Homeاراءدراسة عن جذور عيد الحج الأيزيدي : سيروان سليم شرو

دراسة عن جذور عيد الحج الأيزيدي : سيروان سليم شرو

لماذا يقع عيد الحج الأيزيدي والمسلم في نفس التاريخ وما هي العلاقة الحقيقية بينهما

إن الحقيقة التاريخية المغيبة التي يجب أن تدركها العقول أولاً هي أن عيد الحج ومراسيمه وطقوسه ليست صناعة إسلامية محمدية كما يظن الكثيرون، بل هو عيد أزلي وموسم روحي ضارب في عمق التاريخ المشرقي كان موجوداً ومعمولاً به قبل ظهور الإسلام بقرون طويلة. ولكي نفهم هذا الترابط، يجب أن ننطلق من نظرية تاريخية ثابتة تفيد بأن كل دين جديد يخرج من بطن الدين الذي سبقه، ولكي يثبت هذا الدين الوافد أحقيته المطلقة ووجوده، يحاول دائماً إظهار أن الدين الأصل الذي خرج من أحشائه كان على باطل وضلال، ليقدم نفسه كحق جديد ووحيد، مع علمنا اليقيني أن دين طاووس ملك ما يزال هو الدين المؤمن بالطبيعة ونظامها الكوني الأزلي، ولم يؤمن بالأديان التي جاءت عن طريق الوحي المرسل، مما جعله حارساً نقياً لطقوس الأرض دون حاجة لتكفير التاريخ أو تشويهه.والأيزدياتي اهل الله في لالش ولا نخرج منها

ومن يقرأ التاريخ بعين الباحث الأنثروبولوجي يدرك تماماً كيف أن الطقوس الدينية في شرقنا القديم تنبع من مياه واحدة وتتغذى من خزان حضاري مشترك، وهذه الحقيقة تفتح لنا آفاقاً جديدة لفهم التشابه المذهل بين طقوس حج لالش النوراني وعادات الحج في مكة قبل الإسلام من جهة، وجذورها الضاربة في عمق الحضارات السومرية والبابلية من جهة أخرى، وهو تشابه يتجاوز الشكليات ليصل إلى جوهر البناء الفلكي والاجتماعي، ويمتد ليكشف لنا كيف تتحول هذه الباطنية الدينية إلى ما يُعرف اليوم بالدولة العميقة التي تحكم مصائر الأمم من خلف الستار.
إن أول ما يلفت الانتباه في هذه المقارنة هو الأرقام الفلكية المقدسة، وتحديداً الرقمين ثلاثمئة وستين وثلاثمئة وأربعة وستين. في الحضارتين السومرية والبابلية، لم تكن هذه الأرقام مجرد حسابات رياضية، بل كانت تمثل النظام الكوني الإلهي ودورة الزمن؛ فالرقم ثلاثمئة وستين يرمز إلى درجات الدائرة الفلكية وأيام السنة الأساسية، بينما يمثل الرقم ثلاثمئة وأربعة وستين تقويماً شمسياً مرتبطاً بحركة الفصول والأسرار الروحية، حيث كانت تقام في المعابد السومرية مراسيم وأعياد مشابهة نوعاً ما لهذا العيد الأزلي. هذا النظام الفلكي القديم انعكس بدقة في طقوس مكة قبل الإسلام حيث تجسد الرقم ثلاثمئة وستين مادياً في عدد الأصنام المحيطة بالكعبة كرموز لأيام السنة، وفي المقابل نجد في الفلسفة الأيزيدية التوحيدية الخالصة أن الرقم ثلاثمئة وستين يرمز إلى الأولياء والنورانيين من الخاسين الذين يمثلون تجليات نور الله وإدارته للكون عبر أيام السنة، ويتصدرهم العظام الثلاثة الشيخ آدي وشيشمس وشيخسن، لتتحول الأرقام الكونية في ثقافة المعبد والنظام الروحي الأيزيدي إلى حارسة للزمن والوجود وليست تجسيداً لوثنية مدعاة.
يمتد هذا الإرث الرافديني إلى البنية الطبقية وإدارة المحافل الدينية؛ ففي المعابد السومرية والبابلية كان يُقام عيد رأس السنة العظيم المعروف بعيد أكيتو، وفيه تظهر طبقة الكهنة الكبار الذين يتولون وحدهم إدارة الطقوس وحراسة الأسرار الباطنية وتقديم القرابين، ولهم امتيازات دينية واجتماعية مطلقة تنظم علاقة العوام بالمقدس. هذا النظام الإداري الصارم هو الجد الشرعي لطبقة الحمس في قريش التي احتكرت الرفادة والسقاية والإفاضة في مكة وتميزت بملبسها وموقفها، وهو ذاته البناء التنظيمي الروحي الذي نراه بوضوح في محفل لالش النوراني عبر طبقة مالي آديا ونظام الخلمدكارية أي أهل الخدمة المقدسة الذي يتصدره بابا شيخ وبابا چاويش، حيث تتوزع الحقوق والواجبات الروحية والإدارية كالماش والرسمة بشكل دقيق لحفظ نقاء المعبد واستمرارية طقوسه ورعاية شؤون المريدين والفقراء، مما يظهر أن آليات إدارة الحرم المقدس هي شيفرة تنظيمية موحدة توارثتها أجيال الشرق عبر آلاف السنين.
المفارقة الكبرى والتاريخية تكمن في توقيت العيد، حيث يصادف عيد الحج الأيزيدي نفس يوم عيد الحج لدى المسلمين. ونظراً للمآسي والإبادات الجماعية المريرة التي تعرض لها أبناء الديانة الأيزيدية عبر التاريخ على أيدي جماعات رفعت شعارات إسلامية، تولد نوع من الرفض النفسي والنفور لدى الكثير من الأيزيديين تجاه هذا العيد بسبب هذا التزامن، ظناً منهم أنه استعارة أو تقليد لإرث الآخر. لكن الحقيقة تفيد بأن طقوس الحج ومواسمه وتوقيتاته الفلكية استند فيها الإسلام إلى موروث إبراهيمي ومشرقي قديم وقام بتعديله وإلغاء مظاهره المادية ليتناسب مع رسالته، والقول بأن قريش كانت وثنية بدائية تصنع أصناماً من تمر لتأكلها هو تهمة ترويجية ألصقها التدوين التاريخي اللاحق لتهشيم العمق الفلسفي والفلكي لدين العرب القديم وإثبات أحقية القادم الجديد بتبديد الباطل وتأكيد ريادته بالوحي.
هذا التنازع بين الظاهر والباطن يقودنا إلى ملامسة الروابط المخفية بين الباطنية الدينية والدولة العميقة بمفهومها السياسي الحديث. فالأديان والمجتمعات المشرقية التي واجهت القمع والاضطهاد من السلطات الظاهرية عبر العصور، لجأت إلى التقية والباطنية المعرفية والسرية لحماية جوهرها الروحي وثقافتها الأصيلة من الزوال، لتتحول هذه الباطنية بمرور الزمن إلى دولة عميقة للوعي تحافظ على الشيفرة الوراثية للأمم وتدير صمودها التاريخي من خلف الستار، وهو ما نراه متجسداً في كبرى القوى والمراكز عبر التاريخ.
لو نظرنا إلى بلاد فارس اليوم، نجد أن الدولة العميقة هناك تتشح بالرداء الشيعي الاثني وعشري كواجهة سياسية، لكن في عمقها وباطنها الثقافي الممتد لآلاف السنين نجد الروح القومية الآرية والوعي الزارادشتي القديم يتنفسان بوضوح، ويتجلى ذلك في تقديس أعياد كالنوروز التي تتفوق في وجدانهم على الأعياد الظاهرية، حيث تستخدم الدولة العميقة هناك هذه الباطنية الثقافية كأداة نفوذ وصمود قومي عابر للأيدولوجيات المؤقتة، بانتظار الوقت المناسب لإحياء الهوية الزارادشتية الأصلية. وفي تركيا، نجد أن مصطلح الدولة العميقة نشأ من تنظيمات باطنية وسياسية تحتكر القوة، وفي عمق فكرها الجمعي نجد حنيناً باطناً إلى الديانة الشامانية القديمة، ديانة وسط آسيا وتقديس الطبيعة والذئب الأزرق وصوت الذئب الأسطوري، حيث تعيش الطقوس الشامانية في تفاصيل ثقافتهم اليومية وحركاتهم القومية المتطرفة كأصل وجودي يسبق العلمانية الأتاتوركية والإسلام الظاهري. أما في الغرب، فيتربع الفاتيكان كأقدم دولة عميقة مستمرة في العالم، ورغم كونه مركزاً روحياً مسيحياً في الظاهر، إلا أنه في باطنه ورث الهيكل الإداري والقانوني للإمبراطورية الرومانية الوثنية، وتزاوجت مصالحه عبر التاريخ مع تنظيمات عسكرية باطنية كفرسان الهيكل الذين تشربوا علوم الشرق، ليظل الفاتيكان عقلاً باطنياً للمركزية الأوروبية، يحرس أسرار ومخطوطات البشرية في أقبية سرية ويقود العالم بروح الصليبيين القدامى من وراء الأقنعة.
إن الحج الأيزيدي في لالش، بطوافه المزدان بعزف الدف والشباب وطقوس القربان ومشية الحفاء، ليس تقليداً لأحد ولا استعارة من دين يرفضه الوجدان الأيزيدي المعاصر بسبب أثر الإبادات، بل هو امتداد أصيل ونقي للتوحيد المشرقي القديم وجغرافيا الروح الرافدينية الباطنية التي حافظت على فلسفتها الطبيعية الإنسانية من الاندثار. إن التلبية الأيزيدية التي تطلب حفظ ومباركة جميع الأمم والأديان أولاً ثم تطلب حفظ الأمة الأيزيدية ثانياً، هي البرهان الساطع على أن هذا الدين لم يكن يوماً صنيعة الصدفة أو المحاكاة، بل هو حارس الشيفرة المشرقية القديمة التي سبقت كل التحولات السياسية والدينية الحديثة بآلاف السنين، وتأكيد على أن الهوية الباطنية العميقة للشعوب هي التي تنتصر في النهاية مهما تغيرت المسميات والظواهر.

أولاً: فرضية قريش والأيزيدية وتهمة الوثنية
كل دين جديد يحاول نزع الشرعية عن الدين الذي سبقه لوصمه بالباطل هو آلية تاريخية صحيحة ومثبتة في علم أديان المقارن. فالإمبراطورية الرومانية مثلاً وصمت الأديان الميتراية والسلجوقية بالهرطقة والوثنية لتثبيت المسيحية، والزارادشتية الساسانية حاربت المانوية والمزدكية بذات الطريقة.
ولكن، من الناحية التاريخية والجغرافية، هناك فوارق تمنعنا من القول بأن دين قريش كان “أيزيدياً” بالمعنى الحرفي، بل يمكن صياغة الفكرة بشكل علمي دقيق كالتالي: دين قريش والأيزيدية كلاهما فرعان لـ “شجرة ميثولوجية مشرقية واحدة”.
قريش لم تكن معزولة في صحراء قاحلة؛ بل كانت رحلاتهم (شتاءً وصيفاً) تربطهم ببلاد الشام والعراق. الأصنام التي كانت في مكة (مثل اللات، والعزى، ومناة) هي في الأصل آلهة نبطية وآرامية وسومرية (عشتار/العزى).. في مكة كان هناك “الحنفاء” (مثل ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو) الذين رفضوا عبادة الحجارة وآمنوا بإله واحد غيبي، وكانوا يبحثون عن دين إبراهيم الخالص.بينما الأيزيدية احتفظت بهذا التوحيد المشرقي النقي المرتبط بالظواهر النورانية والفلكية (مثل تقديس الشمس كأعظم تجلٍ لنور الله).
تكفير الآخر تاريخياً من الممكن جداً أن الموروث الإسلامي اللاحق (خاصة في العصر العباسي أثناء تدوين التاريخ) ضخم من شكل “الوثنية البدائية” للعرب (كقصص صناعة أصنام من التمر وأكلها) لإظهار حجم النقلة الحضارية التي أحدثها الإسلام ومحمد وزوجته خديجة بنت خويلد ، ممسكاً بالجانب المادي (التمسح بالحجارة) ومتغافلاً عن العمق الفلسفي أو الفلكي الذي كان وراء تلك الطقوس (كالرقم 360 المرتبط بدورة الزمن).

ثانياً: هل “الدولة الباطنية” هي “الدولة العميقة”؟
المفهوم الديني الروحي: (الباطنية) وهي إرجاع النصوص والطقوس إلى معانٍ مخفية وعميقة لا يدركها إلا الخاصة (أهل الله / العارفين).
المفهوم السياسي الحديث: (الدولة العميقة – Deep State) وهي شبكات المصالح غير المُنتخبة (أمنية، عسكرية، مالية) التي تدير الدولة من خلف الستار بغض النظر عن الحزب الحاكم.
هل هناك ربط؟ نعم، من حيث الآلية وسيكولوجيا الإدارة.
في التاريخ المشرقي، عندما كانت السلطات الظاهرية (الخلفاء، السلاطين) تمارس القمع السياسي والديني، كانت النخب الفكرية والروحية تلجأ إلى “التقية” والعمل الباطني. تحولت الحركات الباطنية (كالإسماعيلية، الصوفية العميقة، الأيزيدية، واليارسانية) إلى تنظيمات مغلقة شديدة السرية لحماية جوهرها المعرفي وجودياً. من هنا، أصبحت “الباطنية” بمثابة “دولة عميقة للوعي والروح” تقاوم زوال الإمبراطوريات السياسية الظاهرية.
أما عن إسقاط هذا المفهوم على القوى الإقليمية اليوم، نعم وكما يلي

1. بلاد فارس (إيران) والزارادشتية
الدولة العميقة في إيران اليوم تتشح بالرداء الشيعي الاثني عشري، لكن لو دققنا في عمقها الثقافي، نجد أن الهوية القومية الفارسية (الآرية) ممتزجة بالبنية السياسية. أعياد مثل “النوروز” (وهو عيد زارادشتي رئيسي ويحتفل به الأيزيديون والأكراد أيضاً كبداية رأس السنة الشرقية) هو عطلة رسمية مقدسة في إيران تتفوق أحياناً على الأعياد الدينية الظاهرية. الدولة العميقة هناك لا تسعى لإعادة الزارادشتية كـ”دين رسمي”، بل تستخدم “الباطنية الثقافية” الفارسية الممتدة لآلاف السنين كأداة نفوذ وصمود تاريخي يتجاوز الأيدولوجيا الحالية.

2. تركيا والشامانية
مصطلح “الدولة العميقة” (Derin Devlet) نشأ أصلاً في تركيا في القرن العشرين (من خلال تنظيمات مثل “الأرغنكون”). تاريخياً، الأتراك جاؤوا من وسط آسيا (منغوليا وسيبيريا) وكانت ديانتهم الأصلية هي الشامانية (تقديس الطبيعة، الذئب الأزرق، الأرواح).
حتى اليوم، الطقوس الشامانية تعيش في باطن الثقافة التركية (مثل تعليق خرزة العين الزرقاء، سكب الماء خلف المسافر، وربط الأشرطة على الأشجار لطلب الأمنيات). الحركات القومية المتطرفة في تركيا (مثل الذئاب الرمادية) هي الوجه السياسي لهذه الدولة العميقة التي تحن وترجع في باطنها إلى المجد الطوراني الشاماني القديم، وتراه الهوية الحقيقية التي تسبق الإسلام والعلمانية الأتاتوركية
.
3. الفاتيكان والصليبيون
الفاتيكان هو أقدم “دولة عميقة” مستمرة في العالم الغربي. في الظاهر، هو مركز روحي مسيحي، لكن في أعماقه الباطنية:
ورث الفاتيكان الهيكل الإداري والقانوني لـ الإمبراطورية الرومانية الوثنية (حتى لقب البابا Pontifex Maximus هو لقب حبر الأحبار الوثني الروماني القديم).
أثناء الحروب الصليبية، تزاوجت مصالح الفاتيكان مع تنظيمات باطنية عسكرية مثل “فرسان الهيكل” (Templars)، والذين اتُهموا لاحقاً بأنهم دخلوا في معتقدات باطنية مشرقية أثناء وجودهم في القدس. الفاتيكان يمثل العقل المدبر لـ “المركزية الأوروبية”، ويحتفظ بأسرار ومخطوطات في قبو سري تحت الأرض، مما يجعله تجسيداً حياً لفكرة إدارة العالم عبر “المعرفة الباطنية المحجوبة” عن العوام.
. سيروان سليم شرو

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular