آدار برس- خاص


انتهاكاتٌ عديدة ارتكبها الجيش التركي والفصائل الإسلاميّة بحق المدنيين في عفرين شمالي سوريا منذ أن أعلنوا سيطرتهم على المدينة الكردية التي كانت ملجأ للنازحين من مناطق سورية عدة.

وتقول التقارير والمعلومات الواردة من هناك إن هذه الانتهاكات تتفاقم يوماً بعد آخر نتيجة الصمت الدولي وغياب دور المنظمات الإنسانية الدولية التي يُفترض أن تقوم بواجبها في مثل هذه الحالات.

ومن الانتهاكات اليومية التي يتحدّث عنها ناشطون ومراقبون ومدنيون من داخل عفرين عمليات التغيير الديمغرافي عبر توطين مسلحين وعائلاتهم ممن قدموا من مناطق الغوطة الشرقية والقلمون إضافةً إلى مسلّحي الفصائل الإسلاميّة المشاركة في عملية “غصن الزيتون” وعائلاتهم في مدينة عفرين وريفها.

ومن الانتهاكات أيضاً عمليات القتل، والاختطاف، والسرقة، والاعتداء على الفتيات، وفرض اللغة التركية في بعض مدارس عفرين، واستخدام وسائل عديدة لبث الرعب في نفوس المدنيين.

ولعلَّ الكرد الإيزيديين هم أكثر ممن يتعرضون للتضييق من قبل الفصائل الإسلاميّة التي لا تؤمن بأي ديانة أو طائفة غير أيديولوجيتهم الدينية المتشددة التي يعتبرونها “الطريق الصحيح” و “
المنهج القويم”، وهو ما يدفع بهذه الفصائل إلى ارتكاب الجرائم تحت مسميات ومبررات يرفضها الإسلام قبل أي دين آخر.

ووفقاً للتقارير، فإن هذه الفصائل منذ دخولها عفرين ارتكبت انتهاكات كثيرة بحق الإيزيديين الذين بات تعدادهم حالياً نحو 15 % فقط نتيجة تهجيرهم من قراهم، والاستهزاء بديانتهم، وإجبارهم على اعتناق الإسلام، إلى جانب عمليات الاعتقال والاختطاف، وبناء مساجد في القرى الإيزيدية، وغيرها من الانتهاكات.

وحول هذا الموضوع تحدّث مدير مؤسسة “ايزدينا، علي عيسو، لـ “آدار برس” قائلاً: «يتوزع الإيزيديون في عفرين داخل 22 قرية، ولا توجد احصائيات دقيقة لأعدادهم في سوريا، ولكن وفقاً لإحصائيات غير رسمية فيبلغ تعداد الإيزيديين في كل من عفرين وحلب حوالي مئة ألف نسمة، وقد تناقصت أعدادهم في السنوات الأخيرة نتيجة الاستهداف المتكرر لقراهم، مما دفع بالكثير منهم للنزوح أو اللجوء إلى خارج سوريا».

وأضاف: «كان أخرها انتهاكات قوات غصن الزيتون، والتي قوامها عشرون ألف مسلح سوري كما أعلنتها تركيا عنها سابقاً، وهي تزداد يوماً بعد يوم، نظراً لأن هؤلاء المسلحين ينتمون إلى فصائل إسلاموية متشددة تقاتل انطلاقاً من أيديولوجية دينية متطرفة، وقد تعمد المحتلين على توثيق انتهاكاتهم بحق المدنيين من خلال تصوير مقاتليهم لهذه الجرائم ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي في خطوة استفزازية سعت إلى إرهاب المجتمع الكردي والضغط عليه من أجل إخلاء المدينة، ونجح المتطرفون في بث الرعب داخل نفوس المدنيين».

وتابعَ “عيسو”: «سبق أن نشرنا في مؤسسة ايزدينا بعض هذه الجرائم المصورة التي طالت الأموات والأحياء والمعتقلين وكذلك المزارات والمراقد الدينية الإيزيدية، وازدادت هذه الانتهاكات بعد سيطرة هذه القوى المعادية على عفرين وهنا بدأ الخناق يزداد على المدنيين أكثر وتحولت عفرين إلى سجن كبير وتحول سكانها الأصليين إلى غرباء بعد استيطان عشرات الآلاف من مهجري الغوطة الشرقية والقلمون في المدينة، فضلًا عن عوائل الـ 20 ألف مقاتل من الجيش الحر الذين استوطنوا داخل منازل المدنيين المهجرين بعد خلع أبوابها وسرقة محتوياتها».

