Homeاراءدعوة لانصاف التاريخ الأيزيدي .. لتنتصر الذاكرة على التزيف : خالد الياس...

دعوة لانصاف التاريخ الأيزيدي .. لتنتصر الذاكرة على التزيف : خالد الياس رفو

 

يجب ألا تظل ذاكرة الشعوب أسيرة لروايات انتقائية وأجندات التمييز وأن تظهر بعض الشخصيات التاريخية بصورة مغايرة للحقائق وفق أهواء المنتصرين، بينما تهمش معاناة الضحايا وتدفن جرائم الماضي تحت عناوين البطولة والمجد القومي
فالتاريخ ليس مجموعة من التماثيل والأسماء والشعارات بل هو سجل للأفعال والمواقف ومن حق الشعوب التي تعرضت للمجازر والإبادات أن تطالب بإنصاف ذاكرتها وتصحيح ما لحق بها من ظلم تاريخي.

لقد آن الأوان ليجتمع الأيزيديين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم حول القضايا الأساسية التي تمس وجودهم وكرامتهم وذاكرتهم الجماعية بعيداً عن الخلافات الثانوية فهناك ملفات تاريخية وإنسانية لا تخص تياراً أو جهة بعينها بل تمس شعباً بأكمله ومن بينها قضية إعادة قراءة الشخصيات التي ارتبط اسمها بجرائم ارتكبت بحق الأيزيديين.

في مقدمة هذه القضايا تأتي مسألة تمثال محمد الراوندوزي، المعروف بـ ( ميري كور ) الذي يقدم في بعض الخطابات باعتباره شخصية قومية، في حين أن حقيقته أنه كان عميلاً للصفويين تارة وعميلاً للعثمانيين تارة أخرى بحسب مصالحه.
كما أن الأيزيديين يرون في تاريخه صفحة مؤلمة ارتبطت بحملات قتل ودمار استهدفت وجودهم في القرن التاسع عشر ولا سيما ما عرف بحملة عام 1832 التي خلفت آثاراً عميقة في الذاكرة الأيزيدية.

إن احترام التاريخ لا يعني تمجيد كل من حمل لقباً أو نال مكانة في فترة معينة بل يعني مواجهة الحقائق بكل شجاعة وموضوعية فكما تحرص الأمم المتحضرة على تخليد رموزها الإنسانية فإنها أيضاً تراجع رموز الماضي عندما تتكشف حقائق جديدة أو عندما تكون هناك معاناة جماعية موثقة لم تُنصف.

ولعل التجربة الألمانية تمثل مثالاً واضحاً على ذلك فقد كان اسم
” باول فون هيندنبورغ ” يطلق على عدد كبير من الشوارع والساحات العامة تكريماً له بصفته رئيساً لألمانيا خلال جمهورية فايمار.
إلا أن إعادة تقييم دوره التاريخي ولا سيما مسؤوليته في تعيين أدولف هتلر مستشاراً لألمانيا عام 1933 دفعت غالبية البلديات إلى إعادة النظر في هذا التكريم.
فقررت مدن عدة إزالة اسمه من الشوارع والساحات واستبداله بأسماء أخرى انطلاقاً من قناعة بأن تكريم الشخصيات العامة يجب أن ينسجم مع قيم العدالة والمسؤولية التاريخية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مدينة مونستر التي غيرت عام 2012 اسم ساحة هيندنبورغ إلى ساحة القصر ( Schlossplatz ).

إن مثل هذه المراجعات لا تعني محو التاريخ أو إنكار أحداثه وإنما تعكس نضجاً في التعامل مع الماضي واعترافاً بأن احترام ذاكرة الضحايا يجب أن يكون جزءاً من الوعي الجمعي.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بإعادة النظر في تكريم الشخصيات التي ارتبطت بارتكاب مجازر أو حملات إبادة ليست دعوة إلى الانتقام أو إلى إثارة الانقسام بل هي دعوة إلى قراءة التاريخ بميزان الحقيقة والعدالة بما يحفظ كرامة الضحايا ويعزز المصالحة مع الماضي.

عليه .. أنتهز الفرصة وأود توجيه رسالة مفتوحة إلى جناب الأمير حازم تحسين بك والمجلس الروحاني الإيزيدي وفي مقدمتهم سماحة البابا شيخ لاتخاذ موقف تاريخي جاد ومسؤول عبر تقديم طلب رسمي إلى حكومة وبرلمان إقليم كردستان لإزالة تمثال محمد الراوندوزي وإعادة النظر في إطلاق صفة ” البطل القومي ” عليه بما ينسجم مع مبادئ العدالة واحترام ذاكرة الضحايا.

إن المطلوب ليس الانتقام من التاريخ ولا محو الماضي بل تصحيح النظرة إليه فالأجيال القادمة من حقها أن تعرف التاريخ كما حدث بكل جوانبه وأن تدرك أن الشخصيات التي ارتبطت بالمجازر أو شاركت في حملات الإبادة لا يمكن أن تقدم كرموز مجمع عليها دون الاعتراف بمعاناة من كانوا ضحايا تلك الأحداث.

كما أن هذه القضية لا يمكن أن تكون مسؤولية المرجعية الدينية وحدها بل هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق جميع التنظيمات والمؤسسات الإيزيدية والمثقفين والكتاب والباحثين والمجاميع الشبابية ورؤساء العشائر والمختارين وكل من يحمل مسؤولية الدفاع عن الذاكرة والهوية الإيزيدية فحماية التاريخ ليست مهمة فردية بل مشروع جماعي لحفظ كرامة شعب وتجارب أجياله لذا على الجميع دعم هذا الطلب.

لقد عانى الأيزيديين عبر تاريخهم من عشرات الحملات الدموية التي تركت جروحاً عميقة في الوعي الجمعي وكان آخرها الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش عام 2014 ومن غير المنصف أن نطالب العالم بالاعتراف بجرائم الإبادة بحقنا بينما نبقى صامتين تجاه صفحات تاريخية أخرى يرى أبناء شعبنا أنها جزء من سلسلة طويلة من المآسي التي تعرضوا لها.

إن الشعوب لا تبني مستقبلها على النسيان بل على المصالحة مع الحقيقة .. والحقيقة لا تهدد أحداً بل تحمي الجميع فتكريم الضحايا لا يعني الإساءة إلى الآخرين وتصحيح التاريخ لا يعني العداء لشعب أو مكون وإنما يعني أن العدالة يجب أن تكون فوق الحسابات السياسية والقومية.

لقد آن الأوان لأن تكون للذاكرة الأيزيدية مكانتها وأن يسمع صوت الضحايا وأن تقرأ صفحات التاريخ بعيون العدالة لا بعيون المصالح فالشعوب التي تحترم تاريخها هي الشعوب التي تمتلك القدرة على بناء مستقبلها.

إنصاف الذاكرة الأيزيدية ليس مطلباً ضد أحد بل هو مطلب من أجل الحقيقة والعدالة والكرامة الإنسانية.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular