حين تتكلم الذاكرة
حين نتوغل في عمق التاريخ الرافديني ، حيث تبلورت البدايات الأولى للوعي الإنساني على ضفاف دجلة والفرات ، تنكشف أمامنا حضارات لم تكن مجرد تجمعات بشرية ، بل منظومات فكرية وروحية متكاملة صاغت رؤية كونية شاملة للوجود والزمان والطبيعة
لقد أسست تلك الحضارات لعلاقة دقيقة بين الانسان والكون ، تقوم على التوازن والأنسجام مع العناصر الكونية ، وتستند إلى رمزية عميقة تمزج بين الأسطورة والمعرفة والتجربة الروحية
وفي سياق هذا الأمتداد التاريخي العريق ، تبرز الأعياد والطقوس الدينية للعقيدة الأيزيدية بوصفها تعبيراً حياً عن ذاكرة حضارية متجذرة في اعماق الزمن ، لا باعتبارها مجرد مناسبات دينية عابرة ، بل كأستمرار عضوي لرؤية كونية قديمة حافظت على حضورها عبر القرون
حين يحتفل الأيزيديين بعيد راس السنة ” سر سال او جارشمبا نيساني ” فانهم لا يستقبلون زمنا جديدا فحسب ، بل يستحضرون لحظة الخلق الأول وتجدد الحياة في دورة كونية مستمرة ، حيث يتجلى الزمن بوصفه حركة دائرية لا خطية وهو تصور كان سائداً في حضارات سومر و أكد و بابل و أشور
تظهر في هذا العيد طقوس ذات دلالات رمزية عميقة ، مثل تلوين البيض الذي يعبر عن نشاة الكون وتعدد اشكاله ، وتعليق الزهور الحمراء ” شقائق النعمان ” على الأبواب بوصفها رمزاً للخصب وتجدد الحياة وهي ممارسات تجد لها نظائر واضحة في الطقوس الزراعية الرافدينية التي ارتبطت بدورات الطبيعة ومواسم الانبعاث
عند الأنتقال الى عيد الصوم المعروف ب ” صوم أيزي أو روزيت ايزي ” تتجلى أمامنا أبعاد روحية وفلسفية تتجاوز الامتناع الجسدي عن الطعام ، ليغدو الصوم ممارسة واعية تهدف الى التطهر الداخلي واعادة التوازن بين الجسد والروح وهو في جوهره أمتداد لطقوس الزهد والأنضباط التي عرفتها المعابد الرافدينية ، حيث كان الانسان يسعى عبر التقشف والعبادة الى تحقيق الانسجام مع ذاته ومع القوى العليا ، كما ان أشعال القناديل والسرج الزيتية في هذه المناسبة يعكس رمزية النور بوصفه تجلياً للحقيقة الالهية وهي رمزية مركزية في الطقوس الرافدينية التي أولت للنور مكانة أساسية في فهم النظام الكوني
اذا ما تعمقنا في دلالة الأعياد الموسمية ، مثل عيد مربعانية الصيف ” جلي هافيني ” وعيد مربعانية الشتاء ” جلي زفزتاني ” تكشف هذه المناسبات عن علاقة عضوية متجذرة بين الإنسان والطبيعة فهي ليست مجرد محطات زمنية ، بل تعبير عن وعي تاريخي بايقاع الكون ودوراته ، حيث يتماهى الأنسان مع تحولات الفصول ويعيد أنتاج أنسجامه مع قوانين الطبيعة ، هذا التصور يجد جذوره بوضوح في الفكر الرافديني الذي قدس الطبيعة وعدها تجليا مباشراً للقوى الكونية وجعل من تعاقب الفصول حدثاً ذا بعد مقدس يعاد فيه تنظيم العلاقة بين الإنسان والارض والسماء
كما تعكس طقوس زيارة المزارات المقدسة والاغتسال بالمياه الجارية رمزية التطهير والتجدد وهي طقوس معروفة في تقاليد بلاد الرافدين التي نظرت الى الماء بوصفه أصل الحياة ومصدراً للنقاء الروحي ، في هذا السياق تتكامل عناصر الطبيعة الاربعة ” النار و الماء و الهواء و التراب بوصفها اساساً لبنية رمزية وفلسفية مشتركة بين الممارسات الأيزيدية والرؤية الكونية الرافدينية
لايمكن أغفال الرموز الحاضرة في الطقوس والاحتفالات ، مثل الشمس والقمر والنجوم والافعى والاناء المتدفق منه الماء ، حيث تحمل هذه الرموز دلالات عميقة تعود الى تلك الجذور الأولى التي منحت لكل فعل طقسي معنى يتجاوز ظاهره ليصل الى جوهر الوجود ويبرز كذلك تقديس ” الشمس ” من خلال التوجه نحوها في أوقات معينة أثناء الدعاء وهو ما يجد صداه في الرمزية الشمسية الرافدينية المرتبطة بالنور والحياة والنظام الكوني
عليه ، فان الأعياد والطقوس الدينية الأيزيدية لا يمكن قراءتها بوصفها أستمراراً تقليدياً فحسب ، بل باعتبارها أمتداداً حضارياً وروحياً عميقاً يتقاطع في بنيته مع طقوس وأساطير بلاد الرافدين ، هذا الأمتداد لا يقوم على تشابهات سطحية ، بل على وحدة في الرؤية الكونية وفي فهم العلاقة بين الإنسان والمقدس وبين الزمن والوجود
من خلال هذا المنظور ، تتجلى ” الهوية الأيزيدية ” بوصفها حاملة لذاكرة حضارية عريقة لم تنقطع رغم محاولات الطمس والاقصاء ، حيث حافظت هذه الجماعة على منظومتها الرمزية والروحية لتبقى شاهداً حياًِ على أستمرارية حضارات لم يبق منها سوى أصداء في الذاكرة الانسانية
ان الربط بين الطقوس الأيزيدية وحضارات بلاد الرافدين ليس طرحاً عاطفياً او إدعاء هوياتياً ، بل قراءة تحليلية تستند الى تقاطعات عميقة في البنية العقائدية والفكرية والرمزية وهو ما يفتح افقاً واسعاً مستقبلاً أمام دراسات أكاديمية معمقة تكشف عن خيوط الأستمرارية بين الماضي السحيق والحاضر الحي
في النهاية ، يبقى العيد الأيزيدي لحظة تتجاوز حدود الزمن ، حيث يلتقي الماضي بالحاضر وتستعاد ذاكرة الارض والإنسان في فعل أحتفالي يعيد تعريف الوجود بوصفه مساراً متجدداً من البحث عن المعنى والأنسجام مع الكون

