بالترتيب، وبحسب الكتلة الكردية، تضم تركيا التجمع الكردي الأكبر بنحو 20 مليون نسمة، تليها إيران بكتلة ديمغرافية بين 8 إلى 10 ملايين نسمة، ثم العراق الذي يمثل فيه الأكراد ما بين 15% إلى 20% من إجمالي السكان، فسوريا التي تحتضن ما بين 2.5 إلى 3.5 ملايين كردي، وأخيراً أرمينيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بأعداد صغيرة ومتفرقة.
في التاريخ الحديث للمنطقة، وحتى ما قبله غالباً ما ارتبطت هوية الأكراد بالسلاح والعمل الثوري، ويُشهد لهم أن هذا السلاح لم يخرج مما يعدونه “مناطقهم” ولم يمتد خارجها، أما اليوم فهناك كلمة أخرى غير كلمة السلاح، فكيف يمكن تفسير التزامن في التوجه نحو العمل السياسي بين الكيانات الكردية في الدول الأربع؟
في عام واحد، تغير المشهد الكردي كله، فقرر حزب العمال الكردستاني بقيادة زعيمه المسجون التخلي عن الكفاح المسلح، وانخرط أكراد سوريا في هيكل الدولة المركزي كذلك، بينما رفض أكراد إيران تسليح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهم ومحاولة إقحامهم أو التحول إلى وقود حرب بالوكالة، أما حكومة أربيل فحافظت بجهد كبير على الحياد المطلق رغم الضربات، وصرح رئيسها مسرور برزاني رفضه المطلق للانجرار إلى أي صراع مسلح.
فهل نحن أمام “إستراتيجية كردية عليا” منسقة وموحدة عابرة للحدود اتفق عليها خلف الكواليس؟ أم أن ما نشهده قرارات مستقلة أملاها منطق الصدمات المنفصلة والمصادفة التاريخية التي جعلت البقاء غاية تبرر وسيلة التخلي عن البندقية؟ وما هو المستقبل الجيوسياسي لهذه الكتلة البشرية الهائلة التي تبدو اليوم وكأنها تقرر جماعياً إعادة ترتيب أوراقها السياسية والعسكرية؟
قسد… ضرورة سياسية أم كسب للوقت؟
تحولت البنادق التي حاربت تنظيم “داعش” لسنوات إلى أوراق تفاوضية داخل أروقة دمشق، فعقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تلاشت هوامش المناورة التقليدية التي حظيت بها “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، لتجد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) نفسها أمام حتمية مواجهة الهيكل السلطوي الانتقالي الجديد في دمشق بقيادة أحمد الشرع، والمدعوم من خصومها وحلفائها، من تركيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
بحسب تسريبات تركية، عُقد لقاء سري في سجن إيمرالي، جمع عبدالله أوجلان بمظلوم عبدي وإلهام أحمد، حيث انتقدهما بشدة وأبلغهما بتوصله لاتفاق مع تركيا، موجهاً إياهما بضرورة التوصل لاتفاق مماثل مع الحكومة السورية
وبحسب تقرير لمجلس العموم البريطاني، فالسلطة الانتقالية في دمشق أبدت إصراراً غير مرن على فرض سيادة الدولة الموحدة والرفض القاطع لأي صيغة فيدرالية رسمية قد تؤدي لتفتيت الجغرافيا السورية. هذا التصلب المركزي وضع الأكراد في مواجهة مباشرة مع خيارين: إما الاستمرار في مواجهة عسكرية معزولة أثبتت جولات حلب ودير الزور مطلع عام 2026 عدم جدواها وتكلفتها الميدانية الباهظة، أو الذهاب نحو تسوية سياسية تنزع الطابع المليشياوي عن قواتهم.
وبالفعل، مع بداية 2026، وُقّع على اتفاق تاريخي برعاية دولية وإقليمية لتثبيت وقف إطلاق النار ودمج المقاتلين الكرد عسكرياً وإدارياً في بنية الدولة السورية. مع دمج مقاتلي “قسد” عسكرياً بصفة فردية في فرقة عسكرية جديدة بمحافظة الحسكة ولواء في حلب، ودخول قوات الأمن الداخلي لوزارة الداخلية السورية إلى الحسكة والقامشلي، مقابل إقرار حقوق ثقافية ومدنية واسعة للأكراد وإعادة الجنسية للمجردين منها بموجب إحصاء عام 1962.
بحسب الباحث رنج علاء الدين في ورقة تقدير موقف نشرها مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، فقد كان هذا هو “الممر الإجباري الوحيد لتجنيب سوريا خطر انبعاث تنظيم داعش ولتفادي هجوم تركي واسع قد يقضي على الوجود الكردي برمته. ويضيف علاء الدين أن نجاح هذه الصيغة يتطلب توازناً دقيقاً للغاية تمنح فيه دمشق ضمانات حقيقية للمكونات المحلية وتتخلى عن العقلية الإقصائية المركزية القديمة.
لكن ليس الجميع متفائلاً بنجاح الدمج، حتى وإن كان ضرورة تاريخية يدرك الأكراد أكثر أهميتها، إذ يشكّك رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فاضل عبد الغني، بسرعة سلاسة هذه العملية، ويجادل بأن غياب الثقة البنيوية المتبادلة والانهيار الاقتصادي، إلى جانب صعوبة التوفيق بين المجموعات المسلحة المختلفة، قد يحول دون نجاح نزع السلاح وإعادة الدمج ما لم تتوافر ضمانات أمنية وحقوقية دولية صارمة تحمي المقاتلين السابقين من التصفية أو التهميش الإداري والسياسي اللاحق.
أكراد تركيا… لا كلمة بعد كلمة أوجلان
هل كانت تفاهمات أكراد تركيا بمعزل عن هواجس أكراد سوريا؟ رغم أن زعيم قسد مظلوم عبدي كان قد صرح بعد إعلان أوجلان التاريخي بحل حزب العمال الكردستاني لنفسه والتوجه للعمل السياسي بأن هذا شأن كردي تركي ولا يسقط بالضرورة على قسد، لكن التزامن بين ترتيبات الاندماج الكردي في سوريا وبين التحول التاريخي داخل تركيا قد يعطي مؤشراً مناقضاً للتصريح..رصيف 22

