Homeاخبار منوعةحياة ملوك في ثوب لاجئ: ماذا يملك الملياردير ولا أملكه أنا؟

حياة ملوك في ثوب لاجئ: ماذا يملك الملياردير ولا أملكه أنا؟

منذ سنوات، عندما وصلت إلى ألمانيا، كنت أحمل في رأسي فكرة بسيطة جدًا

الناس نوعان

أغنياء يركبون سيارات سوداء طويلة، ويضعون نظارات سوداء، ويشربون قهوة سوداء، ولديهم حسابات بنكية سوداء لا أعرف لماذا كل شيء عندهم أسود

وفقراء مثلي يقفون بعيدًا وينظرون إليهم بحسد، ثم يعودون إلى بيوتهم ليأكلوا المعكرونة ويشاهدوا مباريات كرة القدم

هكذا تعلمنا الأمور، وهكذا كانت الدنيا تبدو لنا
لذلك فعلت ما يفعله أي مهاجر جديد يحاول إثبات أنه أصبح شخصًا مهمًا

اشتريت حذاءً من ماركة عالمية، كان ثمنه يكفي لإطعام قرية صغيرة من الدجاج لمدة أسبوع, ثم ارتديته وخرجت إلى الشارع

انتظرت الإعجاب، انتظرت نظرات الدهشة
انتظرت أن يتوقف الناس ويقول أحدهم:
يا إلهي!.. هل هذا الحذاء من الماركة الفلانية؟

لكن شيئًا لم يحدث.

مرت عجوز بجانبي تحمل التفاح، مرت طفلة تأكل المثلجات
مر رجل يقود دراجته، مر كلب أيضًا

ولا أحد اهتم بحذائي، حتى الكلب لم ينظر إليه.

في البداية شعرت بالإهانة، دفعت كل هذا المال ولم أحصل حتى على نظرة حسد محترمة!

ثم بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا، الرجل الذي يدير الشركة يأتي أحيانًا بقميص عادي جدًا

ومهندس الحاسوب يرتدي حذاءً يبدو وكأنه شارك في الحرب العالمية الثانية ونجا منها

وأستاذ الجامعة يحمل حقيبة لو رآها بائع خردة لأعطاها صدقة.
ولا أحد يهتم

عندها بدأت أفهم أن في المجتمعات الفقيرة يتنافس الناس على إظهار ما يملكون.

أما في المجتمعات المريحة نسبيًا فلا أحد يجد وقتًا لهذا السيرك, الجميع قادرون تقريبًا على شراء الأشياء نفسها لذلك لم تعد الأشياء مهمة.

وهنا بدأت رحلة اكتشاف أكبر

ذات يوم كنت جالسًا عند طبيب الأسنان وبينما أنتظر دوري تذكرت فجأة أغنى رجل عاش قبل ثلاثمائة سنة

ملك .. أمير ، … إمبراطور
أيًا كان اسمه

لو أصابه ألم في ضرسه وقتها لربما أحضروا له ساحرًا أو حلاقًا أو رجلًا يحمل كماشة ضخمة ويبدو متحمسًا أكثر من اللازم

أما أنا فكنت جالسًا على كرسي مريح، في غرفة مكيفة، أنتظر طبيبًا يستخدم أجهزة لو رآها أجدادنا لاعتقدوا أنها من صنع الجن

والأجمل أنني كنت خائفًا من الإبرة رغم كل هذا التقدم الحضاري، هناك أشياء لا يعالجها العلم للأسف.

ثم عدت إلى منزلي، ضغطت زرًا فاشتغلت التدفئة
فتحت الثلاجة .. شربت ماءً باردًا، ثم أمسكت هاتفي وتحدثت مع شخص يبعد آلاف الكيلومترات.

وفجأة خطرت لي فكرة مرعبة: أنا أعيش حياة لم يحلم بها أغنى ملوك التاريخ.

ثم خرجت إلى الشارع، حدائق واسعة
ملاعب مجانية، مكتبات
مسارح.

مسابح عامة تبدو أحيانًا كأنها منتجعات سياحية

قطارات تصل إلى أماكن لو حاولت الوصول إليها في بعض الدول لاحتجت إلى جمل ودليل صحراوي ورسالة وداع من الأسرة

والأغرب من كل هذا أن الإنسان هنا إذا فقد عمله لا يسقط فورًا إلى قاع الحياة

هناك تأمين بطالة، هناك تأمين صحي
هناك مؤسسات كاملة وظيفتها أن تمنعك من التحول إلى مأساة اجتماعية متنقلة

شعرت أحيانًا أن الدولة تعرف عن احتياجاتي أكثر مما أعرفه أنا
إنهم يحسبون كل شيء.

عدد الأطفال، أعمارهم، احتياجات الأسرة
الإيجار، الملابس، المصاريف.

أحيانًا كنت أتوقع أن تصلني رسالة تقول
لاحظنا أنك لم تأكل كمية كافية من البروتين هذا الأسبوع.

لهذا صرت أتساءل
ما الفرق الحقيقي بيني وبين أغنى رجل في العالم؟

هل يملك قصرًا؟ جميل، لكنني أعرف نفسي جيدًا، سأقضي معظم وقتي في المطبخ والثلاجة وغرفة النوم، أما بقية الغرف فسأحتاج إلى خريطة للعثور عليها.

هل يملك عشرين سيارة؟ رائع
لكنه ما زال يجلس في سيارة واحدة كل مرة
أما البقية فتجلس في المرآب وتمارس حياتها الخاصة.

هل يملك يختًا بطول ملعب كرة قدم؟ حسنًا
أنا أصل أصلًا متأخرًا إلى مواعيدي على اليابسة، فما حاجتي للتأخر في البحر أيضًا؟

وهكذا اكتشفت شيئًا بسيطًا جدًا

الفقر ليس أن يكون رصيدك أقل من رصيد شخص آخر، والغنى ليس أن يكون لديك عدد أكبر من الأصفار في البنك

الغنى الحقيقي أن تنام مطمئنًا، أن تمرض فتجد من يعالجك.

أن تتعلم
أن تعمل
أن تعرف أن سقوطك لن يعني نهاية العالم
أن تعيش بكرامة.

ولهذا عندما أسير اليوم في إحدى الحدائق الألمانية وأرى الأطفال يلعبون مجانًا، والعائلات تتنزه، والقطارات تمر في موعدها، والمكتبات مفتوحة للجميع، أتذكر شيئًا واحدًا فقط:

ربما لم أصبح من أغنى أغنياء العالم.

لكنني أعيش حياة كان أغنى أغنياء العالم قد يحسدونني عليها لو استطاعوا رؤيتها.

Adam – Hello Munich

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular