في المجتمعات الحية، لا تُقاس قوة المؤسسات الدينية بحجم الأموال التي تدخل خزائنها، بل بمقدار ما ينعكس من تلك الأموال ايجابيا على حياة الناس. لكن حين تتسع الفجوة بين حجم التبرعات وبين واقع الفقراء والمحتاجين، يصبح السؤال واجباً، وأما الصمت فيغدو جزءاً من المشكلة ومشاركة فيها.
لقد اعتاد الإيزيديون على تقديم الخيرات والنذور لمعبد لالش النوراني المقدس باعتباره المعبد الوحيد والقلب الروحي للأمة الإيزيدية، وحيث لا توجد نصوص دينية أو أحكام خاصة تفرض أو توصي بأن هذه التبرعات ما هي إلا هبات شخصية لأفراد أو عائلات محددة، بل إن المجتمع الإيزيدي متفق ولايزال بأن هذه الأموال تعتبر بمثابة أمانة جماعية ووقفاً معنوياً لخدمة المجتمع والدين والمحتاجين. ولذلك فإن أي نقاش حول إدارة هذه الأموال ليس تعدياً على المقدسات، أو انتقاصا من شخصية سمو الأمير أو إساءة للمجلس الروحاني بل يعتبر دفاعا عن كل هذا، بالإضافة إلى ترسيخ روح الإيزدايتي.
لكن مجرد مقارنة عابرة على الصعيد الخدمي أو العمراني والتمدن وغير ذلك، بين معبد لالش النوراني وجارتها كنيسة القوش، أو أي جامع في المنطقة، سيلاحظ وجود تفاوت وفروق هائلة بينها سلبا، علمًا أن حجم الخيرات والتبرعات التي تدخل خزينة معبد لالش النوراني يمكن أن تغطي ماليا نفقات وتكاليف عشرات الكنائس والجوامع.
اليوم، وبعد سنوات من تدفق التبرعات والخيرات
من الداخل والخارج على السواء، والتي ترفد خزينة لالش النوراني بشكل يومي بأموال طائلة، يحق للإيزيديين الاستفسار عن المشاريع الخدمية في معبد لالش النوراني، وكذلك السؤال عن صناديق دعم الطلبة، وكذلك برامج رعاية المرضى والأرامل والأيتام، وتقديم التقارير المالية التي توثق حجم الإيرادات وأوجه الإنفاق للرأي العام.
إن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في إدارتها في غياب الشفافية، فكل مؤسسة تحترم نفسها تعلن موازناتها وتكشف حساباتها وتخضع للرقابة. أما أن تبقى الأموال في دائرة مغلقة لا يعلم الناس عنها شيئاً، فهذا وضع لا يمكن تبريره في القرن الحادي والعشرين.
لقد كان الأمير الراحل تحسين بك يدرك حساسية هذا الملف، ولذلك اعلن في ربيع 2007 وفي حضور عشرات الإيزيديين بإنشاء صندوق خيري باسم (صندوق الامير تحسين بك) بغية ربط هذه الخيرات والتبرعات بالعمل الخيري والاجتماعي، وأعلن أكثر من مرة أن هذه الأموال يجب أن تصل إلى المحتاجين، و قال من خلال وثيقة رسمية بانه” بريء من اي شخص من افراد عائلته يقوم بالإساءة الى الايزيديين “.
أما اليوم فإن الشارع الإيزيدي يعيش حالة قلق متزايدة بسبب غياب الشفافية بشأن إدارة هذه الموارد.
وهنا أود أن أنوّه إلى نقطة في غاية الأهمية والخطورة، وهي
أنه أثناء تنصيب الأمير حازم تحسين بك، تم أيضًا تعيين أربعة وكلاء له، وهم التالية أسماؤهم: ١. المرحوم كاميران خيري بك وينوب عنه حالياً اخاه فرج خيري بك مسؤولاً للشؤون الدينية٢. شيرزاد فاروق بك واستقال من منصبه وينوب عنه حاليا داسن فاروق بك مسؤول ملف شؤون العشائر ٣. الشاب هرمان ميرزا بك وكيلاً لشؤون الشباب ٤. السيد جهور علي بك الحسين لشؤون العلاقات العامة، ما يعني أن 24 عائلة من بيت الإمارة أصبحت تعيش من هذه الخيرات. ويتقاضى كل واحد من هؤلاء الوكلاء راتبًا شهريًا يُقدَّر بنحو 1600 دولار أمريكي من هذه الموارد، و مايقارب ٤٠٠ دولار أمريكي شهرياً لكل عائلة كما تُصرف آلاف الدولارات الأخرى شهريًا على مقراتهم وسياراتهم الفاخرة وشؤونهم الخاصة، وفوج من المستشارين الخاصين بهم، وحتى تنقلاتهم وسفراتهم الخاصة وبشكل يومي، هذا وبالإضافة إلى وجود مايقارب الخمسين شخصاً من بيت الامير يتقاضون رواتب شهرية من “الزيره فاني” تحت اسم حراس لالش لكن مع الأسف بدوام وهمي.
وهنا اود ان أنوه أيضا إلى انه لا يجوز ابداً حصر الوكلاء بعائلة الامير او بمنطقة معينة، فكان من المفروض والعدل أن يكون هناك وكلاء للأمير والمجلس الروحاني من إيزيديي سوريا و تركيا وأرمينيا ايضاً.
ومن ناحية أخرى لا يخفى على أحد وجود خلافات حادة بين هؤلاء الوكلاء أنفسهم، وكذلك بينهم وبين الأمير حازم، المعروف بطيبة قلبه وهدوئه. وكما تشير روايات متداولة إلى أنهم مارسوا ضغوطًا عليه أدت إلى إلغاء صندوق الأمير الراحل تحسين بك، ومن أجل حصر الاستفادة من هذه الخيرات والتبرعات بهؤلاء الوكلاء وعائلاتهم.
إن القضية هنا ليست قضية أشخاص، بل قضية مبدأ. فحين تتحول المؤسسات العامة إلى دوائر مغلقة شخصية، وحين تغيب الرقابة والمحاسبة، تتراجع الثقة وتكبر الشكوك. وما يهدد أي مؤسسة ليس النقد، بل رفض النقد وعدم الاستماع إلى صوت الشارع.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس بيانات دفاعية ولا حملات تخوين، بل كشف كامل وشفاف للحقائق. المطلوب توثيق الإيرادات السنوية ونشرها، وإعلان أوجه الصرف، وتشكيل هيئة مستقلة من رجال الدين والمثقفين والأكاديميين والشخصيات الاجتماعية للإشراف على إدارة الخيرات والتبرعات.
إن أموال الفقراء ليست شأناً خاصاً، والتبرعات التي يقدمها الناس باسم الدين ليست ملكاً لأحد. وكل دين يفقد قدرته على حماية حقوق الفقراء يفقد جزءاً من رسالته الأخلاقية.
لقد آن الأوان لأن ينتقل هذا الملف من دائرة الهمس إلى دائرة الحوار العلني المسؤول. فالمجتمع الذي قدم التضحيات وصمد أمام الإبادة والتهجير من حقه أن يعرف كيف تُدار موارده، ومن حقه أن يطالب بإصلاح حقيقي يضع الخيرات في المكان الذي قُدمت من أجله: خدمة الناس، لا خدمة النفوذ؛ دعم المحتاجين، لا تعزيز الامتيازات؛ بناء المجتمع، لا توسيع دائرة المستفيدين.
فالشفافية ليست تهديداً للمؤسسات، بل هي الضمان الوحيد لتفعيلها ولتحظى باحترام ناسها.

