Homeاراء"جراح الذاكرة: لماذا لا تبنى المصالحة على النسيان القسري؟": علو خلف خدر

“جراح الذاكرة: لماذا لا تبنى المصالحة على النسيان القسري؟”: علو خلف خدر

عندما تتعرض الشعوب للإبادة أو الاضطهاد الجماعي، فإنها لا تفقد أبناءها وأرضها وممتلكاتها فحسب، بل تحمل معها أيضًا أرشيفًا طويلًا من الألم والذكريات التي تستقر في الوعي الجمعي لأجيال متعاقبة.
لهذا نجد أن كثيرًا من الشعوب التي عانت من الإبادات والمجازر الكبرى ظلت حذرة في بناء الثقة مع الآخرين، وتحملت جراحها بصمت، وحافظت على ذاكرتها لأنها جزء من هويتها وتجربتها التاريخية. وينطبق ذلك على شعوب عديدة، منها الإيزيديون الذين تعرضوا لحملات إبادة متكررة عبر مراحل مختلفة من التاريخ، وكذلك الأرمن، واليهود في الهولوكوست، وغيرهم من الشعوب التي ما زالت تستحضر مآسيها بعد عقود وقرون طويلة.
إن مطالبة الضحايا بالنسيان السريع، أو مطالبتهم بالتخلي عن ذاكرتهم دون اعتراف أو اعتذار أو إنصاف أو جبر للضرر، هي مطالبة تتجاهل طبيعة الإنسان وطبيعة التاريخ معًا. فالذاكرة ليست مجرد سرد للماضي، بل هي وسيلة لحماية المستقبل من تكرار المأساة.
ومن الحكمة أن ندرك أن المصالحة الحقيقية لا تُبنى على النسيان القسري، بل على الاعتراف بالحقيقة واحترام معاناة الآخرين ورد الاعتبار لهم. وعندما يتعذر ذلك، فإن التعايش السلمي القائم على الاحترام المتبادل والحدود الواضحة قد يكون أفضل من فرض تقارب شكلي لا يعالج الجروح العميقة الكامنة في الذاكرة.
فالسلام لا يبدأ عندما ينسى الضحايا، بل عندما يفهم الآخرون لماذا لا يستطيعون النسيان.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular