تشريح الشبكة العنكبوتية،
شبكات الظل تلتهم النفط ومصفى بيجي في صفقات مليارية
ملفات سرية
اعترافات صادمة تكشف خيوط الفساد من بغداد إلى مصفى بيجي
صفقات بمليارات خارج القانون. والحصانة تحممي المتورطين
ألوانٌ قاتمةٌ تخيم على مشهد الثروة الوطني، بينما تنهش شبكات الفساد جسد الاقتصاد العراقي، وتلتهم حقول النفط ومصفى بيجي في صفقاتٍ تجاوزت كل الحدود، وكشفتها وثائقُ سرّيةٌ تفضحُ خيوطَ المؤامرة من الداخل.
في تناقضٍ صارخٍ مع التصريحات الرنانة التي تملأ قاعات مجلس الوزراء، والتي تهدف إلى تسويق ما أُطلق عليه اسم “صولة الفجر” بقيادة رئيس الحكومة، علي الزيدي، تكشف الحقائق الميدانية عن وجهٍ آخر للقصة. فذلك الضجيج الإعلامي المُصمّم لإيهام الرأي العام بأن القانون قد استعاد هيبته، ليس أكثر من ستارٍ دخانيٍّ يُخفي حقيقةً مؤلمة؛ إذ تمضي شبكات النفوذ الولائية الموازية في لعبتها الخبيثة، مستفيدةً من الحصانات الممنوحة لها، لتمرير صفقاتها الضخمة في ظلِّ غيابٍ تامٍّ للرقابة القضائية، وكأنّ الدولة قد تخلّت عن دورها في حماية المال العام.
—
وثيقةُ الغرفةِ المُظلمةِ
أطلعت وكالة “أخبار البرهان” على نسخةٍ حصريةٍ من جزءٍ من المحاضر السرّية لاعترافات المتهم المعتقل، عدنان الجميلي، لدى هيئة النزاهة. وتُفكّك هذه الوثائق، التي دوّنت بتاريخ ٢٧ حزيران ٢٠٢٦، جزءاً من شفرة الأموال المنهوبة في محافظة صلاح الدين، وتكشف بكلِّ دقّةٍ آلياتِ تجريف الثروات، معتمدةً على مستنداتٍ موثّقةٍ في دائرة التحقيقات، لتضعنا أمام حقيقةٍ صادمةٍ عن حجم الفساد المُمنهج.
—
الخارطةُ التفكيكيةُ لشبكةِ الفسادِ
تكشف الاعترافاتُ عن كيانٍ فاسدٍ متكاملِ الأركان، يقوم على محاورَ رئيسيةٍ مترابطةٍ، هي:
· المطبخُ السياسيُّ وتأمينُ الأداة: تمّ التنسيقُ المُشتركُ بين حركةِ العصائبِ ورئيسِ الوزراءِ السابقِ، محمد شياع السوداني، لتكليفِ (عدنان الجميلي) كذراعٍ ماليةٍ لحلبِ المشاريع، وتوفيرِ الغطاءِ السياسيِّ اللازمِ لتحركاته.
· عمليّاتُ التهريبِ الخاطفة: بادر النائبُ عن حركةِ العصائب، محمد كريم، إلى تأمينِ إخراجِ عائلةِ الجميلي وتهريبِهم إلى إيران، وذلك بعد ٤٨ ساعةً فقط من اعتقالِه، في محاولةٍ يائسةٍ لفرضِ جدارٍ من الصمتِ حولَ مصيرِ الأموالِ المنهوبة، وقطعِ أيِّ خيطٍ قد يقودُ إلى كبارِ المتورّطين.
· اقتصاديةٌ داخلَ اقتصاديةٍ (لصٌّ يسرقُ من لصٍّ): في مصفى بيجي، تُدارُ المغانمُ عبرَ خمسةِ شركاءَ رئيسيين. تستحوذُ حركةُ العصائبِ رسمياً على حصةٍ تبلغُ ٣٠٪، فيما تتوزعُ النسبةُ المتبقيةُ البالغةُ ٧٠٪ على الشركاءِ الأربعةِ الآخرين. لكنَّ الصدمةَ الحقيقيةَ التي كشفتْها الاعترافاتُ تمثلتْ في قيامِ (محمد كريم) بتأسيسِ “اقتصاديةِ ظلٍّ جانبيةٍ” لحسابِه الشخصيِّ وخلفَ ظهرِ حركتِه، ليقتطعَ من هذه الكعكةِ حصّةً إضافيةً، ويمنحَ الفتاتَ لذراعِه نائبِ المحافظ، مفيد منعم، عبرَ السمسارِ وناقلِ الأوامر، علي سالم.
· صفقةُ الانشقاقِ الملياريةُ والدوافعُ المزدوجة: جرى إحالةُ عقودٍ واستثناءاتٍ مباشرةٍ داخلَ مصفى بيجي، تجاوزتْ قيمتُها ٢٠ مليارَ دينارٍ، إلى (محمد كريم) بدوافعَ متشابكة؛ إذ مرّرها (محمد شياع السوداني) كدعمٍ ماديّ مباشرٍ لحراكِ كريمَ الانتخابي، وثمناً سياسياً لدفعِه للانشقاقِ عن العصائبِ والالتحاقِ بـ “تحالفِ الإعمارِ والتنمية” بعد الانتخابات. في حينِ أحالَها (عدنان الجميلي) تحتَ وطأةِ الابتزازِ المباشرِ والضغطِ الشديدِ الذي تعرّضَ له من (محمد كريم) وأذرعِه الشخصية، لتأمينِ مصالحِهم الخاصةِ بعيداً عن حصةِ الحركةِ والتنظيم.
· امتدادُ الشبكةِ وتقلُّبُ المناصب: ارتبطتْ تحركاتُ (عدنان الجميلي) بمسارِ المحافظِ السابق، بدر الفحل، واستمرتِ العلاقةُ معه إبانَ إدارتِه للمحافظة، ثمّ بعدَ انتقالِه إلى مجلسِ النواب. وامتدَّ التنسيقُ لاحقاً ليشملَ النائبَ السابقَ والمحافظَ الحاليَّ اليوم، هيثم الزهوان.
· اختراقُ النفطِ وقروضُ المليارات: أثمرتْ كواليسُ التنسيقِ مع السوداني عن تمريرِ صفقاتٍ استثنائيةٍ خارجةٍ عن القانون؛ إذ تمَّ منحُ النائبِ (محمد كريم) عقوداً داخلَ شركةِ استكشافاتِ النفطِ في الحقولِ الشماليةِ بقيمةِ ٩ ملياراتِ دينارٍ، صُرِفتْ بالكاملِ دونَ تنفيذِ أيِّ بندٍ على الأرض! ويُضافُ إلى ذلك تمريرُ قروضٍ استثنائيةٍ لصالحِه تجاوزتْ ٤٠ مليارَ دينارٍ، تحتَ لافتةِ “المبادرات”، لسرقةِ أموالِ المحافظةِ وتجريفِ ثرواتِها.
· غطاءُ حمايةِ الرؤوسِ الكبيرة: تستمرُّ التغطيةُ على هذه الملفات، بالتزامنِ مع رفضِ النائبِ عدنان فيحان التوقيعَ على رفعِ الحصانةِ البرلمانيةِ عن (محمد كريم) وحسين مؤنس، إضافةً إلى نوابٍ آخرين تابعين لفصائلَ مسلحة، شكّلوا معاً خطَّ دفاعٍ جبهوياً لإغلاقِ ملفاتِ التحقيقِ وحظرِ تداولِها.
—
أسئلةُ المواجهةِ المباشرةِ مع رئيسِ الحكومة، علي الزيدي
في ظلِّ هذه الوقائعِ المدانة، تبرزُ أسئلةٌ ملحّةٌ تنتظرُ إجابةً شافيةً من رئيسِ الحكومة:
١. هل يعقُلُ أنك لا تعلم؟ أم أنك تعلمُ وتفقهُ كلَّ حرفٍ كُتِبَ في اعترافاتِ (عدنان الجميلي) المودعةِ في أدراجِ دائرةِ التحقيقات؟ وإذا كنتَ تعلم، فلماذا هذا “الصمت” المتعمّدُ والتسويفُ في اتخاذِ الإجراءاتِ الرادعة؟
٢. لماذا يُغلَقُ الفمُ حينَ يصلُ الأمرُ إلى اقتصاديةِ (محمد كريم)، ونفوذِ المحافظِ الحاليِّ (هيثم الزهوان)، وملفاتِ (بدر الفحل)؟ هل “صولةُ الفجرِ” مُبرمجةٌ لضربِ الضعفاءِ فقط، وتتحولُ إلى نمرةٍ باردةٍ أمامَ الحصانةِ الولائيةِ وجدارِ نوابِ الفصائلِ المسلحةِ؟
٣. ما موقفُ الإدارةِ الأمريكيةِ والمجتمعِ الدولي من هذا التستّرِ المخزي على صفقاتِ تمويلِ الكياناتِ المسلحةِ وتجريفِ الأموالِ المنهوبةِ في العراق، والتي تمثّلُ تهديداً مباشراً للأمنِ الاقتصاديِّ والاستقرارِ الوطنيِّ والإقليمي؟
واشنطن – بغداد: وكالة أخبار البرهان

