فرض الوصاية السياسية والأمنية ومعضلة الإدارة
باتت مخيمات النزوح التي يعيش فيها الأيزيديون جرحاً إنسانياً مفتوحاً في ضمير العالم ، حيث منذ اللحظة التي اقتلع فيها الأيزيديون من مدنهم وقراهم على وقع أجتياح عناصر الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام ، أو ما يعرف بتنظيم داعش الإرهابي ، لمناطقهم في سنجار ومحيطها ، بدأت واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوةً في التاريخ الحديث وهي مأساة ما زالت آثارها تنزف حتى اليوم .
هرب الأيزيديون من الموت الجماعي ومن جرائم السبي والخطف والذبح والإبادة ، حاملين معهم ما تبقى من أرواح أنهكتها الفاجعة وذاكرة مثقلة بالرعب والخوف .
بحثوا عن ملاذ يحفظ كرامتهم الإنسانية ويمنحهم الحد الأدنى من الأمان ، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين داخل مخيمات نزوح أشبه بمعسكرات اعتقال ، تحولت مع مرور السنوات إلى مساحة دائمة للألم والانتظار والخذلان .
تلك المخيمات التي يعيش فيها منذ أكثر من عقد من الزمن آلاف الأيزيديين ظروفاً مأساوية لا تليق بالكرامة البشرية .
خيام متهالكة لا تقي برد الشتاء ولا تحمي من حر الصيف ولا تصمد أمام العواصف والأمطار ، فيما يكبر الأطفال وسط الحرمان والخوف وانعدام الاستقرار النفسي والاجتماعي ومع كل حادث حريق يندلع داخل المخيمات نتيجة تماس كهربائي أو سوء البنية التحتية ، تتجدد الكارثة وكأن الموت ما زال يلاحق هذا الشعب حتى في أماكن نزوحه .
تزهق أرواح بريئة بصمت وتدفن أحلام صغيرة تحت الرماد ، بينما يقف العالم موقف المتفرج أمام معاناة مستمرة منذ سنوات ، دون تحرك جاد ينهي هذه المأساة الإنسانية .
إن استمرار معاناة الأيزيديين وموتهم داخل مخيمات النزوح ، بعد كل ما تعرضوا له من إبادة جماعية وتشريد وسبي ، لا يمكن أعتباره مجرد تقصير إنساني عابر ، بل يمثل وصمة عار أخلاقية وتاريخية تتحمل مسؤوليتها جميع الجهات التي تخلت عن هذا الشعب وتركت قضيته رهينة الإهمال والصراعات السياسية والمصالح الضيقة .
إن المسؤولية تقع على جميع الأطراف ، بل تمتد إلى كل من تصدر الحديث باسم القضية الأيزيدية دون أن ينجح في انتشال الإنسان الأيزيدي من هذا الواقع القاسي .
تتحمل الحكومتان في بغداد وأربيل ، إلى جانب إدارة محافظة نينوى ، مسؤولية مباشرة عن استمرار هذا الوضع المأساوي ، فضلاً عن جميع أصحاب القرار والنفوذ والتمثيل السياسي والاجتماعي والديني الذين تعاملوا مع مأساة الأيزيديين باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للمساومة ، بدلاً من كونها قضية شعب يطالب بحقه الطبيعي في الحياة والأمن والكرامة .
دفع الأيزيديون ثمناً باهظاً لصراعات السلطة والنفوذ بين بغداد وأربيل ، فتحولوا إلى ضحايا لخلافات سياسية لا علاقة لهم بها ، بينما بقيت سنجار ومحيطها مدمرة واستمر النازحون أسرى الخيام وبقي ملف المختطفين والمختطفات والمقابر الجماعية والعدالة الانتقالية معلقاً في دائرة النسيان .
لم يعد الأيزيديون اليوم يقبلون بحلول شكلية أو اتفاقات سياسية تفرض عليهم من الخارج ، ولا مشاريع تصاغ بعيداً عن إرادتهم الحقيقية .
أي مشروع لا ينطلق من إرادة الأيزيديين أنفسهم ولا يضع حقوقهم الإنسانية والقانونية والسياسية والأمنية والاقتصادية في مقدمة الأولويات ، لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة بصورة جديدة .
فقد هذا الشعب ثقته بالقوى التي خذلته وتركت أبناءه يواجهون مصير الإبادة وحدهم في سنجار ومحيطها .
لذلك ، فإن إعادة تدوير القوى ذاتها التي فشلت في حمايتهم ، أو فرض حلول أحادية عليهم بعيدة عن تطلعاتهم ، لن تؤدي إلا إلى تعميق الجراح وإطالة أمد المعاناة .
الطريق الحقيقي نحو إنهاء هذه المأساة يبدأ بالاعتراف الكامل بحقوق الأيزيديين الإنسانية والقانونية والسياسية والأمنية والاقتصادية والعمل الجاد على تنفيذ حلول عادلة ومستدامة ، تقوم على إعادة إعمار سنجار والمناطق الأيزيدية المدمرة بشكل حقيقي وشامل وضمان عودة النازحين إلى ديارهم بكرامة وأمان وأستقرار .
كما يتطلب الأمر الكشف عن مصير المختطفين والمختطفات وإنهاء هذا الملف الإنساني المؤلم وفتح المقابر الجماعية وتوثيق الجرائم وإعادة دفن الضحايا بما يليق بكرامتهم الإنسانية ، إلى جانب محاسبة جميع المتورطين والمتسببين في جرائم الإبادة والانتهاكات بحق الأيزيديين دون استثناء .
لا يمكن تحقيق العدالة دون تعويض الضحايا مادياً ونفسياً ومعنوياً وجبر الضرر الذي لحق بهم وتمكين الأيزيديين من إدارة شؤونهم والمشاركة الحقيقية في تقرير مستقبلهم بعيداً عن الوصاية والتهميش والاستغلال السياسي والحزبي .
القضية الأيزيدية ليست ورقة تفاوض وليست ملفاً هامشياً يمكن تأجيله أو المتاجرة به ، بل هي قضية شعب تعرض لواحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث وما زال حتى اليوم يعيش تحت ثقل الخوف والاقتلاع والضياع والمستقبل المجهول .
ويبقى السؤال الإنساني الكبير معلقاً في ضمير العالم
إلى متى يبقى الأيزيديون أسرى الخيام والنسيان .؟
إلى متى تستمر معاناتهم بين الإهمال والصراعات السياسية والحسابات الضيقة .؟
آن الأوان لأن ترفع المعاناة عن هذا الشعب المنكوب وأن تبعد قضيته عن صفقات النفوذ والمصالح وأن يمنح حقه المشروع في الحياة الحرة الكريمة وفي الأمن والعدالة والأستقرار .
الأيزيديون لا يطالبون بامتيازات إستثنائية ، بل بحقوق إنسانية أساسية سلبت منهم بالقوة والخذلان .
يريدون وطناً آمناً لا يخاف فيه الأطفال ، ولا تنتظر فيه الأمهات أبناءً غائبين منذ سنوات ، ولا تتحول فيه الخيام إلى قبور مؤقتة لأحلام شعب كامل .
الأيزيديون يستحقون العدالة ، ويستحقون السلام ، ويستحقون حياة تليق بإنسانيتهم .

