Homeاراءالإمارة الإيزيدية بين الوراثة والكفاءة: قراءة في تجربة السنوات الست الماضية :...

الإمارة الإيزيدية بين الوراثة والكفاءة: قراءة في تجربة السنوات الست الماضية : سرحان عيسى

 

بعد وفاة الأمير الراحل تحسين بك، أمير الإيزيديين في العالم، في 28 يناير/كانون الثاني 2019، دخل المجتمع الإيزيدي مرحلة حساسة من الجدل حول مسألة الخلافة في الإمارة. فقد كان الأمير الراحل شخصية تحظى باحترام واسع داخل المجتمع الإيزيدي وخارجه، وقد جمعتني به علاقة طيبة لسنوات طويلة، وكان يُنظر إليه بوصفه رمزاً لوحدة الإيزيديين وصوتهم في المحافل المختلفة.

عقب وفاته، برزت إلى العلن مشكلة اختيار من سيخلفه في هذا المنصب الرمزي والدنيوي المهم. يومها كتب العديد من الكُتّاب والمثقفين حول هذا الموضوع، وطرحت آراء متعددة بشأن آلية اختيار الأمير الجديد. وبالنظر إلى التحديات الكبيرة التي كان يواجهها المجتمع الإيزيدي آنذاك، وخاصة بعد المآسي التي تعرض لها في شنكال وما تبعها من تداعيات إنسانية وسياسية، كنت من بين الذين رأوا ضرورة الإسراع في إيجاد حل لمسألة الإمارة حفاظاً على وحدة المجتمع واستقراره. ولهذا السبب لم أكن معارضاً “لتعيين ” نجله حازم تحسين بك أميراً للإيزيديين.

لكن بعد مرور ستة أعوام على توليه الإمارة، يبدو أن التجربة تستحق وقفة تقييم صريحة ومسؤولة. فالمؤشرات على أرض الواقع تُظهر أن الأمير حازم تحسين بك لم ينجح في قيادة المجتمع الإيزيدي بالشكل الذي كانت تتطلبه المرحلة، كما لم يتمكن المجلس الروحاني من لعب الدور المنتظر منه في تنظيم شؤون المجتمع ومعالجة قضاياه المتراكمة.

إن منصب الأمير ليس مجرد لقب وراثي أو منصب بروتوكولي، بل هو موقع قيادي يتطلب شخصية تمتلك حضوراً قوياً وخبرة دبلوماسية وثقافية، وقدرة على التواصل مع المجتمع الإيزيدي بمختلف فئاته، فضلاً عن تمثيله أمام العالم. ومن المؤسف القول إن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت ضعفاً واضحاً في هذه الجوانب. فالأمير الحالي لم يتمكن من فرض حضوره القيادي أو تعزيز مكانة الإمارة بما ينسجم مع التحديات التي يواجهها الإيزيديون اليوم، كما أن محدودية التواصل اللغوي والثقافي مع المجتمع الإيزيدي ومحيطه تمثل عقبة إضافية أمام أداء هذا الدور.

كما أن من الضروري معالجة مسألة التسمية الرسمية للمناصب الدينية والدنيوية داخل المجتمع الإيزيدي، لما لها من أهمية في توضيح الأدوار والمرجعيات. فالأمير هو في جوهره منصب دنيوي يمثل القيادة الاجتماعية والدنيوية للإيزيديين، ولذلك فإن صفته الرسمية ينبغي أن تكون “أمير الإيزيديين في العالم”، وليس أمير الإيزيديين في العراق والعالم و رئيس المجلس الروحاني . أما المرجعية الدينية العليا ورئاسة المجلس الروحاني، فهي من اختصاص البابا شيخ الذي يمثل القيادة الروحية والدينية للمجتمع الإيزيدي. إن توضيح هذا الفصل بين الدورين الدنيوي والروحي من شأنه أن يرسخ نظاماً أكثر وضوحاً وتنظيماً داخل المؤسسة الدينية والاجتماعية للإيزيديين.

إن المجتمع الإيزيدي يمر اليوم بمرحلة تاريخية دقيقة تتطلب قيادة واعية وقادرة على التعامل مع الملفات السياسية والإنسانية والثقافية المعقدة، سواء داخل العراق أو في المهجر حيث يعيش جزء كبير من الإيزيديين. ولذلك فإن مسألة الإمارة والمجلس الروحاني ينبغي أن تُناقش بجدية ومسؤولية بعيداً عن المجاملات أو الاعتبارات الضيقة.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الوقت قد حان لفتح نقاش جدي حول آلية اختيار أمير جديد للإيزيديين، يكون قادراً على تمثيل هذا المجتمع العريق بما يستحقه من مكانة واحترام. أمير يتمتع بثقافة واسعة ومعرفة دينية واجتماعية، ويملك خبرة سياسية ودبلوماسية، ويجيد أكثر من لغة تمكنه من التواصل مع أبناء المجتمع الإيزيدي في الداخل والخارج، وكذلك مع المؤسسات الدولية والحكومات المعنية بقضاياهم.

كما أن مسألة الإقامة أو الانتماء الجغرافي لا ينبغي أن تكون شرطاً حاسماً في هذا الاختيار. فليس من الضروري أن يكون الأمير مقيماً في شيخان أو حتى في العراق، بقدر ما يجب أن يكون شخصية قادرة على خدمة المجتمع الإيزيدي أينما كان، وأن يحظى بقبول واسع بين أبنائه.

إن الإمارة الإيزيدية مؤسسة تاريخية عريقة، والحفاظ على مكانتها يتطلب مراجعة جادة وشجاعة للتجربة الحالية، بهدف الوصول إلى قيادة قادرة على توحيد الصف الإيزيدي وتمثيل قضاياه بصورة تليق بتاريخه وتضحياته.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular