Homeاراءبين التخوين والعمل السياسي: كيف نكسب معركة الحقوق ؟ : سرحان عيسى

بين التخوين والعمل السياسي: كيف نكسب معركة الحقوق ؟ : سرحان عيسى

 

في ظل التحديات المركّبة التي يواجهها المجتمع الإيزيدي، لا سيما في العراق وسوريا، لم يعد النقاش السياسي ترفًا، بل ضرورة مصيرية ترتبط مباشرة بقدرة هذا المكوّن على استعادة حقوقه وتعزيز حضوره محليًا ودوليًا. وبين تعدد الرؤى وتباين المواقف، تبرز حاجة ملحّة لإعادة تعريف أولويات المرحلة: هل نُدير خلافاتنا بطريقة تُضعفنا، أم نحوّلها إلى مصدر قوة ضمن إطار سياسي ناضج؟
إن الجدل الدائر حول تحركات النائب مراد إسماعيل لا يمكن اختزاله في موقف تأييد أو رفض لشخصه، بل يجب أن يُفهم في سياق أوسع يتعلق بطبيعة العمل السياسي المطلوب اليوم لخدمة القضية الإيزيدية. فالمسألة الجوهرية ليست “من نؤيد؟” بل “كيف نبني فعلًا سياسيًا قادرًا على تحقيق نتائج؟”.
العمل السياسي، بطبيعته، لا يقوم على العزلة أو القطيعة، بل على القدرة على التواصل، التفاوض، وبناء مساحات مشتركة—even مع أطراف نختلف معها. وفي بيئة معقدة كالعراق، حيث تتداخل المصالح والسلطات، يصبح الانفتاح المدروس ضرورة لا خيارًا. إن أي جهد يسعى لفتح قنوات تواصل مع مراكز القرار يجب أن يُقيّم من زاوية نتائجه المحتملة على حياة الناس، لا من منطلقات عاطفية أو ردود فعل آنية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءًا من الاعتراضات على هذا النوع من الانفتاح يستند إلى ذاكرة جماعية مثقلة بالألم، خاصة ما يتعلق بأحداث 2014. هذه المخاوف مشروعة، وتشكل عنصرًا أساسيًا في الوعي الإيزيدي المعاصر. لكن تحويل هذه الذاكرة إلى أداة لتعطيل أي حراك سياسي قد يؤدي، من حيث لا نقصد، إلى تكريس العزلة بدل تجاوزها.
إن معركة الحقوق لا تُخاض بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى أدوات واضحة: تمثيل سياسي فعّال، حضور في مؤسسات الدولة، علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، ومسار قانوني يضمن المحاسبة والعدالة. وبدون هذه الأدوات، تبقى المطالب، مهما كانت محقة، عرضة للتهميش أو الاستغلال.
من هنا، فإن دعم الفاعلين السياسيين الإيزيديين يجب أن يُبنى على معيار واحد: مدى قدرتهم على تحويل موقعهم إلى مكاسب حقيقية للمجتمع—سواء في ملفات إعادة الإعمار، عودة النازحين، تثبيت الأمن، أو إيصال الصوت الإيزيدي إلى المحافل الدولية. النقد في هذا السياق ضروري، بل مطلوب، لكن بشرط أن يكون نقدًا يُقوّم الأداء لا يُقصي الفاعلين أو يُضعف موقعهم التمثيلي.
إن استقلالية القرار الإيزيدي لا تعني الانغلاق، بل تعني القدرة على المناورة بوعي، والانفتاح بحدود، وبناء تحالفات دون الوقوع في التبعية. وهذا التوازن هو جوهر النضج السياسي الذي تحتاجه المرحلة.
في النهاية، القضية الإيزيدية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول إلى قضية فاعلة تمتلك أدوات التأثير والحضور، أو تبقى أسيرة الانقسام الداخلي وردود الفعل. ودعم أي جهد سياسي يسعى لتعزيز هذا الحضور—بغض النظر عن الأسماء—هو استثمار في قوة القضية نفسها، لا في الأشخاص.
المطلوب ليس الاصطفاف خلف أفراد، بل الارتقاء بمستوى الفعل السياسي الإيزيدي ليكون قادرًا على خوض معركة الحقوق بوعي، وواقعية، وأدوات فعّالة تفرض حضورها على الأرض وفي العالم.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

Most Popular