Homeاراء. ​حكاية خلف خان علي: سلطان الجبل شنكال : سيروان سليم شرو

. ​حكاية خلف خان علي: سلطان الجبل شنكال : سيروان سليم شرو

​في الزمان البعيد، وتحديداً في تلك السنوات الممتدة بين 1760 و1795، كان جبل شنكال يزهو برجلٍ لم تلد النساء مثله في الهيبة والجاه، وهو خلف خان علي الهسكاني. لم يكن خلف خان مجرد رئيس لعشيرة “هسكان”، بل كان يحمل لقب الخان نسبة إلى جده الاعلى القائد في جيش “الإيلخانيين” وهو النسب الذي لا يزال فخره باقياً في فخذ “آلي خاني” بقرية ختارة الكبيرة. حيث يقال ان احد رجال الإيزيدية من قرية ختارة كان قائدا في جيش ابن هولاكو التحق بهم حتى يأخذ الثأر الإيزيدية من أبناء بدر الدين لؤلؤ..ولهذا لقب في علم الأنساب ب علي خان (آلي خاني)..ولقب أحفاده ب ئوجاغ علي خاني في ختارة إلى هذا اليوم….
​كان خلف خان علي في شنكال بمثابة الملك غير المتوج، يُلقب بـ “الخوندكار”، فبينما كان “جول بك” يدير شؤون إمارة شيخان، كان خلف خان علي هو صاحب الكلمة الفصل في أرض شنكال، يحيط به 1500 فارس من أشجع المقاتلين الذين يطوعون الصخر والحديد. سكن في منطقة “كلهي”، وكانت دياره مضافةً لا تغلق أبوابها، وصداقته مع أمير جزيرة بوتان “محمد بك” كانت حديث الركبان.
​وفي إحدى المرات، وقعت حادثة هزت أركان المجتمع الإيزيدي؛ فقد فُقد أثر “القوالين” وهم في طريقهم إلى شنكال ومعهم “الطاووس المقدس”. خيم الحزن والترقب، لكن ابنه الشجاع لم يرضَ بالهوان، فرسم خطةً داهية؛ ادعى الخلاف مع والده ولجأ إلى العشائر المجاورة من (هسنا وممان) مدعياً اعتناق الإسلام ليدخل قلوبهم. وهناك، وبذكاءٍ منقطع النظير، استدرجهم حتى اعترفوا بقتل القوالين وسرقة الخيول وإخفاء الطاووس. وبلمحة بصر، استرد الابن المقدسات والكرامة، ليعود إلى أبيه خلف خان ويثبت أن “الخان” لا تضيع في عهده الأمانات.
​وفي ذروة ذلك المجد، دخل على مضيف خلف خان علي شابٌ يدعى “رشو” ومعه حبيبته “خنس” بنت نعمت، كانا فارين بطلبهما للحب، فاستجار رشو ببيت الخان. وكعادة الكبار، بسط خلف خان رداء حمايته عليهما، فصار رشو “دخيلاً” في حمى الأسد الهسكاني.
​لكن رياح القدر لم تجرِ كما اشتهت السفن، ففي عام 1793، حلّ وباء “الطاعون” الأسود بشنكال كالصاعقة. تروي “غزالة”، زوجة حفيد ابن الخان التي نجت بأعجوبة، أنها سمعت في الرؤيا منادياً يقضي بفناء العشيرة بسبب كبرياء زوجة الخان التي كانت تقسو على الفقراء، بينما نجت غزالة لأنها أعطت خبز شعيرها لسائلٍ يئن من الجوع.
​في ثلاثة أيام فقط، صمت كل شيء في ديار الهسكان؛ فني الفرسان، وماتت خنس ورشو قبل أن يهنآ بوصال، ورحل خلف خان علي تاركاً خلفه قصصاً تُغنى في الميازين، وأطلالاً في شنكال تقف شامخة لتقول للزمان: “هنا كان يسكن الخوندكار الذي لم ينحنِ إلا للخالق”.
​ورغم الفناء، بقيت ذريته من “علي رشي” تحمل إرثه، وبقي اسمه محفوراً في ذاكرة الإيزيدية كرمز للشهامة والفروسية التي لا تموت بموت أصحابها.
​لم ترحل سيرة خلف خان علي بموت رجاله، بل بقيت تسكن في حناجر “شعراء الإيزيدية” والقوالين، الذين يعزفون على آلة الطنبور حكايات مجده بمرارة الفقد. ويقال إنه في جلسات الهادئة بشنكال، عندما تُذكر قصة فناء العشيرة ودخالة “رشو وخنس”، يُنشد الشعراء أبياتاً تحاكي تلك اللحظات التاريخية:

​يا جبل شنكال.. خَبِّر عن ديار الخان
عن ألف وخمسمية خَيّال.. هدّوا أركان الزمان
خلف خان علي.. يا سيفٍ بالمراجل زان
يوم استرد “الطاووس”.. وردّ الحق لـ “إيزيدخان”

​وحين يقفون على أطلال منطقة “كلهي”، يتذكرون “غزالة” وهي تنظر إلى الديار الخالية بعد الوباء، فتردد بلسانٍ حالٍ حزين:
​يا دار وين أهلك؟ وين الصهيل والجاه؟
وين “خلف” الـ بكلمته.. يرتجف من كان عاداه؟
بقت بس الذكرى.. وقصصٍ بالقلب محفورة
يا “آلي خاني”.. يا عزٍ دوم منصورة
​بهذه الكلمات، تظل قصة خلف خان علي ليست مجرد سطور في كتاب، بل هي هوية وتاريخ ينبض في عروق أحفاده من فخذ “آلي خاني” في ختارة، وفي قلوب عشيرة هسكان وكل من يعشق تراب شنكال الشامخ.
. بقلم سيروان سليم شرو

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular