Homeاراءعيد الأضحى في الفلسفة الإيزيدية : إلياس عزام

عيد الأضحى في الفلسفة الإيزيدية : إلياس عزام

بعض الأعياد لا تأتي كي تُحيي الذاكرة فقط، بل لتوقظ في الإنسان شعورًا قديمًا بأن للكون روحًا ما تزال تنبض خلف هذا العالم المتعب. وفي الرؤية الإيزيدية، لا يظهر عيد الأضحى كمناسبة مرتبطة بطقسٍ عابر، بل كمعنى روحي عميق يربط الإنسان بأصل الوجود، ويجعل من العيد لحظة تأمل في سر الخلق وتجدد الكائنات.
يرتبط هذا العيد بما يُعرف لدى الإيزيديين بـ«إيدا حجيا»، أي عيد الحج، وهو تعبير رمزي عن صعود النور الإلهي إلى «مالا أديا»، المقام العلوي المقدس، ثم عودته حاملًا البركة إلى الأرض. وليس المقصود بذلك حركةً مادية للشمس، بل تصويرٌ فلسفي لدورة الحياة نفسها؛ فكل شيء في الكون يبتعد ليعود، ويخفت ليشرق من جديد.
ولهذا أصبحت الشمس، منذ أقدم العصور، صورةً للحكمة والاستمرار. فالبشر رأوا في تعاقب الضوء والعتمة درسًا أبديًا يقول إن الانطفاء ليس نهاية، وإن الفجر يولد دائمًا من قلب الليل. ومن هنا جاءت النظرة الإيزيدية التي اعتبرت النور لغةً إلهية تحفظ توازن العالم وتمنح الوجود معناه.
وعندما يعود الضوء من «مالا أديا»، يعود معه الصفاء إلى الروح، والطمأنينة إلى القلب، والخير إلى الحياة. وكأن العيد يذكّر الإنسان بأن الكون لا يقوم على القسوة، بل على الانسجام، وأن الرحمة ليست ضعفًا، بل أعلى أشكال القوة.
ومن عمق حضارات وادي الرافدين، حملت الإيزيدية هذا الفهم المقدس للطبيعة، فرأت في النار إشراقة الروح، وفي الماء سر البقاء، وفي التراب ذاكرة الخلق الأولى، وفي الهواء النفس الذي يوحّد جميع الكائنات. لذلك لم تعتبر الإنسان مالكًا للأرض، بل جزءًا من نظامٍ كوني متكامل.
وفي هذا السياق تُفهم قصة النبي إبراهيم بوصفها انتصارًا للرحمة على الخوف، لا تمجيدًا للعنف. فالعظمة الحقيقية لم تكن في اقتراب السكين، بل في توقفها. وكأن الرسالة السماوية أرادت منذ البداية أن تعلّم البشر أن قدسية الحياة تسمو فوق الدم، وأن خلاص الإنسان يبدأ حين يهزم القسوة الكامنة داخله.
لهذا يتحول القربان، في المعنى الفلسفي الإيزيدي، إلى تضحيةٍ بالأنانية والكراهية والطمع، لأن أخطر ما يواجهه الإنسان ليس خصمه الخارجي، بل العتمة التي قد تستقر في قلبه.
وهكذا تصبح «إيدا حجيا» رحلةً رمزية لكل روح تبحث عن حقيقتها؛ صعودًا من الضيق إلى السكينة، ومن الخوف إلى النقاء، ومن الظلمة إلى المعرفة.
وربما لهذا بقيت الإيزيدية حيّة عبر القرون رغم المآسي، لأنها لم تكن مجرد طقوس، بل رؤية ترى أن النور لا يُهزم، وأن الإنسان خُلق ليكون حاملًا للسلام لا أداةً للخراب.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الحروب والانقسامات، تبدو هذه الحكمة أكثر قربًا من حاجة البشر: أن العالم لا يُشفى بالقوة وحدها، بل بالمحبة، وأن أكثر القلوب عظمةً ليست تلك التي تعرف كيف تنتصر، بل تلك التي تعرف كيف ترحم.
وحين تشرق الشمس فوق جبال العراق القديمة، يبدو المشهد وكأنه يردد الحقيقة ذاتها منذ آلاف السنين: أن الضوء مهما ابتعد سيعود، وأن الروح التي تحفظ نقاءها تبقى قادرة على إحياء العالم من جديد.
“كل عام وأنتم أقرب إلى النور، وأقرب إلى السلام الداخلي، وأقرب إلى الإنسان الذي أراده الله امتدادًا للرحمة على الأرض. عيدٌ مبارك لكل القلوب التي ما تزال تؤمن أن الحياة تستحق أن تُعاش بالمحبة لا بالخوف، وبالحكمة لا بالعنف، وبالنور لا بالعتمة.”
الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular