Homeاراءمن الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية : خالد الياس رفو

من الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية : خالد الياس رفو

تابعت منذ فترة مسلسلاً تركياً بعنوان Kara Ağaç وقد دبلج إلى اللغة الكرمانجية بعنوان Dara Reş
تتمحور أحداثه حول صراعاً أزلياً بين الحق والباطل ، بين الخير والشر .. بين النور والظلام .. بين العقل والنفس .. بين الحقيقة والتزييف .. وبين الواقع والإنكار .. ومنها نستلهم هذه الحكاية

قصة من الخيال يحكى فيها …

عند تخوم جبل عتيق ، يشبه الذاكرة في صلابتها وقد نحتت في جنباته ذكريات عصور جبارة مضت ، قامت قرية لا ترى على خرائط الملوك ولا تذكر في سجلات المغتصبين ، كانت هناك قرية تعيش في ظل شجرة عظيمة ، جذورها ضاربة في عمق الأرض ، أقدم من الأسماء وأصدق من الروايات ، كان أهلها يقولون همساً
“ما دامت الشجرة واقفة فلن نهزم ولن نمحى أبداً ”

لم تكن الشجرة تثمر ولا تزين عروشاً ولا تمنح ذهباً ، لذلك تجاهلها الكتاب ، ومر بها المؤرخون كما يمر على صمت الذي لا يجيد الصراخ ، غير أنها كانت تعرف أهل القرية جميعاً ، تحفظ خطى أبنائها .. تحصي خطوات الأطفال .. تعد دموع الأمهات وتنصت لصلوات صادقة تنبع من أعماق القلوب

مرت على القرية قرون ثقيلة وتعاقب عليها الغزاة بأسماء شتى
مرة باسم الدين ومرة باسم الدولة ومرة باسم القانون ، في كل مرة كانوا يقطعون أغصاناً من الشجرة ويقولون ببرود
( أنتم طارئون ولا أصل لكم هنا )
وحين كان أهل القرية يشيرون إلى جذورهم ، كانت الإجابة دائماً
هذه أقوال لا يعترف بها أحد

حتى جاءت الليلة التي انطفأت فيها كل شيء ، أُحرقت البيوت .. تكسرت الدعوات في الحناجر .. سبيت النساء ، وتبعثر الأطفال كأسماء سقطت من الذاكرة ، صرخت الأرض ، لكن العالم اكتفى بالاستماع ، ثم دون المأساة واعترف بها وأغلق الصفحة

قالوا إن الشجرة ماتت ، وقالوا إن القرية انتهت وإن شعبها لم يبق منه أحد ، غير أن ما لم يدركوه أن الشجرة لم تمت ، بل تحولت إلى رماد حي ، دخل الرماد في صدور الناجين وفي عيون الأمهات التي لم تجف من الدموع وفي صمت الآباء الذي كان أثقل من الكلام وفي قلوب الأطفال الذين كبروا قبل أن يتعلموا اللعب

مرت السنوات .. وعاد من يسأل ببرود أشد قسوة من السكاكين لماذا لا تنسون .؟ ولماذا لا تمضون قدماً .؟
لم يفهموا أن من احترق لا ينسى النار وأن من أُنكر وجوده لا يملك ترف النسيان

وفي صباح خجول ، لاحظ العابرون أمراً لم يكن في الحسبان غصن أخضر صغير يشق الرماد ، لم يكن عالياً ولم يكن قوياً ، غير أن فيه عناد الجذور وصدق البقاء
ضحك أحدهم وقال ” غصن ضعيف ، لن يصمد ”
لكن الأرض التي لم تنس همست ” هذا الغصن ابن الشجرة التي حاولتم محوها ، لم تمت ، لأن جذورها مغروسة في أعماقي ”

وبقي الغصن ، لا لأن العالم أنصفه ولا لأن العدالة حضرت ، بل لأن الذاكرة قررت ألا تموت ولأن الرماد حين يكون حياً يعرف كيف ينبت الحياة من قلب الخراب

ولنا من هذه القصة عبرة ومعنى …

لا يمكن أن نمر على هذه الحكاية وكأنها مجرد رمزية عابرة ، بل هي مرآة لتاريخ كامل جرى التعامل معه طويلاً بوصفه هامشاً أو سطراً صغيراً أسفل صفحات الحضارات الكبرى

الجبل العتيق ليس مجرد مكان ، بل هو تاريخ حضارات من بلاد الرافدين ، ذلك الامتداد الزمني الذي سبق الدول والخرائط وحمل في طبقاته الأولى معنى الوجود الإنساني قبل أن يتحول التاريخ إلى أداة للسلطة

أما الشجرة فهي أيزيدخان .. الهوية الوجودية للأيزيديين ، ليست كياناً سياسياً طارئاً ولا نتاج ظرف عابر ، بل كينونة ضاربة في عمق الجغرافيا والذاكرة ، جذورها هي عمق التاريخ الأيزيدي ذلك التاريخ الذي حاول كثيرون اقتلاعه ، لا لضعفه بل لأنه عصي على التذويب وصادق في انتمائه ومقاوم بطبيعته

وأهل القرية هم الشعب الأيزيدي ” أبناء الشمس ” أولئك الذين لم يطلبوا اعترافاً من محتل ولم يتنازلوا لغاز ولم يرموا سيوفهم ، لكنهم دفعوا ثمناً باهظاً لبقائهم كما هم

شعب عاش قروناً من الإبادة المتكررة ، حيث لم تكن الأغصان التي قطعت سوى حملات منظمة لمحو الهوية ، مرة باسم التكفير ومرة باسم التصحيح ، ومرة باسم القانون ومرة باسم الدين

وحين أُحرقت الشجرة بالكامل ، لم يكن ذلك مجرد عنف عابر ، بل تجسيداً لإحدى أبشع الجرائم في العصر الحديث “الإبادة الجماعية” التي تعرض لها الأيزيديين على يد تنظيم داعش الإرهابي لم تكن حدثاً منفصلاً ، بل ذروة مسار طويل من نزع الإنسانية والتطبيع مع فكرة الفناء

سبيت النساء لأنهن أيزيديات ، وقتل الرجال لأنهم رفضوا الخضوع وخطف الأطفال لأن المستقبل كان مستهدفاً بقدر الماضي ، ما جرى لم يكن صراعاً ، بل جريمة مكتملة الأركان شهد عليها العالم بالصوت والصورة

دونت الإبادة وتم الاعتراف بها ، لكن الاعتراف حين لا يتبعه التزام يتحول إلى شكل آخر من أشكال العنف ، فإغلاق صفحة القضية الأيزيدية كما فعلت دول الغرب وأوروبا لم يكن فعلاً بريئاً ، بل تنصلاً صريحاً من المسؤولية القانونية والأخلاقية في ضمان الحماية وتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا ومنع تكرار الجريمة

البعض يطلب من الأيزيدي اليوم أن ينسى ، أن يتجاوز وأن يتكيف وكأن الذاكرة عبء وليست حق ، لكن من احترق لا يملك رفاهية النسيان ومن نفي وجوده لا يستطيع أن يتصالح مع من تعمد محوه

والغصن الأخضر الذي خرج من الرماد ليس رمزاً للشفاء السريع ولا للوهم ، بل هو تعبير عن التمسك وعناد البقاء ، هو الجيل الأيزيدي الذي نجا لكنه لم ينس ، جيل يدرك أن العدالة لم تكتمل وأن الاعتراف لم يتحول إلى فعل وأن الخطر ما زال قائماً ما دامت الجذور مستهدفة

بقاء هذا الغصن لا يعني نهاية المأساة ، بل بداية سؤال سياسي وأخلاقي مفتوح
هل يسمح للأيزيديين أن يكونوا أصحاب هوية وأرض وذاكرة وحق .؟
أم يطلب منهم فقط أن يكونوا ضحايا صالحين للصمت .؟

الذاكرة هنا ليست عائقاً أمام المستقبل ، بل شرطاً له ، فالرماد حين يكون حياً لا ينتج الموت ، بل يفضح الجريمة ويعيد تعريف معنى العدالة ويذكر العالم بأن الشعوب التي حاولوا محوها لم ولن تموت ، بل تنتظر لحظة الحقيقة

وشجرتنا ” أيزيدخان ” لم ولن تموت ، ستبقى حية في قلوبنا وتعيش في ضمائرنا إلى الأبد ، ما دام هناك أيزيدي حي على وجه الارض .

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular