Homeاراءخصلة الطفل العبور أو - بسكا التطهير -: سفيان شيخ مرزا

خصلة الطفل العبور أو – بسكا التطهير -: سفيان شيخ مرزا

رمز قديم يعبر الأزمنة ويصل الشعوب ببعضها

​نشرت قبل أشهر الأستاذة أرباح شيخ إلياس فيديو لطفل يهودي من شرق أوروبا، يقص كاهن يهودي شعره في طقس احتفالي ديني ، تترافق معه أدعية باللغة العبرية.

قد يبدو المشهد لأول وهلة طقسًا خاصًا بجماعة دينية محددة ، لكن التوقف عنده قليلًا يكشف أن المقص هنا ليس أداة عابرة ، بل حامل لذاكرة أقدم بكثير ، ذاكرة تعود إلى ضفاف الرافدين قبل آلاف السنين.

​في بلاد ما بين النهرين القديمة لم يكن قص الشعر فعلًا تجميليًا ولا عادة يومية كما نعرفها اليوم.

( كان لحظة عبور حاسمة في حياة الإنسان إعلانًا عن الانتقال من عالم البرية إلى عالم المجتمع ومن الحالة الطبيعية إلى الانتماء الروحي ).

أوضح مثال على ذلك نجده في ملحمة جلجامش حيث يتحول إنكيدو من كائن بري يعيش مع الحيوانات إلى إنسان متمدن عندما يُقص شعره ويُهذّب.

الخصلة التي تسقط هناك ليست شعرًا فحسب بل وداعًا لحياة سابقة وبداية انخراط في نظام الآلهة والبشر.
​هذا الرمز لم يختفِ مع غياب عادات سومر وبابل وآشور،
بل انتقل بين الشعوب والأديان وتبدلت أشكاله بينما بقي جوهره ثابتًا،
التطهير،
والبداية الجديدة،
والعبور إلى مرحلة روحية أعمق.

​نرى هذا اليوم في ثقافات متعددة تمارس هذا الفعل كعادةٍ موروثة دون وعيٍ بجذوره الأولى وقدمه، في الهند، طقس “موندان” حيث يُقص شعر الطفل للمرة الأولى إيذانًا ببداية حياة نقية.

وفي بعض قبائل المنغول وسيبيريا يُحتفل بقص الخصلة الأولى بوصفها حماية روحية ودخولًا في عالم الرموز.

وفي المسيحية الشرقية القديمة كان “التونشور” عند الرهبان علامة التخلي عن الدنيا والدخول في الخدمة الإلهية.

حتى في اليهودية يظهر طقس “الأبشرين” عند سن الثالثة كبداية للتعليم الديني. وفي الإسلام نجد أثرًا مشابهًا في العقيقة وقص الشعر عند التحلل من الإحرام، وهي طقس سبقت الإسلام ثم أُعيد تأويلها ضمن منظومته الدينية، إذ يتجلى هذا البُعد الرمزي في مثل هذه الأيام في الحج وعيد الأضحى (عيد الحجاج) بوصف حلق الشعر أحد أهم ركائز التحلل، في استعادةٍ شعائرية تعود جذورها إلى طقوس التطهير والعبور الروحي القديمة.

​غير أن شعبين حافظا على هذا الرمز بأقرب صورة إلى جذوره الأولى دون انقطاع كبير في المعنى،الإيزيديون واليهود.

​عند الإيزيديين يظهر هذا الطقس في “البِسك برين”، حيث تُقص خصلات قليلة من شعر الطفل الذكر بعد أشهر من ولادته غالبًا في معبد لالش. فبينما تمارس الشعوب الأخرى هذا الطقس دون إدراكٍ لأصله، استمر الإيزيديون في الحفاظ عليه كخصلةِ عبورٍ حقيقية تضع حياة البرية خلف الإنسان، لتدخله رسميًا في حدود الالتزام الروحاني والعبادة، وربطه بسلسلة الذاكرة الممتدة دون انقطاع.

​وعند اليهود خاصة في تقاليد شرق أوروبا يأتي “الأبشرين” بنفس الروح القديمة وكأنه صدى لعبور عرفته البشرية منذ فجر التاريخ.

لو ​نظرنا اليوم إلى قص شعر طفل إيزيدي في لالش أو طفل يهودي في كييف او موسكو أو القدس.
كلاهما يقف عند بوابة رمزية واحدة بوابة كان قص الشعر عندها لحظة عبور.
تذوب المسافات الجغرافية والزمنية أمام ضربة مقص واحدة ​الذاكرة البشرية لا تمحى بسهولة.

الخصلة التي تسقط ليست مجرد شعر،
بل خيط رفيع يربط الإنسان بطين سومر،
وبأول معنى للانتماء وبفكرة العبور نفسها.

​وهنا، يعود المعنى ليكتمل.
فكما تُقص خصلة الطفل إعلانًا لعبوره إلى الحياة والهوية، تُقص ضفيرة الفتاة الإيزيدية في لحظات الفقد الكبرى، احترامًا لأخٍ أو حبيبٍ أو شهيد، ووفاءً لعبوره إلى الجهة الأخرى.

اللغة واحدة وإن اختلفت اللحظة.
الشعر هنا ليس زينة بل عهد.
خصلة البداية وضفيرة الوداع هما وجهان لمعنى واحد,
العبور،
والوفاء،
واستمرار الذاكرة من جيل إلى جيل.

28.Mai.2026

​ ​” يظهر في الفيديو الذي يوثق استمرارية طقس قص شعر الطفل اليهودي بوصفه علامة عبور في تقاليد شرق أوروبا”

548CB6BB-3267-4A81-A5B9-06B5FF595C1E

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular