Homeاراءنور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية : خالد الياس رفو

نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية : خالد الياس رفو

منذ فجر التاريخ حيث نهضت حضارات بلاد ألرافدين على ضفاف دجلة والفرات ، لم تكن الشمس مجرد جرم يشرق ويغيب بل كانت المعنى الأول للنور والحق والعدالة ، كانت حضوراً الهياً يلامس وجدان الأنسان ويشكل علاقته بالخالق والكون ومع هذا النور تشكلت أقدم العقائد التي رأت في الضوء لغة السماء وفي الشروق وعداً ازلياً بالحياة .

في مدينة ” سيبار ” أرتفع معبد ( إي – بابار / E – babbar ) بيتاً للنور ومحراباً للشمس حيث تجلت فكرة الإله الذي يرى كل شيء ويقيم العدل بين البشر لم يكن هذا المعبد بناء من طين وحجر بل كان تعبيراً عن عقيدة راسخة سبقت الملوك والامبراطوريات عقيدة ترى في الشمس نور الله وفي ضيائها حضوراً دائما للحقيقة .

وحين جاء الملك ” نارام سين ” لم يكن مؤسساً لهذا الايمان بل وارثاً له وحاملاً لسره ، لقد وقف في محراب الشمس لا كحاكم متجبر بل كخادم للنور يستمد شرعيته من ضيائه ويطلب النصر من عدالته ويؤكد في نقوشه ان السلطة الحقة ليست سلطة السيف بل سلطة الحق المنبثق من النور .

إن فعل الترميم الذي قام به في معبد ” سيبار ” لم يكن مجرد عمل معماري بل شهادة تاريخية عميقة على قدم هذه العقيدة فالترميم لا يكون ألا لشيء قائم في وجدان الناس راسخ في ذاكرتهم الجمعية وهذا يعني أن الأيمان بالشمس كنور ألاهي كان سابق الوجود لأكد وسومر ممتداً في جذور الزمن الأول .

وفي نصوصه التي يخاطب فيها الإله شمش يظهر جوهر العلاقة بين الأنسان والنور علاقة قائمة على الخضوع للحق والسعي للعدل والخوف من أن يحجب الضوء عن من ينحرف عن طريقه فالنور هنا ليس ظاهرة طبيعية بل ميزان كوني يهب الحياة ويمنح الشرعية ويكشف الحقيقة .

هذا المعنى العميق لم ينقطع عبر الزمن بل ظل حيا في الديانة الأيزيدية حيث بقيت الشمس قبلة الروح وأتجاه الدعاء ومصدر القسم الأقدس حين يتوجه الأيزيدي نحو الشروق او الغروب فهو لا يعبد جرماً في السماء بل يستحضر نور الله كما فهمه أسلافه الأوائل نوراً لا يحد بكلمات ولا يحتويه كتاب بل يتجلى كل يوم امام العيون .

في الأيزيدية لا يكون الوحي نصاً مكتوباً بل تجربة حية مع النور الشمس كتاب مفتوح يقرأه الجميع دون وسيط وهي ذات الفكرة التي جعلت ملوك الماضي يرون أنفسهم خدماً لمحراب الشمس لا أصحاب سلطة مطلقة فالحقيقة لا تكتب بل تشرق .

كما أن مفهوم الأولياء ” الخاسين ” في الأيزيدية ومنهم شيشمس يعكس أستمرارية هذا التراث الروحي حيث تتجسد البركة والخير في علاقة مباشرة مع النور في أمتداد واضح لفكرة أحباب الشمس ” أبناء الشمس ” الذين ورد ذكرهم في النصوص الرافدينية القديمة .

ان التلاقي بين دعاء الفجر في الأيزيدية وطقوس الشروق في المعابد القديمة ليس صدفة تاريخية بل هو أستمرارية روحية عميقة تؤكد ان الأنسان في هذه الجغرافيا لم يقطع صلته الأولى بالنور بل حافظ عليها عبر العصور رغم تغير الدول وسقوط الامبراطوريات .

لقد كانت الشمس في الفكر الرافديني تجلياً لعدالة الإله وليست الإله الأعظم ذاته وهذا الفهم ذاته يتردد في فلسفة ونهج العقيدة الأيزيدية ، حيث يبقى النور دليلاً على الخالق لا بديلاً عنه وهذا التوازن بين الرمز والحقيقة هو ما منح هذه العقيدة قدرتها على البقاء .

من سومر وأكد الى آشور ومن معابد سيبار الى مزارات الأيزيدية اليوم تمتد سلسلة خفية من الأيمان بالنور سلسلة لم تنكسر بل تغيرت أشكالها وبقي جوهرها حياً في القلوب .

وهكذا لا تبدو الأيزيدية كعقيدة منفصلة عن الماضي بل كأمتداد حي لذاكرة روحية عميقة جذورها ضاربة في أقدم طبقات التاريخ حيث كان الأنسان يقف أمام الشمس لا ليعبدها بل ليرى فيها انعكاساً لنور الله الحقيقة الأزلية التي لا تنطفئ .

المقال مستوحي من دراسة عن معبد سيبار او معبد شمش (E-babbar) مركز عبادة الله
دراسة في الجذور الرافدينية للديانة الأيزيدية
قدمها الاستاذ سيروان سليم

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

Most Popular