تأتي زيارة المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك إلى بغداد في توقيت إقليمي حرج، حيث ركزت لقاءاته مع القيادات العراقية على صياغة “قيادة سياسية جديدة” قادرة على تحقيق الوفاق مع واشنطن، كما تهدف الزيارة للتأكد من تحجيم الفصائل المسلحة، وتأمين الحدود السورية، وضمان تشكيل حكومة غير موالية لإيران تتبنى إصلاحات مالية واقتصادية جذرية لتعزيز سيادة العراق واستقراره.
زيارة في توقيت حساس
ويقول فلاح المشعل المحلل السياسي، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الاثنين (23 شباط فبراير 2026)، إن “زيارة المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك إلى العراق تأتي قبيل تطورات مهمة في الساحة الإقليمية، سواء ما يتعلق بالحرب الأمريكية الإيرانية أو بطبيعة العلاقة بين العراق وسوريا”، مبيناً أن “التغريدة التي نشرها باراك وبيان السفارة الأمريكية في بغداد ركزا على نقطتين أساسيتين، هما خفض الصراعات بين العراق وسوريا، وتأمين الحدود والتصدي لمظاهر الإرهاب وخفض التوترات”.
وكان باراك قد وصل إلى بغداد مساء الأحد (22 شباط فبراير 2026)، وبدأ جدول لقاءاته بلقاء رئيس مجلس الوزراء، في ظل تصعيد تشهده المنطقة، لا سيما التهديدات الأمريكية بضرب إيران.
قيادة عراقية جديدة
ويضيف المشعل، وهو صحفي أيضاً، أن باراك أكد أيضاً ضرورة وجود قيادة سياسية جديدة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق ما وصفه بالوفاق الأمريكي العراقي”، مشيراً إلى أن “هذا الوفاق يتضمن رسائل متعددة وشروطاً أمريكية للحكومة الجديدة، أبرزها تحجيم الفصائل المسلحة، وإنهاء الوجود الإيراني، ودمج الحشد الشعبي، ومراجعة الحسابات المالية، وإيقاف الهدر وغسل الأموال، ومحاسبة الفاسدين، فضلاً عن تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمار المتبادل بين بغداد وواشنطن”.
مرشحون مرغوبون
ويوضح، أن “البيانات الصادرة عن السفارة الأمريكية والمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء بينت أن مهمة باراك تتحرك في خطين، الأول يتعلق ببناء الحكومة الجديدة بحيث لا تكون موالية لإيران، والثاني توطيد السلام والعلاقات الطبيعية بين العراق وسوريا ومنع التوتر بينهما.
وينبه المشعل إلى “وجود تسريبات عن تسليم أسماء مرشحين مفضلين أمريكياً إلى الإطار التنسيقي، من دون تأكيد رسمي لهذه المعلومات”.
قيادة عراقية فعالة
وكان المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، ذكر في تدوينة له عبر منصة “إكس” اليوم الاثنين، اطلعت عليها “العالم الجديد “، أنه عقد لقاء مثمراً مع رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، جرى خلاله بحث استمرار الأهداف العراقية لبناء مستقبل سيادي ومستقر ومزدهر ينسجم مع رغبة وخطة الرئيس الأمريكي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة.
وأشار باراك إلى ضرورة وجود قيادة فعالة تنسجم مع السياسات والممارسات التي تعزز استقرار العراق وشعبه، معتبراً أن ذلك يمثل ركناً أساسياً لتحقيق الأهداف المشتركة بين الجانبين.
وفي وقت سابق من مساء أمس الأحد، ذكر المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، أن السوداني استقبل المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، حيث جرى خلال اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين العراق والولايات المتحدة، والأوضاع العامة في المنطقة، وما يبذله العراق لدعم الاستقرار الإقليمي، ولا سيما استقرار سوريا.
رفض المالكي قائماً
ويرى المشعل، أن “العلاقات بين العراق والولايات المتحدة لم تنقطع، وأنه لا يوجد تقارب جديد بالمعنى السياسي، وإنما استمرار بروتوكولي في إطار الزيارات الرسمية، مع بقاء الشروط الأمريكية قائمة، لا سيما ما يتعلق باختيار مرشح رئاسة الوزراء”.
