للحديث عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الأيزيدي على يد الدولة الإسلامية أو ما يعرف بـ ” تنظيم داعش الإرهابي ” في 3 آب/أغسطس عام 2014، فإن الأنظار تتجه عادة إلى مشاهد القتل الجماعي والسبي والخطف والنزوح القسري وتدمير المزارع والمنازل ودور العبادة.
في الحقيقة هناك وجهٌ آخر لهذه المأساة لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم خطورته المتزايدة ويتمثل في الانهيار النفسي الذي يعيشه عدد كبير من أبناء الشعب الأيزيدي ولا سيما فئة المراهقين والشباب وما نتج عنه من ارتفاع مقلق في حالات الانتحار ومحاولات الانتحار خلال السنوات الأخيرة.
الإبادة الجماعية خلقت جروحاً عميقة في الوعي الجمعي للأيزيديين. فآلاف العائلات فقدت أبناءها وأقاربها وآلاف النساء والأطفال تعرضوا لأبشع أشكال العنف والاستعباد، فيما اضطر مئات الآلاف إلى ترك منازلهم وممتلكاتهم والعيش في مخيمات النزوح أو الهجرة إلى الخارج.
على الرغم من مرور أكثر من عقد على هذه الجريمة، فإن آثارها ما زالت حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية للناجين.
المأساة الحقيقية لا تكمن فقط فيما حدث عام 2014، بل فيما استمر بعد ذلك. فحتى اليوم لا يزال آلاف المختطفين والمختطفات مجهولي المصير ولا تزال عشرات المقابر الجماعية تنتظر استكمال عمليات فتحها وتحديد هويات الضحايا ودفنهم بما يليق بكرامتهم الإنسانية.
كما أن العدالة المنشودة لم تتحقق بالشكل الذي يوازي حجم الجريمة ولم يحصل المتضررون على التعويضات الكافية التي تساعدهم على استعادة حياتهم.
في الوقت ذاته، لا يزال عشرات الآلاف من الإيزيديين يعيشون في النزوح، محرومين من الاستقرار والعودة الآمنة إلى مناطقهم الأصلية.
في الحقيقة سبق أن تناولت هذا الموضوع ونشرت مقالاً عنه، إلا أن إقدام نحو عشرة من الشبان والشابات خلال أسابيع قليلة على الانتحار، فإن هذه خطوة تثير القلق العميق وتفرض علينا إعادة فتح هذا الملف وتسليط الضوء عليه من جديد.
لعل تكرار الحديث عنه يسهم في تسليط الاهتمام الذي يستحقه ويدفع الجهات الحكومية والمنظمات المدنية والإنسانية المعنية إلى الالتفات الجاد لهذه الظاهرة الخطيرة والعمل على اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ أهلنا من تداعيات الأزمات والاضطرابات النفسية التي باتت تعصف بالمجتمع وتهدد استقراره ومستقبله.
في ظل هذه الظروف المعقدة والسيئة، نشأ جيل كامل من الشباب الأيزيدي وهو يحمل إرثاً ثقيلاً من الألم والخوف والقلق وعدم اليقين.
الكثير من المراهقين والشباب عاشوا طفولتهم في المخيمات أو في بيئات تفتقر إلى الخدمات الأساسية وفرص التعليم والعمل والترفيه وشاهدوا عن قرب معاناة أسرهم وفقدان أحبائهم واستمعوا إلى قصص القتل والسبي والاختطاف التي أصبحت جزءاً من ذاكرتهم اليومية.
تراكم هذه الصدمات النفسية، إلى جانب استمرار الأزمات المعيشية والاجتماعية، أدى إلى تفشي حالات الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة والشعور بالعجز وفقدان الأمل بالمستقبل.
في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي وضعف برامج الرعاية الاجتماعية، أصبحت بعض فئات الشباب أكثر عرضة للانهيار النفسي، الأمر الذي انعكس في تزايد حالات الانتحار التي باتت تشكل ناقوس خطر حقيقي يهدد الشعب الأيزيدي.
من الصعب جداً فهم هذه الظاهرة بمعزل عن حالة الإهمال التي أحاطت بالقضية الإيزيدية خلال السنوات الماضية. فالشعب الذي تعرض للإبادة الجماعية ما زال يواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، بينما تتعثر مشاريع إعادة الإعمار وتتأخر معالجة الملفات الإنسانية العالقة ويستمر غياب الرؤية الشاملة لإعادة بناء الإنسان الأيزيدي قبل إعادة بناء الحجر.
ارتفاع أعداد المنتحرين وانتحار شاب أو شابة أيزيدية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره حادثة فردية أو مشكلة عائلية خاصة، بل هو مؤشر على أزمة جماعية تتطلب استجابة وطنية وإنسانية عاجلة. فكل حالة انتحار تمثل خسارة جديدة لمجتمع أنهكته الحروب والاضطهادات والإبادات المتكررة عبر التاريخ، وتكشف حجم المعاناة النفسية التي ما زالت تتفاقم بصمت بعيداً عن الأضواء.
هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تبني استراتيجية شاملة لمعالجة هذه الأزمة، تبدأ بإنشاء مراكز متخصصة للصحة النفسية في جميع المناطق الأيزيدية ومخيمات النزوح وتوفير كوادر مؤهلة من الأطباء والمعالجين النفسيين وإطلاق برامج دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد تستهدف الأطفال والمراهقين والشباب والناجين من الإبادة.
كما يجب أن تترافق هذه الجهود مع معالجة الأسباب الجذرية للأزمة من خلال إنهاء ملف النزوح والكشف عن مصير المختطفين وصرف التعويضات العادلة وإعادة إعمار المناطق المدمرة وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية.
كذلك فإن تحقيق العدالة ومحاسبة جميع المتورطين في جرائم الإبادة الجماعية يمثلان ضرورة أخلاقية وقانونية وإنسانية لا يمكن تجاهلها. فالعدالة ليست مجرد محاكمات وعقوبات، بل هي أيضاً عامل أساسي في ترميم الثقة وإعادة الأمل للضحايا والناجين.
نجا العديد من الأيزيديين من محاولات الإبادة الجسدية، لكنهم ما زالوا يواجهون تحدياً آخر يتمثل في الإبادة النفسية البطيئة التي تفتك بأبنائنا يوماً بعد يوم.
إذا لم تتحرك الجهات المحلية والوطنية والدولية بشكل جاد ومسؤول لمعالجة هذه الأزمة، فإن الشعب الأيزيدي سيبقى يدفع ثمن الإبادة الجماعية لعقود طويلة قادمة.
حماية الأيزيديين وخصوصا الشباب من اليأس والأنتحار ليست قضية صحية أو اجتماعية فحسب، بل هي جزء من مسؤولية إنسانية وأخلاقية تجاه مجتمع تعرض لواحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث وما زال ينتظر العدالة والإنصاف والتعافي الحقيقي.

