عانى الأيزيديين عبر قرون طويلة من خطابٍ معادٍ لهم ولعقيدتهم، امتلأ بالافتراءات والاتهامات الكاذبة والمحرفة بقصد تشويه حقيقتها وإظهارها بصورة تناقض جوهرها.
وقد قام هذا الخطاب المنحرف عن الحقيقة على تصوير الديانة الأيزيدية بوصفها انحرافاً عقدياً وربط نشأتها بفكرة الغلو في الأشخاص ولا سيما في شخصية يزيد بن معاوية أو الشيخ عدي بن مسافر، حيث يقدم الأخير بوصفه صوفياً زاهداً، ثم يصور أتباعه على أنهم تجاوزوا حدود التقدير المشروع إلى تقديس مفرط، بما يفضي ـ بحسب هذا الطرح ـ إلى نشوء معتقدات مخالفة للعقل والشرع.
ويمضي هذا السرد في ربط تطور الأيزيدية بمرحلة ما بعد الشيخ عدي، حيث تلصق بهم تهم الجهل ويجعل ذلك سبباً في الزيغ والفساد، مع الإيحاء بانتسابهم إلى جذور مجوسية قديمة، في محاولة لإلحاق الديانة الأيزيدية بأديان أخرى وانتزاع خصوصيتها.
من أخطر ما يروّج له أصحاب هذا الخطاب العدواني هو الادعاء كذباً بأن الأيزيديين يعبدون “الشيطان” وذلك عبر تفسير إيمانهم
بـ ” طاووس ملك / ملك الملائكة ” تفسيراً عدائياً يساويه بإبليس ويقدمونه دليلاً على انحراف التوحيد، متجاهلين الفهم الداخلي الأيزيدي لهذا الرمز ومعانيه الروحية.
وقد ترسخت هذه الصورة عبر مراجع وكتابات جدلية تحمل عناوين صريحة من قبيل (عبدة الشيطان)، بما يكشف نزعة واضحة للتشويه المتعمد بعيداً عن الدراسة العلمية الموضوعية لحقيقة الديانة الأيزيدية وفلسفتها.
ويستند هذا الخطاب إلى مصادر من خارج المجتمع الأيزيدي يغلب عليها الطابع العدائي، مثل: السمعاني وأحمد تيمور ومرشد اليوسف ود. أسعد السحمراني وعبد الرزاق الحسيني والدملوجي ود. سهير محمد، ليكرس فكرة أن الأيزيدية فرقة منحرفة نشأت في القرن السادس ويعزز ذلك باتهامهم بتقديس يزيد بن معاوية وهو اتهام ذو بعد سياسي مذهبي.
إن هذه النصوص والمصادر تمثل امتداداً لخطاب تقليدي معادٍ يقوم على إسقاط مفاهيم دينية خارجية على عقيدة الأيزيديين، وتكفيرهم واعتبارهم خارجين عن الإسلام وربط معتقدهم بالغلو والانحراف، مع التركيز على شخصيات محورية وتضخيم دورها في تفسير نشأة الديانة، إلى جانب اتهامهم بعبادة الشيطان وإرجاع أصولهم إلى ديانات وثنية أو مجوسية، فضلاً عن الاستناد إلى مصادر ذات توجه جدلي دون تقديم رؤية أيزيدية ذاتية.
هذا الخطاب يغلب عليه الطابع الإقصائي ويبتعد عن المنهج الأكاديمي المحايد، ويتجاهل فهم الأيزيديين لأنفسهم وتفسيراتهم الخاصة لعقيدتهم.
هنا لا بد أن يكون لنا جواب واعتراض على الاتهامات التي تتناول الديانة الأيزيدية والتي تضمنت توصيفات ومزاعم كاذبة تفتقر إلى الدقة العلمية وتنطوي على إساءة مباشرة لمعتقد ديني قائم، معترف به وله امتداد تاريخي وثقافي راسخ.
إن ما ورد في تلك المضامين لا يمكن اعتباره اجتهاداً دينياً مشروعاً أو قراءة علمية مقبولة، بل يمثل إعادة إنتاج لخطاب جدلي تقليدي قائم على مصادر غير محايدة، كتبت في سياقات صراع ديني وسياسي وتفتقر إلى أدنى معايير البحث الأكاديمي الرصين.
من كل ما سبق، لا بد أن يكون لنا رد واضح على هذه الادعاءات والأكاذيب التي تم الترويج لها وهو توضيح للحقيقة التي ينبغي على الجميع معرفتها والإقرار بها، باعتبارها تمثل الواقع الحقيقي للديانة الأيزيدية.
“قراءة علمية فكرية منصفة للديانة الأيزيدية وتاريخها العقائدي”
تعد الديانة الأيزيدية واحدة من أكثر الديانات التي تعرضت عبر التاريخ لسوء الفهم والتشويه المتعمد، حيث تراكمت حولها سرديات جدلية مشحونة بالأحكام المسبقة والتي غالباً ما كتبت من خارجها، بل من قبل خصومها العقائديين أو السياسيين.
وهذا يطرح إشكالية منهجية جوهرية:
كيف يمكن دراسة دين ما بصورة علمية في ظل هيمنة مصادر غير محايدة تشكل صورته في الوعي العام .؟
إن أي تناول أكاديمي جاد للديانة الأيزيدية يقتضي أولاً تفكيك هذه البنية الاتهامية، والتمييز بين “المعرفة الجدلية” التي تنتج في سياقات الصراع و”المعرفة العلمية” التي تقوم على التحليل التاريخي والأنثروبولوجي المقارن.
تثير النصوص المطروحة (الاتهامات) من قبل أطراف عديدة حول الديانة الأيزيدية جملة من الإشكاليات المنهجية والمعرفية التي لا يمكن تجاوزها عند أي تناول أكاديمي جاد لهذا الموروث الديني العريق.
فهذه النصوص تقوم في بنيتها على إطلاق اتهامات بعيدة كل البعد عن الأمانة والصدق في البحث العلمي ومبنية على أحكام مسبقة وتصورات لاهوتية مغلقة وتستند إلى مصادر جدلية (كتبها أعداء الأيزيدية) أكثر مما تستند إلى تحقيق تاريخي أو أنثروبولوجي رصين، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى خطاب الاتهام منه إلى البحث العلمي.
إن أول ما ينبغي تأكيده هو أن الديانة الأيزيدية ليست ظاهرة طارئة أو فرقة منشقة حديثاً كما يروج، بل هي امتداد حي لموروث ديني قديم جداً وهي دين موغل في القدم، تعود جذوره إلى حضارات بلاد الرافدين القديمة : سومر.. أكد.. بابل وآشور.
تشير العديد من الدراسات المقارنة في تاريخ الأديان إلى أن طقوس الأيزيدية ( كالأعياد المرتبطة بالدورات الطبيعية وتقديس عناصر الكون: الماء.. التراب .. الهواء والنار ) تحمل تشابهاً واضحاً مع طقوس تلك الحضارات وكذلك في الرمزية الكونية المرتبطة بالشمس والنور.
هذا الامتداد يعكس استمرارية ثقافية وروحية، حيث أعادت الأيزيدية صياغة تلك الرموز ضمن بنية توحيدية خاصة بها.
وبذلك تعد من أقدم الديانات الحية ومن أوائل الديانات التوحيدية التي سبقت الديانات الإبراهيمية بآلاف السنين، مع احتفاظها بخصوصيتها وتطورها الداخلي، إذ يرجع عمرها إلى نحو ستة آلاف سنة، أي أنها تسبق الديانات الإبراهيمية ( اليهودية.. المسيحية والإسلام ) بنحو أربعة آلاف عام.
لا تمت الأيزيدية بصلة إلى يزيد بن معاوية، لا من حيث الأصل التاريخي ولا من حيث البنية العقائدية، كما لا ترتبط بالإسلام أو بالدولة الأموية بأي رابط جوهري وكل ما يروج خلاف ذلك يقوم على التباس لغوي وتاريخي نشأ في سياقات لاحقة، حيث أسهم تشابه اللفظ بين “أيزيدي” و”يزيد” في تغذية هذا الوهم ولا سيما عندما عمد بعض المؤرخين والفقهاء من العرب المسلمين إلى تعريب اسم الأيزيديين بصيغة “يزيدية”، الأمر الذي كرس نسبتهم خطأً إلى شخصية إسلامية مثيرة للجدل.
غير أن التدقيق اللغوي والبحث في الجذور الثقافية والدينية يكشفان بوضوح أن تسمية الأيزيدية أعمق بكثير من هذا الاختزال، فهي مشتقة من ألفاظ قديمة مثل (أزدان.. يزدان .. أيزيد و يزيدا) وهي جميعها تحيل في سياقاتها اللغوية الميزوبوتامية إلى معنى الألوهية والخالق الأعلى، أي إلى الذات الإلهية التي يشار إليها في التراث الأيزيدي باسم “خودي” أي الله وبذلك فإن الاسم يعبر عن هوية توحيدية روحية ضاربة في القدم، لا عن انتساب سياسي أو مذهبي طارئ.
ومن الأخطاء الشائعة اختزال نشأة الديانة الأيزيدية في القرن السادس الهجري وربطها بشخصية الشيخ عدي بن مسافر، إذ تشير الدراسات الرصينة إلى أنه لم يكن مؤسساً للديانة، بل مجدداً لها ضمن بناء ديني أقدم ومتجذر.
لقد لعب دوراً محورياً في تنظيم البنية الدينية وتعزيز الهوية الروحية، لكنه لم يأتِ بعقيدة من العدم.
إن الديانة الأيزيدية لم تكن ثابتة أو جامدة عبر تاريخها الطويل، بل مرت بسلسلة من المراحل التاريخية التي شهدت تغيرات وتطورات فكرية وفلسفية عميقة، أسهمت في إعادة صياغة مفاهيمها وتعزيز بنيتها الروحية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، تمثل مرحلة ظهور الشيخ عدي بن مسافر إحدى أبرز هذه المحطات التاريخية، حيث كان له دور بارز ومؤثر في تنظيم الشؤون الدينية وترسيخ القيم الروحية وإعادة إحياء عناصر أساسية من التراث الأيزيدي ضمن إطار ديني أقدم، دون أن يكون ذلك تأسيساً لعقيدة جديدة.
أما على المستوى العقائدي، فإن الاتهامات الباطلة التي تحاول تصوير الأيزيدية بوصفها انحرافاً عن التوحيد أو انقلاباً عليه تعكس سوء فهم جوهري لفلسفتها الدينية.
فالعقيدة الأيزيدية تقوم في أساسها على الإيمان بوحدانية الخالق الذي يسمى “خودي” وهو خالق كل شيء.
وفي هذا الإطار، لا تؤمن الأيزيدية بوجود كيان مستقل للشر يسمى “الشيطان”، بل ترى أن الخير والشر ينبعان من داخل الإنسان نفسه، من صراعه بين العقل والنفس.
ينتصر الخير حين يسمو العقل ويظهر الشر حين تنقاد النفس إلى نزعاتها.
أما “طاووس ملك” فهو في الفهم الأيزيدي رمز للنور والسلطة الكونية وليس كياناً شريراً، بل تجل لإرادة الخالق في تدبير الكون ولا يعبد بوصفه إلهاً مستقلاً.
من الناحية الاجتماعية، تتميز الأيزيدية بكونها ديانة مغلقة غير تبشيرية، تقوم على نظام ديني اجتماعي يهدف إلى حفظ التوازن الداخلي ونقل المعرفة الدينية عبر الأجيال وتعتمد بشكل أساسي على النقل الشفهي للنصوص.
إن القراءة العلمية المنصفة للديانة الأيزيدية تقتضي تجاوز الأحكام المسبقة والانطلاق من مناهج دقيقة تأخذ بعين الاعتبار عمقها الحضاري وفلسفتها وعقيدتها.
وفي النهاية، فإن فهم الأيزيدية لا يتحقق عبر إسقاط مفاهيم خارجية عليها، بل عبر قراءة نصوصها وفهمها من داخلها.
فهي ديانة قائمة على قيم الخير والتسامح والتعايش وترفض الظلم والعدوان وتؤمن بأن الإنسان أخ للإنسان مهما اختلفت عقيدته أو قوميته.
كما أن الأيزيدية جماعة إثنية دينية عريقة، لا تكفر أحداً ولا تعتدي على أحد، بل تحمل في جوهرها قيماً إنسانية قائمة على السلام والرحمة.
ولا يخفى أن الشعب الأيزيدي قد تعرض لجرائم إبادة جماعية موثقة دولياً، الأمر الذي يضاعف من خطورة أي خطاب يعيد إنتاج الصور النمطية التي استخدمت تاريخياً لتبرير تلك الجرائم.

