يثير سؤال التحول الديمغرافي لمناطق الأيزيديين من حالة الأغلبية إلى الأقلية إشكالية عميقة تتجاوز البعد العددي، لتلامس جذور التاريخ والهوية والاستمرارية الحضارية.
فهذا السؤال لا ينفصل عن البحث في الأصول الفكرية والدينية للأيزيدية وعلاقتها بالموروث الرافديني القديم ولا سيما من خلال دراسة معبد “إيزيدا” بوصفه أحد أبرز الشواهد الأثرية والدينية في تاريخ بلاد الرافدين.
إن الربط بين تسمية الديانة الأيزيدية واسم معبد “إيزيدا” لا يمكن اختزاله في مجرد تشابه لغوي، بل يعكس استمرارية رمزية ومعرفية عميقة.
في اللغة السومرية يتكون الاسم من مقطعين : “E” بمعنى البيت، و“Zida” بمعنى الحق أو الصدق، ليكون المعنى الكلي “بيت الحق” أو “البيت النوراني”.
يتقاطع هذا المفهوم مع الفهم الأيزيدي المعاصر للاسم بوصفه دلالة على العطية الإلهية أو التجلي النوراني، الأمر الذي يعزز فرضية الامتداد التاريخي للفكرة الدينية، لا انقطاعها.
تشير المصادر الأثرية والنصوص المسمارية المكتشفة في معبد “إيزيدا”، سواء في بورسيبا أو النمرود، إلى مكانة هذا المعبد مركزاً دينياً وعلمياً بالغ الأهمية.
من أبرز هذه النصوص ما نُسب إلى الملك نبوخذ نصر، الذي أعلن إعادة بناء المعبد تكريماً للإله نابو، إله الحكمة والكتابة وهو ما يعكس ارتباط “إيزيدا” بالمعرفة .. النور والشرعية الإلهية. كما تكشف نصوص الدعاء المرتبطة بالمعبد عن منظومة أخلاقية تقوم على الاستقامة .. العدل ونصرة الحق وهي قيم ما تزال حاضرة في البنية الروحية والأخلاقية للأيزيدية.
من اللافت أن مفهوم القداسة المرتبط بـ “إيزيدا” يجد صداه في تقديس لالش لدى الأيزيديين، حيث يُنظر إليه بوصفه مركزاً نورانياً وبداية رمزية للخلق. هذا التوازي لا يبدو عرضياً، بل يعكس استمرارية في تصور المكان المقدس باعتباره نقطة اتصال بين العالم المادي والبعد الإلهي.
تحتل فكرة الكائنات النورانية السبعة مكانة محورية في البنية الفكرية والروحية للموروث الديني في بلاد الرافدين، إذ تعود جذورها إلى مفهوم “الأبكالو السبعة”، وهم الحكماء المرتبطون بالحكمة الإلهية والمعرفة الكونية بوصفهم وسطاء بين العالم العلوي والإنسان.
في الديانة الأيزيدية احتفظت هذه الرؤية ببعدها الفلسفي والرمزي العميق من خلال منظومة الملائكة السبعة وعلى رأسهم “تاووس ملك” بوصفه المظهر الأسمى للنور الإلهي والإرادة الكونية.
مع تعاقب الحضارات، انتقلت هذه الفكرة بصيغ متعددة إلى الديانات اللاحقة. فظهرت في الزرادشتية من خلال مفهوم “الأمشاسپند” ثم تجلت في التقاليد الإبراهيمية ضمن تصور الملائكة ووظائفها الروحية.
يعكس هذا الامتداد التاريخي أستمرارية رمزية وفلسفية لفكرة العالم الغيبي ووحدة التصور الإنساني للكائنات النورانية بوصفها تجليات للحكمة والنظام والصلة بين الخالق والوجود.
كما أن التحليل اللغوي لأسماء الملائكة التي تنتهي بالمقطع “إيل” وهو أسم إلهي أكدي قديم، يشير إلى وحدة في الجذر الثقافي واللغوي للمنطقة. هذه الوحدة لا تعني التطابق الكامل بين المنظومات الدينية، بقدر ما تعكس تداخلاً حضارياً وتراكماً معرفياً امتد عبر آلاف السنين.
في سياق تاريخي أوسع، يمكن النظر إلى التحولات السياسية الكبرى، مثل سقوط بابل وصعود الإمبراطورية الفارسية، بوصفها عوامل أسهمت في تفكك المراكز الدينية القديمة وانتقال الجماعات الحاملة لهذه التقاليد إلى مناطق أكثر عزلة، كالأهوار في الجنوب والجبال في الشمال. قد يفسر هذا الانتقال بقاء بعض العناصر الدينية القديمة في صيغ جديدة داخل مجتمعات حافظت على خصوصيتها الثقافية والروحية.
تكشف النصوص الطقسية المرتبطة بمعبد “إيزيدا”، ولا سيما طقوس “بيت السرير” التي جمعت بين “نابو” و“تاشميتو”، عن رؤية دينية تقوم على الانسجام بين الحكمة والرحمة وعلى مفهوم “الفيض الإلهي” بوصفه مصدراً للبركة والنظام في العالم. كما تعبر نصوص اللعنات المرتبطة بسرقة الألواح أو تبديل الأسماء عن وعي عميق بقدسية الكلمة والمعرفة؛ إذ لم تكن الكتابة مجرد وسيلة للتدوين، بل أمانة روحية ترتبط بحفظ الحقيقة وصون النظام المقدس.
يتقاطع هذا التصور مع مفهوم “علم الصدر” في الديانة الأيزيدية، حيث تنتقل المعرفة الدينية شفهياً عبر الأجيال بوصفها ميراثاً مقدساً يحمل أبعاداً روحية وأخلاقية تتجاوز حدود النص المكتوب وتحافظ في الوقت ذاته على استمرارية الهوية والإيمان.
إن قراءة معبد “إيزيدا” في ضوء الأيزيدية المعاصرة لا تهدف إلى إثبات تطابق تاريخي مباشر، بقدر ما تسعى إلى إبراز خيوط الاستمرارية الحضارية والفكرية في منطقة عُرفت بتراكمها الديني والثقافي.
الأيزيدياتي في هذا الإطار .. يمكن فهمها بوصفها إحدى الحلقات الحية في سلسلة طويلة من التصورات الكونية التي نشأت في وادي الرافدين واستمرت عبر التحولات الكبرى، محافظة على جوهرها الرمزي وإن تغيرت أشكال التعبير عنها.
من هنا .. فإن سؤال الأقلية والأكثرية لا يمكن فصله عن سياق تاريخي طويل من التحولات القسرية والهجرات والاضطهادات، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على قدرة هذه الجماعة على الحفاظ على هويتها رغم كل الانقطاعات الظاهرية. وهذا ما يجعل دراسة الأيزيدية في علاقتها بمعبد “إيزيدا” مدخلاً لفهم أعمق لاستمرارية الذاكرة الحضارية في واحدة من أقدم مناطق الاستقرار البشري في العالم.
المقال مستوحى من دراسة نشرها الأخ الأستاذ سيروان سليم
المصادر :
تقارير تنقيبات هرمز رسام عالم الآثار
ألواح “نابو” في المتحف البريطاني
مخطوط “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات”

