أن ما يجري من أحداث دموية في سوريا اليوم بسبب التحركات العسكرية المتسارعة التي تقودها ميليشيات تابعة لسلطة أبو محمد الجولاني ، لا يمكن قراءته كحدث عابر أو صراع داخلي محدود ، بل هو تطور خطير جداً يهدد السلم المجتمعي ويضع الأقليات الدينية والقومية أمام خطر وجودي حقيقي يتجاوز حدود سوريا ليصل إلى عمق الجغرافيا العراقية ومنها مناطق الأيزيديين في شنكال ومحيطها .
إن الضرب العشوائي الممنهج الذي تمارسه هذه الميليشيات بحق الدروز والعلويين في الجنوب والساحل السوري ، وبحق المسيحيين والأيزيديين والكورد في حلب والرقة وغيرها ، يعكس طبيعة عقائدية متطرفة أقصائية لا تؤمن بفكرة الدولة ولا بالمواطنة ولا بالتنوع التاريخي الذي قامت عليه سوريا عبر قرون طويلة .
تكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه الميليشيات لا تعمل من فراغ ، بل وللأسف تحظى بدعم وتغطية سياسية غير مباشرة من قوى دولية كبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ، عبر مسار تطبيع الأمر الواقع مع الجولاني وتقديمه كبديل سياسي وعسكري ، دون مساءلة حقيقية عن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها القوى التابعة له من قتل .. سلب .. نهب .. تهجير قسري والاستيلاء على أملاك وأراضي الأقليات ، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ولكل المواثيق المتعلقة بحماية المدنيين وحقوق الأقليات .
ويتجاوز هذا الخطر حدود الدولة السورية ، لا سيما عندما أقدمت ميليشيات تابعة للجولاني على فتح سجون كان يقبع فيها عناصر من تنظيم داعش الإرهابي وإطلاق سراحهم دون مبرر قانوني أو رقابة دولية ، الأمر الذي يشكل جريمة مركبة وخطراً عابراً للحدود ، خاصة مع عودة عدد من هؤلاء إلى الأراضي العراقية المتاخمة لسوريا وفي حال حدوث أي تنسيق أو تعاون بين هذه العناصر وبين ميليشيات الجولاني داخل العراق وتحديداً في محيط مناطق الأيزيديين في شنكال ومحيطها ، فإن المشهد الأسود للإبادة الجماعية التي وقعت في آب / أغسطس من عام 2014 قد يعاد إنتاجه بصورة أكثر دموية في ظل صمت دولي مريب .
إن شعبنا الأيزيدي ، الذي دفع ثمناً باهظاً عبر التاريخ بسبب هويته ( إثنية دينية ) لا يطالب سوى بحقه في حياة حرة كريمة وأمان ، عبر تاريخية الطويل .. وبدون تهديد أو ابتزاز أو تكرار لمآسي السبي والقتل الجماعي والتهجير التي لا تزال جراحها مفتوحة في الذاكرة الجمعية .
وتتضاعف المخاوف عندما يتعلق الأمر بالوجود الأيزيدي في سوريا ، في ظل صعود سلطة ذات فكر طائفي سلفي جهادي تكفيري لا تعترف بالآخر المختلف دينياً أو ثقافياً وتتعامل مع الأقليات بوصفها كيانات غير شرعية خارج إطار العقيدة التي تتبناها .
فالتجربة التاريخية للأيزيديين مع هذا النوع من الأيديولوجيات كانت دائماً كارثية ، حيث ارتبط وجودهم بممارسات الإبادة .. السبي .. التكفير والإلغاء القسري للهوية .
إن أي مشروع حكم يقوم على هذا الفكر يشكل تهديداِ وجودياً مباشراً للأيزيديين في سوريا ، ليس فقط على مستوى الأمن الجسدي ، بل على مستوى الحق في الوجود .. الذاكرة .. الهوية ، ويجعلهم عرضة لسيناريوهات التهجير القسري أو الإبادة الصامتة تحت غطاء الشرعية السياسية أو الأمر الواقع .
أنطلاقاً من هذه المخاوف الواقعية والملموسة ، فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع اليوم على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ، بضرورة الكف الفوري عن دعم الجولاني وميليشياته ، بل يجب ممارسة ضغط حقيقي وفعال لوقف هذه الانتهاكات الوحشية وإعلان مناطق الأقليات في سوريا مناطق حماية دولية تحت إشراف أممي مباشر وتوفير ضمانات أمنية حقيقية لسكانها .
كما أن الحل الجذري لا يكمن في إعادة تدوير الميليشيات ، بل في الشروع الجاد بتفكيك جميع التشكيلات المسلحة ذات الطابع الطائفي وطرد المقاتلين الأجانب ومحاكمة كل من ثبت تورطه في جرائم القتل .. الخطف .. السبي .. الاغتصاب والتهجير القسري واستعادة أموال وممتلكات ومنازل الأقليات كجزء من العدالة الانتقالية .
إن بناء سوريا المستقبل لا يمكن أن يتم فوق جماجم الأقليات ولا على أنقاض حقوقهم ، بل عبر دولة ذات سيادة ، يحكمها دستور عادل وبرلمان منتخب وحكومة تمثل جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء أو تمييز .
إن تجاهل خطر ما يجري اليوم لن يؤدي إلا إلى كارثة جديدة ، وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية ، فإن الأيزيديين في سوريا وشنكال سيبقون عالقين بين ذاكرة الإبادة وشبح تكرارها في زمن لا يرحم فيه الضعفاء ولا يحاسب فيه الجناة .

