ألهجرة الإيزيدية من الجزيرة: إبادة مستمرة منذ نصف قرن


قرية إيزيدية في الجزيرة

أول مكان وصل له الإيزيدييون هرباً من الفرمانات العثمانية «كانت قرية كرنكو بريف الحسكة الشمالي، ومنها انحدر الإيزيديون نحو قرى الحسكة الحالية… ومع وصول داعش إلى الحسكة، كان الخوف الأكبر أن تصبح شنكال أخرى… وأفرغت قرانا بشكل شبه تام»، يقول إبراهيم عيسى أوسو، عضو مجلس السلم الأهلي والأعيان بالحسكة، ومختار قرية أفكيرا الإيزيدية، في لقاء مع روك أونلاين.
تشكل الهجرة الإيزيدية واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على التركيبة الديمغرافية للمنطقة، ورغم ذلك لم تحظ باهتمام مناسب، إنما اقتصرت القضية الإيزيدية في المنطقة خلال السنوات الماضية على جرائم الإبادة التي مارسها تنظيم داعش بحق أبناء هذه الديانة. وإن كانت نهاية التنظيم المتوقعة قريبة بسبب الهزائم الكبيرة والمتتالية التي يلقاها بشكل رادع تجبر في المستقبل كل متطرف آخر بإعادة حساباته جيداً قبل التفكير بتكرار حرب إبادة أخرى ضد الإيزيديين، إلا أن تأثير الهجرة من ناحية إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، لا يقل عن تأثير جرائم داعش.
التواجد الإيزيدي في الحسكة
تتوزع قرى الإيزيديين حالياً في ريف الحسكة الشمالي وصولاً لمدينة عامودا شرقاً، إضافة إلى عدد من القرى بريف مدينتي رأس العين وتربه سبيه، ومجموعها 25 قرية.
يقدر علي شيخو، نائب رئيس «البيت الإيزيدي»، وهو من سكان قرية طولكو الإيزيدية شمالي مدينة الحسكة، أن عدد سكان هذه القرى، إضافة للإيزيديين المتواجدين داخل مدينة الحسكة، كان يتجاوز الـ 25 ألف نسمة قبل العام 2010، أي قبل بداية الأزمة السورية. لم يبق منهم سوى أقل من عُشْر هذا العدد حالياً.
ومع عدم وجود إحصائيات رسمية للمكون الإيزيدي في سوريا، كغيرها من المكونات والأقليات، يبقى أمر التحقق من صحة هذه الأرقام غاية في الصعوبة.
الإيزيديون والهجرة
أعداد الإيزيديين في منطقة الجزيرة السورية حالياً لا تتجاوز 1500 نسمة في جميع مناطق سكنهم من المدن والقرى
يؤكد شيخو أن الإيزيديين لطالما كانوا ميالين للهجرة إلى خارج البلاد، «بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي مروا بها»، بل حتى قبل الأزمة السورية الحالية، إذ «ألحقت بهم الفرمانات أضراراً في الأرواح والممتلكات نتيجة معتقدهم». ولطالما كان الاغتراب خياراً جذاباً أمام الشباب الإيزيدي في منطقة الجزيرة السورية، إلى الدول الغربية عموماً.

وخلال السنوات الأخيرة، انعكس واقع الأزمة السورية سلباً على كل الشعب السوري ومنهم الإيزيديون، ما زاد وسرّع من وتيرة وأعداد المهاجرين من هذا المكون إلى خارج البلاد. ويجزم شيخو، أن أعداد الإيزيديين في منطقة الجزيرة السورية حالياً «لا تتجاوز 1500 نسمة في جميع مناطق سكنهم من المدن والقرى المذكورة آنفاً شمال شرقي سوريا».
ولعل الخصوصية الدينية التي يتميز بها المكون الإيزيدي، كان لها دور مهم في هجرة أبناء هذا المكون من منطقة الجزيرة، مع تردي الأوضاع الأمنية بعد عام 2012، وبدء هجمات فصائل المعارضة الإسلامية والتنظيمات المتطرفة على مناطق كردستان سوريا.
فقد كان وضع المكون الإيزيدي «أكثر حساسية من وضع الطوائف والمكونات الأخرى، فبعد دخول الجماعات الإرهابية والمتطرفة إلى المنطقة عام 2013، قام عناصر جبهة النصرة بقتل ثلاثة شبان إيزيديين وسحل جثثهم في قرية الأسدية التي يقطنها الإيزيديون بريف مدينة رأس العين، وقتل شاب آخر في قرية تل طويل بريف الحسكة، وهاجمت العصابات على عدد من بيوتهم بريف الحسكة أيضاً، في ظل انتشار الفلتان الأمني والعصابات التي تخطف المواطنين وتطلب فدية في ذلك الوقت».
ويؤكد المختار الإيزيدي إبراهيم عيسى الأوسو، عضو مجلس السلم الأهلي في مدينة الحسكة، وعضو مجلس الأعيان التابع للإدارة الذاتية، أن هذه العوامل كانت السبب المباشر والدافع أمام الهجرة الكبيرة للإيزيديين إلى الخارج، مضيفاً أن الإيزيديين تركوا بيوتهم وقراهم وأملاكهم الأخرى في عهدة من بقي من القلة القليلة.
الإيزيديين اختاروا أوروبا، وتحديداً ألمانيا، في وجهتهم الأولى للهجرة، بسبب توفر الديمقراطية واحترام حقوق الأقليات الدينية في التعبير عن هويتهم
فيما يعتبر علي عيسو، وهو من المهاجرين الإيزيديين في ألمانيا وينشط في مجال حقوق الإنسان، أن «هجرة الإيزيديين من قراهم ومدنهم كانت موجودة في ظل جميع الحكومات السورية المتعاقبة منذ عقود، نظراً لعدم الاعتراف بهم كأبناء ديانة، وبالتالي حرموا من كافة حقوقهم الدينية والاجتماعية وكذلك السياسية، ما دفعهم إلى الهجرة هرباً من التهميش والإقصاء من جهة كأبناء ديانة غير معترف بها، ومن الاستبداد من جهة أخرى كأبناء قومية كردية».

ويضيف الناشط الحقوقي أن الإيزيديين اختاروا أوروبا، وتحديداً ألمانيا، في وجهتهم الأولى للهجرة، بسبب «توفر الديمقراطية واحترام حقوق الأقليات الدينية في التعبير عن هويتهم». موضحاً أن الإيزيديين بادروا إلى تنظيم أنفسهم ضمن كيانات وجمعيات دينية واجتماعية «تخفف عنهم ما ذاقوه من مرارة التهميش في سوريا».
بدوره يعزو جابر جندو، وهو صحفي إيزيدي من قرية قزلاجوخ بريف مدينة عامودا الجنوبي، هجرة الإيزيديين من الجزيرة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي لعدة أسباب، منها أن الحكومة الألمانية قدمت تسهيلات وميزات كثيرة للإيزيديين كالحصول على الإقامة مباشرة وتأمين العمل والمسكن.
وينوه إلى أن أسباب هذه الهجرة اختلفت من منطقة إلى أخرى في الجزيرة، ففي تربه سبيه مثلاً، يقول الصحفي الإيزيدي، إن الأسباب تلخصت في أن الحكومة السورية سحبت الجنسية من أغلب الإيزيديين، واستولت على أراضيهم، ولم يكن لهم سبيل سوى الهجرة لتأمين مستلزمات العيش. وفي الحسكة أيضاً، كانت أهم أسباب هجرة الإيزيديين هي المعيشة، إلى جانب حصول مضايقات غير مباشرة من قبل جيرانهم.
وبالرغم من أن أسباب هجرة الإيزيديين في كل منطقة كانت مختلفة عن الأخرى، إلاّ أن جندو يعتقد بوجود «أسباب عامة لها، منها أنه لم يكن للإيزيدي أية حقوق في سوريا، كتعليم الديانة الإيزيدية وتدريس أبنائهم الديانة الإسلامية بدلاً منها، ولم يكن يوجد ولم يسمح بوجود دور عبادة لهم، وأيضاً في الأحوال الشخصية وفي قضايا الإرث والزواج، كانت الدولة تعتبر أنهم طائفة مسلمة، وأيضاً يشكل الزواج سبباً من أسباب الهجرة، لأن الإيزيدي لا يمكنه الزواج بغير إيزيدي، لذا كان الشباب أو البنات مجبرين على الهجرة من أجل الزواج».
ما حدث خلال هجوم داعش على شنكال أثر كثيراً على الإيزيديين في الجزيرة، ودفعهم إلى الإسراع في الهجرة
ومع بداية الثورة السورية، يشير جندو إلى أن هجرة الإيزيديين تزايدت وأصبحت كهجرة جماعية، وبدأت تهدد بإنهاء الوجود الإيزيدي في الجزيرة، مضيفاً أنه «مع بداية الثورة السورية، تدهورت الأوضاع الأمنية، ولم يكن هناك مستقبل واضح أو ضمانات من قبل أطراف الصراع للإيزيديين، كما أن هجوم التنظيمات المتطرفة على سري كانيه والقرى الإيزيدية أدى إلى إفراغها من الإيزيديين، إضافة إلى حدوث حالات خطف ونهب وقتل تعرض لها إيزيديو الحسكة».

ويرى الصحفي الإيزيدي أن ما حدث خلال هجوم داعش على شنكال، «أثر كثيراً على الإيزيديين في الجزيرة، ودفعهم إلى الإسراع في الهجرة».
ومن ناحية أخرى، لعب الفقر وسوء الأحوال المعيشية السائد بين إيزيديي الجزيرة، دوراً لا يقل عن الوضع الأمني السيء في دفع أبناء هذا المكون نحو الهجرة.
ويلفت المختار شيخو، إلى أن من أقدم العشائر أو العوائل الإيزيدية التي وصلت إلى منطقة الجزيرة كانت عائلة بيشو وعائلة كوري، إذ وصلوا من تركيا عام 1948 وكان تعدادهم حوالي 120 عائلة «عاشوا ظروفاً اقتصادية صعبة وقتها، بحيث أن 40 فلاحاً كانوا يعملون في 30 دونم من الأراضي الزراعية، فكانوا يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة، وهاجروا بسبب الفقر قبل الثورة»، إلاّ أنه يستدرك بالقول: «لكن أثناء الثورة هاجر أكثر من 85% من إيزيديي سوريا».
قرى إيزيدية خاوية على عروشها
سليمان شيخو حمو، وهو من أهالي خربة ديلان، وعضو في البيت الإيزيدي، يروي لروك أونلاين أن قرية خربة ديلان قبل عام 2010 كان فيها 12 بيتاً إيزيدياً، والآن «الكل سافر إلى ألمانيا، بعضهم قبل الثورة هاجروا وبعضهم أثناء الثورة».
وكذلك قرية طولكو، والتي تعتبر من أكبر القرى الإيزيدية في المنطقة، كان فيها، حسب حمو، 120 بيتاً مسكوناً من الإيزيديين، «لكن الآن بقي فيها 6 بيوت فقط».
أعضاء في مجلس السلم الأهلي والبيت الإيزيدي استقبلوا الكثير من النازحين في بيوت الإيزيديين المهاجرين دون مقابل، وذلك للمشاركة في التواصل مع كافة المكونات
ولم يقدم إيزيديو الجزيرة على بيع أملاكهم في المنطقة بعد هجرتهم إلى وجهات عدة، سواء قبل الأزمة السورية أو بعدها، وإنما كانت أملاكهم تدار من قبل من بقي منهم في قراهم ومناطقهم.

