ذاكرة التعايش في أحضان الجبال قبل تسلل التطرف إلى القلوب، في هذه الأرضِ التي تعرف اليوم بإقليم كوردستان العراق، ما تزال تختبئ حكايات دافئة من زمنٍ كانت فيه الإنسانية أوسع من الانتماءات الضيقة وكان الإنسان أقرب إلى أخيه الإنسانِ من أي تعريفٍ آخر.
كانت القرى الإيزيدية الممتدة في ولات شيخٍ ولحفا قائديا ودفرا دنا ودفرا هويريا وسواها من المناطق المتجاورة مع القرى المسلمة تنبض بروح الألفة والمحبة، حيث لم يكن الناس ينظرون إلى بعضهم بعين انتماء الدين والطائفة، بل بعيون الجوارِ والعيش المشترك والمصير الواحد.
في أواخر الستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، لم تكن العلاقات الاجتماعية مجرد مجاملاتٍ عابرة، بل كانت حياة كاملة تقوم على الثقة والمودة والتكافل الإنساني.
كان لأغلب العائلات الإيزيدية تقريباً كريف دم مسلم، تربطهم علاقة تتجاوز حدود العرف الاجتماعي إلى معنى القرابة الحقيقية وكانت الطرقات الريفية شاهدة على الباعة الكورد المسلمين وهم يحملون سلال العنب والتفاح والتين والحبة الخضراء إلى القرى الإيزيدية ليبادلوها بالقمح والحبوب والبرغل في صورة إنسانية نادرة لاقتصاد اجتماعي تحكمه المحبة قبل المصالح وتغذيه الألفة قبل الحاجة.
الكورد المسلمون كانوا ينامون في بيوت الإيزيديين ويأكلون من ” الطعامِ ذاته ” دون خوفٍ أو حرجٍ أو شعورٍ بالغربة وكأن الجميع أبناء بيتٍ واحدٍ اسمه الإنسانية.
ذلك الزمن لم يكن مثالياً فحسب، بل كان يحمل معنىً عميقاً للشراكة الإنسانية الصادقة، حيث كانت القلوب أكثر اتساعاً من الانقسامات وكانت الروابط الاجتماعية أقوى من كل الفوارق الدينية والقومية.
في تلك السنوات، تحولت البيوت الإيزيدية إلى مراكز دعم وسند لثوّار الحركة التحررية الكوردية وأنصار الشيوعيين، كانت القرى الإيزيدية تقدم الغذاء والملبس والمأوى والحماية لمقاتلي حركة التحرر الكوردستانية دون تردد أو حسابات ضيقة.
لم يكن السؤال يومها عن الدين أو القومية، بل عن الإنسان وعن الموقف الأخلاقي تجاه معاناته وقضيته وكانت تلك الروح دليلاً حقيقياً على أن التعايش والعيش المشترك، لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه القلوب حين تتحرر من الخوف والكراهية والتعصب.
لكن صورة المجتمع بدأت تتغير تدريجياً مع بدايات التسعينات من القرنِ المنصرم، بعد تشكيل إقليمِ كوردستان العراق، حين تسللت التنظيمات الإسلامية المتشددة والنزعات القومية والصراعات السياسية إلى الإقليمِ وبدأ الخطاب الديني المتشدد والفكر القومي الإقصائي يزرع الشكوك والحواجز النفسية بين أبناء المجتمع الواحد.
مع اتساع هذا الفكر، انكمشت مساحة الثقة وتراجعت العلاقات الإنسانية التي كانت يوماً عنواناً للحياة المشتركة.
شيئاً فشيئاً تحول الاختلاف الديني من مصدر غنى وتنوع إلى سبب للعزلة والنفور والانقسام.
اليومَ يشعر كثير من الإيزيديين بأنهم غرباء وضيوف ومواطنون من الدرجة الثانية والثالثة داخل فضائهم الاجتماعي، بعدما فقدت الأسواق والمطاعم والمحال التجارية والمزارع أضف إلى مؤسسات الدولة الحكومية والشبه حكومية ذلك الشعور القديم بالأمان والقبول الإنساني.
لقد أفرز التطرف وعياً مشوهاً يقوم على الإقصاء والتمييز وأضعف الروابط التي حافظت لعقود على وحدة النسيج المجتمعي في الإقليم وللحقيقة هذه التحولات لا تهدد مكوناً بعينه، بل يهدد جوهر المجتمع الكوردستاني بكل مكوناته، لأن المجتمعات لا تنهار دفعةً واحدةً، بل تتكل بصمتٍ حين تفقد قدرتها على احترام تنوعِها الداخلي.
إن الحاجة اليوم لم تعد مجرد دعوةٍ عاطفيةٍ للتسامح، بل أصبحت ضرورة أخلاقيةً ووطنيةً لحماية مستقبل الأجيال القادمة.
أن حكومة الإقليمِ ومعها النخب الثقافية والدينية والاجتماعية مطالبة وبشدةٍ بوضع مشروع حقيقي يعيد الاعتبار لقيم المحبة والتعايش السلمي والعيش المشترك ويواجه خطر خطابات الكراهية والتطرف بكل أشكاله.
لبناء مجتمعٍ متماسكٍ فذلك لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل عبر إعداد برامج علمية من خلال التربية والتعليم والإعلام ودورات تثقيفية والقوانين العادلة التي تكرس احترام الإنسان، مهما كان دينه أو قوميته أو توجهه السياسي.
لقد أثبت التاريخ القريب أن الناس قادرون على العيشِ معاً حين تكون الإنسانية أعلى من التعصب وأن العيش المشترك أقوى من خطابات الكراهية.
وما أحوج كوردستان اليوم إلى استعادة تلك الروحِ القديمة التي جعلت من القرى البسيطة نموذجاً للأخوة الصادقة والتعايش الحقيقي.
التعايش المشترك ليس حلماً مستحيلاً، بل حقيقةً عاشها الناس فعلاً حين كانت القلوب أكثر نقاءً وكانت المحبة والمودة والألفة هي لغة الجميعِ.

