا التقيها ثانية. وبعد عامين تلقيت اخبارها المؤلمة من زوجها ابو سربست الذي ذكر في رسالة لي بانها لفظت انفاسها مع اطفالها الثلاثة ومئات من العوائل, اعتقلوا ثم ابيدوا ودفنوا احياء في مقابر جماعية في حملة الانفال عام 1988 قرب مدينة اربيل, ولم ينج من المجزرة غير الزوج وابنه الرهينة في السجن لوركا اذ كان حتى تلك اللحظة باق على قيد الحياة وابنها الاخر وسام الذي كان مختفي عند اقاربه.
كان ذلك النبأ شديد الوطأة علي لقد تسارعت الى مخيلتي اصوات تلك الطفلة التي حملتها واستقبلت العالم على يدي وتلك المرأة في اللحظات الاخيرة وهي تلفظ انفاسها محتضنة اطفالها وكل ذرة في كيانها تقاوم ذلك المصير الى ان سدت عليهم اكوام التراب منافذ الحياة, لتستقر الى الابد في تلك الحفرة التي اختارها لها صدام. كانت لا تنفك في ايامها الاخيرة معنا, تتحدث عن الموت وعن حلبجة وفنائها وعن ولدها السجين, هو الآن على قيد الحياة .
* اليزيدية: طائفة كردية غير مسلمة, لها طقوسها ومراسمها الخاصة.
فارقتها. عهدا مني, يا رفيقتي وصديقتي, بان ازور مثواك واضع فوقه باقة زهور لاقول لك وداعا ايتها المرأة البطلة التي كافحت وصمدت حتى الرمق الاخير.
بعد اسبوعين انطلقت من مراني الى قرية كاني بلاف مسيرة يومين على الاقدام, في بداية الخريف الساعة الواحدة ظهرا والطائرات تحلق فوق رؤوسنا وتمطرنا بوابل من قنابلها. خرجت من الملجأ وسمعت صوت صراخ بسمة زوجة عبدالله بامرني , صديقتي, تركض مرعوبة, لقد قتلت عمتها (ام زوجها). تناولت طفلها وايقنت ان المرأة العجوز فعلا قد صعقت من الخوف واصيبت بالسكتة القلبية وفارقت الحياة. اقيمت مراسم دفنها على عجل لان اجواء القرية العسكرية فرضت على الناس التهيؤ للرحيل الى مصير مجهول, والكل يصرخ يجب اخلاء القرية! الجيش متوجه نحونا! رحلنا في اليوم الثاني من الوفاة تاركين القرية خالية وتوجهنا نحو الشمال باتجاه تركيا, امامنا طريق يجب اجتيازه وهو مزدحم بالسيارات العسكرية للجيش العراقي, نسمع صوتها وتلاحقنا انوارها الساطعة. في العاشرة ليلا عبرنا الشارع. كنت لا ازال مرتدية الزي العسكري ومعي سلاحي ارافق بيت عبدالله في المسيرة, ومعنا آلاف من الناس. وصلنا الى الكلي وارتمينا ارضا بعد ان شعرنا باننا في مأمن من الجيش العراقي, معنا بقرة غنم وحيوان يحمل المؤون التي تكفي لثلاثة ايام, نمنا دون عشاء وبدون فراش حتى السادسة صباحا واستيقظنا على دوي الطائرات, موجات من البشر, اطفالا ونساء وشيوخا, آلاف من الرجال المسلحة, قطعان الاغنام والابقار والحيوانات الحقلية والكلاب, حيوانات محملة بالارزاق وادوات المطبخ. مسيرة ضخمة متخبطة تحث الخطى لاجتياز الحدود, والطائرات تحوم حولنا ونحن في مرمى اسلحتها وهدف سهل لها, والآلاف تتلوا الشهادة استعدادا للموت فقنبلة واحدة من تلك الطائرات تحصد المئات, لكنها رمت قنابلها بعيدا في الكلي, لم نعرف السبب, لعله صحوة ضمير من قبل اولئك الطيارين الذين عرفوا انهم سيحصدون نفوسا بريئة.
وصلنا كلي قريب من الحدود التركية فمكثنا فيه ثلاثة ايام كان علينا بعدها التحرك لان ارزاقنا على وشك النفاذ. خرجنا من كاني بلاف مع آلاف من البشر والدواب متوجهين نحو المجهول. نسير في النهار وازيز الطائرات يرافقنا, لنستقر في أي كلي في العراء دون مأوى, دون افرشة. اليوم الثاني . يجب ان نعبر الشارع الذي يؤدي الى العمادية. وعلى طرفي الشارع ربايا عراقية متهيئة لضرب أي كائن حي يعبر الشارع بالاضافة الى دوريات من المدرعات والمصفحات تجوب الشارع ذهابا وايابا طوال الليل. وصلنا على مقربة من الشارع يلفنا الهدوء والسكون والشارع محاط بالكمائن. لايمكن اذن العبور, والساعة قاربت الثانية عشر ليلا. الاطفال ناموا على اكتاف الكبار بدون طعام, وبدون شراب, رجعنا لنركد في كلي بعيد عن الربايا ونمنا في العراء حتى السادسة صباحا عندما استيقظنا على دوي الطائرات المحومة فوقنا. قضينا الليل وكنا محظوظين لاننا استطعنا ان نطبخ وجبة رز احمر, طبخة عراقية, ونخبز قليلامن الخبز على الصاج, اصبحت بطوننا مكتفية بالاكل حتى الليل, شدينا الرحال لنعبر الشارع بكل هدوء محذرين الاطفال من البكاء كانت الام لو بكى طفلها متهيئة لوضع منشفة على فمه وقطع انفاسه حتى لو كان الامر يتطلب موت طفلها, والقرار العسكري هو انه يمكن التضحية بطفل وحماية المئات الآخرين الذين سيعبرون الشارع. ونحن نعبر الشارع, الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل, سمعنا هدير الدبابات يقترب منا, صدر فورا قرار عسكري بان "اسرعوا ايها الاطفال والنساء, اتركوا الحيوانات, المهم انقاذ حياة البشر وليس الحيوانات". فعلا انطلقنا نركض بسرعة رهيبة حتى كبار السن والاطفال الصغار وتركنا الحيوانات, لكن الغريب ان الحيوانات تتحسس الرعب هي الاخرى, فكانت تركض وراءنا مذعورة من دوي الدبابات الذي يقترب منا الا ان الاغنام والابقار اقل ذكاء من البغال لانها آخر من يتحسس الخوف. ابتعدنا عن مرأى الدوريات العسكرية لكن كان يؤلمنا مصير الآلاف التي بقت خلف الشارع ولم يحالفها الحظ للالتحاق بنا. قاربت الساعة الثالثة من بعد منتصف الليل حين وصلنا الى كلي بعيد عن انظار الجيش. مكثنا في الكلي اربعة ايام مع الآلاف من العوائل, الا ان مؤونتنا التي كنا نحملها على الدواب نفذت.
الى اللقاء في الحلقة القادمة