بعد صرف اكثر من 70 مليار دولار على البطاقة التموينية.. الحكومة تتجه نحو الغائها!




يعد ملف البطاقة التموينية من الملفات المهمة والمؤثرة في حياة شريحة كبيرة من المجتمع العراقي باعتباره يلامس حياتهم بصورة مباشرة ويتعلق بمستوى معيشتهم، الا ان هذا الملف يشكو من معوقات ومشاكل عديدة منها النقص الكبير بمفردات البطاقة على الرغم من تخصيص اموال كبيرة في الموازنة الاتحادية خلال السنوات الماضية.
وبحسب مختصين في الشان المالي والاقتصادي فقد صرف العراق نحو اكثر من 70 مليار دولار منذ 2003 وحتى الان على ملف البطاقة التموينية التي تقلصت موادها الى اربعة مواد فقط بعدما كانت نحو 10 مواد قبل عام 2003.
ويرجع المختصون سبب تقليص المواد في البطاقة على الرغم من تخصيص الاموال التي تقدر سنويا نحو 5 تريليون دينار الى الفساد المالي في ظل غياب الرقابة والمحاسبة ، لكون هناك جهات سياسية مستفيدة من هذا الملف.
ونتيجة للفوضى التي يعانيها العراق في السياستين المالية والنقدية فقد اوصى صندوق النقد الدولي العراق باتخاذ اجراءات اصلاحية لتصحيح مسار بعض الامور المالية من اجل دعم الاقتصاد العراقي ومنها تقليل النفقات التشغيلية في الموازنة الاتحادية وزيادة النفقات الاستثمارية فضلا عن اعادة النظر بالمشاريع الممولة من قبل الحكومة ومنها البطاقة التموينية.
وكشف مصدر مطلع في وزارة التجارة، في وقت سابق، عن عزم الحكومة العراقية إلغاء البطاقة التموينية استجابة لشروط صندوق النقد الدولي الرامية لـ"إصلاح" الاقتصاد العراقي، مبينا أن الأمر سيتم تطبيقه بشكل رسمي بعيد الانتخابات العامة المزمع اجراؤها في 12 ايار مايو المقبل.
وقال المصدر إن "حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي وافقت على إلغاء البطاقة التموينية بشكل نهائي خلال العام الحالي، ضمن سلسلة شروط وضعها صندوق النقد الدولي تهدف لإصلاح الاقتصاد العراقي ودمجه بالاقتصاد العالمي وتسهيل حصوله على قروض بفوائد ميسرة من أجل سد العجز في موازنته التي تعرضت الى النقص بسبب التدني المستمر بأسعار النفط".
وأوضح أن "الأمر بات بحكم المؤكد، لكن الاعلان عن هذه الخطوة سيكون بعد الانتخابات المقبلة تجنبا لاثارة الشارع العراقي الذي اعتاد الاعتماد على البطاقة التموينية كمصدر قوت منذ نحو ثلاثة عقود تقريبا ".
وكشفت لجنة الاقتصاد والاستثمار في البرلمان العراقي، عن ابرام العراق اتفاقية مع صندوق النقد الدولي تضمنت مجموعة نقاط تهدف الى اصلاح النظام المالي والاقتصادي في العراق.
وقالت عضو اللجنة النائب نجيبة نجيب لـ(وان نيوز) ان "اصلاحات النقد الدولي تهدف نحو تقليل النفقات التشغيلية وزيادة النفقات الاستثمارية والغاء بعض المشاريع التي تمولها الحكومة بشكل مباشر ومنها البطاقة التموينية"، لافتا الى ان "الموازنات الاتحادية قبل عام 2015 كانت تخصص نحو اكثر من 5 تريليون دينار للبطاقة التموينية لكن بسبب الازمة المالية تم تخفيض المبلغ المخصص الى نحو تريليون و500 مليار دينار في موازنات 2015 و 2016 و2017 ، الا ان هذه الاموال لم تصرف جميعها، بسبب الازمة المالية التي عصفت في البلاد، ما ادى الى وجود نقص حادة بمفردات البطاقة التموينية".
واضافت ان "البطاقة التموينية بحاجة الى اعادة النظر بها واجراء اصلاحات ضمنية من ناحية المشمولين والمستحقين ونوعية وكمية المواد فيها ، اذ ان هناك تسجيل مزدوج واخطاء كثيرة يشوب هذا الملف"، مبينة ان "اجراء الاصلاحات بهذا الملف وعدم الغائه سيوفر اموالا كبيرة للدولة يمكن الاستفادة منها في مشاريع اخرى".
واشارت نجيب الى ان "العراق بعد عام 2015 قلل من استيراد الكثير من مواد البطاقة التموينية خاصة بمادتي (الطحين والسكر) حيث يعتمد العراق بنسبة 100% على المنتج المحلي وكذلك مادة الزيت بنسبة كبيرة ماعدا مادة الرز الذي لا زال العراق يستورد اكثر مما موجود في الداخل".

