الهوية الإيزيدية حقٌ في الاعتراف لا مشروعٌ للاندماج
ليست كل الشعارات التي ترفع راية الديمقراطية والعدالة تحمل بالضرورة مضموناً ديمقراطياً. فالخطورة في السياسة لا تبدأ دائماً بالسلاح أو القوة العسكرية، بل قد تبدأ أحياناً من المصطلحات التي تبدو في ظاهرها إنسانية وجذابة، بينما تُستخدم في سياقات سياسية تمنحها معاني مختلفة عن تلك المتعارف عليها.
فالعدالة الانتقالية، والديمقراطية، والاندماج، مفاهيم تحمل في أصلها قيماً نبيلة، إلا أن قيمتها الحقيقية تتحدد بالسياق السياسي الذي تُطرح فيه، وبالجهة التي تتبناها، وبالغاية التي تسعى إلى تحقيقها.
في هذا السياق، اطلعت على دعوة لمؤتمر يُعتزم عقده في 15 تموز/يوليو 2026 تحت شعار “العدالة الانتقالية هي السبيل لتحقيق اندماج ديمقراطي حقيقي”، وبعنوان آخر هو “الإبادة الجماعية والاندماج الديمقراطي”، وينظمه ما يُعرف بـ”مجلس الشعب في شنكال”. وبغض النظر عن الجهة المنظمة، فإن هذين الشعارين يثيران أسئلة سياسية وفكرية عميقة تستحق النقاش، لا سيما بالنسبة للشعب الكوردي عموماً، والمكون الكوردي الإيزيدي خصوصاً.
فالفرق كبير بين الانتماء والاندماج الديمقراطي، رغم أن البعض يتعامل مع المصطلحين وكأنهما مترادفان.
فالانتماء يعني أن يكون الفرد أو الجماعة جزءاً من الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية، مع الاحتفاظ بالهوية القومية والدينية والثقافية واللغوية. وهو نموذج يقوم على الاعتراف بالتعددية، واحترام الخصوصيات، وضمان الحقوق الدستورية لجميع المكونات.
أما مفهوم “الاندماج الديمقراطي”، كما يُطرح في بعض المشاريع السياسية، فيتجاوز أحياناً فكرة المشاركة المتساوية إلى إعادة تشكيل هوية المجتمع ضمن إطار فكري وسياسي جديد، بحيث تصبح الهويات القومية والدينية أقل حضوراً لصالح هوية سياسية جامعة تُعرَّف وفق رؤية الجهة التي تتبنى هذا المشروع.
وهنا يكمن جوهر النقاش.
وفي هذا الإطار، أشار أستاذ الفلسفة السياسية البروفيسور سربست نبي إلى أن مفهوم “الأمة الديمقراطية”، الذي يُطرح ضمن أدبيات بعض القوى السياسية، يعد مفهوماً أيديولوجياً فضفاضاً لا يحظى بتعريف راسخ في الأدبيات السياسية الأكاديمية. ومن هذا المنطلق، فإن مصطلح “الاندماج الديمقراطي” لا يملك هو الآخر تعريفاً قانونياً أو أكاديمياً مستقراً ومتفقاً عليه، الأمر الذي يجعله مفهوماً سياسياً قابلاً لتفسيرات متعددة، ترتبط غالباً بالمشروع الذي يُطرح في إطاره.
إن الشعب الكوردي لم يخض عقوداً طويلة من النضال من أجل أن تذوب هويته في مشاريع سياسية عابرة للقوميات والأديان، بل ناضل من أجل الاعتراف بوجوده القومي، ولغته، وثقافته، وحقوقه السياسية المشروعة كشعب يعيش على أرضه التاريخية.
والأمر ذاته ينطبق على المكون الكوردي الإيزيدي.
فالإيزيديون لم يكونوا ضحايا الإبادة الجماعية في الثالث من آب/أغسطس 2014، ولا ضحايا عشرات الفرمانات التي سبقتها، بسبب انتمائهم إلى مشروع سياسي معين، وإنما لأنهم يحملون هوية دينية وثقافية وقومية متميزة. لقد استهدفت الإبادة وجودهم الإنساني وهويتهم وخصوصيتهم الجغرافية والثقافية، وليس انتماءهم السياسي.
لذلك، فإن أي مشروع يتحدث عن مستقبل الإيزيديين ينبغي أن ينطلق أولاً من حماية هذه الهوية، والاعتراف بها، وضمان بقائها، لا من إعادة تعريفها أو إدماجها في أطر أيديولوجية قد تؤدي، مع مرور الزمن، إلى تآكل خصوصيتها التاريخية.
أما العدالة الانتقالية، في معناها القانوني والسياسي، فهي منظومة تهدف إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإنصاف الضحايا، وتعويضهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
لكن عندما تُربط العدالة الانتقالية مسبقاً بمشروع أيديولوجي أو تصور سياسي معين، فإنها تفقد حيادها، وتتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع وفق رؤية سياسية محددة، وهو ما قد يؤدي إلى إفراغ مأساة الضحايا من مضمونها الحقيقي وتحويلها إلى وسيلة لخدمة مشروع سياسي.
ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة لا يمكن تجاهلها:
هل الأولوية هي إنصاف ضحايا الإبادة والاعتراف بحقوقهم، أم توجيههم نحو مشروع سياسي محدد باعتباره الخيار الوحيد للمستقبل؟
ولماذا تُستخدم مأساة الإبادة الجماعية مدخلاً للترويج لمشروع سياسي بدلاً من أن تكون أساساً للمطالبة بالعدالة والاعتراف والحقوق؟
إن الاعتقاد بأن احترام خصوصية المكونات يتعارض مع الديمقراطية هو اعتقاد خاطئ. فالديمقراطية الحقيقية لا تطلب من الشعوب أن تتخلى عن هوياتها، بل تضمن لها الحق في الحفاظ عليها، والتعبير عنها، والمشاركة في إدارة الشأن العام بحرية ومساواة.
وبالنسبة للقضية الكوردية، فإن أي مشروع لا يعترف صراحة بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، ولا يوفر لها ضمانات دستورية واضحة، يبقى مشروعاً ناقصاً مهما كانت شعاراته جذابة.
صحيح أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة التعقيد، وأن العراق وسوريا يواجهان تحديات سياسية وأمنية كبيرة، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرراً لتجاوز الحقوق القومية أو تهميشها. فالقضية الكوردية ليست قضية إدارة محلية أو تحسين خدمات أو توزيع مناصب، وإنما قضية شعب يمتلك لغة وتاريخاً وثقافة وهوية وحقوقاً سياسية مشروعة.
أما المكون الكوردي الإيزيدي، فإن التحدي الذي يواجهه اليوم لا يقتصر على آثار الإبادة الجماعية أو التهديدات الأمنية، بل يمتد أيضاً إلى الخطابات السياسية التي قد تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تهميش هويته القومية والدينية، أو التعامل معها باعتبارها تفصيلاً يمكن تجاوزه تحت عناوين عامة تبدو براقة.
إن بناء مستقبل ديمقراطي مستقر لا يتحقق بإلغاء الخصوصيات، بل بالاعتراف بها وحمايتها. فالتعددية ليست عقبة أمام الديمقراطية، بل هي أحد أهم شروط نجاحها واستمرارها.
ولهذا، فإن حماية الهوية الكوردية الإيزيدية ليست موقفاً ضد الديمقراطية، وإنما دفاع عن أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها أي ديمقراطية حقيقية: الاعتراف بالتنوع، وصون الحقوق، واحترام خصوصية الشعوب والمكونات، وعدم تحويل مآسيها التاريخية إلى أدوات لتسويق مشاريع سياسية أيديولوجية.
سرحان عيسى
30.06.2026

