رغم الظروف الجيوسياسية الصعبة والمعقدة التي تمر بها المنطقة والصراعات المسلحة الداخلية في سوريا وانعكاساتها على العراق وفي الوقت نفسه الصراع الأمريكي – الصهيوني ضد إيران وتأثيراته المباشرة في الأحداث الأمنية والسياسية والاقتصادية في العراق بالدرجة الأولى وعلى المنطقة عموماً .
نجد أنه في كل دورة أنتخابية جديدة في العراق ومع كل حديث عن تشكيل حكومة في بغداد أو أربيل ، يتجدد الخطاب ذاته عن دولة مؤسسات قادمة وعدالة تلوح في الأفق .
غير أن الواقع ، بعد أكثر من عقد على الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديين ، ما زال يثبت أن هذه الوعود لم تتجاوز حدود الخطاب السياسي .
فالواقع يؤكد بوضوح أن الأيزيديين ما زالوا خارج الحسابات الفعلية للسلطة وخارج مفهوم الشراكة الوطنية وكأن المأساة التي ألمت بهم لم تكن كافية لفرض الاعتراف بحقوقهم أو لضمان حضورهم كمواطنين كاملي الأهلية في دولة يفترض أنها لجميع أبنائها .
إن ما يتعرض له الأيزيديين في العراق لا يمكن أختزاله في مجرد تهميش عابر أو خلل إداري مؤقت ، بل هو نمط واضح من الإقصاء السياسي تشترك في صناعته الحكومتان في بغداد و أربيل وإن اختلفت الأدوات والخطابات .
النتيجة في الحالتين واحدة .
شعب منكوب يحرم من أبسط حقوق المواطنة ، رغم أنه دفع ثمناً دموياً في مواجهة الإرهاب وفي ظل غياب الدولة.
في بغداد ، غالباً ما تختزل قضية الأيزيديين في بيانات رسمية ووعود موسمية ، بينما سنجار على الأرض بلا مؤسسات دولة حقيقية وبلا إدارة محلية وبلا إعمار جاد يعيد الحياة إلى مدنها وقراه ا.
وبعد أكثر من أحد عشر عاماً على الإبادة ، ما زال عشرات الآلاف من الأيزيديين يعيشون في مخيمات النزوح وكأن العودة إلى ديارهم مؤجلة إلى أجل غير معلوم .
هذا الواقع لا يعكس فقط فشلاً في إعادة الإعمار ، بل يكشف أيضاً عجزاً سياسياً وأخلاقياً في إنصاف الضحايا واستعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها .
أما في إقليم كردستان ، فيتخذ الإقصاء شكلاً أكثر تعقيداً وازدواجية ، فمن جهة يرفع شعار أن الأيزيديين أصل من الشعب الكرد ومن جهة أخرى تستمر سياسات التمييز في مجالات التوظيف والإدارة وصناعة القرار .
فالأيزيدي يستدعى في مواسم الانتخابات بوصفه رقماً انتخابياً ويستحضر في الخطاب السياسي بوصفه دليلاً على التعددية ، لكنه يغيب عندما يتعلق الأمر بالمناصب المؤثرة أو بصناعة القرار الحقيقي . عندها تظهر تبريرات ثقافية أو دينية غير معلنة تعيد إنتاج النظرة القديمة التي ترى في الأيزيدي « آخر » غير مؤهل لتولي المسؤولية .
هكذا يعامل الأيزيديين في الإقليم كمواطنين عند الحاجة وكغرباء عند تقاسم السلطة .
أحياناً تمنح لبعض الشخصيات الأيزيدية الموالية لأحزاب السلطة مناصب رمزية محدودة الصلاحيات لتجميل المشهد السياسي ، بينما يستمر الإقصاء الفعلي بعيداً عن الأضواء .
نحن لا نطالب برئاسة برلمان العراق ولا بمنصب نائب رئيس وزراء ولا برئاسة القضاء ولا بمنصب محافظ ، فهذه المواقع أُقصينا عنها تاريخياً بقوة الأمر الواقع وبذهنية دينية وقومية لم تعترف يوماً بالأيزيدي كشريك كامل .
في الوقت نفسه تمر غالباً خطابات الكراهية والتشكيك بأهلية الأيزيديين كمواطنين وبأهليتهم السياسية من دون مساءلة حقيقية أو موقف رسمي واضح .
في المقابل ، فإن ما يطالب به الأيزيديين اليوم لا يتجاوز حدود الحقوق الأساسية لأي مواطن .
هم لا يسعون إلى أمتيازات سياسية إستثنائية ولا يطالبون بالقفز إلى مواقع السلطة العليا ، بل يطالبون بما ينبغي أن يكون بديهياً في أي نظام سياسي عادل ، من فرص عمل حقيقية ومشاركة فعلية في الإدارة وتمكين مؤسسي يتيح لهم خدمة مناطقهم المنكوبة وتأمين الحد الأدنى من الأمن والكرامة لأبنائهم .
لقد حمل أبناء الشعب الأيزيدي السلاح مكرهين دفاعاً عن وجودهم وعن ما تبقى من مجتمعهم ، في مواجهة إرهاب تنظيم داعش ، بعد أن تخلى عنهم الجميع وتركوا دون حماية أو دعم حقيقي .
وجدوا أنفسهم أمام خيار وحيد هو الدفاع عن حياتهم وكرامتهم وأرضهم بأيديهم .
واليوم ورغم أن المخاطر التي تهددهم لم تنته بعد ورغم أستمرار التهديدات الأمنية وانتشار الجماعات المتطرفة وغياب ضمانات الحماية الحقيقية ، تمارس على الأيزيديين ضغوط سياسية وأمنية كبيرة لنزع سلاحهم وتجريدهم من وسائل الدفاع عن النفس .
وهو ما يجعلهم مرة أخرى عرضة للخطر ويضعهم في موقع الضعف أمام أي اعتداء محتمل أو مشروع إبادة جماعية جديدة .
إن مطالبة الأيزيديين بالتخلي عن سلاحهم في ظل غياب الحماية الدولية الفعلية وفشل السلطات المحلية في توفير الأمن والاستقرار ، تعني عملياً ترك هذا الشعب الأعزل مرة أخرى أمام المصير ذاته الذي واجهه عام 2014 عندما تعرض لواحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث .
فالسلاح الذي حمله الأيزيديين لم يكن خياراً سياسياً ولا سعياً للسلطة أو النفوذ ، بل كان ضرورة وجودية فرضتها عليهم ظروف القتل والتهجير والسبي .
لذلك فإن نزع هذا السلاح دون توفير ضمانات حقيقية وموثوقة لحمايتهم لا يعني سوى تحويل ما تبقى من هذا الشعب إلى هدف سهل لأي قوة متطرفة تسعى إلى تكرار جرائم الماضي .
إن استمرار بغداد وأربيل في إدارة الملف الأيزيدي بهذه الطريقة وبهذا القدر من الاستهزاء والاستخفاف والإهمال ، دون وضع مصلحة المواطن الأيزيدي في صدارة أولوياتها ، لا يمكن تفسيره فقط باعتباره تقصيراً سياسياً ، بل يبدو أقرب إلى شراكة صامتة في تكريس نتائج الإبادة وتحويلها من جريمة ارتكبها تنظيم إرهابي إلى واقع دائم تعمقه السياسات الرسمية والإهمال المستمر .
لقد سئم الأيزيديين الوعود المؤجلة والخطابات الإنشائية وأي حكومة عراقية قادمة لا تضع أمنهم وحقوقهم ومشاركتهم الحقيقية في صلب برنامجها السياسي لن تكون حكومة إصلاح أو إعادة بناء ، بل ستكون امتداداً لمرحلة فشل طويلة ما زال ضحاياها ينتظرون العدالة .