واستبعدت عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية لجوء الحكومة الاتحادية نحو الغاء البطاقة التموينية لان سبق وان الغتها في السنوات السابقة وحدثت ضجة كبير في الشارع العراق وتظاهرات ما دفعت الحكومة نحو اعادة النظر بقرارها، لانها تمس شريحة كبيرة من المواطنين خاصة الذين يعانون من الفقر".
وتقدر ما انفقه العراق من اموال على البطاقة التموينية بعد عام 2003 نحو 70 مليار دولار الا انها لا زالت تعاني من نقص كبير بالمواد.
ويقول عضو اللجنة المالية النيابية احمد حاجي رشيد لـ(وان نيوز) ان "موضوع انهاء البطاقة التموينية لم ياتي من الحكومة لكن ما موجود حسب شروط صندوق النقد الدولي بان تحول البطاقة على شكل نقدي وليس عيني ، لتقليل الفساد و ترشيد الاستهلاك وهذا سيؤدي الى زيادة الميل الحدي نحو الادخار ويقلل من الميل الحدي للاستهلاك مما سيصب من مصلحة المواطنين".
واضاف ان "الحكومة تصرف مليارات الدنانير من اجل وصول المواد الغذائية الى المواطنين، ففي احد الاحصائيات كشفت عن ان قيمة ما يوازي دولار واحد من السلع يكلف الدولة بنحو دولار و30 سنت حتى يصل الى المستهلك الاخير وبالتالي هذه تكلفة باهظة لإيصال المواد الغذائية ".
واشار الى ان "حجم المبالغ المرصودة في الموازنات السابقة للبطاقة التموينية كبيرة جدا حيث انه رصد في موازنة 2015 نحو 5 تريليونات دينار وبعدها انخفض الى 2 تريليون و15 مليار دينار وتم تخفيضه في السنوات الاخيرة بسبب انخفاض اسعار النفط لكون البلد معتمد على ايراد ريعي وهو النفط".
وبحسب تجارب الامم المتحدة في عدد من البلدان فقد ترى ان من الافضل الغاء البطاقة التموينية في العراق وتوزيع بدل نقدي مع تحديد الفئات المشمولة بها اي يتم الغائها عن العائلات الميسورة ورجال الاعمال وغيرهم.
وبحسب مصادر في الامم المتحدة تحدثت لـ(وان نيوز) ان "البطاقة التموينية هي احدى وسائل الحماية الاجتماعية لطبقات تكون معرضة لخطر الفقر والجوع تقوم الحكومة بتقديم الدعم لهم ، فاذا تحولت الى بدل نقدي ستخدم هذه الشرائح وترفع من مستواهم المعيشي"، لافتة الى ان "الامم المتحدة قد غيرت سياستها العلمية تجاه العراق اذ كانت في السابق تقدم المساعدات كالبذور وغيرها الا انها توقفت عن ذلك ".
واضافت المصادر نفسها ان "البدل النقدي سيقلل من فرص الفساد المستشري في ملف البطاقة التموينية، فضلا عن انه سيسهم بتحريك السوق العراقي وتشجيع المنتج المحلي وتشجيع المزارع العراقي على الزراعة وطرح منتجاته الغذائية الى السوق في ظل الطلب المتزايد عليه مما سيولد حركة اقتصادية كبيرة في البلد".
اما الخبير الاقتصادي سالم البياتي فقد كانت لديه وجهة نظر اخرى اذ اكد ان في حال الغاء البطاقة التموينية سيشعل السوق العراقي وينعش تجار المواد الغذائية لان اغلب المواد المستهلكة مستوردة.
وقال البياتي لـ(وان نيوز) ان "موضوع البطاقة التموينية هو جزء من السياسة الاقتصادية للدولة فعملية ابقاء البطاقة على مقوماتها ومكوناتها او الغائها ما عاد يشكل قضية في السياسة الاقتصادية العراقية، بسبب عدم وجود بوصلة ورؤية اقتصادية حكومية".
واضاف انه "رغم فقر البطاقة وضعفها الا ان الغائها قد يؤثر بشكل وباخر على اسعار السوق وبالتالي لا توجد رقابة على الاسعار وعدم وجود دولة تستطيع ان توازن بالسوق مما سيؤثر على الكثير من العوائل خصوصا دون مستوى خط الفقر لاسيما مواد الطحين والسكر والارز والزيت، حيث سيستغل التجار ذلك"، مبينا ان "هناك فرق بين تعويض المادة وتعويض الثمن عندما تعوض المادة بثمن سيزاد الطلب بالسوق على المواد وبالتالي سترتفع الاسعار".
واعتمد نظام البطاقة التموينية في العراق بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 الصادر بتاريخ 6 أغسطس/ آب 1990. ويعتمد 90% من العائلات العراقية على هذه البطاقة بشكل تام، وتعتمد عليها نسبة الـ10% الباقية (وهم أصحاب الأجور المرتفعة) بشكل جزئي.
وتحمل البطاقة التموينية اسم معيل الأسرة واسم المحلة والزقاق وعدد أفراد العائلة واسم وكيل التوزيع عموما ووكيل توزيع الطحين بشكل خاص.