Homeاراءنداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي : خالد الياس رفو

نداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي : خالد الياس رفو

يشهد الوعي الأيزيدي اليوم لحظة تاريخية فارقة تتجاوز حدود ردود الأفعال العابرة لتتحول إلى مشروع فكري وروحي يهدف إلى إعادة قراءة الذات الأيزيدية بعين الحقيقة لا بعين الروايات المفروضة والموروثات المشوهة.

الأيزدياتي ليست مجرد طقوس دينية أو سرديات أو تقاليد متوارثة، بل هي منظومة روحية وفلسفية عريقة تشكلت عبر آلاف السنين في قلب حضارات ميزوبوتاميا واستمدت جوهرها من الطبيعة والكون ومن العلاقة المقدسة بين الإنسان والخالق والوجود.

قامت الأيزدياتي منذ نشأتها على مبادئ أخلاقية وروحية عميقة تؤمن بالتوازن الكوني وبقدسية النور والطبيعة وأن الكون تحكمه حكمة إلهية عليا تنظم حركة الحياة والمخلوقات جميعاً. وهي عقيدة لم تُبنَ على العنف أو الإقصاء أو فرض الهيمنة، بل على السمو والرقي الروحي والتطهر الداخلي واحترام الإنسان والوجود.

إن أي قراءة حقيقية للأيزدياتي يجب أن تنطلق من فهم فلسفتها الوجدانية والروحية، لا من إسقاطات دينية أو سياسية دخيلة حاولت عبر التاريخ تشويه حقيقتها وربطها بما لا يمت إليها بصلة.

من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مشروع تصحيحي شامل للموروث الديني والعقائدي الأيزيدي، يكون قائماً على المراجعة العلمية الدقيقة والتنقيح المسؤول لكل ما تم إلحاقه بالعقيدة الأيزيدية عبر عصور الاضطهاد والتزييف.

الكثير من المفاهيم والروايات التي جرى تداولها عن الأيزيدية لم تكن نابعة من جوهرها الحقيقي، بل فُرضت عليها بفعل الجهل أو العداء أو محاولات الاحتواء الديني والسياسي، حتى أصبحت بعض الأفكار الدخيلة تُقدَّم على أنها جزء من العقيدة وهي في حقيقتها بعيدة كل البعد عن الفلسفة الأيزيدية الأصيلة.

إن تصحيح الموروث الأيزيدي لا يعني إنكار التاريخ، بل يعني تحريره من التشويه وإعادة كتابته وفق الحقائق الثابتة والقراءات العلمية المستقلة، بعيداً عن الأيديولوجيات التي استغلت التاريخ الأيزيدي لخدمة مشاريع قومية أو دينية أو سياسية.

الأيزيديين عانوا طويلاً من محاولات طمس هويتهم وربط وجودهم بانتماءات لا تعبر عن حقيقتهم التاريخية والحضارية، الأمر الذي جعل من الضروري اليوم كتابة تاريخ أيزيدي مستقل، يستند إلى الوثائق والحقائق والشهادات الحية والتراث المحفوظ في صدور رجال الدين وحفاظ الأقوال، لا إلى الروايات الملفقة أو القراءات المؤدلجة.

من أهم الواجبات التاريخية في هذه المرحلة، العمل على تدوين الأقوال والسبقات والنصوص الدينية الأيزيدية بعد إخضاعها للتدقيق والتنقيح والتصحيح العلمي إن وُجد ما يستدعي ذلك، لأن هذه النصوص تمثل الذاكرة الروحية للعقيدة الأيزيدية وحفظها بصورة دقيقة هو حماية للهوية من الضياع والتحريف، خاصة بعد أن ظلت لقرون طويلة تنتقل شفهياً وتُحفظ في الصدور رغم كل حملات الإبادة والاضطهاد التي استهدفت الإنسان الأيزيدي وتراثه الديني والثقافي.

لا يمكن لأي مشروع تصحيحي أن يكتمل دون مواجهة الأكاذيب والاتهامات التي وُجهت إلى الأيزيديين عبر التاريخ، فقد تعرضت الديانة الأيزيدية إلى حملات تشويه ممنهجة صورتها بصورة مغايرة لحقيقتها بهدف تبرير العنف والفرمانات والمجازر بحق أتباعها ولذلك فإن الرد على تلك التلفيقات لم يعد خياراً ثقافياً، بل أصبح واجباً أخلاقياً وتاريخياً.
يجب أن يتم ذلك من خلال تقديم الأدلة الحقيقية والواقعية المستمدة من الأقوال الدينية والتراث الشفهي الأيزيدي ومن الدراسات العلمية النزيهة التي تكشف حقيقة هذه الديانة وفلسفتها الإنسانية والروحية.

الأيزيديين اليوم أمام مسؤولية تاريخية كبرى تتمثل في استعادة حقهم في تعريف أنفسهم بأنفسهم، وكتابة عقيدتهم بأقلام أبنائهم وصياغة تاريخهم وفق حقيقتهم لا وفق ما أراده الآخرون لهم.

الشعوب التي لا تكتب تاريخها تبقى أسيرة لروايات الآخرين، أما الشعوب التي تمتلك شجاعة مراجعة ذاتها وتصحيح ذاكرتها فإنها تصنع مستقبلها بثقة ووعي.

إن مشروع النداء التصحيحي للموروث الكتابي الأيزيدي لا يمثل مجرد مبادرة فكرية أو ثقافية، بل يشكل خطوة مصيرية نحو حماية الهوية الأيزيدية وصيانة تراثها الروحي والفلسفي والتاريخي. هو مشروع يعيد للأيزدياتي صوتها الحقيقي ويمنح الأجيال القادمة فرصة معرفة عقيدتهم كما هي في جوهرها النقي، عقيدة قائمة على الحكمة والروحانية والمحبة والارتباط المقدس بالكون والحياة والإنسان.

المقال مستوحى من مقترح مشروع النداء التصحيحي للموروث الكتابي الإيزيدي للأستاذ حسن صالح مراد الشنكالي.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular