وَهنا في هذا المقال قَد نُواجه مُعضلة وأشكال فيما يَخص الديانة المَزدية أَو المَزدايَسنية التي ظَهرت ضمن الديانات الشرقية في الهَضبة الأيرانية أَو بلاد فارس القديمة وشبه الجزيرة الهندية ، من حيث التَشابه في الأسماء والصِفات وكذلك المَعاني ، أضافة الى
دورالآلهة في هذهِ الأَديان وما تَقوم بهِ تِجاه الأنسان والكَون ، والمَزدية تَعني( مَزد + يَسنا ) أَو ( الأله + القانون ) أَما المَزدية أَو المزدايسنية المُركبة ،هناك مَزدية حَديثة ومَزدية قَديمة ، فالحديثة جائت نسبَة الى ( أَهورامزدا ) الزردَشتي أَو أله الشمس ( هور أَو خور + مَزد ) ، والتي تَبنتها الديانة الزردَشتية كأله للخير ( أَهورامَزدا ) وهي أَساس ومَصدر التَوحيد ، والمَزدية القديمة هي سابقة على الديانة الزردَشتية التي يُمكن أَن يُطلق عليها المَجوسية ( أَو المكوش ) ،وأختلفت الآراء عَن أَصل المَجوس أَو المَگوش وهم رُبَما لَم يَكونوا من أَصل آري لكنهم كانوا مَعروفين حتى حدود القدس وأَثينا في الغَرب وكانوا مَعروفين بِمهاراتهم في مُمارسة فنون السحر ، وكلمة ماجيك ، Magic مشتقة من أسمهم (١)ويَقرأ في كتاب ( بندهش ) أَحد أَهم الكتب الزَردَشتية المُقدسة ، أن كلمة مزديَسني ورد في نَص ديني زَردَشتييَتَحدث عَن مَخلوقات أَهورمزدا وفيهِ كان الدين الجَيد ( لمازديسنياس ) Mazd,yasnas ، أَما عَن مَعنى هذا الأسم ونسبتهِ ورد في المُعجم الفارسي أنها مُركبة من ثلاث كلمات ( مه ، يعني كبير ) و ( مَزدا يعني العالم الذي لانَظير لَهُ ) ( يَسني يعني العِبادة ) وكلها تَعني عبادة العالم الذي لانظير لَهُ ، وتُطلق على الديانة الزردَشتية لأنها تَتطابق مع ماذَهب اليهِ زردَشت في دينهِ أَو مُعتقدهِ ، وورد هذا الأسم في مقام المَدح والثَناء لكل مَن يدين بالزردَشتية وكأنهم وفق هذا المعنى يَقولون لغيرهم ! أنهم الشَعب المختار المُفَضل على بَقية الشعوب .وجاء في أحدى آيات الشهادة في الأفستا الزردَشتية هي ( آية ، مزديسنو. آهي ) جاء فيهِ أقرأ وأثبت على مذهب مَزديسنا الذي آتى بهِ زَردَشت ( أحْمد النية الحسنة، أحْمد العَمل الصالح ، أحْمد القَول الخير ) ، وتَعني كلمة ( مزديسنا ) ( آيه پيمان دين ) الدين الجيد الصادق والمُستقيم الذي أَرسلهُ الله للبشرية ، هذا هو ماجلَبهُ الطاهر زَردَشت ،( دين روح أورمزد ، قانون زردَشت الطاهر صاحب الدين الجيد ) ، وبِما أَن كلمة يَزد تعني الأله ، وكان هناك يَزدات كثيرة في الديانات الشرقية القديمة ( الهندو أيرانية ) يَزد للقَمَر ، ويَزد للمَطَر ، ويَزد للشمس ، ويَزد للنار ، ويَزد للعدل ، وهذا يَعني أن مَزد يَسنا هو الأله الأَكبر لمجموع هذه الآلهات أَو ( اليزدات ) والدليل الواضح لذلك هو ماجاء بهِ المستشرق السويدي الشَهير ( نيبرج ١٩٨٩ ــ ١٩٧٤ ) من أستنتاجاتهِ للتَقويم الفارسي والذي تتَطابق مع الأشاراتالمَذكورة في المَصادر السريانية والآرامية بأن الألههالأَعلون أَو العُلى للشريعة الساسانية كانوا ( زروان ـــ أَهورمزد ــ الشمس ، مهر ، ميترا ــ والنار آذر ، وبيدَخت ) دين مَزد يَسن ، الدين المزدي مُجسماٍ ،(٢) وكانت المُعتقدات التي سادت المنطقة قد مَدَت الزردَشتية ببعض عناصرها الدينية ، وتَشكلت من خلال المَوقف منها وأعادةبِنائها ،سواء تَبَنتْ بعض رموزها أَو رفضتها ، ورغم الغموض الذي يَكتنف ديانة الفرس أَو الميديين قبل زَردَشت ولَم تَتشكل صورة كاملة لدى الباحثين عن المُعتقدات والآلهة القديمة ، فأن المُعطيات التاريخية الضَئيلة تظهر العلاقة الوثيقة بينهم ، ووفقاً للأشاراتالمتوفرة فأن الديانة القديمة للميديين والفرس كانت مَبنية على أَساس العناصر الطبيعية وعبادة قوى الطَبيعة . ويَقول هيرودوت أن الفرس يَعبدون الشمس والقَمر والنجوم والماء والأَرض منذ زَمن بَعيد ، كَما كان يَعبدها أَو، يُقدسها الزَردَشتيون ( الكاتب )، ونجد أَيضاً أن الكثير من آلهاتها دُمِجت ضمن المنظومة الدينية الزردَشتية ، ، وهذا يَثبت أن الزردَشتية أتَسَمت بصبغة مَحلية حسب المنطقة التي أعتنقها ، ، وأثبتت التنقيبات الأَثرية وجود آلهة قديمة مَحلية الى جانب المعبودات الزَردَشتية (٣)، وأضيف الى عبادة الآريين لقوى الطبيعة والأَجرام السَماوية ، آلهة تُمثل قوى أَخلاقية أَو آراء معنوية مُجسمة . ويَظهر أنهُ كانت هناك ، قبل أنفصالالهنود والأيرانيين بَعضهم من بَعض ، تَفرقة بين (ديْوا )التي يَعتبر أَخَص مُمَثليها رب الحَرب أَندرا ، وبين آسورا( أَهورا الأيرانية ) آلهة العَهد والقانون والتي كان على رأسها وارونا وميترا . وَيَتَفق مُعظم العُلَماء على أَن مَزدا(الحَكيم ) عند الأيرانيين ، الأَهورا الأَكبر هو وارونا القَديم ، ، ولَم يَحفظ الأيرانيين أسمهُ الأصلي . والأَهورات ، وعلى رأسهم ( مَزدا ) كان لَهم طابع يَتَمَيز بالدعوة الى الأَخلاق والعمران ، بعكس الشَياطين التي تَعبدها القَبائل الرُحل والمُحاربين واللصوص، وفي الوَقت الذي دَخل الأيرانيين العَصر التاريخي كان ( مَزدا ) مزدا أَهورا أَو أَهورا مَزدا الأله الأَعلى للقَبائل المُستَقرة والمُتَمَدنة في الشَرق والغَرب ( والمزية أَقدم عَهداً من الزردَشتية ) وليس مَزدا إلهاً لقَبيلة أَو لِشَعب ، بَل هو إله للعالم والناس جَميعاً ، وعلى هذا كانت الصِلات بين الناس والقوى السَماوية أَكثر صَفاء في الديانة المَزدية منها في ديانات آسيا الوسطى الأخرى ، ويَبدو باعث الأَخلاق بِصَفائه التام لهذا الدين . وبهذين الوَصفين . العموم والصَفاء .، بدأ المَذهب الأيراني تأثيرهُ على الأَفكار الدينية في الشَرق الأَدنى . والظاهر أن زردَشت أدعى النبوة نَبيّاً لِمَذهب مَزدي مُعَدل في الشَرق ، رُبما كان في الأَقليم الذي بهِ في أفغانستان الحديثة ، وذلك في القرن السابع قبل الميلاد (٤) ونَستطيع أَن نُبرهن بوثائق رسمية من الأبستاق ( الأَفِستا ) وبخاصة سفر الكاتاها – الجزء الأهم منهُ أن أسم أَهورامزدا بالذات يُذكر مِئات المَرات وعلى أختلاف صُوَرهِ مثل : مزدا أَهورا ، أَو مَزدا ، أَو أرمزد ، أَو أَهورامزدا ، ، وجميعهم تُطلق دائماً على الذات الألهية الأَحدية ( الأله الواحد ) ، وأن زردَشت نَفسهُ لَم يأبه بآلهة قدامى الأيرانيين ، ولَم يُنطق باسم واحد من هؤلاء متوسلاً بهِ أَو مُتَضرعاً اليهِ . فمن شأن هذا كلهُ أَن يَجعَلنا نَميل الى الأعتقاد بأن زردَشت الحَكيم ، لَم يعتَقد بوجود خالق قادر غَير ، أَهورامزدا ، الذي كان يَتَوَسل بهِ ، ويَتضرع اليهِ كلما حَز بهِ أَمر ، أَو أَصابهُ سوء ومِما يؤيد هذا الرأي معنى أَهورمزدا نفسهُ فأنهُ مُركب من كلمات هي (( أَهو – ورا – و مزدا )) وَمعناها على التَرتيب ، أَنا – الوجود – خالق ، أَو أَنا مُفيض الوجود أَو خالق الكَون ، وهي تَتطابق مع ( مزد + يسنا ) الأله والقانون ، أَو أَهور أَو خور + مزد بمعنى أله الشَمس ، كما جاء تفسيرهُ فيبداية الموضوع ( الكاتب )، أَو قَد يَكون أن زردَشت قدأخذ أسم إِلههِ ( أَهورا مزدا )) من أسم إله الآشورينوهو – Assara Mazdaash , وأنهُ جَعل الشَمس في السَماء رَمزاً لنور مَزدا المُتَلألئ ، والنار في الأَرض رَمزاً لطهارَتهِ وصَفاء طَبيعتهِ (٥) فسواءً هذا أَو ذلك وما ورد من مَعلومات ومَدلولات لغوية وميثولوجية كافياً ودليلاً واضحاً على قِدم الديانة المَزدية أَو المزدايَسنية وهو سابق للزردَشتية، وَظلت الديانة المَزدية الأَكثر أنتشاراً في العَصر الأَخميني ، وكان ملوك الأخمينيين يَعتقدون ، أن أَهورمزدا هو خالق الأَرض والسَماء ، وأن قدرتهم وسلطتهم مُستمدة منهُ ، ولما كان هذا الأله غير مرئي فأنهم أعتبروا النار رَمزاً لهُ ، وكانت رموزهم الدينية تَتم أَمامها (٦) ، وأذا بَحثنا في ميثولوجيتها وطقوسها وعَناصر تقديسها وصفاتها الأَخلاقية وعلاقتها المباشرة مع الشَمس وعناصر الطبيعة نَرى من الواضح جداً بأنهاتَتَشابه وتَتطابق مع الديانة الأيزيدية إِن لَم تَكن هي بعينها وبدلالة تَسمِيَتها ( مَزدية –أيزدية ) وهي بِحاجة الى بَحث مُعَمَق بَعيداً عَن التَعصب والَأهواء .
٠١ موسوعة تاريخ الأديان ، تحرير فراس السَواح ،الكتاب الخامس ، الزرادشتية ، المانوية ، اليَهودية ،المسيحية ، ترجمة ، محمود منقذ الهاشمي ، عبدالرزاقالعلي ، دار التنوين للنشر ، سنة الطبع غير موجودة
٠٢المُعجم الفارسي ص ٢٧٦ ـ محمد التونجي ، عَن الباحث والكاتب خالد السيد محمد غانم
٠٣نوري أسماعيل ، الديانة الزردَشتية – مَزديسنا – ط/٣ ، ١٩٩٩، دار علاء للنشر ، سوريا ، دمشق ص .ب ، ٣٠٥٩٨
٠٤ آرثر كرستنسن ، أستاذ الدرسات الأيرانية في جامعة كوبنهاكن ،أيران في عهد الساسانيين ، ترجمة يحيى الخَشاب ، راجعهُ عبدالوهاب عَزام ، القاهرة ، ١٩٥٧، مطبعة لجنة التأليف والنَشر
٠٥ حامد عبدالقادر ، زرادَشت الحَكيم ،نبي قدامى الأيرانيين ، حياتهِ وفلسفتهِ ، مكتبة نهضة مصر ، الفجالة، القاهرة
٠٦ أَحمد كمال الدين حلمي ، ٣٥٠٠ عام من عمر أيران ، مؤسسة علي الجَراح ، الكويت ( ١٩٧٩ )



