Homeاراءبمناسبة خطوبة القديسة فوزية امين سيدو والشاب الغيور صلاح حسن من اهالي...

بمناسبة خطوبة القديسة فوزية امين سيدو والشاب الغيور صلاح حسن من اهالي سنجار الجريحة: ب. د. خالد محمود خدر

مبروك لكما خطوبتكما المباركة.

مبروك لكما… يا من انتصرتما للحياة

 

مبروك لفوزية ،  القديسة الإيزيدية الناجية، ومبروك لصلاح ، الشاب الإيزيدي الذي اختار أن يكون صانعا مجددا للحياة لا شاهدا متفرجا  على الموت. 

مبروك لقلبين التقيا بعد أن حاولت قوى الظلام أن تحرمهما حتى من حق الحلم.

 

هكذا من قلب المأساة يولد الفجر، ومن بين الركام تنبت الورود، ومن أعماق الجراح ينهض الإنسان أكثر إشراقا. هكذا كانت حكاية فوزية، الطفلة الإيزيدية التي اختطفتها عصابات داعش الإرهابية يوم الثالث من آب عام 2014، ذلك اليوم الذي سيبقى وصمة عار في جبين كل من كان بإمكانه من بني البشر  واولهم كبار صانعي القرار ، ان يفعل شيئا  قريبا كان او بعيدا عن موقع الحدث ، ولكنه اختار غير ذلك ، حين تعرض أهل سنجار لجريمة إبادة جماعية لم تستهدف شعبا مسالما فحسب، بل استهدفت معنى الإنسان نفسه ، عندما غزا الدواعش منطقة سنجار الايزيدية  بغية إبادة اهلها على الهوية الدينية فقط .

 

وقتها كما اشرت كانت فوزية طفلة في التاسعة من عمرها، لم تكن تعرف من الدنيا سوى دفء حضن والدتها ، وابتسامة والدها ، وألعاب الطفولة البريئة وبعدها ما كانت تتلقاه في مدرستها من دروس أولية  في تعلم حروف أبجدية لم تسعفها في كتابة قصة مأساتها وهي بهذا العمر الطفولي. 

لكن طفولتها لم تشفع لها عند أيادي الظلام فاختطفتها من بين أحضان أهلها، لتبدأ رحلة طويلة من الأسر أو السبي بلغة الدواعش ، و لتبدأ معها رحلة عذاب ، بدا من حرمانها من حنان والديها لفترة  امتدت أكثر من  عشرة سنين ، وانتهت بتحريرها في قطاع غزة في فلسطين. وتبرز هنا مفارقة غريبة ، فالارهابي الذي سلبها حريتها ترك غزة ليتفرغ للنيل من طفولة “غزالة”. وهو الذي كان يُفترض به ، قبل أي شخص آخر، أن يعرف مرارة الاحتلال ومعنى الطفولة والحياة. إلا أنه اختار التخلي عن قضية وطنه فلسطين  ليشارك إرهابيي داعش في إبادة أهالي سنجارالايزيديين  وأطفالها، صاباً تركيزه على النيل من طفلة إيزيدية وقعت أسيرة سبية في يوم غادر جرت فيه منازلة غادرة وغير متكافئة بين الإرهاب والطفولة ، بين الوحشية و البراءة.

عشرة  سنوات من السبي  أرادها جلادوها أن تكون مقبرة لطفولتها ومحو لذاكرتها  كي تنسى اصلها وفصلها كما يقال، وتصبح رهينة امراضهم النفسية. فما أبشع أولئك الذين يعادون الطفولة ، ذلك ان الذي يخطف طفلا لا يختطف جسدا صغيرا فحسب، بل يحاول أن يسرق ضحكة الأرض ، وأن يطفئ شمعة المستقبل ، وأن يغتال البراءة التي أودعها الله في عيون الصغار. إن داعش لم تكن عدوا لدين أو لقومية أو لطائفة فحسب، بل كانت عدوا للحياة ذاتها، وعدوا للحب، وللأمومة، وللطفولة، وللشجرة حين تزهر، وللنهر حين يغني ، وللإنسان حين يحلم. كانوا يؤمنون بالموت أكثر مما يؤمنون بالحياة، ولذلك انتهوا إلى مزابل التاريخ، بينما بقيت الحياة تمضي في طريقها، تزرع الأمل كل صباح ، وجاء يوم نمت فيه الطفولة المختطفة ث ونضجت ، فأضحت شبابا ضاحكا للحياة  تتهيأ لعرس ملائكي تشاركه الارض والسماء ، ليولد باذن الله من رحمه جيلا جديدا يعوض عن ما ذهب قربانا لمحنة اهلها الازلية وإصرارهم على الحياة.

اليوم تقف فوزية شامخة، لا أسيرة للألم، بل شابة منفتحة على الحياة ، وناشطة تدافع عن النساء المضطهدات، وتمنح بصوتها القوة لكل من ظن أن الجراح لا تلتئم. لقد أثبتت أن الإنسان ليس بما أصابه، بل بما استطاع أن يصنعه بعد كل  ما أصابه.

ويأتي اليوم صلاح ابن سنجار، ليكتب معها فصلا جديدا من الحكاية ، حكاية لا تبدأ بالألم ، بل تنتهي إليه مهزوما. فليس الحب لقاء قلبين فقط، بل هو عهد بين روحين على أن يعيدا للحياة ما حاولت الكراهية أن تسلبه منها.

وكأن جبران خليل جبران كان يخاطب أمثالهما الطيبين حين قال: المحبة لا تعطي إلا ذاتها، ولا تأخذ إلا من ذاتها، وهي لا تملك شيئا ولا تريد أن يملكها أحد، لأن المحبة مكتفية بالمحبة.  نعم  فالحب الحقيقي لا يولد في حدائق الرفاه وحدها، بل كثيرا ما يولد فوق أنقاض الألم، ثم يحولها إلى بساتين.

وسبق أن قال جبران  أيضا: إن الحياة لا تظهر ثروتها إلا للمحبين.  

وها هي الحياة تكشف اليوم عن أجمل كنوزها، لأنها وجدت قلبين رفضا أن يستسلما للكراهية، واختارا أن يؤسسا بيتا يكون امتدادا للأمل وعنوانها له.

لقد أراد الإرهابيون أن تكون فوزية رقما في سجل الضحايا، فإذا بها تتحول إلى عنوان للصمود. وأرادوا أن يجعلوا من سنجار أرضا محروقة  من كل معاني الحياة من الانسان والشجر  ، فإذا بها تنجب كل يوم رجالا ونساء يعلمون العالم معنى الحياة ومعنى العيش بكرامة وبمحبة . وإذا كان الدواعش قد هدموا البيوت، لكنهم لم يستطيعوا هدم الإرادة. أحرقوا المجمعات السكنية و القرى ، لكنهم لم يتمكنوا من ان يحرقوا الإيمان بالحياة. قتلوا عشرات الآلاف، لكنهم عجزوا عن قتل الحب.

إن خطوبتكما اليوم ليست مناسبة اجتماعية فحسب، بل رسالة أخلاقية وإنسانية إلى العالم كله، تقول إن الحياة تنتصر مهما طال الليل، وإن الطفل الذي حاولت قوى الشر والوحشية أن تكسر روحه يستطيع أن يصبح إنسانا يصنع الأمل لنفسه ولغيره، وإن الحب هو أعظم أشكال المقاومة، لأنه يزرع حيث أرادوا الخراب ، ويبني حيث أرادوا الهدم، ويبتسم حيث أرادوا الدموع. وما اجمل زرع القلوب بالمحبة و ما اجمل بناء  القلوب قبل العمران والبلدانث ، وما اجمل الابتسامة على شفاه من عانى طويلا.

إن عرسكما القادم سيكون انتصارا لكل أم انتظرت أبناءها، ولكل أب حمل وجعه بصمت، ولكل طفل نجا من وحشية الإرهاب، ولكل امرأة رفضت أن تنكسر، ولكل إنسان يؤمن أن الله خلق الأرض لتكون موطنا للمحبة لا مستقرا للكراهية.

ألف مبروك لكما هذا الرباط الملائكي المقدس .

اتمنى ان تكون أيامكما القادمة حدائق من السكينة، وأن تعوضكما الحياة عن كل لحظة ألم عشتوها  بأعوام من الفرح في بيت يليق بكما ليضمكما عامرا بالمحبة والطمأنينة، وان ترزقا بأبناء يحملون رسالة الخير والسلام والمحبة بين الناس ، ويكبرون وهم يعرفون أن آباءهم انتصروا للحياة يوم ظن العالم أن الموت قد انتصر.

سيبقى عرسكما راية ترفرف فوق جبل سنجار، شاهدا على أن النور لا يهزم، وأن الإنسان، مهما أثخنته الجراح، يستطيع أن يولد من جديد. وسيبقى اسم فوزية وصلاح شاهدا على أن الحب أقوى من السبي، وأن الكرامة أقوى من السجون، وأن الحياة، كما قال جبران : لا تقف عند الأمس، بل تمضي دائما نحو فجر جديد. 

هنيئا لكما هذا الفجر الجديد وهذه الحياة الجديدة.

هنيئا لكما ، وهنيئا لسنجار، وهنيئا لكل إنسان ما زال يؤمن بأن الحب هو آخر انتصارات الإنسانية وأجملها.

وفي الختام، لا يسعني إلا إن اقدم كل الشكر والامتنان للأستاذ خدر ديرو الخانصوري، الذي كان سبّاقاً بنشر خبر خطوبة القديسة فوزية وصلاح على صفحته في الفيسبوك، ولم يبخل بمشاركتي تفاصيل إضافية ورابط صفحة القديسة فوزية الشخصية عبر الماسنجر،  ومنها جاءت  المعلومات التي شكلت محور هذا المقال وعنوانه.

تحية تقدير واعتزاز بالمناسبة  للأستاذ خدر، الذي حمل هموم أهله في سنجار وخارجها، متتبعاً شؤونهم وشجونهم، أحلامهم وأفراحهم، وكل ما ترتب على مأساة الإبادة. إن جهوده تجسد الإرادة الحية في تجاوز المحن، وحمل رايات المحبة والسلام نحو مستقبل يزدهر بالإعمار والأعراس. وها هما فوزية وصلاح، بخطوبتهما المباركة، يسبقان الذكرى السنوية الثانية عشرة لإبادة سنجار، ليوجهَا أقوى ردٍ يثبت انتصار الحياة واستمراريتها في وجه كل من أراد محوها من الوجود 

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular