حملة ممنهجة تطال كبار الفاسدين وتكشف خبايا تراكم الثروات غير المشروعة
في إطار حملتها الموسعة لكشف الفساد المستشري في مفاصل الدولة، تواصل وكالة “أخبار البرهان” تسليط الضوء على ملفات الفساد الكبرى التي تهز أركان المشهد السياسي العراقي، وآخرها الملف الشائك للقيادي السياسي قصي محبوبة، رئيس حزب “أمارجي” الليبرالي، الذي تحوم حوله اتهامات خطيرة باستغلال النفوذ وتراكم ثروات طائلة بطرق غير مشروعة، وسط تساؤلات محلية ودولية عن مصير هذه الملفات في ظل غياب المساءلة.
—
تفاصيل القضية: من البصرة إلى بغداد
خلفية مظلمة في أمريكا: مطعم احترق ومن ثم ثروة طائلة
في تطور يكشف أبعاداً جديدة في شخصية قصي محبوبة، تشير تحقيقات وكالة “البرهان” إلى أن فترة لجوئه في الولايات المتحدة لم تكن مجرد قصة فقر وعمل شاق، بل شهدت واقعة مثيرة للجدل. فوفقاً لمصادر مطلعة، كان محبوبة يعيش على المساعدات الحكومية في أمريكا قبل عام 2003، وقرر فتح مطعم شعبي صغير لكنه فشل في إدارته. وفي محاولة للتعويض، يُزعم أنه أقدم على إحراق المطعم عمداً للحصول على تعويضات من شركة التأمين، لكنه صُدم برفض الشركة طلبه بحجة أنه تقدّم متأخراً بيومين عن الموعد المحدد.
هذه الواقعة، التي لم يسبق أن صدر بشأنها حكم قضائي نهائي في المصادر المتاحة، تُعد وفقاً للقانون الأمريكي جريمة احتيال ونصب على التأمين يُعاقب عليها القانون إذا ثبتت. وتطرح التساؤلات حول كيف تحول رجل كانت سيرته في أمريكا تحمل هذه الاتهامات إلى أحد أثرياء العراق ونافذيه خلال سنوات قليلة، وهو ما يضيف مزيداً من الغموض حول مصادر الثروة الحالية التي يقدرها مراقبون بمئات المليارات من الدنانير.
البداية في محافظة البصرة
بعد عودته إلى العراق عام 2003، انضم محبوبة إلى المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وحظي بدعم عمار الحكيم، ليُكلف بإدارة ملف البصرة بالتزامن مع تولي ماجد النصراوي منصب المحافظ. وبحسب مصادر مطلعة، تحكم محبوبة بقرارات المحافظة وسيطر على مناصب رئيسية مثل مديرية الموانئ وشرطة نفط الجنوب، وجعل من القصور الرئاسية مقراً له، ليصبح الحاكم الفعلي للبصرة. وقد أقر محبوبة لاحقاً في تصريحات إعلامية بأن ماجد النصراوي ارتكب “الكثير من الأخطاء والفساد والمحسوبية والنفاق”، معتبراً أن تجربته في السلطة علمته أن “لا أحد يفرض على أحد أن يصبح فاسداً”.
العقد المشبوه مع “هيل إنترناشيونال”
الملف الأبرز في قائمة اتهامات الفساد هو عقد شركة “هيل إنترناشيونال” للاستشارات، التي أُبرمت بصفة شركة أمريكية استشارية لتوجيه عمل محافظ البصرة. لكن التحقيقات كشفت أن الشركة كانت وهمية، إذ ضمت 75 موظفاً بينهم 74 عراقياً من كوادر المجلس الأعلى (تيار الحكمة) بقيادة محبوبة، وأجنبياً واحداً. وقد حصلت الشركة على عقد بقيمة 22 مليار دينار سنوياً، وتمكنت من اختلاس مبلغ 300 مليار دينار قبل أن تختفي. ورغم فتح تحقيقات وتشكيل لجان، أُغلق الملف دون الوصول إلى أي نتيجة أو محاسبة أحد. ويذكر أن عمار الحكيم دافع وقتها عن هذه الخطوة معتبراً أنها جلب استشارات لصالح البصرة.
الاستيلاء على عقارات الدولة
في إطار استمرار نشاطه غير المشروع، أسس محبوبة حزب “أمارجي” الليبرالي عام 2021 وعاد إلى الواجهة السياسية بعد اعتزاله العمل الحزبي. وحصل على بناية تابعة لعقارات الدولة في منطقة الجادرية ببغداد بموجب عقد استثمار لمدة 50 عاماً بسعر رمزي، ليحوّلها إلى مقر لحزبه ومطعم وقاعات اجتماعات ومقهى، مستثمراً إياها تجارياً. وأدى هذا الأمر إلى إقالة مدير عقارات الدولة وإحالة الملف إلى هيئة النزاهة. ووفقاً لمراقبين، فإن الأموال التي جناها محبوبة من البصرة “تكفي وتزيد” لتمويل مشاريعه الحزبية والاستثمارية.
علاقات مع رئيس الوزراء وعقود بمليارات الدنانير
تُشير المعلومات إلى أن محبوبة تقرب من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وحصل بموجب ذلك على عقود واستثمارات قُدّرت قيمتها بعشرات المليارات من الدنانير. ورغم ترشحه للانتخابات، لم يحصل إلا على 800 صوت فقط، مما يعكس فشله السياسي رغم ثروته ونفوذه.
—
الثروة الطائلة والغموض المحيط بمصادرها
تُشير المعطيات إلى تناقض صارخ بين ماضي محبوبة وحاضره الثري. فقبل عام 2003، كان يعيش لاجئاً في الولايات المتحدة ويدير مطعماً صغيراً فشل فيه، ثم أقدم على محاولة احتيال على التأمين بإحراقه. لكنه اليوم يمتلك قصراً في بغداد ومجموعة شركات نفطية واستثمارات ضخمة تقدّر بمئات المليارات من الدنانير، دون أن يُقدم أي تفسير شفاف عن مصدر هذه الثروة.
—
الحملة التي تقودها “البرهان” وترقب واشنطن
في إطار حملتها المستمرة لكشف الفاسدين، أكدت وكالة “أخبار البرهان” أن الملفات المتراكمة لهؤلاء الشخصيات قد دخلت مرحلة الحسم. وتشير مصادر مقرّبة من الحكومة إلى أن “الضربة القادمة ستكون أكبر وأوسع، وستشمل محافظات البصرة ونينوى وذي قار، ولن تستثني أحداً؛ لأن الفساد لا دين له ولا هوية”.
وعلى الصعيد الدولي، تراقب واشنطن عن كثب هذه التحركات، مع توقعات بأن تشهد الأيام المقبلة تطورات دراماتيكية قد تعيد تشكيل خريطة السلطة في العراق.
—
تحرير: فريق التحقيق الصحفي – وكالة أخبار البرهان
بغداد – واشنطن، 10 آب 2026