ويعنقد، أن “جزءاً كبيراً من الزيارة يرتبط بمشروع الاستقرار في سوريا، في ظل تحركات على جانبي الحدود، ومخاوف من عودة نشاط تنظيم داعش أو جماعات مسلحة أخرى تسعى لزعزعة الأمن العراقي والسوري، لذا الزيارة تهدف إلى ترسيخ قدر من التنسيق الأمني والمصالح المشتركة بين البلدين”.
ضبط نشاط الفصائل
وفيما يخص احتمالات اندلاع حرب أمريكية إيرانية، يوضح المحلل السياسي، أن “أي مواجهة ستكون مختلفة بطبيعتها، ولن تكون حرب ميليشيات تقليدية، بل قد تتخذ طابعاً صاروخياً أو إلكترونياّ أو سيبرانياً”، معتبراً أن “الحكومة العراقية لا تمتلك القدرة الكاملة على ضبط نشاط بعض الفصائل المرتبطة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، وأن ملف الفصائل المسلحة يبقى أحد العوامل المؤثرة في الصراع على منصب رئيس الوزراء المقبل، لارتباطه بقدرة الرئيس الجديد على إدارة هذا الملف”.
حكومة صديقة لأمريكا
ومن ضمن لقاءات توم باراك، ذكر حزب تقدم، في بيان اطلعت عليه “العالم الجديد”، أن رئيس الحزب محمد الحلبوسي استقبل المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي ومواصلة تنسيق الجهود في مجال مكافحة الإرهاب، فضلاً عن مناقشة آخر التطورات في المنطقة وأبرز الخطوات في سوريا وأهمية التعاون بين البلدين في الملفات الأمنية وملف السجناء، حيث جرى التأكيد على دعم استقرار سوريا.
وفيما أكد اللقاء دعم الولايات المتحدة للعراق في ترسيخ أمنه وسيادته، أشار المبعوث الأمريكي إلى الأهداف والغايات العراقية المستمرة لبناء مستقبل سيادي ومستقر ومزدهر ينسجم مع المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة تشكيل حكومة تلبي تطلعات الشعب العراقي في الاستقرار والنهوض الاقتصادي وتعزيز سيادة البلاد، بعيداً عن التدخلات الإقليمية، والعمل على حفظ العراق ومصالح شعبه.
كما التقى رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، اليوم الاثنين، توم باراك، حيث بحث الطرفان متابعة اجراءات القضاء بخصوص المحتجزين المنقولين من السجون السورية إلى العراق. وفقاً لما جاء في بيان لمجلس القضاء اطلعت عليه “العالم الجديد”.
ختام الزيارة في أربيل
وبحسب مصادر مطلعة، أن باراك سيعقد في أربيل اجتماعات رفيعة المستوى مع القيادات الكردية لبحث عدد من الملفات السياسية والأمنية ذات الاهتمام المشترك بين الجانبين.
وكان وزير الخارجية العراقي والمرشح لمنصب رئيس الجمهورية فؤاد حسين، ذكر في تصريح سابق (1 شباط فبراير 2026)، أن مارك سافايا لم يعد يشغل منصب مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون العراق، مشيراً إلى أن توم باراك يتولى حالياً إدارة الملف العراقي بدلاً منه.
الجدير بالذكر، أن توماس جاي باراك، المعروف باسم توم باراك، هو رجل أعمال أمريكي وملياردير من مواليد 28 أبريل 1947، ويعد من أبرز المستثمرين في قطاع العقارات في الولايات المتحدة. أسس شركة Colony NorthStar وشغل منصب رئيس مجلس إدارتها ورئيسها التنفيذي، كما عرف بقربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكما تولى باراك رئاسة لجنة تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، وكان من الداعمين السياسيين البارزين له، إضافة إلى نشاطه في قطاعات الاستثمار والإعلام والعقارات.