وكذلك الأمر بعد أن هاجر غالبية الإيزيديين من قرى الحسكة بعد الأزمة السورية، إذ باتت أراضيهم ومنازلهم وأملاكهم الأخرى تحت رعاية الإيزيديين المتبقين، أو تحت إشراف البيت الإيزيدي.
ويؤكد عضو البيت الإيزيدي أن أملاك المهاجرين الإيزيديين بقيت مصانة، «ولا توجد حالات لدخول البيوت التي هاجرها أهلها عنوة»، وأنه بعد الهجرة أصبحت البيوت والأراضي الزراعية والعقارات والمحلات تحت رقابة البيت الإيزيدي، وتدار من قبل من بقي من الإيزيديين بشكل مباشر.
وبعد استقبال منطقة الجزيرة موجات عدة من النازحين من مناطق سورية عديدة بعد اندلاع الحرب السورية، يقول حمو إن «أعضاء في مجلس السلم الأهلي والبيت الإيزيدي استقبلوا الكثير من النازحين في بيوت الإيزيديين المهاجرين دون مقابل، وذلك للمشاركة في التواصل مع كافة المكونات».
كما يذكر حمو أن «هناك قرى فرغت بشكل كامل بعد هجرة جميع سكانها، كقريتي بورسعيد وهيشري، اللتين بادر سكانهما لتوظيف حراس لقراهم وأيضا لإدارة أملاكهم لا سيما زراعة أراضيهم، حيث أنهم يقومون بزراعة أراضيهم والعناية بها وجني محاصيلها وإرسال الناتج لهم، أو انتظار أن يأتي أحد منهم كزيارة إلى قريته من المهجر ليحصل على ثمن ما أنتجته أرضهم».
ويذكر الناشط علي عيسو أن «اتحاد الإيزيديين هو الذي يساهم في الحفاظ على ممتلكات الإيزيديين وعقاراتهم بالتنسيق مع الإدارة الذاتية في مقاطعة عفرين، وأعتقد أن الحال ذاته ينطبق على مقاطعة الجزيرة».
وبطبيعة الحال، لم تتأثر أملاك الإيزيديين المهاجرين – كالمهاجرين من باقي المكونات في منطقة الجزيرة وكردستان سوريا – من قانون «إدارة أملاك الغائبين» الذي صدر عن الإدارة الذاتية، إلاّ أنه لم يطبق.
وماذا بعد؟
بالرغم من كل شيء، هنا أستطيع المحافظة على ثقافتي وعلى أصدقائي وعلى كل ما أحب، وأيضاً فتحت أمامي كإيزيدي آفاق جديدة، استطعت من خلالها أن أعبر عن ثقافتي وأنشر طقوسي وعاداتي
أما فيما يتعلق بحثّ الإيزيديين على العودة إلى الوطن من قبل هذه الجمعيات، يرى الناشط الحقوقي، علي عيسو، أن العمل في غالبه يدور حول «إيجاد الحلول للمشاكل التي دفعت بهؤلاء للهجرة، وبالتالي النضال من أجل إحقاق حقوق الإيزيديين في موطنهم، وإزالة الغبن الذي استهدف تواجدهم التاريخي في بلادهم من قبل الأنظمة الاستبدادية، والسبيل إلى ذلك غالباً ما يكون عبر فعاليات ونشاطات واجتماعات تجمع الحكومات الأوروبية مع أبناء الجالية لإيصال المعاناة إليها وحث الحكومات على دعم الإيزيديين، وعلى الرغم من ذلك تبقى الجهود في هذا المضمار في مراحله الضعيفة إلى حد ما، نظراً لحجم المأساة التي تعصف بالإيزيديين سواء في سوريا أو العراق».

وعلى خلاف غالبية إيزيديي الجزيرة، اختار الصحفي جابر جندو البقاء، ويوضح قراره هذا بالقول: «أنا لم أختر الهجرة لأسباب، منها أني مرتبط بقريتي وأرضي، واتخذت قراراً بيني وبين نفسي أنني لن أترك قريتي مهما حدث، وأيضاً كنت في مراحل متقدمة من دراستي ولم أكن أرغب في تركها، بالإضافة إلى أن تجارب من سبقوني دفعتني للبقاء».
ويضيف: «بالرغم من كل شيء، هنا أستطيع المحافظة على ثقافتي وعلى أصدقائي وعلى كل ما أحب، وأيضاً فتحت أمامي كإيزيدي آفاق جديدة، استطعت من خلالها أن أعبر عن ثقافتي وأنشر طقوسي وعاداتي».
ويربط جندو احتمال عودة الإيزيديين المهاجرين من الجزيرة بالظروف الأمنية والاستقرار وتأمين حقوق الإيزيديين، ورغم أنه يتوقع عودة البعض تدريجياً، إلاّ أنه لا يخفي تشاؤمه من أن هذه العودة «لن تكون بهذا الزخم، لأن الكثيرين اندمجو مع المجتمع الألماني وأصبحوا يشعرون أن ألمانيا هي بلدهم… ما أتمناه هو أن يحافظ المجتمع والسلطة في الجزيرة على من تبقى من الإيزيديين وأن يحميهم».


عدنان حسن
حقوقي عمل لدى وكالة آرانيوز في التقارير الكتابية والمرئية باللغتين الكردية والعربية، ومسؤول التقارير الكتابية في منظمة دوز، مهتم بالتحقيقات الصحفية والأفلام الوثائقية، متطوع في مشروع كرفان الإذاعي.