تُعد حكاية الوجود الإيزيدي في عفرين (ئاف رين) وشمال حلب، حكاية شعب صاغ تاريخ المنطقة وبنى قلاعها، قبل أن تعصف به رياح السياسة والاضطهاد. ومن قلب هذا التاريخ تبرز عشيرة الهويرية الإيزيدية، التي تؤكد كافة المصادر والذاكرة الشفهية للأجداد أنها ليست مجرد عشيرة عابرة، بل هي الجذع الأصيل ومن سكان عفرين الأصليين الأوليين
إن الارتباط بين عشيرة الهويرية وعفرين وقلعة حلب وشيخمند باشا وقلعة “نبي هوري” في جبل الكورد ليس ارتباطاً اسمياً فحسب؛ بل هو ارتباط وجودي. فبينما يفسر المؤرخون اسم القلعة بالعودة للحوريين وهم الهوريين تؤكد الرواية الإيزيدية أنها “قلعة ئيزيدية” شيدها الهويريون في القرن الأول الميلادي تقديساً للقديسين (آديان وشمسان). لقد كان أجداد الهويرية حكاماً وقادة، ومنهم الشيخمند باشا والي قلعة حلب بحدود عام1240م او نحوذالك، ، وصولاً إلى احد أحفاده الزعيم علي جانبولاد باشا الذي أعلن إمارته في حلب وكلس عام 1606م.حتى عام 1610م عام مقتل زعيم الأيزيدية
ولم يكن عام 1610م مجرد تاريخ لمقتل قائد، بل كان بداية زلزال ديموغرافي. فبعد مقتل علي جانبولاد باشا وتشتت عائلته (الذين عُرفوا لاحقاً بالدروز في لبنان)، واجهت عشيرة الهويرية ضغوطاً وجودية هائلة.
بسبب الملاحقات العثمانية، اضطر مَن تبقى من الهويرية إلى ترك الاستقرار في القرى والقلاع والتحول إلى عشيرة رحالة (كوجرية). ظلوا لقرون يتنقلون كـ “كوجر” بين أراضي العراق وتركيا وسوريا، يطوفون بقطعانهم في جغرافيا واسعة هرباً من البطش، وإلى زمن قريب جداً، كانت الذاكرة الجمعية في المنطقة لا تزال تصنفهم كعشائر إيزيدية رحالة لا تستقر في مكان ثابت، بعد أن كانوا أسياد القصور والقلاع.
لماذا انحسرت وقل عدد الإيزيدية في عفرين؟ (خلاصة الأسباب التاريخية)بناءً على ما تقدم، يمكننا تلخيص العوامل التي أدت إلى تراجع الثقل الإيزيدي في جبل الكورد إلى ستة أسباب جوهرية:
حملات الإبادة العثمانية: خاصة بعد عام 1832، حيث أصبح الإيزيدي يتنكر لمعتقده خوفاً من التنكيل بعد مقتل الزعيم الكوردي والاجتماعي”بطال آغا كنج” في سوريا. ومقتل مير علي بك في العراق أمير أمارة شيخان
الضغط الديني والاجتماعي: النظرة الدونية من المحيط والضغوط النفسية والاقتصادية التي مورست تحت شعار “الإنقاذ من الكفر”.
التشتت القبلي وغياب القيادة: بعد انهيار زعامة آل جانبولاد، تشتت الإيزيديون في جبل الكورد وحلب بين عشائر (شكاك، دنا، خالتي، دوملي .والهويرية)، مما أفقدهم الرابطة السياسية الموحدة.
فقدان المرجعية الدينية والمراكز الدينية وعدم الاهتمام بالمعابد والمزارات في الجبل واعتمادهم على مشايخ أميين، مما أضعف الحصانة الفكرية للأتباع.
المسافة الشاسعة التي تفصل جبل الكورد عن المركز الروحي في لالش النوراني”شيخان” (العراق)، مما أدى لضعف التواصل الروحي.
النشاط المسلح للحركات المتطرفة في الثلاثينيات، والالتزامات المالية المرهقة التي كانت تفرضها الزعامات المحلية، مما دفع الفقراء لإعلان إسلامهم تهرباً من العبء المادي والتهديد الأمني.
كلمة للتاريخ
إن إعادة قراءة تاريخ عفرين من منظور إيزيدي، بعيداً عن المصادر الإبراهيمية التي حرفت الحقائق، هو حق مشروع لاستعادة الهوية. فقلعة حلب وقلعة”نبي هوري” وكهوف “جبل والمزارات عبدة الشمس والأرض ” تظل شواهد حية على أن الإيزيدية هي روح هذه الأرض، وأن شتات الهويرية (الكوجر) لم يكن إلا فصلاً من فصول الصمود في وجه المحو الثقافي.
وحاليا تعد منطقة “عفرين” أو كما تُعرف تاريخياً بـ “جبل الكورد”، واحدة من أكثر المناطق السورية غنىً بالتنوع الديني والثقافي. وبين طيات جبالها وسهولها، تمتد جذور الديانة الإيزيدية لقرون طويلة، حيث شكل أتباع هذه الديانة في زمن مضى عصب الحياة الاجتماعية في عشرات القرى. لكن، كيف تحولت هذه الأغلبية إلى أقلية؟ وما هي الظروف التي دفعت سكان “سهل جومه” و”جبل ليلون” لتغيير معتقداتهم المتوارثة؟ ذكرنا الأسباب أعلاه
حيث تشير الدراسات التاريخية إلى أن الإيزيديين كانوا يشكلون حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر غالبية السكان في جبل الكورد نحو خمسين قرية إيزيدية
يقول الباحث محمد عبدو علي في تحليله عن عفرين وسبب نقص عدد الإيزيدية بنقطة جوهرية؛ وهي أن الإيزيدية ديانة غير تبشيرية، فهي لا تقبل منتسبين جدد، وتعتمد في بقائها على التكاثر الطبيعي داخل المجتمع الإيزيدي حصراً. ومع غياب الغطاء السياسي الذي يحمي الديانات ويضمن تطورها، وجدت الإيزيدية نفسها في صراع بقاء غير متكافئ أمام عواصف التغيير السياسي والديني في المنطقة…ولكن تظل صورة المرأة الإيزيدية في قرية “باصوفان” عام 1905، والتي وثقها التاريخ، شاهدةً على حقبة كانت فيها الهوية الإيزيدية جزءاً لا يتجزأ من تضاريس جبل الكورد،

