Homeاراءطاووس ملك ورمزية الطير والنور الجذور الرافدينية لفكرة الملائكة وتجلياتها في الديانة...

طاووس ملك ورمزية الطير والنور الجذور الرافدينية لفكرة الملائكة وتجلياتها في الديانة الإيزيدية ولماذا يقدسون هذا الرمز : فراس نوري

 

“إن الفكر الديني الإنساني يقوم على تحويل الغيب إلى رموز، بحيث تصبح الصورة الأقرب إلى الواقع وسيلة لفهم ما يتجاوز الواقع ذاته.”

#منذ فجر الحضارات لم يكن الانسان قادرا على ادراك العالم الالهي بوصفه حقيقة مرئية بل سعى الى التعبير عنه عبر لغة الرموز فالالهي بما هو غيب مطلق احتاج الى صور محسوسة تقربه الى الفهم البشري ومن ابرز هذه الرموز التي تكررت عبر الثقافات الطير والاجنحة والنور والنار

الطير في الوعي الانساني القديم لم يكن مجرد كائن حي بل كان رمزا كونيا يجمع بين الارض والسماء فهو يحلق عاليا يتجاوز الحدود ويبدو وكانه ينتمي الى عالم اعلى لذلك ارتبط بفكرة الروح والملائكة والوسائط السماوية ومن هنا ظهرت في حضارات متعددة صور لكائنات بشرية باجنحة او طيور تحمل صفات مقدسة كطريقة للتعبير عن كائنات غير مرئية

في الحضارة الاشورية والحضارة السومرية نجد شواهد واضحة على هذا التصور فالكائنات المجنحة مثل اللاماسو كانت تنحت على مداخل القصور كرمز للحماية الالهية تجمع بين هيئة الانسان والحيوان والطير كما ظهرت آلهة مجنحة مثل انانا في دلالة على ان الاجنحة تعبر عن الطبيعة السماوية والقدرة على العبور بين العوالم هذه الكائنات لم تكن طيورا حرفيا بل رموزا لقوى عليا تؤدي دور الوسيط وهو ما يقترب من مفهوم الملائكة في الديانات اللاحقة ،
نجد في اليهودية بوضوح فكرة الملائكة المجنّحة المرتبطة بالعالم الإلهي، مثل الكروبيم، وهي ملائكة تُذكر في النصوص الدينية كحُرّاس أو مرافقين للحضور الإلهي، .

هذا النمط لم يختف بل استمر وتحوّل عبر العصور ففي المسيحية ظهرت الملائكة باجنحة واصبحت الحمامة رمزا للروح القدس وفي الاسلام ورغم رفض التشبيه والتجسيد وصفت الملائكة بان لها اجنحة تأكيدا على معنى القدرة على الحركة بين السماء والارض وهذا يبين ان تصوير الملائكة ككائنات مجنحة او مرتبطة بالطير ليس حكرا على ديانة واحدة بل هو ارث رمزي انساني مشترك

وفي الهندوسية تظهر الطيور كرموز للقوة الالهية كما في غارودا المرتبط بالاله فيشنو حيث يمثل الطير العلو والهيمنة والسرعة السماوية دون ان يكون الاله ذاته

اما في الديانة الايزيدية فتبلغ هذه الرمزية ذروتها في شخصية تاووسملك الذي يعد كبير الملائكة وتجلي النور الالهي الاعلى في هذا السياق يصبح الطاووس اكثر من مجرد طائر بل رمزا كونيا للنور والكمال

اختيار الطاووس تحديد يحمل دلالات عميقة جماله الفريد وتعدد الوانه ولمعان ريشه الذي يشبه تجلي النور وهيبته واتساعه الذي يوحي بالعظمة واطلق على هذا الطائر بهذا الاسم نسبة لصفته الالهيه ومعناه اله تاو ونور هي وس .

وبما ان الملائكة السماوية ترمز بالطيور والحمام فان اعظم هذه الملائكة يمثل باعظم الطيور وهنا يفهم تاووس ملك ( ” بحرف التاء لانه في اللغه الايزيدية لايوجد حرف الطاء ” ) لا بوصفه طائرا بل بوصفه اسمى تمثيل رمزي للنور الالهي الاعلى وكبير الملائكة الذي لا يدرك الا تعبيرا روحيا وفلسفيا .
حتى في بعض الممارسات الشعبية في مجتمعات اسلامية ومسيحية نجد استمرار لهذه الرمزية مثل استخدام ريش الطاووس للزينة او للبركة ووضعه قرب الكتب المقدسة او الصور الانبياء والاولياء وهي تعبيرات ثقافية تعكس بقاء الرموز القديمة في الذاكرة الجماعية تناقلتها الاجيال دون وعي كامل بجذورها الرمزية .
وحيث وجد رمز الطاووس موجودا في الكعبة وتم ذكره في كتاب مروج الذهب ومعدن الجوهر للمؤرخ المسعودي وكان يمثل رمز التوحيد للموحدين .

و يتضح ان الانسان استخدم عبر العصور منظومة رمزية متكاملة لفهم الالهي الطير والاجنحة للتعبير عن الروح والعلو والملائكة والطاووس كاجمل تجل جمالي للنور والكمال والنور والنار كرمز للحضور الالهي غير المرئي وهي كلها تعكس محاولة انسانية عميقة لترجمة الغيب الى رموز يفهمها العقل

وفي قلب هذه المنظومة تقف شخصية طاووس ملك بوصفها واحدة من ارقى التعبيرات الرمزية حيث يلتقي النور والجمال والسمو والملائكية في صورة واحدة تعبر عن اعمق ما سعى الانسان الى فهمه الحضور الالهي الاعلى .
وهذه المقالة تجيب عن اسئلة للكثير حول هذا الموضوع وكما توجد رموز كثيرة للاديان الاخرى من صور وتماثيل للانبياء واحجار مقدسة .

1 COMMENT

الاشتراك
نبّهني عن
1 Comment
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
يحيى هركي ـ كاتب الصحفي ـ المانيا
6 أيام

بارك الله بكم مقال غني وعميق يربط بين الرموز الدينية والتاريخ الإنساني بأسلوب فلسفي ومعرفي مميزوطرح راقٍ يوضح كيف استخدمت الحضارات الرموز لفهم الغيب ويقدم قراءة ثقافية وتأملية واسعة لمعاني الطير والنور والملائكة عبر العصور.

Most Popular