وقال: «قمنا في مؤسسة ايزدينا برصد العشرات من حالات الخطف التي طالت المدنيين بحجة الانتماء إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، كما قام المسلحون مؤخراً بخطف العديد من الإيزيديين وطلبوا أموال طائلة من ذويهم، وهناك حالات دفع فيها ذوي المختطفين المال إلى الخاطفين وبعد مرور يوم من الإفراج عنهم قامت السلطات التركية باعتقالهم بتهمة التحقيق، ولاحقاً أفرجت عن البعض وأبقت على الآخرين، وهناك مختطفون مرّ على اختطافهم أكثر من شهر دون أن يعرف أحد ما هو مصيرهم، فضلاً عن عمليات استفزازية يقوم بها مسلحو هذه الفصائل بحق المدنيين العزل وتحديداً ضد أبناء الديانة الإيزيدية، حيث يستهزئون منهم وبمعتقداتهم ويحاولون مراراً دفعهم إلى الدخول للدين الإسلامي».

وأضاف: «لقد توجهنا في مؤسسة ايزدينا بنداءات متكررة إلى المجتمع الدولي، وأرسلنا بنسخة إنكليزية منه إلى كافة المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، ونقلنا لهم كافة الانتهاكات التي وقعت بحق المدنيين عمومًا وبحق الايزيديين خصوصاً، كما قمنا مؤخراً بتحذير المجتمع الدولي من استصناع المحاكم القضائية الخاضعة للسلطة العسكرية ولفصائل الجيش الحر في مدينة عفرين، والتي تستند في تبرير وجودها إلى “القانون العربي الموحد” الذي ينغلق على أحكام الشريعة الإسلامية وفقهها ويحدده مصدراً رئيسياً ووحيداً للتشريع، وبدأت هذه المحاكم بالعمل في مدينة عفرين، ويتعذر على السكان المحليين التوجه إليها لأن المسؤولين عليها هم أنفسهم الذين يسرقون ممتلكات المدنيين وينكلون بهم ويختطفونهم».

واستطرد “عيسو” بالقول: «لقد حذرنا في هذا النداء الحكومة التركية من خطر هذه المحاكم على طمس وتغيير الهوية الثقافية/المدنية لـ عفرين، وعلى خصوصية الأقليات الدينية التي تقلق أن يكون استصناع هذه “المحاكم الإسلاموية” أصلاً أداةً ومدخلاً إلى ابادتها وتهجيرها، وإلزام من تمسك من أبناء هذه الأقليات بالبقاء على أرضها بالتنازل عن ثقافتها الدينية والتاريخية قسرياً بعد أن هرب منها القسم الأكبر نتيجة الانتهاكات التي ارتكبتها فصائل الجيش الحر، كما ويتعذر على الإيزيديين ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية في ظل سيطرة المتطرفين على المناطق الايزيدية، حيث لا يحترم المسلحون الخصوصية الدينية الايزيدية ويضيقون الخناق على الايزيديين».

وقال: «يمكن القول بأن 15 بالمئة فقط من ايزيديي عفرين ظلوا في المدينة أو عادوا إليها بعد سيطرة المتطرفين، ويتعذر على هؤلاء الخروج منها أو حتى التصرف بأملاكهم الزراعية، كما تم التلاعب بديمغرافية المناطق الايزيدية، فتم استيطان المسلمين فيها ويتم العمل على بناء جوامع اسلامية في هذه القرى بعد ان تحول المستوطنون المسلمون للأغلبية فيها، حيث معظم القرى الإيزيدية في عفرين كان يقطنها الإيزيديون بنسبة مئة بالمئة، وفي قرى أخرى كانوا يشكلون فيها الأغلبية».

ولفتَ “عيسو” إلى أن «مؤسسة ايزدينا تعمل في قسمها الإعلامي على رصد معظم الانتهاكات التي تجري في المناطق الكردية وتعطي اهتماماً واسعاً إلى الاقليات الدينية والعرقية، وتحديداً أبناء الاقلية الدينية الايزيدية، بالاعتماد على مجموعة من الصحفيين والنشطاء المتوزعين في كامل المناطق الكردية في سوريا وفي العراق بالإضافة إلى أوروبا».