حين نعود إلى صفحات التاريخ المظلمة التي حاول كثيرون طمسها أو إعادة كتابتها وفق نزعات قومية أو دينية، يطل علينا اسم الشيخ مند، ذلك القائد الكردي الأيزيدي الذي جمع بين الروحانية والزعامة القبلية، وبين الكرامة الدينية والفروسية العسكرية. لم يكن مجرد شيخ قبيلة، بل تحوّل إلى رمز روحي وسياسي ارتبط اسمه بصلاح الدين الأيوبي، وبالمعارك الكبرى التي غيّرت وجه المشرق في القرن الثاني عشر.
الشيخ مند بحسب الذاكرة الأيزيدية ابن السلسلة الشمسانية المقدسة، عُرف بعلاقته الرمزية مع الثعبان، حتى غدا حامياً من سمّه، وارتبط مقامه بالقداسة، فكان الناس يلجأون إليه طلباً للشفاء والحماية. لكن هذه الهالة الروحية لم تمنعه من أن يكون أيضاً زعيماً لقبيلة قوية ساهمت في حملات الأيوبيين، ونالت بفضله مكانة عسكرية وسياسية جعلته يُلقب بأمير الكرد.
المصادر الأوروبية والتركية القديمة تذكر أنه قاد فرقة من أكراد حكاري في جيش صلاح الدين، وأنه كوفئ بإقطاع قلعة القصير قرب حمص وأعزاز، لتصبح قاعدة لإمارته التي عُرفت فيما بعد بإمارة كلس. لم تكن هذه الإمارة مجرد إقطاع عابر، بل كياناً سياسياً كردياً أيزيدياً حافظ على وجوده لقرون طويلة حتى بدايات القرن السابع عشر، ممتداً من أعزاز إلى كلس وماراش، تحت حكم ذريته الذين ورثوا السلطة والقداسة معاً.
اللافت أن هذه الإمارة قاومت تقلبات السياسة وصمدت أمام المماليك والعثمانيين، وهو ما يكشف عن قوة البنية القبلية الكردية الأيزيدية، وعن الشرعية الروحية التي امتلكها البيت المندي، حيث جمع بين السيف والمقام. فالإيزيديون الذين غالباً ما وُضعوا في الهامش أو صُوروا كأقليات بلا دور، كانوا هنا في قلب الحدث، شركاء في المعارك التي صنعت ملامح المنطقة، وأصحاب سلطة امتدت لخمسة قرون كاملة.
في ذاكرة الأيزيديين يبقى الشيخ مند قديساً يحضر في الطقوس والمهرجانات السنوية، خصوصاً في شنگال حيث مقامه وموسمه الكبير الذي أعيد إحياؤه بعد تدمير داعش للمزار. وهنا يتلاقى التاريخ مع الميثولوجيا، فالقائد الذي حمل السيف في خدمة صلاح الدين هو نفسه الشيخ الذي تُنسب له الكرامات الروحية، والزعيم الذي منح الأمان لمريديه عبر رمز الثعبان، أصبح أيقونة مزدوجة تجمع بين السياسة والدين، بين الأرض والسماء.
إن دراسة سيرة الشيخ مند ليست مجرد استعادة لاسم طواه النسيان، بل هي محاولة لكشف النقاب عن تاريخ كردي أيزيدي حاولت المصادر التقليدية تهميشه. فمن خلاله نرى صورة الأكراد كقوة مقاتلة ومتماسكة، وكمجتمع يمتلك هياكل سياسية ودينية قادرة على الاستمرار عبر القرون، بعيداً عن السرديات التي حصرتهم في صورة البدو الرعاة.
الشيخ مند، أمير الكرد ووليهم، يبقى شاهداً على أن التاريخ الكردي الأيزيدي لم يكن هامشياً ولا ثانوياً، بل كان في صلب الأحداث الكبرى، وأن جذور هذا التاريخ أعمق من كل محاولات الطمس والتقليل.
—
المصادر
Sharaf al-Din Bitlisi, Sharafnama, طبعات متعددة.
Martin van Bruinessen, Agha, Shaikh and State.
Encyclopaedia of Yazidism, entries on Sheikh Mand.
Wikipedia (En/De): Sheikh Mand, Emirate of Kilis.
Mesopotamia Heritage, Les mausolées yézidis de Bozan.
Rudaw & Gulanmedia (2021) تقارير عن مهرجان الشيخ مند بعد ترميم مقامه.

