Homeاراءالإيزيديون بين الاعتراف الرمزي والمواطنة الفعلية : حسون جهور

الإيزيديون بين الاعتراف الرمزي والمواطنة الفعلية : حسون جهور

قد يثير انزعاج بعض الأطراف أو ما يسمى ببعض “الكتاب” عندما يُقدم الإنسان الإيزيدي هويته اللغوية والعرقية والدينية بشكل مستقل، وإن اختلفنا مع تلك الرؤية وطريقة طرحها، بعيدا عن القوالب السياسية الجاهزة أو محاولات الاختزال ضمن إطار واحد، لأنه يرى بقاءه في التمسك بخصوصيته التي انتزع منه الكثير عبر التاريخ. لكن هذا ليس موقف مواجهة ضد اية جهة مقابلة محددة، بل تعبير طبيعي عن حقه في الوجود والتعريف بالذات كما اكتسبها من أسلافه، لا كما يُراد لها أن تكون ضمن سياق جاهز يباع ويشترى وفق أهواء الآخر، مثلما تلاعب بوجوده في سياسات الحكماء السابقين.
ولكن في التجربة السياسية المعاصرة، وفي أماكن تواجدهم، يظهر الإيزيديون في كثير من الأحيان كجزء رمزي ومكون مهم من خطاب “التنوع” أو “التعدد” لذلك البلد، لكن هذا الحضور لا ينعكس دائماً على مستوى المشاركة الفعلية في القرار السياسي أو اي منصب الإداري يُذكر، مما يخلق فجوة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية. حقيقة هذا الواقع كان يُتعامل معه في السابق كسلعة في “بازار” مفتوح، أما اليوم فقد بدأ العقل الإيزيدي يتجاوز ذلك النمط من التلقي والتعريف، ليفكر بشكل مغاير يعبر عن حقيقته كما هو يريد، لا كما يُراد له، وبدأ يبرز هذا الطرح بشكل خاص لدى الجيل الإيزيدي الحالي، المفعم بثقافة وحرية التعبير التي تعلّم وعاش فيها، لا سيما في المهجر.
بعد الإبادة الجماعية وأحداث عام 2014 في سنجار شكلت نقطة تحول عميقة في الوعي الإيزيدي، حيث لم يعد الحديث عن الهوية مجرد مسألة ثقافية، بل أصبح مرتبطا أيضا بالحماية والتمثيل والاعتراف السياسي قبل وجودهم التاريخي، ليكون لهم دور فعال في حماية مجتمعهم من الأفكار والمجاميع المتطرفة دون الاعتماد على الآخر، لانه فقد الثقة باية جهة بفعل تلك الابادة. هذه التجربة زادت من حساسية السؤال حول موقع الإيزيدي داخل المعادلات السياسية القائمة، وحدود مشاركته الفعلية فيها. فهنا يُنظر في بعض السياقات او الجهات إلى أي خطاب يبرز الخصوصية الإيزيدية بشكل مستقل على أنه مزعج أو خارج عن السياق العام المعمول به سابقا، رغم أنه في جوهره يعبر عن مطلب بسيط، ليس إلا وهو أن الإيزيدي مطلبه هو أن يُعامل في بلده كمواطن حقيقي مثل غيره، لأن له ما له وعليه ما عليه من حقوق وواجبات، لا كامتداد سياسي أو رمز يُستدعى عند الحاجة “سلعة تباع أو تشترى حسب الطلب” ثم يُهمش فيما بعد. حقيقة المسألة لا تتعلق بالانتماء أو القطيعة مع الآخرين، بل بطريقة إدارة هذا الانتماء داخل فضاء سياسي يتسع للجميع دون استثناء أو تهميش، ويعترف بالاختلاف كجزء من الواقع لا كتهديد له. فعندما يقدم الإيزيدي بهويته الخاصة، ليس هو الدخول في عراك وخصام مع الآخر، وإن وُجدت هناك مشتركات تاريخية عديدة، في المقابل يوجد أيضا اختلاف جوهري عقائدي في المشهد العام، وللأسف هذا الاختلاف يبين هو الحاكم الظاهري والمخفي في التحكم بمصير المجتمع، لذا ينبغي على السلطة الحاكمة النظر في هذا الأمر إن أرادوا أن يفكروا أكثر حضاريا كباقي الدول المتحضرة باحتضان الإنسان الإيزيدي واحتواءه.
وفي هذا السياق، تتحمل الأطراف المختلفة مسؤولية مشتركة: اولا على الإيزيديين مواصلة بناء خطاب موحد يعبّر عن مصالحهم وحقوقهم بوضوح وواقعية او اكثر عقلانية دون الوقوع في الاستقطاب أو التهجم والخروج عن المألوف أو القفز على الحقائق التاريخية، ثانيا على القوى السياسية المقابلة إعادة النظر في آليات التمثيل والمشاركة بما يضمن شراكة حقيقية لا رمزية، قائمة على المواطنة المتساوية والاحترام المتبادل ونبذ الخطاب الديني بل حصره في مكانه الخاص دون التدخل في الحياة العامة للناس المغاير لفكرهم ونحن في هذا العصر المتطور، كما نشيد ثقول (الإمام الشافعي) في احدى قصائده:
نُعيب زماننا والعيب فينا ـ وما لزماننا عيبٌ سوانا

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular