منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء وتأمل حركة الأفلاك والنجوم ، أدرك أن للكون نظاماً خفياً يقوم على التناغم والدوران والاستمرارية .
لم يكن شكل الدائرة مجرد صورة هندسية عابرة ، بل بدا وكأنه اللغة السرية التي كتب بها الخالق العظيم « خودي » النظام الذي تسير به الخليقة .
اضافة الى ان الزمن لايبدأ ولاينتهي لانه شئ دائري ، ولاننسى بان الدائرة اكمل الاشكال الهندسية .
الكون كله يتحرك ضمن نسق دائري متكامل : ” الشمس والقمر والكواكب ” و ” تعاقب الليل والنهار ” و ” دورة الفصول ” و ” الولادة والموت ” حتى الزمن نفسه يعود في هيئة دائرة لا تنتهي .
في فلسفة الأيزدياتي تحتل الدائرة مكانة روحية عميقة ، لأنها ترمز إلى الكمال والوحدة واللانهاية .
هي الشكل الذي ” لا بداية له ولا نهاية ” وكأنها تعبير رمزي عن سر الوجود الإلهي الذي لا يحده زمان ولا مكان .
من هنا ارتبطت الدائرة في الوعي الأيزيدي بالنور الإلهي والنظام الكوني المقدس .
تتجلى قدسية الدائرة بوضوح في البنية الدينية الأيزيدية ، حيث تقوم القبب فوق المزارات والمعابد على قاعدة دائرية ، ثم ترتفع بشكل هرمي تتجمع أضلاعه نحو القمة كما تتجمع الأشعة نحو الشمس وفي أعلى القبة تستقر الكتلة الكروية التي ترمز إلى اكتمال الكون ووحدته وفوقها الشواخص التي تحمل الكرات الدائرية والشمس المقدسة في صورة تختزل العلاقة بين الأرض والنور والسماء .
في العقيدة الأيزيدية لا يقتصر حضور الدائرة على البناء الديني فحسب ، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الدينية وحتى الملابس فالأيزيديون يرتدون لباساً دينياً أبيض ، دلالة على النقاء وبفتحة دائرية يعرف باسم « توك » في إشارة رمزية إلى الوحدانية والكمال والحماية الروحية .
وهكذا أصبحت الدائرة صورةً للكون حين يكون في توازنه الكامل وصورةً للروح حين تعود نقية إلى مركزها الأول .
هكذا تبقى الدائرة في الفكر الأيزيدي أشبه بمرآة للكون الكبير ، فكل شيء يبدأ منها ويعود إليها وكل دوران في هذا الوجود ما هو إلا تذكير بأن الحياة ليست خطاً منقطعاً ، بل دائرة مقدسة تستمر إلى الأبد .
ولا ننسى، سبق وان كتب الكاتب والناقد خالد علوكة عن قدسية الدائرة عند الأيزيديين في احدى مقالاته .

